← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فقد يجوز أن يكون ذلك كان على الخوف منهم عليهم في النهبة، لا لغير ذلك. ٤١٥٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المسعودي، عن القاسم، أنه كان يستحب أن يوضع السكر في الاملاك ويكره أن ينثر (١). ٤١٥٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن حصين، عن عكرمة: أنه كرهه (٢). ٤١٥٥ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا علي بن الجعد قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: "كنت أمشي بين إبراهيم والشعبي، فتذاكرا إنثار العرس، فكرهه إبراهيم، ولم يكرهه الشعبي" (٣). فقد يجوز أن يكون إبراهيم كره ذلك من أجل ما ذكرنا من خوف العطب على المنتهبين. فنظرنا في ذلك فإذا ٤١٥٦ - صالح بن عبد الرحمن قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة عن إبراهيم في النهاب في العرس قال: كانوا يأخذونه للصبيان (٤).

стр. 2347

فدل ما روي عن إبراهيم في هذا، مع ذكره عمن كان قبله ممن يقتدى به من أنهم كانوا يأخذونه للصبيان في هذا الحديث أن كراهته له في الباب الأول ليس من جهة تحريمه، ولكن من جهة ما ذكرناه ٤١٥٧ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، أنه كان لا يرى بذلك بأسا (١). ٤١٥٨ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن أشعث، عن الحسن قال: لا بأس بانتهاب الجوز (٢). وقال محمد بن سيرين: يعطون في أيديهم، وما فيه الإباحة من هذه الآثار -عندنا - أوجه في النظر، مما فيه الكراهية، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ﵀.

стр. 2348

٨ - كتاب الطلاق ١ - باب: الرجل يطلق امرأته وهي حائض، ثم يريد أن يطلقها للسنة، متى يكون له ذلك؟ ٤١٥٩ - حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير قال: سمعت عبد الرحمن بن أيمن يسأل عبد الله بن عمر، عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال: فعل ذلك عبد الله بن عمر. فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "مره فليراجعها حتى تطهر، ثم يطلقها" قال: ثم تلا ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي في قبل عدتهن (١). ٤١٦٠ - حدثنا فهد قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سالم عن ابن عمر ﵄، أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر ﵁ النبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل" (٢).

стр. 2349

٤١٦١ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال طلقت امرأتي وهي حائض، فردها عليّ رسول الله ﷺ حتى طلقتها، وهي طاهرة (١). ٤١٦٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر … ثم ذكر بإسناده مثله (٢). ٤١٦٣ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن يونس بن جبير، قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: هل تعرف عبد الله بن عمر؟ قلت. نعم قال: فإنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها" (٣). قلت: وتعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه أرأيت إن عجز واستحمق؟ ولم يذكر أبو بكرة في حديثه هذا غير ما ذكرناه.

стр. 2350

٤١٦٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني أنس بن سيرين، قال: سمعت ابن عمر يقول: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها" فقيل: أيحتسب بها؟ قال: فمه (١). ٤١٦٥ - حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي قال: ثنا زهير بن معاوية قال: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر كيف صنعت في امرأتك التي طلقت؟ قال: طلقتها وهي حائض، فذكرت ذلك لعمر فأتى عمر رسول الله ﷺ فسأله، فقال: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها عند طهر" قال: فقلت: جعلت فداك، اعتدت بالطلاق الأول؟ قال: وما يمنعني وإن كنت أسأت واستحمقت (٢).

стр. 2351

٤١٦٦ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، قال: حدثني يونس هو ابن جبير، قال: سألت عبد الله بن عمر، قلت: رجل طلق امرأته وهي حائض؟ قال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ فقلت: نعم قال: فإن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ ، فسأله "فأمره النبي ﷺ أن يراجعها، ثم يطلقها في قبل عدتها" (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذه الآثار (٢)، فقالوا: من طلق امرأته وهي حائض فقد أثم، وينبغي له أن يراجعها، لأن طلاقه ذلك طلاق خطأ، فإن تركها تمضي العدة، بانت منه بطلاق خطأ، ولكنه يؤمر أن يراجعها ليخرجها بذلك من أسباب الطلاق الخطأ، ثم يتركها حتى تطهر من هذه الحيضة، ثم يطلقها طلاقا صوابا، فتمضي في عدة من طلاق صواب فإن شاء راجعها فكانت امرأته، وبطلت العدة، وإن شاء تركها حتى تبين منه بطلاق صواب. وهذا قول أبي حنيفة رحمة الله عليه.

