← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

قالوا: فلما كانت النذور إنما تجب إذا كانت مما يتقرب بها إلى الله تعالى ولا تجب إذا كانت معاصي الله تعالى وكان الكافر إذا قال الله علي صيام، أو قال: لله علي اعتكاف، فهو لو فعل ذلك لم يكن به إلى الله متقربا، وهو في وقت ما أوجبه إنما قصد به إلى ربه الذي يعبده من دون الله وذلك معصية. فدخل ذلك في قول رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية الله". وقد يجوز أيضا أن يكون قول رسول الله ﷺ لعمر: "ف بنذرك"، ليس من طريق أن ذلك كان واجبا عليه، ولكن على أنه قد كان سمح في حال ما نذره أن يفعله فهو في معصية الله ، فأمره النبي ﷺ أن يفعله الآن على أنه طاعة الله . فكان ما أمره به خلاف ما كان أوجبه هو على نفسه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.

стр. 2557

١١ - كتاب الحدود ١ - باب: حد البكر في الزنى ٤٥٠٨ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، والثيب بالثيب، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم" (١). ٤٥٠٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا وكيع عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٢).

стр. 2558

٤٥١٠ - حدثنا يونس، وعيسى بن إبراهيم الغافقي، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وشبل، قالوا: كنا قعودا عند النبي ﷺ فقام إليه رجل، فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله ، فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله، وإيذن لي، قال: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزني بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم، فقال: "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله المائة الشاة والخادم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فغدا عليها فاعترفت فرجمها (١).

стр. 2559

٤٥١١ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، ومالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، قالا: كنا جلوسا عند النبي ﷺ … ثم ذكر نحوه (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن البكر إذا زنى فعليه جلد مائة، وتغريب عام، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: حد البكر إذا زنى مائة جلدة ولا نفي عليه الجلد، إلا أن يرى الإمام أن ينفيه للدعارة التي كانت منه، فينفيه إلى حيث أحب، كما ينفى الدعار غير الزناة. واحتجوا في ذلك بما ٤٥١٢ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "إذا زنت فاجلدوها، ثم إن

стр. 2560

زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير"، قال مالك: قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة (١). ٤٥١٣ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن شبل بن خالد أخبره، أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "الوليدة إذا زنت … " مثله إلا أنه قال في الثالثة أو الرابعة: البيع (٢). وأخبره زيد بن خالد صاحب رسول الله ﷺ مثل ذلك، قال أبو جعفر: هذا خطأ شبل هذا ابن خليد المزني. ٤٥١٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا حيوة بن شريح قال: ثنا بقية عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن شبل بن خليد المزني أخبره، أن عبد الله بن مالك الأوسي

стр. 2561

أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "الوليدة إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير" (١). والضفير: الحبل. ٤٥١٥ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها"، قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة أو الرابعة: "ثم بيعوها ولو بضفير" (٢). ٤٥١٦ - حدثنا بحر بن نصر، حدثنا شعيب بن الليث، أن أباه أخبره، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه سمعه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكر مثله (٣).

стр. 2562

٤٥١٧ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه (١)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ … نحوه (٢). ٤٥١٨ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور، قال أخبرنا أبو أويس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير" (٣). ٤٥١٩ - حدثنا علي، قال: ثنا معلى بن منصور، عن أبي أويس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد … مثله (٤).

стр. 2563

٤٥٢٠ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمارة بن أبي فروة، أن محمد بن مسلم حدثه، أن عروة حدثه، أن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته أن عائشة حدثتها، أن رسول الله ﷺ … قال ثم ذكر مثله (١). ٤٥٢١ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي جميلة، عن علي، قال: أخبر النبي ﷺ بأمة لهم فجرت فأرسلني إليها، فقال: "اذهب فأقم عليها الحد"، فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها، فرجعت إليه فقال لي: "فرغت؟ " فقلت: وجدتها لم تجف من دمها، فقال: "إذا هي جفت من دمها فاجلدها"، قال علي: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" (٢).

