← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قال أبو جعفر: فانتفى بذلك أن يكون عند أبي عوانة في هذا عن أبي إسحاق شيء. فإن قالوا: قد رواه قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق أيضا، كما رواه إسرائيل فذكروا في ذلك ما. ٣٩٨٥ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن الصلت الكوفي (ح) وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد: قالا ثنا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" (١). قيل لهم صدقتم، قد رواه قيس كما ذكرتم، وقيس - عندكم - دون إسرائيل، فإذا انتفى أن يكون إسرائيل مضادا لسفيان ولشعبة، كان قيس أحرى أن لا يكون مضادًا لهما. فإن قالوا: فإن بعض أصحاب سفيان قد رواه عن سفيان مرفوعا كما رواه إسرائيل وقيس. وذكروا في ذلك ما. ٣٩٨٦ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو كامل، قال: ثنا بشر بن منصور، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي" (٢).

стр. 2242

قيل لهم: قد صدقتم، قد روى هذا بشر بن منصور، عن سفيان كما ذكرتم، ولكنكم لا ترضون من خصمكم بمثل هذا أن احتجوا عليه بما رواه أصحاب سفيان أو أكثرهم عنه على معنى، ويحتج هو عليكم بما رواه بشر بن منصور، عن سفيان بما يخالف ذلك المعنى، وتعدون المحتج عليكم بمثل هذا جاهلا بالحديث، فكيف تسوغون لأنفسكم على مخالفكم ما لا تسوغونه عليكم؟ إن هذا الجور بين وما كلامي في هذا إرادة مني الإزراء على أحد ممن ذكرت، ولا أعد مثل هذا طعنا، ولكن أردت بيان ظلم هذا المحتج، وإلزامه من حجة نفسه ما ذكرت، ولكني أقول: إنه لو ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي" لم تكن فيه حجة لما قال الذين احتجوا به لقولهم في هذا الباب؛ لأنه قد يحتمل معاني. فيحتمل ما قال هذا المخالف لنا أن ذلك الولي هو أقرب العصبة إلى المرأة. ويحتمل أن يكون ذلك الولي من تولته المرأة من الرجال قريبا كان منها أو بعيدا. وهذا المذهب يصح به قول من يقول: لا يجوز للمرأة أن تتولى عقد نكاح نفسها، وإن أمرها وليها بذلك، ولا عقد نكاح غيرها، ولا يجوز أن يتولى ذلك إلا الرجال. وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مثل هذا ٣٩٨٧ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أنها أنكحت رجلا من

стр. 2243

بني أخيها جارية من بنات أخيها، فضربت بينهما بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا النكاح أمرت رجلا فأنكح، ثم قالت: "ليس إلى النساء النكاح" (١). ويحتمل أيضا أن يكون قوله: "لا نكاح إلا بولي" أن الولي هو الذي إليه ولاية البضع من والد الصغيرة، أو مولى الأمة، أو بالغة حرة بنفسها. فيكون ذلك على أنه ليس لأحد أن يعقد نكاحا على بضع إلا ولي ذلك البضع، وهذا جائز في اللغة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فقال قوم: ولي الحق هو الذي له الحق، فإذا كان من له الحق يسمى وليًا له، كان من له البضع أيضا يسمى وليا. فلما احتمل ما روينا عن رسول الله ﷺ من قوله: "لا نكاح إلا بولي" هذه التأويلات انتفى أن يصرف إلى بعضها دون بعض إلا بدلالة تدل على ذلك، إما من كتاب وإما من سنة، وإما من إجماع. واحتج الذين قالوا: "لا نكاح إلا بولي" لقولهم أيضا بما. ٣٩٨٨ - حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أخبرنا شريك (ح) وحدثنا فهد قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سماك بن حرب، عن ابن أخي معقل، عن معقل بن يسار أن أخته كانت تحت رجل فطلقها، ثم أراد أن يراجعها،

стр. 2244

فأبى عليه معقل، فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] (١). قالوا: فلما أمر الله تعالى وليها بترك عضلها دل ذلك أن إليه عقد نكاحها. وكان ذلك - عندنا - يحتمل ما قالوا ويحتمل غير ذلك يحتمل أن يكون عضل معقل كان تزهيده لأخته في المراجعة، فتقف عند ذلك، فأمر بترك ذلك. فلما لم يكن في هذه الآثار دليل على ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى نظرنا فيما سواها هل نجد فيه شيئا يدل على الحكم في هذا الباب كيف هو؟ ٣٩٨٩ - فإذا يونس قد حدثنا، قال أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" (٢).