стр. 2352

وخالفهم في ذلك آخرون (١)، منهم أبو يوسف رحمة الله عليه، فزعموا أنه إذا طلقها حائضا لم يكن له بعد ذلك أن يطلقها حتى تطهر من هذه الحيضة، ثم تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر منها. وعارضوا الآثار التي رويناها في موافقة القول الأول بما ٤١٦٧ - حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ عليه رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : "ليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله" (٢). ٤١٦٨ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو صالح … فذكر بإسناده مثله (٣). ٤١٦٩ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل

стр. 2353

عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (١) ٤١٧٠ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك … فذكر بإسناده مثله. غير أنه قال: ثم يتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق (٢). ٤١٧١ - حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، وعبيد الله (ح) وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد، عن أيوب، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … مثله (٣).

стр. 2354

٤١٧٢ - حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، قال أخبرني يحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، عن نافع، أن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ … ثم ذكر مثله. وزاد: قبل أن يجامعها (١). ٤١٧٣ - حدثنا فهد وحسين بن نصر، قالا: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني نافع، أن عبد الله بن عمر … ثم ذكر مثله (٢). فقد أخبر سالم، ونافع، عن ابن عمر في هذه الآثار أن رسول الله ﷺ أمره أن يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر. فزاد ذلك على ما في الآثار الأول، فهو أولى منها. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا وجدنا الأصل في ذلك أن الرجل نهي أن يطلق امرأته حائضا، ونهي أن يطلقها في طهر قد جامعها فيه، فكان قد نهي عن الطلاق في الطهر الذي قد جامعها فيه، كما نهي عن الطلاق في الحيض.

стр. 2355

ثم رأيناهم لا يختلفون في رجل جامع امرأته حائضا، ثم أراد أن يطلقها للسنة أنه ذلك ممنوع عن حتى تطهر من هذه الحيضة التي كان الجماع فيها، ومن حيضة أخرى بعدها، وجعل جماعه إياها في الحيضة، كجماعه إياها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة. فلما كان حكم الطهر الذي بعد كل حيضة كحكم نفس الحيضة في وقوع الطلاق في الجماع في ذلك، وكان من جامع امرأته وهي حائض فليس له أن يطلقها بعد ذلك حتى يكون بين ذلك الجماع وبين الطلاق الذي يوقعه حيضة كاملة مستقبلة. كان كذلك في النظر أنه إذا طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد بعد ذلك أن يطلقها، لم يكن له ذلك حتى يكون بين طلاقه الأول الذي كان طلقها إياه وبين طلاقه إياها الثاني حيضةً مستقبلة. فهذا وجه النظر -عندنا- في هذا الباب مع موافقة الآثار، وهو قول أبي يوسف ﵀. وفي منع النبي ﷺ ابن عمر أن يطلق امرأته بعد الطلاق الأول حتى تكون بعد ذلك حيضة مستقبلة، فيكون بين التطليقتين حيضة مستقبلة، دليل أن حكم طلاق السنة أن لا يجمع منه تطليقتان في طهر واحد. فافهم ذلك، فإنه قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵏

стр. 2356

٢ - باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا ٤١٧٤ - حدثنا روح بن الفرج، قال ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: "نعم" (١).

стр. 2357

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا، فقد وقعت عليها واحدة إذا كانت في وقت سنة، وذلك أن تكون طاهرا من غير جماع. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لما كان الله إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة، فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم.