стр. 2564

قالوا: فلما أمر رسول الله ﷺ في الأمة إذا زنت أن تجلد ولم يأمر مع الجلد بنفي، وقد قال الله : ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فاعلمنا بذلك أن ما يجب على الإماء -إذا زنين- هو نصف ما يجب على الحرائر إذا زنين. ثم ثبت أن لا نفي على الأمة إذا زنت، كان كذلك أيضا أن لا نفي على الحرة إذا زنت. وقد روينا عن رسول الله ﷺ فيما تقدم من كتابنا هذا أنه نهى أن تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فذلك دليل أيضا أن لا تسافر المرأة ثلاثة أيام في حد الزنا بغير محرم، وفي ذلك إبطال النفي عن النساء في الزنا، فإذا انتفى أن يكون يجب على النساء اللاتي غير المحصنات نفي في الزنا انتفى ذلك أيضا عن الرجال. وكان درء النبي ﷺ إياه عن الإماء فيما ذكرنا كان درءا عن الحرائر، وفي درئه إياه عن الحرائر دليل على درئه إياه عن الأحرار. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. فإن قال قائل: فإن نفي الأمة إذا زنت ستة أشهر مثل ما تنفى الحرة؟ وقال: لم ينف النبي ﷺ النفي فيما ذكرتموه عنه من جلد الأمة إذا زنت، ولا بقوله: ثم بيعوها في المرة الرابعة. فكفى بهذا القائل المخالف جهلا إذ قد خالف كل من تقدمه من أهل العلم وخرج من أقاويلهم. فيقال له: بل فيما رويناه عن النبي ﷺ من قوله:

стр. 2565

"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" ثم قال في الرابعة: فليبعها دليل على أن لا نفي عليها، لأنه إنما علمهم في ذلك ما يفعلون بإمائهم إذا زنين. فمحال أن يكون يقصر في ذلك عن جميع ما يجب عليهن ومحال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه، ولا يصل إلى ذلك إلا بعد مضي ستة أشهر. ويقال له أيضا: زعمت أن قول النبي ﷺ لأنيس ﵁: "اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" دليل على أن لا جلد عليها مع ذلك، وإن كان إبطال الجلد لم يذكر في هذا الحديث وجعلت ذلك معارضا لما قد روي عن رسول الله ﷺ من قوله: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم". فإذا كان هذا عندك دليلا على ما ذكرنا فما تنكر على خصمك أن يكون قول النبي ﷺ "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" عنده دليلا على إبطال النفي عن الأمة. فإذا كان ما ذكرنا في السكوت عن نفي الأمة ليس يرفع النفي عنها، فيما ذكرت أنت أيضا في السكوت عن الجلد مع الرجم لا يرفع الجلد عن الثيب الزاني مع الرجم. وما يلزم خصمك في قول النبي ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، شيء إلا لزمك مثله في قول النبي ﷺ لأنيس ﵁: "فإن اعترفت فارجمها". ويقال له روي عن النبي ﷺ في النفي في غير الزنا ما قد

стр. 2566

٤٥٢٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد العزيز الواسطي، قال: ثنا إسماعيل ابن عياش، قال: ثنا الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا قتل عبده عمدا، فجلده النبي ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين وأمره أن يعتق رقبة (١). فلم يكن ما فعله رسول الله ﷺ في هذا من نفيه القاتل سنة دليلا عندنا ولا عندك على أن ذلك حد واجب لا ينبغي تركه. وإن كان على أنه للدعارة لا لأنه حد. فما تنكر أيضا أن يكون ما روي عن النبي ﷺ مما أمر به من نفي الزاني على أنه للدعارة، لا لأنه حد واجب كوجوب الجلد والرجم.

стр. 2567

٢ - باب: حد الزاني المحصن ما هو؟ ٤٥٢٣ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج يحدث، عن أبي الزبير عن جابر، أن رجلا زنى فأمر به النبي ﷺ فجلد، ثم أخبر أنه قد كان أحصن، فأمر به فرجم (١). قال أبو جعفر: فذهب إلى هذا قوم (٢)، فقالوا: هكذا حدُّ المحصن إذا زنى الجلد والرجم جميعا. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: بل حده الرجم دون الجلد. وقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﷺ إنما رجمه لما أخبر أنه محصن، لأن الجلد الذي كان جلده إياه، ليس من حده في شيء، لأن حده كان الرجم دون الجلد ويجوز أن يكون رجمه، لأن ذلك الرجم هو حده مع الجلد، واحتج أهل المقالة الأولى أيضا لقولهم بما