стр. 2245

٣٩٩٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك … فذكر بإسناده مثله (١). ٣٩٩١ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير … فذكر بإسناده مثله (٢). قال أبو جعفر: فبين ذلك رسول الله ﷺ في هذا الحديث بقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" أن أمرها في تزويج نفسها إليها لا إلى وليها. وقد روي عن رسول الله ﷺ في هذا الباب ما يدل على هذا المعنى أيضا ٣٩٩٢ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة. (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح) وحدثنا ابن أبي داود أيضا، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، قالا: ثنا ثابت عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ بعد وفاة أبي سلمة، فخطبني إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله، إنه

стр. 2246

ليس أحد من أوليائي شاهدا، فقال: "إنه ليس منهم شاهد ولا غائب يكره ذلك". قالت: قم يا عمر، فزوج النبي ﷺ ، فتزوجها (١). قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ خطبها إلى نفسها، ففي ذلك دليل أن الأمر في التزويج إليها دون أوليائها، فلما قالت له: إنه ليس أحد من أوليائي شاهدا. قال: إنه ليس منهم شاهد ولا غائب يكره ذلك. فقالت: قم يا عمر، فزوج النبي ﵇. وعمر هذا ابنها، وهو يومئذ طفل صغير غير بالغ، لأنها قد قالت للنبي ﷺ في هذا الحديث: إني امرأة على أيتام - تعني عمر ابنها، وزينب بنتها - والطفل لا ولاية له، فولته هي أن يعقد النكاح عليها ففعل، فرآه النبي ﷺ جائزا، وكان عمر بتلك الوكالة قام مقام من وكله، فصارت أم سلمة كأنها هي عقدت النكاح على نفسها للنبي ﷺ . ولما لم ينتظر النبي ﷺ حضور أوليائها دل ذلك أن بضعها إليها دونهم. ولو كان لهم في ذلك حق، أو أمر، لما أقدم النبي ﷺ على حق هو لهم قبل إباحتهم ذلك له. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ كان أولى بكل مؤمن من نفسه.

стр. 2247

قيل له: صدقت، هو أولى به من نفسه، يطيعه في أكثر مما يطيع فيه نفسه، فأما أن يكون هو أولى به من نفسه في أن يعقد عليه عقدا بغير أمره، من بيع، أو نكاح، أو غير ذلك فلا، وإنما كان سبيله ﷺ كسبيل الحكام من بعده، ولو كان ذلك كذلك لكانت وكالة عمر إنما تكون من قبل النبي ﷺ ، لا من قبل أم سلمة، لأنه هو وليها. فلما لم يكن ذلك كذلك، وكانت الوكالة إنما كانت من قبل أم سلمة، فعقد بها النكاح، فقبله رسول الله ﷺ ، دل ذلك أن النبي ﷺ إنما كان ملك ذلك البضع بإذن أم سلمة إياه ﷺ لا بحق ولاية كانت له في يضعها. أولا ترى أنها قالت: إنه ليس أحد من أوليائي شاهدا، فقال لها النبي ﷺ : إنه ليس أحد منهم شاهد ولا غائب يكره ذلك، فلو كان هو أولى بها لم يقل لها ذلك، ولقال لها: "أنا وَليّك دونهم"، ولكنه لم ينكر ما قالت، وقال لها: إنهم لا يكرهون ذلك. فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. ولما ثبت أن عقد أم سلمة ﵂ النكاح على بضعها كان جائزا دون أوليائها، وجب أن يحمل معاني الآثار التي قدمنا ذكرها في هذا الباب على هذا المعنى أيضا، حتى لا يتضاد شيء منها ولا يتنافى ولا يختلف. وأما النظر في ذلك، فإنا قد رأينا المرأة قبل بلوغها، يجوز أمر والدها عليها في بضعها ومالها، فيكون العقد في ذلك كله إليه لا إليها، وحكمه في ذلك كله حكم واحد