стр. 2358

وقالوا: ألا ترون أن رجلا لو أمر رجلا أن يطلق امرأته في وقت فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع إذ كان قد خالف ما أمر به. قالوا: فكذلك الطلاق الذي أمر به العباد، فإذا أوقعو كما أمروا به وقع، وإذا أوقعوه على خلاف ذلك لم يقع. وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم (١)، فقالوا: الذي أمر به العباد من إيقاع الطلاق فهو كما ذكرتم إذا كانت المرأة طاهرا من غير جماع، أو كانت حاملا، وأمروا بتفريق الثلاث إذا أرادوا إيقاعهن، ولا يوقعهن معا. فإذا خالفوا ذلك فطلقوا في الوقت الذي لا ينبغى لهم أن يطلقوا فيه، وأوقعوا الطلاق أكثر مما أمروا بإيقاعه لزمهم ما أوقعوا من ذلك، وهم آثمون في تعديهم ما أمرهم الله به. وليس ذلك كالوكالات، لأن الوكلاء إنما يفعلون ذلك للموكلين، فيحلون في أفعالهم تلك محلهم فإن فعلوا ذلك كما أمروا به لزم، وإن فعلوا ذلك على غير ما أمروا به لم يلزم.

стр. 2359

والعباد في طلاقهم إنما يفعلونه لأنفسهم لا لغيرهم، ولا يحلون في فعلهم ذلك محل غيرهم، فيراد منهم في ذلك إصابة ما أمرهم به الذين يحلون في فعلهم ذلك محله. فلما كان ذلك كذلك لزمهم ما فعلوا، وإن كان ذلك مما قد نهوا عنه، لأنا قد رأينا أشياء مما قد نهى الله تعالى العباد عن فعلها أوجب عليهم إذا فعلوها أحكاما، من ذلك: أنه نهاهم عن الظهار، ووصفه بأنه منكر من القول وزور، ولم يمنع ما كان كذلك أن تحرم به المرأة على زوجها، حتى يفعل ما أمره الله تعالى به من الكفارة. فلما رأينا الظهار قولا منكرا وزورا، وقد لزمت به حرمة، كان كذلك الطلاق المنهي عنه، هو منكر من القول وزور والحرمة به واجبة. وقد رأينا رسول الله ﷺ لما سأله عمر بن الخطاب ﵁ عن طلاق عبد الله امرأته وهي حائض أمره بمراجعتها، وتواترت عنه بذلك الآثار، وقد ذكرتها في الباب الأول ولا يجوز أن يؤمر بالمراجعة من لم يقع طلاقه. فلما كان النبي ﷺ قد ألزمه الطلاق في الحيض، وهو وقت لا يحل إيقاع الطلاق فيه، كان كذلك من طلق امرأته ثلاثا، فأوقع كل الطلاق في وقت بعضه دون ما بقي منه لزمه من ذلك ما ألزم نفسه، وإن كان قد فعله على خلاف ما أمر به. فهذا هو النظر في هذا الباب. وفي حديث ابن عباس ﵄ ما لو اكتفينا به لكان حجة قاطعة، وذلك أنه قال: فلما كان زمان عمر ﵁ قال: أيها الناس، قد كان لكم في الطلاق أناة وإنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه.

стр. 2360

٤١٧٥ - حدثنا بذلك ابن أبي عمران، قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: أخبرنا عبد الرزاق (ح) وحدثنا عبد الحميد بن عبد العزيز، قال: ثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس … مثل الحديث الذي ذكرناه في أول هذا الباب (١). غير أنهما لم يذكرا أبا الصهباء ولا سؤاله ابن عباس ﵄، وإنهما ذكرا مثل جواب ابن عباس ﵄ الذي في ذلك الحديث، وذكرا بعد ذلك من كلام عمر رضي ﵁، ما قد ذكرناه قبل هذا الحديث. فخاطب عمر ﵁ بذلك الناس جميعا، وفيهم أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، الذين قد علموا ما تقدم من ذلك، في زمن رسول الله ﷺ ، فلم ينكره عليه منهم منكر، ولم يدفعه دافع، فكان ذلك أكبر الحجة في نسخ ما تقدم من ذلك. لأنه لما كان نقل أصحاب رسول الله ﷺ نقلا يجب به الحجة، كان كذلك أيضا إجماعهم على القول إجماعا تجب به الحجة.