стр. 2568

٤٥٢٤ - حدثنا يونس، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر يجلد وينفي، والثيب بالثيب يجلد ويرجم" (١) ٤٥٢٥ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال أخبرنا منصور بن زاذان، عن الحسن، قال: ثنا حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٢). قالوا: فبهذا القول نرى أن يجلد المحصن، ثم يرجم بعد ذلك كما قال رسول الله ﷺ . وكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك ما قد رويناه عن رسول الله ﷺ في أمره أنيسا الأسلمي برجم المرأة التي أمره أن يغدو عليها فيرجمها إن اعترفت، ولم يأمره بجلدها. وقد ذكرت ذلك بإسناده في الباب الأول وفي ذلك الحديث أيضا أن الذي قام إلى النبي ﷺ قال له: إني سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على امرأة هذا الرجم، ولم يذكر معه الجلد فلم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه

стр. 2569

وسلم. فدل هذا أن جميع ما كان عليها من الحد في الزنا الذي كان منها هو الرجم دون الجلد. وقد شدّ ذلك أيضا ما قد روي عن رسول الله ﷺ فيما فعل بماعز ﵁ ٤٥٢٦ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال أخبرنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة، أن النبي ﷺ رجم ماعزا، ولم يذكر جلدا (١). ففيما ذكرنا من ذلك ما يدل أن حد المحصن هو الرجم دون الجلد. فإن قال قائل: ولم لا كان ما فيه الرجم، والجلد أولى مما فيه الرجم خاصة؟ قيل له: لدلالة قد دلت على نسخ الجلد مع الرجم، وهو أنا رأينا أصل ما كان على الزاني قبل أن يفرق بين حكمه إذا كان محصنا، وبين حكمه إذا كان غير محصن ما وصف الله في كتابه بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ فكان هذا هو حد الزانية أن تمسك في البيوت حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلا.

стр. 2570

ثم قال النبي ﵇: "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا" فذكر ما قد ذكرناه في حديث عبادة بن الصامت فكان ذلك هو السبيل الذي قال الله تعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] فجعل الله ذلك السبيل، على ما قد بينه على لسان نبيه ﷺ وفرض في ذلك الجلد والرجم على الثيب والجلد والنفي على غير الثيب. فعلمنا أن ذلك القول قد كان من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية وأنه لم يتقدم نزول هذه الآية وجوب الرجم على الزاني، لأن حده كان ما وصف الله في كتابه من الحبس في البيوت. ولم يكن بين قوله: "أو يجعل الله لهن سبيلا" وبين حديث عبادة حكم آخر، فعلمنا أن حديث عبادة ﵁ كان بعد نزول هذه الآية، وأن حديث ماعز الذي سأله رسول الله ﷺ فيه عن إحصانه، لتفرقته بين حد المحصن وغير المحصن وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵁ أنه فرق رسول الله ﷺ فيه بين حكم البكر والثيب "فجعل على البكر جلد مائة، وتغريب عام، وعلى الثيب الرجم" - متأخرا عنه. فكان ذلك ناسخا له، لأن ما تأخر من حكم رسول الله ﷺ ينسخ ما تقدم منه. فلهذا كان ما ذكرنا من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد وحديث ماعز ﵃ أولى من حديث عبادة ﵁ مع ما قد شد ذلك من النظر الصحيح.

стр. 2571

وذلك أنا رأينا العقوبات المتفق عليها في انتهاك الحرمات كلها إنما هي شيء واحد. من ذلك أنا رأينا أن السارق عليه القطع لا غيره والقاذف عليه الجلد لا غير. وكان النظر على ذلك أيضا أن يكون كذلك الزاني المحصن عليه شيء واحد لا غيره فيكون عليه الرجم الذي قد اتفق أنه عليه، وينتفي عنه الجلد الذي لم يتفق أنه عليه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك منسوخًا وقد عمل به علي ﵁ بعد رسول الله ﷺ ؟ ٤٥٢٧ - فذكر ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: جاءت امرأة من همدان يقال لها: شراحة إلى علي ﵁، فقالت: إني زنيت، ترددها حتى شهدت على نفسها أربع شهادات، فأمر بها فجلدت، ثم أمر بها فرجمت (١). ٤٥٢٨ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص … فذكر بإسناده مثله (٢). ٤٥٢٩ - حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا محمد بن بكار بن بلال، قال: ثنا سعيد بن بشر، عن قتادة عن الرضراض بن أسعد، قال: شهدت عليا ﵁ جلد شراحة ثم رجمها (٣).