стр. 2248

غير مختلف، فإذا بلغت فكل قد أجمع أن ولايته على مالها مرتفعة، وأن ما كان إليه من العقد عليها في مالها في صغرها قد عاد إليها. فالنظر على ذلك أن يكون كذلك العقد على بضعها يخرج ذلك من يد أبيها ببلوغها، فيكون ما كان إليه من ذلك قبل بلوغها قد عاد إليها ويستوي حكمها في مالها وفي بضعها بعد بلوغها، فيكون ذلك إليها دون أبيها، ويكون حكمها مستويا بعد بلوغها كما كان مستويا قبل بلوغها. فهذا حكم النظر في هذا الباب، وهذا قول أبي حنيفة ﵀ أيضا، إلا أنه كان يقول: إن زوجت المرأة نفسها من غير كفء فلوليها فسخ ذلك عليها، وكذلك إن قصرت في مهرها فتزوجت بدون مهر مثلها فلوليها أن يخاصم في ذلك، حتى يلحق بمهر مثل نسائها. وقد كان أبو يوسف رحمة الله عليه إذ كان يقول: إن بضع المرأة إليها الولاية في عقد النكاح عليه لنفسها دون وليها. يقول: إنه ليس للولي أن يعترض عليها في نقصان ما تزوجت عليه من مهر مثلها، ثم رجع عن قوله هذا كله إلى قول من قال: لا نكاح إلا بولي. وقوله الثاني هذا قول محمد بن الحسن رحمة الله تعالى عليه. والله أعلم بالصواب.

стр. 2249

٣ - : باب: الرجل يريد تزوج المرأة هل يحل له النظر إليها أم لا؟ ٣٩٩٣ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا أبو شهاب الحناط، عن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة، عن عمه سهل ابن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بنت الضحاك فوق إجّار لها ببصره طردا شديدا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها" (١). ٣٩٩٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن زهير بن معاوية قال: ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن أبي حميد، و قد كان رأى النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم

стр. 2250

امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخِطْبة، وإن كانت لا تعلم" (١). ٣٩٩٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة، فقدر على أن يرى منها ما يعجبه، فليفعل". قال جابر: فلقد خطبت امرأة من بني سلمة، فكنت أتخبأ في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني فخطبتها، فتزوجتها (٢). ٣٩٩٦ - حدثنا محمد بن النعمان السقطي، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يزيد بن كيسان اليشكري، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة

стр. 2251

من نساء الأنصار، فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها، فإن في أعين نساء الأنصار شيئا" يعني الصِّغَر (١). ٣٩٩٧ - حدثنا يزيد بن سنان، قال ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله المزني، أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (٢).

стр. 2252

٣٩٩٨ - حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال النبي ﷺ : "هل نظرت إليها؟ " فقلت: لا، قال: "فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (١). قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار إباحة النظر إلى وجه المرأة لمن أراد نكاحها، فذهب إلى ذلك قوم (٢). وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: لا يجوز ذلك لمن أراد نكاح المرأة، ولا لغير من أراد نكاحها إلا أن يكون زوجا لها أو ذا محرم منها. واحتجوا في ذلك بما ٣٩٩٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبي طفيل، عن علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي ﷺ قال له: "يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى، وليست لك الأخرة" (٤).

стр. 2253

٤٠٠٠ - حدثنا أبو العوام: محمد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب بن خالد، وأبو شهاب، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجاءة، قال: "اصرف بصرك" (١). ٤٠٠١ - حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن يونس … فذكر بإسناده مثله (٢). ٤٠٠٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن يونس … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 2254

٤٠٠٣ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال أخبرنا شريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، رفعه مثله. يعني أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الثانية" (١). ٤٠٠٤ - حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا علي بن قادم، قال: أخبرنا شريك، عن أبي ربيعة، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ : "النظرة الأولى لك، والآخرة عليك" (٢). قالوا: فلما حرم رسول الله ﷺ النظرة الثانية، لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وبين حكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل ذلك على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه المرأة إلا أن يكون بينه وبينها من النكاح أو الحرمة ما لا يحرم ذلك عليه منها.

стр. 2255

فكان من الحجة عليهم في ذلك لأهل المقالة الأولى أن الذي أباحه رسول الله ﷺ في الآثار الأول، هو النظر للخطبة لا لغير ذلك، فذلك نظر بسبب هو حلال. ألا ترى أن رجلا لو نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها ليشهد عليها، أو ليشهد لها أن ذلك جائز. فكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها، كان ذلك جائزا له أيضا. فأما المنهي عنه في حديث علي، وجرير، وبريدة رضي عنهم، فذلك النظر لغير الخطبة، ولغير ما هو حلال، فذلك مكروه محرم. وقد رأيناهم لا يختلفون في نظر الرجل إلى صدر الأمة إذا أراد أن يبتاعها أن ذلك جائز له حلال، لأنه إنما ينظر إلى ذلك منها ليبتاعها لا لغير ذلك، ولو نظر إلى ذلك منها، لا ليبتاعها، ولكن لغير ذلك كان ذلك عليه حراما. فكذلك نظره إلى وجه المرأة إن كان فعل ذلك لمعنى هو حلال، فذلك غير مكروه له، وإن كان فعله لمعنى هو عليه حرام، فذلك مكروه له، وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال، خرج بذلك حكمه من حكم العورة، ولأنا رأينا ما هو عورة لا يباح لمن أراد نكاحها النظر له إلى ذلك. ألا ترى أن من أراد نكاح امرأة فحرام عليه النظر إلى شعرها، وإلى صدرها، وإلى ما أسفل من ذلك من بدنها كما يحرم ذلك منها على من لم يرد نكاحها.