стр. 2361

وكما كان إجماعهم على النقل بريئا من الوهم والزلل، كان كذلك إجماعهم على الرأي بريئا من الوهم والزلل. وقد رأينا أشياء قد كانت على عهد رسول الله ﷺ على معاني، فجعلها أصحابه رضي الله تعالى عنهم من بعده، على خلاف تلك المعاني، لما رأوا فيه مما قد خفي على من بعدهم، فكان ذلك حجة ناسخا لما قد تقدمه من ذلك: تدوين الدواوين والمنع من بيع أمهات الأولاد، وقد كن يبعن قبل ذلك. والتوقيت في حد الخمر ولم يكن فيه توقيت قبل ذلك، فلما كان ما عملوا به من ذلك، ووقفونا عليه، لا يجوز لنا خلافه إلى ما قد رأيناه، مما قد تقدم فعلهم به كان كذلك ما وقفونا عليه من الطلاق الثلاث الموقع معا، أنه يلزم لا يجوز لنا خلافه إلى غيره مما قد روي أنه كان قبله على خلاف ذلك. ثم هذا ابن عباس ﵄ قد كان من بعد ذلك يفتي: من طلق امرأته ثلاثا، أن طلاقه قد لزمه وحرمها عليه. ٤١٧٦ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فأتم الله وأطاع الشيطان، فلم يجعل له مخرجا، فقلت: كيف ترى في رجل يحلها له؟ فقال: من يخادع الله يخادعه (١).

стр. 2362

٤١٧٧ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تتزوج زوجا غيرك، فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس ﵄: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل (١). ٤١٧٨ - حدثنا يونس (٢)، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن يحيى بن سعيد، أن بكير بن الأشج أخبره، عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري، أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا أمر ما لنا فيه من قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وإلى أبي هريرة ﵃، فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد

стр. 2363

جاءتك معضلة فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها، حتى تنكح زوجا غيره (١)، وقال ابن عباس مثل ذلك أيضا. ٤١٧٩ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير، أن رجلا سأل ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر، عن طلاق البكر ثلاثا وهو معهم، فكلهم قال: حرمت عليك (٢). ٤١٨٠ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وابن عباس أنهما قالا في الرجل يطلق البكر ثلاثا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (٣). ٤١٨١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، أن رجلا سأل ابن عباس أن رجلا طلق امرأته مائة. فقال: ثلاث تحرمها عليه، وسبعة وتسعون في رقبته، إنه اتخذ آيات الله هزوا (٤).

стр. 2364

٤١٨٢ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس … مثله (١). ٤١٨٣ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد أن عن مجاهد أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجا، من يتق الله يجعل له مخرجا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ في قبل عدتهن (٢). ثم قد روي عن غيره من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، ما يوافق ذلك أيضا ٤١٨٤ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا سفيان، وأبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، أنه قال فيمن طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (٣).

стр. 2365

٤١٨٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: ثلاث تبينها عنك، وسائرها عدوان (١). ٤١٨٦ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري، عن عطاء بن يسار، أنه قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو (٢)، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت له، طلاق البكر واحدة؟ فقال عبد الله: إنما أنت قاص، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره (٣).

стр. 2366

٤١٨٧ - حدثنا فهد، قال ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، قالا: ثنا ابن الهاد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو (١)، قال: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها (٢). ٤١٨٨ - حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد هو ابن منصور، قال: ثنا أبو عوانة: عن شقيق، عن أنس قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قال: وكان عمر بن الخطاب إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره (٣). ٤١٨٩ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال في الرجل يطلق امرأته البكر ثلاثا، قال: إنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (٤). ٤١٩٠ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا سفيان، قال: حدثني شقيق، عن أنس بن مالك، عن عمر … مثله (٥).