стр. 2572

٤٥٣٠ - حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسي بن أعين، عن مسلم الأعور، عن حبّة العربي، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: أتته شراحة، فأقرت عنده أنها زنت، فقال لها علي: فلعلك غصبت نفسك، قالت: أتيت طائعة غير مكرهة، قال: فأخرها حتى ولدت، وفطمت ولدها، ثم جلدها الحد بإقرارها، ثم دفنها في الرحبة إلى منكبها ثم رماها هو أول الناس، ثم قال: ارموا، ثم قال: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة محمد ﷺ (١). ٤٥٣١ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، عن الشعبي، قال: جلد علي ﵁ شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله تعالى، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ (٢).

стр. 2573

قيل لهم: إن هذا وإن كان قد روي عن علي ﵁ كما ذكرنا، فإن غير علي ﵁ من أصحاب رسول الله ﷺ قد روى عنه في ذلك خلاف ما قد روي عن علي ﵁. فمن ذلك ما ٤٥٣٢ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن أبا واقد الليثي، ثم الأشجعي، أخبره -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: بينما نحن عند عمر ﵁ مقدمه الشام بالجابية أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إن امرأتي زنت بغلام، فهي هذه تعترف بذلك، فأرسلني عمر ﵁ في رهط إليها لنسألها عن ذلك فجئتها، فإذا هي جارية حديثة السن، فقلت: اللهم أفرج فاها اليوم عما شئت، فسألتها وأخبرتها بالذي قال زوجها، فقالت: صدق، فبلغنا ذلك عمر ﵁ فأمر برجمها (١). ٤٥٣٣ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن أبي واقد الليثي، أن عمر بن الخطاب ﵁، أتاه رجل وهو بالشام، فذكر له أنه وجد امرأته رجلا، فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي إلى امرأته ليسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها، فذكر لها الذي قاله

стр. 2574

زوجها لعمر بن الخطاب ﵁، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنتزع، فأبت أن تنتزع، وثبتت على الاعتراف، فأمر بها عمر، فرجمت (١). فهذا عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ لم يجلدها قبل رجمه إياها. فهذا خلاف لما فعل علي ﵁ بشراحة من جلده إياها قبل رجمها، فهذا أولى الفعلين عندنا لما قد ذكرنا في هذا الباب.

стр. 2575

٣ - باب: الاعتراف بالزنا الذي يجب به الحد ما هو؟ قال أبو جعفر: ذهب قوم (١) إلى أن الرجل إذا أقر بالزنا مرة واحدة أقيم عليه حد الزنا. واحتجوا في ذلك بما رويناه عن رسول الله ﷺ في هذا الكتاب من قوله لأنيس: "اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". قالوا: ففي هذا دليل على أن الاعتراف بالزنا مرة واحدة يوجب الحد. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: لا يجب حد الزنا على المعترف بالزنا حتى يقر به على نفسه أربع مرات. وقالوا: ليس فيما ذكرتم من حديث أنيس دليل على ما قد وصفتم، وذلك أنه قد يجوز أن يكون أنيس قد كان علم الاعتراف الذي يوجب حد الزنا على المعترف -ما هو به- بما أعلمهم النبي ﷺ في ماعز وغيره، فخاطبه النبي ﷺ بهذا الخطاب بعد علمه أنه قد علم الاعتراف الذي يوجب الحد ما هو؟. وقد جاء غير هذا الأثر من الآثار ما قد بين الاعتراف بالزنا الذي يوجب الحد على المعترف ما هو؟. فمن ذلك ما قد

стр. 2576

٤٥٣٤ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بكر ﵁، أن النبي ﷺ رد ماعزا أربع مرات (١). ٤٥٣٥ - حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد، عن أبي ذر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأتاه رجل فأقر عنده بالزنا، فرده أربعا ثم نزل فأمرنا، فحفرنا له حفرة ليست بالطويلة، فأمر به فرجم، فارتحل رسول الله ﷺ كئيبا حزينا، فسرنا حتى نزلنا منزلا، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر ألم تر إلى صاحبكم، غفر له وأدخل الجنة" (٢). ٤٥٣٦ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا إبراهيم بن الزبرقان، وأبو خالد الأحمر، عن الحجاج … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 2577