стр. 2256

فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها ثبت أنه حلال أيضا لمن لم يرد نكاحها، إذا كان لا يقصد بنظره ذلك لمعنى هو عليه حرام. وقد قيل في قول الله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]: إن ذلك المستثنى هو الوجه والكفان، فقد وافق ما ذكرنا من حديث رسول الله ﷺ هذا التأويل. وممن ذهب إلى هذا التأويل محمد بن الحسن رحمة الله عليه. كما حدثنا بذلك سليمان بن شعيب عن أبيه، عن محمد. وهذا كله قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵏.

стр. 2257

٤ - باب التزويج على سورة من القرآن ٤٠٠٥ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أعطيتها إياه، جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا"، فقال: لا أجد شيئا. قال: "فالتمس ولو خاتما من حديد". قال: فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ : "هل معك من القرآن شيء؟ " فقال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، لسور سماها. فقال له رسول الله ﷺ : "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (١). ٤٠٠٦ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل، عن النبي ﷺ … مثله، غير أنه قال: "قد أنكحتك مع ما معك من القرآن" (٢).

стр. 2258

٤٠٠٧ - حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: ثنا هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل، عن النبي ﷺ … مثله (١). قال الليث: لا يجوز هذا بعد رسول الله ﷺ أن يزوج بالقرآن. قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن التزويج على سورة من القرآن مسماة جائز، وقالوا: معنى ذلك على أن يعلمها تلك السورة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: من تزوج على ذلك، فالنكاح جائز، وهو في حكم من لم يسم مهرًا، فلها مهر مثلها، إن دخل بها، أو ماتا، أو مات أحدهما، وإن طلقها قبل أن يدخل بها، فلها المتعة.

стр. 2259

وكان من الحجة لهم في ذلك على أهل المقالة الأولى أن الذي في حديث سهل من قول رسول الله ﷺ : "قد زوجتكها على ما معك من القرآن"، إن حمل ذلك على الظاهر. وكذلك مذهب أهل المقالة الأولى في غير هذا، فذلك على السورة، لا على تعليمها، وإن كان ذلك على السورة فهو على حرمتها وليست من المهر في شيء كما تزوج أبو طلحة أم سليم على إسلامه. ٤٠٠٨ - حدثنا بذلك ابن أبي داود، قال: ثنا الخطاب بن عثمان الفوزي، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن عتبة بن حميد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة تزوج أم سليم على إسلامه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فحسنه (١). فلم يكن ذلك الإسلام مهرًا في الحقيقة، وإنما معنى تزوجها على إسلامه أي: تزوجها لإسلامه، وقد زاد بعضهم في حديث أنس هذا: قال أنس: والله ما كان لها مهر غيره. فمعنى ذلك عندنا - والله أعلم -، أي: ما أرادت منه مهرًا غيره. فكذلك معنى حديث سهل في المرأة التي ذكرنا.

стр. 2260

ومن الحجة لأهل هذه المقالة على أهل المقالة الأولى أن رسول الله ﷺ قد نهى أن يؤكل بالقرآن، أو يتعوض بالقرآن شيئًا من أمور الدنيا. ٤٠٠٩ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو عاصم، قال أخبرنا مغيرة بن زياد، قال: أخبرني عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة قال: كنت أعلم ناسا أهل الصفة القرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسا على أن أقبلها في سبيل الله، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "إن أردت أن يطوقك الله بها طوقا من النار، فاقبلها" (١). ٤٠١٠ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به" (٢).