стр. 2367

فإن قال قائل: فقد رأينا العباد أمروا أن لا ينكحوا النساء إلا على شرائط، منها: أنهم منعوا من نكاحهن في عدتهن، فكان من نكح امرأة في عدتها لم يثبت نكاحه عليها، وهو في حكم من لم يعقد عليها نكاحا، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو إذا عقد عليها طلاقا في وقت قد نهي عن إيقاع الطلاق فيه أن لا يقع طلاقه ذلك، وأن يكون في حكم من لم يوقع طلاقا. فالجواب في ذلك: أن ما ذكر من عقد النكاح كذلك هو، وكذلك العقود كلها التي يدخل العباد بها في أشياء لا يدخلون فيها إلا من حيث أمروا بالدخول فيها. وأما الخروج منها فقد يجوز بغير ما أمروا بالخروج به، من ذلك أنا قد رأينا الصلوات قد أمر العباد أن لا يدخلوها إلا بالتكبير، والأسباب التي يدخلون بها فيها، وأمروا أن لا يخرجوا منها إلا بالتسليم. فكان من دخل في الصلاة بغير طهارة وبغير تكبير لم يكن داخلا فيها، وكان من تكلم فيها بكلام مكروه أو فعل فيها شيئا مما لا يفعل فيها من الأكل والشرب، والمشي، وما أشبهه، خرج به من الصلاة، وكان مسيئا فيما فعل من ذلك في صلاته. فكذلك الدخول في النكاح لا يكون إلا من حيث أمر العباد بالدخول فيه. والخروج منه قد يكون بما أمروا بالخروج منه وبغير ذلك. وهذا كله قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، ﵏.

стр. 2368

٣ - باب: الأقراء قال أبو جعفر: اختلف الناس في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت. فقال قوم (١): هي الحيض، وقال آخرون (٢): هي الأطهار. فكان من حجة من ذهب إلى أنها الأطهار قول رسول الله ﷺ لعمر حين طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض: "مره أن يراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في الباب الذي قبل هذا الباب. قالوا: فلما أمره رسول الله ﷺ أن يطلقها في الطهر، وجعله العدة، ونهاه أن يطلقها في الحيض، وأخرجه من أن يكون عدة، ثبت بذلك أن الأقراء هي الأطهار. فكان من الحجة عليهم للآخرين، أن هذا الحديث قد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما ذكروا.

стр. 2369

وقد روي عنه ما هو أتم من ذلك. فروي عنه أن رسول الله ﷺ أمر عمر ﵁ أن يأمره أن يراجعها ثم يمهلها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، وقال: "تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في الباب الذي قبل هذا الباب. فلما نهاه رسول الله ﷺ عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة التي طلق فيها حتى يكون طهر وحيضة أخرى بعدها، ثبت بذلك أنه لو كان أراد بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء الأطهار" إذًا لجعل له أن يطلقها بعد طهرها في هذه الحيضة، ولا ينتظر ما بعدها، لأن ذلك طهر. فلما لم يبح له الطلاق في ذلك الطهر حتى يكون طهر آخر بينه وبين ذلك الطهر حيضة، ثبت بذلك أن تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، إنما هي وقت ما تطلق النساء، وليس لأنها عدة تطلق لها النساء يجب بذلك أن يكون هي العدة التي تعتد بها النساء، لأن العدة مختلفة. منها: عدة المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشرًا. ومنها: عدة المطلقة ثلاثة قروء. ومنها: عدة الحامل أن تضع حملها، فكانت العدة اسما واحدًا لمعان مختلفة. ولم يكن كل ما لزمه اسم عدة وجب أن يكون قرءًا. فكذلك لما لزم اسم الوقت الذي تطلق فيه النساء اسم عدة، لم يثبت له بذلك اسم القرء.

стр. 2370

فهذه معارضة صحيحة، ولو أردنا أن نكثر هاهنا، فنحتج بقول رسول الله ﷺ للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، فنقول: الأقراء هي: الحيض على لسان رسول الله ﷺ لكان ذلك قد تعلق به بعض من تقدم ولكنا لا نفعل ذلك، لأن العرب قد تسمي الحيض قرءًا، وتسمي الطهر قرءًا، وتجمع الحيض والطهر، فتسميهما قرءا. ٤١٩١ - أخبرني بذلك محمود بن حسان النحوي، قال: ثنا عبد الملك بن هشام، عن أبي زيد، عن أبي عمرو بن العلاء بذلك، وفي ذلك أيضا حجة أخرى، أن عمر ﵁ هو الذي خاطبه رسول الله ﷺ بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (١) ولم يكن ذلك -عنده- دليلا على أن الأقراء الأطهار، إذ قد جعل الأقراء الحيض فيما روي عنه. فإذا كان هذا عند عمر ﵁، وقد خاطبه رسول الله ﷺ به، لا دليل فيه على أن القرء الطهر كان من بعده فيه أيضا كذلك، وسنذكر ما روي عن عمر ﵁ في هذا في موضعه من هذا الباب، إن شاء الله تعالى. وكان مما احتج به الذين جعلوا الأقراء الأطهار أيضا، ما