٤٥٣٧ - حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال لماعز: "أحق ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك أتيت جارية آل فلان"، فأقر على نفسه أربع مرات، فأمر به فرجم (١). ٤٥٣٨ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو عوانة … فذكر بإسناده مثله (٢). ٤٥٣٩ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رجلا من أسلم أتى رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه فحدثه أنه زنى، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، فتنحى لشقه الذي أعرض قبله، فأخبره أنه زنى، وشهد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "هل بك

стр. 2578

جنون؟ " قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جمز (١) حتى أدرك بالحرة، فقتل بها رجما (٢). ٤٥٤٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر وعثمان بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أشعر قصير ذو عضلات فأقر له بالزنا، فأعرض عنه، فأتاه من قبل وجهه الآخر، فأعرض عنه، قال: لا أدري مرتين أو ثلاثا، فأمر به فرجم، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: رده أربع مرات (٣).

стр. 2579

٤٥٤١ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة … فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: رده مرتين (١). فقال قائل: ففي هذا الحديث أنه حده بعد إقراره أقل من أربع مرات. قيل له: في هذا الحديث علة. وذلك أن ٤٥٤٢ - ربيعا المؤذن حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسي، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ ماعز بن مالك فاعترف مرتين، فقال: اذهبوا به، ثم ردوه، فاعترف مرتين حتى اعترف أربعا. فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به فارجموه" (٢). ففي هذا الحديث أنه أقر مرتين ثم ذهبوا به ثم ردوه فأقر مرتين. فيجوز أن يكون جابر بن سمرة ﵁ حضر المرتين الآخرتين ولم يحضر ما كان قبل ذلك، وحضر ابن عباس ﵄ الإقرار كله، وكذلك من وافقه على أنه كان أربعا.

стр. 2580

٤٥٤٣ - حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن هضّاض، عن أبي هريرة، أن ماعز بن مالك زنى، فأتى هزالا، فأقر له أنه زنى، فقال له هزال: إيت نبي الله ﷺ فأخبره قبل أن ينزل فيك قرآن، فأتى النبي ﷺ فقال: إني زنيت فأعرض عنه حتى قال ذلك أربعا، فأمر به فرجم (١). ٤٥٤٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة، وسعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: أتى رجل من أسلم رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فحدثه أنه زنى، فأعرض عنه رسول الله ﷺ فتنحى لشقه الذي أعرض قبله، فأخبره أنه زنى وشهد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله ﷺ ! فقال هل بك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم بالمصلى (٢).

стр. 2581

٤٥٤٥ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بشير بن المهاجر الغنوي قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فأتاه رجل يقال له: ماعز بن مالك، فقال: يا نبي الله إني قد زنيت وإني أريد أن تطهرني، فقال له ارجع. فلما كان من الغد أتاه أيضا فاعترف عنده بالزنا فقال له النبي ﷺ : "ارجع"، ثم أرسل النبي ﷺ إلى قومه، فسألهم عنه، فقال: "ما تقولون في ماعز بن مالك؟ " هل ترون به بأسا، أو تنكرون من عقله شيئا؟ فقالوا: يا رسول الله ما نرى به بأسا وما ننكر من عقله شيئا، ثم عاد إلى النبي ﷺ الثالثة، فاعترف أيضا عنده بالزنا، فقال: يا رسول الله طهرني، فأرسل النبي ﷺ إلى قومه فسألهم عنه، فقالوا له كما قالوا له في المرة الأولى: ما نرى به بأسا وما ننكر من عقله شيئا، ثم رجع إلى النبي ﷺ الرابعة، فاعترف عنده بالزنا، فأمر به النبي ﷺ فحفرت له حفرة، فجعل فيها إلى صدره، ثم أمر الناس أن يرجموه، قال بريدة: كنا نتحدث بيننا -أصحاب النبي ﷺ أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجمه عند الرابعة (١).