стр. 2261

٤٠١١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى قال ابن خزيمة في حديثه، عن زيد، وقال ابن أبي داود: قال: ثنا زيد ثم اجتمعا جميعا فقالا: عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله ﷺ قال: "اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تأكلوا به" (١). قال أبو جعفر: فحظر عليهم رسول الله ﷺ أن يتعوضوا بالقرآن شيئا من عرض الدنيا. فعارض ذلك بما حمل عليه المخالف معنى الحديث الأول، لو ثبت أن معناه كذلك، ولم يثبت ذلك إذا كان يحتمل تأويله ما وصفنا. وقد يحتمل أيضا معنى آخر، وهو أن الله أباح لرسوله ﷺ ملك البضع بغير صداق، ولم يجعل ذلك لأحد غيره، قال الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فاحتمل أن يكون قد كان مما خصه الله به من ذلك أن يملك غيره ما كان له ملكه بغير صداق، فيكون ذلك خاصا للنبي ﷺ كما قال الليث.

стр. 2262

ومما يدل على ذلك أيضا أنها قالت لرسول الله ﷺ : قد وهبت نفسي لك. فقام إليه ذلك الرجل فقال له: إن لم تكن لك بها حاجة، فزوجنيها. فكان هذا ما ذكر في ذلك الحديث، ولم يذكر فيه أن رسول الله ﷺ شاورها في نفسها، ولا أنها قالت له: زوجني منه. فدل ذلك إذ كان تزويجه إياها منه لا بقول ثان به بعد قولها: قد وهبت نفسي لك، وإنما هو لقولها الأول فلم تكن قالت له، قد جعلت لك أن تهبني لمن شئت بالهبة التي لا توجب مهرًا جاز النكاح، وقد أجمعوا أن الهبة خالصة لرسول الله ﷺ لما ذكرنا من اخلاص الله تعالى إياه بها دون المؤمنين. غير أن قوما قالوا: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي: بلا مهر، وجعلوا الهبة نكاحا لغيره يوجب المهر. وقال آخرون: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي أن الهبة تكون لك نكاحا، ولا تكون نكاحا لغيرك. فلما كانت المرأة المذكور أمرها في حديث سهل منكوحة بهبتها نفسها للنبي ﷺ على ما ذكرنا، ثبت أن ذلك النكاح خاص له كما قال الذين ذهبوا إلى ذلك. فإن قال قائل: فقد يجوز أن يكون مع ما ذكر في الحديث سؤال من رسول الله ﷺ لها أن يزوجها منه، وإن كان ذلك لم ينقل إلينا في ذلك الحديث.

стр. 2263

قيل له: وكذلك يحتمل أيضا أن يكون النبي ﷺ ، قد جعل لها مهرًا غير السورة، وإن كان ذلك لم ينقل إلينا في الحديث، فإن حملت الحديث على ظاهره على ما تذهب إليه أنت لزمك ما ذكرنا من أن ذلك النكاح كان بالهبة التي وصفنا. وإن حملت ذلك على التأويل على ما وصفت فلغيرك أيضا أن يحمله أيضا من التأويل على ما ذكرنا، ثم لا تكون أنت بتأويلك أولى منه بتأويله. فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا قد رأينا النكاح إذا وقع على مهر مجهول لم يثبت المهر، ورد حكم المهر إلى حكم من لم يسم لها مهرًا، فاحتيج إلى أن يكون المهر معلوما كما تكون الأثمان في البياعات معلومة، وكما تكون الأجرة في الإجارات معلومة. وكان الأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها بدرهم، أن ذلك لا يجوز. وكذلك لو استأجره على أن يعلمه شعرا بعينه بدرهم كان ذلك غير جائز أيضا، لأن الإجارات لا تجوز إلا على أحد معنيين: إما على عمل بعينه، مثل غسل ثوب بعينه، أو على خياطته، أو على وقت معلوم لا بد له فيها من أن يكون الوقت معلوما، أو العمل معلوما. وكان إذا استأجره على تعليم سورة، فتلك إجارة لا على وقت معلوم، ولا على عمل معلوم، إنما استأجره على أن يعلمه ذلك، وقد يتعلم بقليل التعليم وبكثيره، وفي قليل الأوقات وكثيرها.

стр. 2264

وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن، لم يجز ذلك للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. فلما كان ذلك كذلك في الإجارات والبياعات، وقد وصفنا أن المهر لا يجوز على أموال ولا على منافع إلا على ما يجوز عليه البيع والإجارة من ذلك، وكان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال، ثبت بالنظر على ذلك أن لا يملك به الأبضاع. فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.