стр. 2371

٤١٩٢ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها نقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق عروة، قد جادلها في ذلك أناس، وقالوا: إن الله تعالى يقول: ثلاثة قروء. فقالت عائشة: صدقتم، أتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار (١). ٤١٩٣ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، قال: قال ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا، يريد الذي قالت عائشة (٢). ٤١٩٤ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا، أخبره عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها (٣).

стр. 2372

٤١٩٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: إذا طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها (١). ٤١٩٦ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان فذكر بإسناده مثله (٢). ٤١٩٧ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، قال: قضي زيد بن ثابت … فذكر مثله (٣). قال ابن شهاب: وأخبرني بذلك، عروة عن عائشة. ٤١٩٨ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع، أن معاوية كتب إلى زيد بن ثابت يسأله، فكتب: أنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة، فقد بانت منه، قال نافع: وكان ابن عمر يقوله (٤).

стр. 2373

قالوا: فهذه أقاويل أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، تدل على ما ذكرناه. قيل لهم: هذا لو لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، فأما إذا اختلفوا فيه، فقال بعضهم ما ذكرتم. وقال آخرون بخلاف ذلك، لم يجب بما ذكرتم لكم حجة، فمما روي خلاف ما احتجوا به من هذه الآثار المذكورة عمن رويت من أصحاب رسول الله ﷺ الدالة على أن الأقراء هي غير الأطهار ٤١٩٩ - ما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب، قال: "زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة" (١). ٤٢٠٠ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة: أن رجلا طلق امرأته فحاضت حيضتين، فلما كانت

стр. 2374

الثالثة ودخلت المغتسل أتاها زوجها، فقال: قد راجعتك ثلاثا، فارتفعا إلى عمر فأجمع عمر، وعبد الله على أنه أحق بها ما لم تحل لها الصلاة، فردها عمر عليه (١). ٤٢٠١ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يقول: إذا طلق العبد امرأته ثنتين، فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، حرة كانت أو أمة، وعدة الحرة ثلاث حيض، وعدة الأمة حيضتان (٢). قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن عمر ﵄، وهو الذي روى عن رسول الله ﷺ قوله لعمر ﵁: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، لم يدله ذلك على أن الأقراء الأطهار، إذا كان قد جعلها الحيض. ٤٢٠٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا محمد بن راشد، عن مكحول، أنه قدم بالمدينة، فذكر له سليمان بن يسار، أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فرأت أول قطرة من دم من حيضتها الثالثة، فلا رجعة له عليها، قال: فسألت عن ذلك

стр. 2375

بالمدينة، فبلغني أن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء ﵃، كانوا يجعلون له عليها الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة (١). ٤٢٠٣ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب، أنه سمع زيد بن ثابت، يقول: الطلاق إلى الرجل، والعدة إلى المرأة، إن كان الرجل حرا وكانت المرأة أمة، فثلاث تطليقات، وتعتد عدة الأمة حيضتين وإن كان عبدا، وامرأته حرة، طلق طلاق العبد تطليقتين، واعتدت عدة الحرة ثلاث حيض (٢). فلما جاء هذا الاختلاف عنهم، ثبت أنه لا يحتج في ذلك بقول أحد منهم، لأنه متى احتج محتج في ذلك بقول بعضهم، احتج مخالفه عليه بقول مثله، فارتفع ذلك كله أن يكون فيه حجة لأحد الفريقين على الفريق الآخر. وكان من حجة من جعل الأقراء الحيض على مخالفه أن قال: فإذا كانت الأقراء الأطهار، فإذا طلق المرأة زوجها وهي طاهرة، فحاضت بعد ذلك بساعة فحسب ذلك