стр. 2582

فلما كان رسول الله ﷺ لم يرجمه بإقراره مرة ولا مرتين ولا ثلاثا دل ذلك أن الحد لم يكن وجب عليه بذلك الإقرار، ثم رجمه رسول الله ﷺ بإقراره في المرة الرابعة. فثبت بذلك أن الإقرار بالزنا الذي يوجب الحد على المقر هو إقراره به أربع مرات. فمن أقر كذلك حد، ومن أقر أقل من ذلك لم يحد. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين وقد عمل بذلك علي رضي الله تعالى عنه في شراحة، فردها أربع مرات.

стр. 2583

٤ - باب: الرجل يزني بجارية امرأته ٤٥٤٦ - حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا بكر بن بكار قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق، أن رجلا زنا بجارية امرأته، فقال النبي ﷺ : إن كان استكرهها فهي حرة وعليها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه مثلها (١). ٤٥٤٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القاسم بن سلام بن مسكين، قال: حدثني أبي، قال: سألت الحسن عن الرجل يقع بجارية امرأته فقال: حدثني قبيصة بن حريث الأنصاري، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﷺ … فذكر مثله وزاد "ولم يقم عليه حدا" (٢).

стр. 2584

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى هذا، وقالوا: هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته على ما في حديث سلمة هذا. وقالوا: قد عمل بذلك عبد الله بن مسعود ﵁، بعد رسول الله ﷺ . وذكروا في ذلك ما ٤٥٤٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن منصور، عن عقبة ابن جيان، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: إني زنيت فقال: كيف صنعت؟ قال: وقعت على جارية امرأتي. فقال عبد الله بن مسعود: الله أكبر إن كنت استكرهتها، فأعتقها، وإن كانت طاوعتك، فأعتق وعليك مثلها (٢). وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: بل نرى عليه الرجم إن كان محصنا، والجلد إن كان غير محصن. وكان ما ذهبوا إليه في ذلك من الآثار المروية عن النبي ﷺ ما ٤٥٤٩ - قد حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا هشيم بن بشير، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم أن رجلا وقع بجارية امرأته، فأتت امرأته النعمان بن بشير

стр. 2585

فأخبرته، فقال: أما إن عندي في ذلك خبرا ثابتا أخذته عن رسول الله ﷺ إن كنت أذنت له جلدته مائة، وإن كنت لم تأذني له رجمته (١). ٤٥٥٠ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: سئل قتادة عن رجل وطئ جارية امرأته، فحدثنا عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن سالم أنها رفعت إلى النعمان بن بشير فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ ، إن كانت أحلتها له جلدته مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته (٢).

стр. 2586

ففي هذا الحديث خلاف ما في الحديث الأول، لأن فيه أنها إن لم تكن أذنت له رجم. وأما قوله: وإن كنت أذنت له جلدته مائة، فتلك المائة -عندنا- تعزير كأنه درًا عنه الحد بوطئه بالشبهة وعزره بركوبه ما لا يحل له. فإن قال قائل: أفيجوز التعزير بمائة؟. قيل له: نعم قد عزر رسول الله ﷺ بمائة في حديث قد ذكرناه عنه في رجل قتل عبده متعمدا في "باب حد البكر" في هذا الكتاب. فهذا الذي ذكره النعمان -عندنا- ناسخ لما رواه سلمة بن المحبق ﵁. وذلك أن الحكم كان في أول الإسلام يوجب عقوبات بأفعال في أموال ويوجب عقوبات في أبدان باستهلاك أموال. من ذلك ما قد ذكرناه في "باب تحريم الصدقة على بني هاشم من قول رسول الله ﷺ -في مانع الزكاة-" أنا آخذوها منه وشطر ماله عقوبة له لما قد صنع. ومن ذلك ما ٤٥٥١ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، عن ابن ثور، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة أحسبه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال في ضالة الإبل المكتومة: غرامتها ومثلها معها (١).

стр. 2587

٤٥٥٢ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رجلا من مزينة أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ (١)، فقال: هي ومثلها والنكال (٢)، ليس في شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح، فبلغ ثمنه ثمن المجن ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال.، قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع، إلا ما أواه الجرين (٣) فما أخذ من الجرين فبلغ ثمنه ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال (٤). فكانت العقوبات جارية في هذه الآثار على ما ذكر فيها حتى نسخ ذلك بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئا إلا مثل ما أخذ، وإن العقوبات لا تجب في الأموال بانتهاك الحُرُم التي هي غير أموال. فحديث سلمة -عندنا- كان في الوقت الأول.