стр. 2265

٥ - باب: الرجل يعتق أمته على أن عتقها صداقها ٤٠١٢ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، وحماد بن زيد، قالا: ثنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ : أعتق صفية وجعل عتقها صداقها (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها، جاز ذلك، فإن تزوجته فلا مهر لها غير العتاق. وممن قال بهذا القول، سفيان الثوري، وأبو يوسف رحمهما الله. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: ليس لأحد غير رسول الله ﷺ أن يفعل هذا فيتم له النكاح بغير صداق سوى العتاق وإنما كان ذلك لرسول الله

стр. 2266

ﷺ خاصا، لأن الله جعل له أن يتزوج بغير صداق، ولم يجعل ذلك لأحد من المؤمنين غيره، قال الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. قالو: فلما أباح الله لنبيه أن يتزوج بغير صداق كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق. ومن لم يبح الله له أن يتزوج على غير صداق لم يكن له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، لأن العتاق ليس بمال. وممن قال بهذا القول أبو حنيفة، وزفر، ومحمد ﵏. ومن الحجة لهم في ذلك ما قد روي أن عبد الله بن عمر ﵄، قد روى عن رسول الله ﷺ أنه فعل في جويرية، مثل ما روى عنه أنس أنه فعله في صفية. ٤٠١٣ - حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ابن عون قال: كتب إلي نافع أن النبي ﷺ أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها (١). أخبرني بذلك عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.

стр. 2267

قال أبو جعفر: فقد روى هذا ابن عمر عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا ثم قال: هو من بعد النبي ﷺ في مثل هذا: أنه يجدد لها صداقًا. ٤٠١٤ - حدثنا بذلك سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر … مثل ذلك (١). قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن عمر ﵄، قد ذهب إلى أن الحكم في ذلك بعد رسول الله ﷺ على غير ما كان لرسول الله ﷺ . فيحتمل أن يكون ذلك سماعا سمعه من رسول الله ﷺ . ويحتمل أن يكون دله على ذلك المعنى الذي استدللنا به نحن على خصوصية رسول الله ﷺ في ذلك، بما وصفنا دون الناس. ثم نظرنا في عتاق رسول الله ﷺ جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها كيف كان؟ ٤٠١٥ - فإذا ربيع المؤذن قد حدثنا، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكريا - هو ابن أبي زائدة -، قال ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: لما أصاب رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على

стр. 2268

نفسها قالت وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فوالله ما هي إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته، فجئت رسول الله أستعينه على كتابتي، قال: "فهل لك في خير من ذلك" قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم قال: "فقد فعلت". وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا: صهر رسول الله ﷺ ، فأرسلوا ما في أيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها (١). قال أبو جعفر: فبينت عائشة رضي الله تعالى عنها العتاق الذي ذكره عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ تزوجها عليه، وجعله مهرها كيف هو؟ وأنه إنما هو أداؤه عنها مكاتبتها إلى الذي كاتبها لتعتق بذلك الأداء.

стр. 2269

ثم كان ذلك العتاق الذي وجب بأداء رسول الله ﷺ المكاتبة إلى الذي كاتبها مهرًا لها عن رسول الله ﷺ على ما في حديث ابن عمر ﵄. وليس هذا لأحد غير رسول الله ﷺ أن يدفع عن مكاتبة كتابتها إلى مولاها على أن تعتق بأدائه ذلك عنها، ويكون ذلك العتاق مهرًا لها من قبل الذي أدى عنها مكاتبتها، وتكون بذلك زوجة له. فلما كان لرسول الله ﷺ أن يجعل هذا مهرًا على أن ذلك خاص له دون أمته كان له أن يجعل العتاق الذي تولاه هو أيضا مهرًا لمن أعتقه، على أن ذلك خاص له دون أمته. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر فإن أبا يوسف رحمة الله عليه قال: النظر - عندي - في هذا أن يكون العتاق مهرًا للمعتقة عليه ليس لها معه غيره. وذلك أنا رأيناها إذا وقع العناق على أن تزوجه نفسها، ثم أبت التزويج أن عليها أن تسعى في قيمتها. قال: فما كان يجب عليها أن تسعى فيه إذا أبت التزويج يكون مهرًا لها إذا أجابت إلى التزويج. قال: وإن طلقها بعد ذلك قبل أن يدخل بها كان عليها أن تسعى له في نصف قيمتها. وقد روي هذا أيضا عن الحسن. ٤٠١٦ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث، عن الحسن في رجل أعتق أمته، وجعل عتقها صداقها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها قال: "عليها أن تسعى له في نصف قيمتها" (١).