стр. 2376

لها قرء مع قرئين متتابعين، كانت عدتها قرئين وبعض قرء، وإنما قال الله ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار في ذلك أن قال: فقد قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فكان ذلك على شهرين وبعض شهر، فكذلك جعلنا الأقراء الثلاثة على قرئين وبعض قرء. وكان من حجتنا في ذلك عليهم: أن الله قال في الأقراء: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولم يقل في الحج: ثلاثة أشهر، ولو قال في ذلك ثلاثة أشهر فأجمعوا أن ذلك على شهرين وبعض شهر، ثبت بذلك ما قال المخالف لنا، ولكنه إنما قال: أشهر، ولم يقل ثلاثة. فأما ما حصره بالثلاثة، فقد حصره بعدد معلوم، فلا يكون أقل من ذلك العدد، كما أنه لما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فحصر ذلك بالعدد، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد، فكذلك لما حصر الأقراء بالعدد، فقال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد. وكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار أيضا أن قال: لما كانت الهاء تثبت في عدد المذكر فيقال: ثلاثة رجال، وتنتفي من عدد المؤنث، فيقال ثلاث نسوة فقال الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأثبت الهاء، ثبت أنه أراد بذلك مذكرا، وهو الطهر لا الحيض.

стр. 2377

فكان الحجة عليهم في ذلك: أن الشيء إذا كان له اسمان أحدهما مذكر والآخر مؤنث، فإن جمع بالمذكر أثبتت الهاء، وإن جمع بالمؤنث أسقطت الهاء. من ذلك أنك تقول: هذا ثوب، وهذه ملحفة، فإن جمعت بالثوب قلت ثلاثة أثواب، وإن جمعت بالملحفة قلت: ثلاث ملاحف، وكذلك هذه دار، وهذا منزل لشيء واحد. فكان الشيء قد يكون واحدا يسمى باسمين، أحدهما مذكر، والآخر مؤنث، فإذا جمع بالمذكر، فعل فيه كما يفعل في جمع المذكر فأثبتت الهاء، وإن جمع بالمؤنث، فعل فيه كما يفعل في جمع المؤنث، فأسقطت الهاء. فكذلك الحيضة والقرء، هما اسمان لمعنى واحد، وهو الحيضة، فإن جمع بالحيضة سقطت الهاء، فقيل: ثلاث حيض، وإن جمع بالقرء ثبتت الهاء فقيل "ثلاثة قروء" وذلك اسمان لشيء واحد، فانتفى بذلك ما ذكرنا مما احتج به به المخالف لنا. وأما وجه هذا الباب من طريق النظر، فإنا قد رأينا الأمة جعل عليها في العدة، نصف ما جعل على الحرة، فكانت الأمة إذا كانت ممن لا تحيض، كان عليها نصف عدة الحرة إذا كانت ممن لا تحيض، وذلك شهر ونصف، فإذا كانت ممن تحيض جعل عليها باتفاقهم حيضتان، وأريد بذلك نصف ما على الحرة، ولهذا قال عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ : "لو قدرت أن أجعلها حيضة ونصفا، لفعلت".

стр. 2378

فلما كان ما على الأمة هو الحيض لا الأطهار، وذلك نصف ما على الحرة، ثبت أن ما على الحرة أيضا هو من جنس ما على الأمة، وهو الحيض لا الأطهار. فثبت بذلك قول الذين ذهبوا في الأقراء إلى أنها الحيض، وانتفى قول مخالفيهم، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏. وقد روي عن رسول الله ﷺ في عدة الأمة ما ٤٢٠٤ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "تعتد الأمة حيضتين، وتطلق تطليقتين" (١). ٤٢٠٥ - وقد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا الصلت بن مسعود الجحدري، عن عمر بن شبيب المسلي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢).

стр. 2379

فدل ذلك أيضا على ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

стр. 2380

٤ - باب: المطلقة طلاقا بائنا ماذا لها على زوجها في عدتها؟ ٤٢٠٦ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم قال: أنا مغيرة، وحصين، وأشعث، وإسماعيل بن أبي خالد، وداود، وسيار، ومجالد، عن الشعبي، قال: دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة، فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها، فقالت: طلقني زوجي ألبتة، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم (١). وقال مجالد في حديثه: "يا ابنة قيس، إنما النفقة والسكنى على من كانت له الرجعة". ٤٢٠٧ - حدثنا محمد بن عبد الله بن بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثا، فأمر لها بنفقة، فاستقلتها، وكان النبي ﷺ بعثه نحو اليمن. فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني مخزوم إلى النبي ﷺ وهو في بيت ميمونة، فقال: يا رسول الله، إن أبا عمرو بن حفص طلق فاطمة