стр. 2588

وكان الحكم على من زنى بجارية امرأته مستكرها لها عليه أن تعتق عقوبة له في فعله، ويغرم مثلها لامرأته. وإن كانت طاوعته ألزمها جارية زانية، وألزم مكانها جارية طاهرة، ولم تعتق هي لطواعيتها إياه. وفرق في ذلك بينما إذا كانت مطاوعة له وبينهما إذا كانت مستكرهة، ثم نسخ ذلك فردت الأمور إلى أن لا يعاقب أحد بانتهاك حرمة لم يأخذ فيها مالا بأن يغرم مالا، ووجبت عليه العقوبة التي أوجب الله على سائر الزناة. فثبت بما ذكرنا ما روى النعمان و نسخ ما روى سلمة بن المحبق. وأما ما ذكروا من فعل عبد الله بن مسعود ﵁ ومذهبه في ذلك إلى مثل ما روى سلمة ﵁ فقد خالفه فيه غيره من أصحاب رسول الله ﷺ ٤٥٥٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي بن أبي طالب يقول: لا أوتى برجل وقع على جارية امرأته إلا رجمته (١). ٤٥٥٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه، أن عمر ﵁ بعثه

стр. 2589

مصدقًا على سعد بن هذيم، فأتى حمزة بمال ليصدقه، فإذا رجل يقول لامرأته: أدي صدقة مال مولاك، وإذ المرأة تقول له: بل أنت أدِّ صدقة مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها، فولدت ولدا فأعتقته امرأته. قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك. فقيل له: أصلحك الله إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ فجلده عمر مائة ولم ير عليه الرجم، فأخذ حمزة بالرجل كفيلا، حتى قدم على عمر ﵁، فسأله عما ذكر من جلد عمر ﵁ إياه ولم ير عليه الرجم. فصدقهم عمر رضي رضي الله تعالى عنه بذلك من قولهم، وقال: إنما درأ عنه الرجم أنه عذره بالجهالة (١). فهذا حمزة بن عمرو صاحب رسول الله ﷺ قد رأى أن على من زنى بجارية امرأته الرجم، ولم ينكر عليه عمر ﵁ ما كان رأى من ذلك حين كفل الرجل حتى يجيئه أمر عمر ﵁ في إقامة الحد عليه. فقد وافق ذلك أيضا ما روي عن علي ﵁ وما رواه النعمان عن النبي ﷺ . ثم جاء في حديث حمزة أيضا من جلد عمر ﵁ ذلك الرجل مائة جلدة، تعزيرًا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 2590

فقد دل ذلك على ما روى النعمان ﵁، عن النبي ﷺ من جلد الزاني بجارية امرأته مائة أنه أراد بذلك التعزير أيضا. فقد وافق كل ما في حديث حمزة هذا ما روى النعمان عن النبي ﷺ . وأما عبد الله بن مسعود ﵁، فكان علم الحكم الأول الذي رواه سلمة بن المحبق ﵁، ولم يعلم ما نسخه مما رواه النعمان وعلم ذلك عمر وعلي وحمزة بن عمرو ﵃ فقالوا به. وقد أنكر علي على عبد الله ﵁ في هذا قضاءه بما قد نسخ ٤٥٥٥ - حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا علي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن محمد بن سيرين، قال: ذكر لعلي ﵁ شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته وقد وقع على جارية امرأته فلم ير عليه حدا، فقال علي: لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، فلم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده، فأخبر علي أن ابن مسعود ﵄ تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده، فلم يعلم ابن مسعود ﵁ بذلك (١). وقد خالف علقمة في ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ أيضا ومال إلى قول من خالفه على أنه أعلم أصحابه ﵁ به.

стр. 2591

٤٥٥٦ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه سئل عن رجل أتى جارية امرأته، فقال: ما أبالي إياها أتيت أو جارية امرأة عوسجة (١) (٢). فهذا علقمة ﵀ وهو أجل أصحاب عبد الله ﵁ وأعلمهم قد ترك قول عبد الله في ذلك مع جلالة عبد الله ﵁ -عنده- وصار إلى غيره. وذلك عندنا - لثبوت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله في ذلك عنده، فكذلك نقول: من زنى بجارية امرأته حد، إلا أن يدعي شبهة مثل أن يقول: ظننت أنها تحل لي، أو تكون المرأة أحلتها له، فيدرأ عنه الحد ويعزر ويجب عليه العقر. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ﵏.