стр. 2270

وكان من الحجة على أبي يوسف في هذا، أن ما ذكره من وجوب السعاية عليها إذا أبت في قيمتها، قد قاله أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن رحمهما الله فما لزمهما من ذلك في قولها إذا أجابت إلى التزويج فهو لازم لهما. وأما زفر فكان يقول: لا سعاية عليها وإن أبت، لأنه وإن كان شرط عليها النكاح في أصل العتاق، فإنما شرط ذلك عليها ببدل شرطه لها على نفسه وهو الصداق الذي يجب لها في قوله: إذا أجابت، فكان العتاق واقعا عليها لا ببدل، والنكاح المشروط عليها له بدل غير العتاق. فصار ذلك كرجل أعتق عبده على أن يخدمه سنة بألف درهم، فقبل ذلك العبد ثم أبى أن يخدمه فلا شيء له عليه، لأنه لو خدمه لكان يستحق ذلك باستخدامه إياه أجرا بدلا من الخدمة. فكذلك إذا كان من قول زفر في الأمة المعتقة على التزويج أنها إذا أجابت إلى التزويج وجب لها مهر بدلا من بضعها، فإذا أبت لم يجب عليها بدل من رقبتها، لأن رقبتها عتقت لا ببدل، واشترط عليها نكاح ببدل، ولا يثبت البدل من النكاح إلا بثبوت النكاح، كما لا يثبت البدل من الخدمة إلا بثبوت الخدمة. فليس بطلانهما ولا بطلان واحد منهما بموجب في العتاق الذي وقع على غير شيء بدلا. فهذا هو النظر في هذا الباب كما قال زفر، لا كما قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏.

стр. 2271

وقد كان أيوب السختياني، يذهب في تزويج رسول الله ﷺ صفية على عتقها إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، وزفر، ومحمد ﵏. ٤٠١٧ - حدثنا ابن أبي داود (١)، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، قال: أعتق هشام بن حسان أم ولد له وجعل عتقها صداقها، فذكرت ذلك لأيوب فقال: لو كانت أبت عتقها؟ فقلت: أليس النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها؟ فقال: لو أن امرأة وهبت نفسها للنبي ﷺ كان ذلك له (٢). فأخبرت بذلك هشاما، فأبت عتقها وتزوجها، فأصدقها أربعمائة درهم. فإن قال قائل: قد رأيت الرجل يعتق أمته على مال، وتقبل ذلك منه، فتكون حرة، ويجب له عليها المال، فما تنكر أن يكون إذا أعتقها على أن عتقها صداقها، فقبلت ذلك منه أن تكون حرة، ويجب له ذلك المال عليها؟. قيل له أنه إذا أعتقها على مال، فقبلت ذلك منه، وجب لها عليه العتاق، ووجب له عليها المال، فوجب لكل واحد منهما بذلك العقد الذي تعاقدا بينهما شيء أوجبه له ذلك العقد لم يكن مالكا له قبل ذلك العقد وإذا أعتقها على أن عتقها صداقها فقد ملكها رقبتها، على أن ملكته بضعها، فملكها رقبة هو لها مالك، ولم تكن هي مالكة لها قبل ذلك على أن ملكته بضعها وهو له مالك قبل ذلك، فلم تملكه بذلك العتاق شيئا، لم يكن مالكا له قبله إنما ملكته بعض ما قد كان له.

стр. 2272

فلذلك لم يجب له عليها بذلك العتاق شيء، ولم يكن ذلك العتاق لها صداقا. هذه حجة على من يقول: تكون زوجته بالعتاق الذي هو لها صداق. فأما من قال: لا تكون زوجته إلا بنكاح مستأنف بعد العتاق، والصداق له واجب عليها بالعتاق، وبتزويجها عليه متى أحب. فإن الحجة عليه في ذلك أن يقال له: أفلمعتقها أن يأخذها بغرم ذلك الصداق الذي قد وجب له عليها بالعتاق. فإن قال: له أن يأخذها به خرج من قول أهل العلم جميعا. وإن قال: ليس له أن يأخذها به، قيل له: فما الصداق الذي أوجبه عليها العتاق أمال هو أم غير مال؟ فإن كان مالا فله أن يأخذها بما له عليها من المال متى أحب، وإن كان غير مال فليس له أن يتزوجها على غير مال. فثبت بما ذكرنا فساد هذا القول أيضا، والله تعالى أعلم.

стр. 2273

٦ - باب: نكاح المتعة ٤٠١٨ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الوليد بن القاسم بن الوليد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل، ثم قرأ هذه الآية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] (١). ٤٠١٩ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير، يخطب وهو يعرض بابن عباس يعيب عليه قوله في المتعة. فقال ابن عباس: "يسأل أمه إن كان صادقا"، فسألها، فقالت صدق ابن عباس، قد كان ذلك. فقال ابن عباس: لو شئت لسميت رجالا من قريش ولدوا منها (٢).