стр. 2381

ثلاثا، فهل لها نفقة؟ فقال النبي ﷺ : "ليس لها نفقة ولا سكنى" وأرسل إليها أن تنتقل إلى أم شريك ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك (١). ٤٢٠٨ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال حدثني الأوزاعي … فذكر بإسناده مثله (٢). ٤٢٠٩ - حدثنا بحر بن نصر، قال: قرئ على شعيب بن الليث: أخبرك أبوك، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، أنه قال: سألت فاطمة بنت قيس، فأخبرتني: أن زوجها المخزومي طلقها، وأنه أبى أن ينفق عليها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال رسول الله ﷺ : "لا نفقة لك، انتقلي إلى ابن أم مكتوم فكوني عنده، فإنه رجل أعمى؛ تضعين ثيابك عنده" (٣).

стр. 2382

٤٢١٠ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا الليث … فذكر بإسناده مثله (١). ٤٢١١ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن أبي الزبير المكي، أنه سأل عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص، عن طلاق جده أبي عمر وفاطمة بنت قيس، فقال له عبد الحميد: طلقها ألبتة، ثم خرج إلى اليمن، ووكل عياش بن أبي ربيعة، فأرسل إليها عياش ببعض النفقة، فسخطتها، فقال لها عياش: مالك علينا من نفقة ولا مسكن؟، فهذا رسول الله ﷺ فسليه، فسألت رسول الله ﷺ عما قال، فقال: "ليس لك نفقة ولا مسكن، ولكن متاع بالمعروف، اخرجي عنهم"، فقالت: أأخرج إلى بيت أم شريك؟ فقال لها النبي ﷺ : "إن بيتها يوطأ، انتقلي إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم، فهو أقل واطئيه" (٢).

стр. 2383

٤٢١٢ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى، قال: حدثني الليث، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، نفسها، بمثل حديث الليث، عن أبي الزبير، حرفًا بحرف (١). ٤٢١٣ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء. فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة، واعتدي في بيت أم شريك" (٢). ٤٢١٤ - حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني أبو سلمة، أن فاطمة بنت قيس حدثته عن رسول الله ﷺ … فذكر مثله سواء (٣).

стр. 2384

٤٢١٥ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله قال: حدثني الليث … فذكر بإسناده مثله. وزاد: "فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل" (١). ٤٢١٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها كانت تحت رجل من بني مخزوم، فطلقها البتة، فأرسلت إلى أهله تبتغي النفقة، فقالوا: ليس لك علينا نفقة. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ليس لك عليهم النفقة، وعليك العدة، فانتقلي إلى أم شريك. ثم قال: إن أم شريك يدخل عليها إخوتها من المهاجرين، انتقلي إلى ابن أم مكتوم" (٢). ٤٢١٧ - حدثنا ربيع المؤذن، وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن فاطمة بنت قيس، أنها استفتت النبي ﷺ حين طلقها زوجها، فقال لها النبي

стр. 2385

ﷺ : "لا نفقة لك عنده ولا سكنى"، وكان يأتيها أصحابه، فقال: "اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه أعمى" (١). ٤٢١٨ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت، أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم، فأخبرته أنه طلقها ثلاثا، وخرج إلى بعض المغازي، وأمر وكيلًا له أن يعطيها بعض النفقة، فاستقلتها. فانطلقت إلى إحدى نساء النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ وهي عندها، فقالت: يا رسول الله! هذه فاطمة بنت قيس، طلقها فلان، فأرسل إليها بعض النفقة فردتها، وزعم أنه شيء تطول به، قال: "صدق". وقال النبي ﷺ : "انتقلي إلى أم شريك، فاعتدي عندها، ثم قال: إن أم شريك يكثر عوادها، ولكن انتقلي إلى عبد الله بن أم مكتوم، فإنه أعمى"، فانتقلت إلى عبد الله، واعتدت عنده حتى انقضت عدتها" (٢).
следующие страницы →