стр. 2592

٥ - باب: من تزوج امرأة أبيه أو ذات محرم منه فدخل بها ٤٥٥٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تذهب؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله (١). ٤٥٥٨ - حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف، هو ابن منازل، وأبو سعيد الأشج، قالا: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مرّ بي خالي أبو بردة بن نيار الأسلمي ومعه اللواء … فذكر مثله إلا أنه قال آتيه برأسه (٢).

стр. 2593

٤٥٥٩ - حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال: هشيم حدثناه، قال: أخبرنا الأشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال مرّ بي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله ﷺ ، فقلت: إلى أي شيء بعثك؟ قال: إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه (١). ٤٥٦٠ - حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن منازل، قال: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث … فذكر بإسناده مثله (٢). ٤٥٦١ - حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، قال: ضلت إيل لي، فخرجت في طلبها، فإذا الخيل قد أقبلت، فلما رأى أهل الماء الخيل انضموا إلي، وجاءوا إلى خباء من تلك الأخبية، فاستخرجوا منه رجلًا فضربوا عنقه، فقالوا: هذا رجل عرس بامرأة أبيه، فبعث إليه

стр. 2594

رسول الله ﷺ فقتله (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن من تزوج ذات محرم منه وهو عالم بحرمتها عليه، فدخل بها أن حكمه حكم الزاني، وأنه يقام عليه حد الزنا: الرجم أو الجلد واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وممن قال بهذا القول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: لا يجب في هذا حد الزنا، ولكن يجب فيه التعزير والعقوبة البليغة. وممن قال بذلك أبو حنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله. حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، بذلك. حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم قال: سمعت سفيان يقول في رجل تزوج ذات محرم منه فدخل بها قال: لا حد عليه. وكان من الحجة على الذين احتجوا عليهما بما ذكرنا أن في تلك الآثار أمر رسول الله ﷺ بالقتل وليس فيها ذكر الرجم، ولا ذكر إقامة الحد. وقد أجمعوا جميعًا أن فاعل

стр. 2595

ذلك لا يجب عليه قتل إنما يجب عليه -في قول من يوجب الحد- عليه الرجم إن كان محصنًا. فلما لم يأمر النبي ﷺ رسوله بالرجم، وإنما أمره بالقتل ثبت بذلك أن ذلك القتل ليس بحد للزنا، ولكنه لمعنى خلاف ذلك. وهو أن ذلك المتزوج فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فصار بذلك مرتدا، فأمر رسول الله ﷺ أن يفعل به ما يفعل بالمرتد. وهكذا كان أبو حنيفة وسفيان رحمهما الله يقولان في هذا المتزوج إن كان أتى ذلك على الاستحلال أنه يقتل. فإذا كان ليس في هذا الحديث ما ينفي ما يقول أبو حنيفة وسفيان، لم يكن فيه حجة عليهما، لأن مخالفهما ليس بالتأويل أولى منها. وفي ذلك الحديث أيضا: أن رسول الله ﷺ عقد لأبي بردة الراية، ولم تكن الرايات تعقد إلا لمن أمر بالمحاربة، والمبعوث على إقامة حد الزنا غير مأمور بالمحاربة. وفي الحديث أيضًا أنه بعثه إلى رجل تزوج بامرأة أبيه وليس فيه أنه دخل بها. فإذا كانت هذه العقوبة وهي القتل مقصودًا بها إلى المتزوج لتزوجه دل ذلك أنها عقوبة وجبت بنفس العقد لا بالدخول، ولا يكون ذلك إلا والعاقد مستحل لذلك. فإن قال قائل: فهو عندنا على أنه تزوج ودخل بها. قيل له: وهو عند مخالفك على أنه تزوج واستحل. فإن قال: ليس للاستحلال ذكر في الحديث قيل له: ولا للدخول ذكر في الحديث، فإن جاز لك أن تحمل معنى الحديث على دخول غير مذكور في الحديث جاز
следующие страницы →