стр. 2274

٤٠٢٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد، عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ أتاهم فأذن لهم في المتعة (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى هذه الآثار فقالوا: لا بأس أن يتمتع الرجل من المرأة أياما معلومة بشيء معلوم فإذا مضت تلك الأيام حرمت عليه لا بطلاق. ولكن بانقضاء المدة التي كانا تعاقدا على المتعة فيها، ولا يتوارثان بذلك في قولهم. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: لا يجوز هذا النكاح. واحتجوا بأن الآثار التي احتج بها عليهم أهل المقالة الأولى قد كانت، ثم نسخت بعد ذلك، وأن رسول الله ﷺ قد نهى عن المتعة.

стр. 2275

وذكروا ما قد روي عن رسول الله ﷺ من نهيه عنها مما لم يذكر فيها النسخ ما قد. ٤٠٢١ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد بن علي أخبراه أن أباهما كان أخبرهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: إنك رجل تابه، إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء (١). ٤٠٢٢ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني يونس، وأسامة، ومالك، عن ابن شهاب … فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل: إنك رجل تابه (٢). ٤٠٢٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما أن عليا مر بابن عباس وهو يفتي بالمتعة: متعة النساء أنه لا بأس بها. فقال له علي

стр. 2276

﵁: قد نهى عنها رسول الله ﷺ ، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (١). ٤٠٢٤ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد العمري، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن رجلا سأل عبد الله بن عمر ﵄ عن المتعة؟ فقال: حرام. قال: فإن فلانا يقول فيها: قال: والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر وما كنا مسافحين (٢). قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار النهي من رسول الله ﷺ عن المتعة. فاحتمل أن يكون ما ذكرنا عن رسول الله ﷺ من الإذن فيها، كان ذلك منه قبل النهي، ثم نهى عنها فكان ذلك النهي ناسخا لما كان من الإباحة قبل ذلك. فنظرنا في ذلك. ٤٠٢٥ - فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا أنس بن عياض عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة في حجة الوداع، فأذن لنا في المتعة، فانطلقت أنا وصاحب لي إلى امرأة من

стр. 2277

بني عامر، كأنها بكرة عيطاء (١)، فعرضنا عليها أنفسنا. فقالت: ما تعطيني؟ قلت: ردائي، وقال صاحبي: ردائي، وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: إنك ورداؤك يكفيني. فمكثت معها ثلاثة أيام. ثم إن رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده شيء من هذه النساء اللتي يتمتع بهن، فليخل سبيلها" (٢). ٤٠٢٦ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه … مثله (٣). ٤٠٢٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن الزهري، أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم الفتح، فقلت: ممن

стр. 2278

سمعته؟ فقال: حدثني رجل عن أبيه، عن رسول الله ﷺ عند عمر بن عبد العزيز وزعم معمر أنه الربيع بن سبرة (١). ٤٠٢٨ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد العزيز بن عمر - هو ابن عبد العزيز -، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، أن النبي ﷺ رخص في المتعة، فتزوج رجل امرأة، فلما كان بعد ذلك إذا هو يحرمها أشد التحريم، ويقول فيها أشد القول (٢). ٤٠٢٩ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا أبو عميس، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: أذن رسول الله ﷺ في متعة النساء، ثم نهى عنها (٣).

стр. 2279

٤٠٣٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فنزل ثنية الوداع، فرأى مصابيح ونساء يبكين فقال: ما هذا؟ فقيل: نساء تمتع بهن أزواجهن وفارقوهن، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم أو أهدر المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث" (١). قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار تحريم رسول الله ﷺ المتعة بعد إذنه فيها وإباحته إياها. فثبت بما ذكرنا نسخ ما في الآثار الأول التي ذكرناها في أول هذا الباب. ثم قد روي عن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم النهي عنها. ٤٠٣١ - حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة، ولولا نهي عمر بن الخطاب ﵁ عنها ما زنى إلا شقي. قال عطاء: كأني أسمعها من ابن عباس: إلا شقي (٢).

стр. 2280

٤٠٣٢ - حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي ذر ﵁ قال: إنما كانت متعة النساء لنا خاصة (١). ٤٠٣٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر: أنهم كانوا يتمتعون من النساء، حتى نهاهم عمر (٢). ٤٠٣٤ - حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، فقال مولى له: إنما كان ذلك في الغزو، والنساء قليل، فقال ابن عباس ﵄: "صدقت" (٣).
следующие страницы →