← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

فإذا ثبت ذلك في القتل، ثبت ما ذكرنا وانتفى ما قال المخالف لنا. ولما لم يكن فيما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم: ما يدل عليه نظرنا هل للآخرين خبر يدل على ما قالوا فإذا ٤٦٥٩ - أبو بكرة وإبراهيم بن مرزوق قد حدثانا، قالا: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، (ح) وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قالا: ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن عمته الرُّبَيع لطمت جاريةً فكسرت ثنيتها، فطلبوا إليهم العفو، فأبوا، والأرش، فأبوا إلا القصاص، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص"، فرضي القوم فعفوا، وقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" يزيد بعضهم على بعض (١). فلما كان الحكم الذي حكم به رسول الله ﷺ على الربيع للمنزوعة ثنيتها هو

стр. 2662

القصاص ولم يخيرها بين القصاص وأخذ الدية، وحاج أنس بن النضر حين أبى ذلك، فقال: "يا أنس كتاب الله القصاص" فعفا القوم فلم يقض لهم بالدية. ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله ﵇ في العمد هو القصاص، لأنه لو كان يجب للمجني عليه الخيار بين القصاص وبين العفو مما يأخذ به الجاني إذاً لخيرها رسول الله ﷺ ولأعلمها بما لها أن تختاره من ذلك. ألا ترى أن حاكمًا لو تقدم إليه رجل في شيء يجب له فيه أحد شيئين: فثبت عنده حقه أنه لا يحكم له بأحد الشيئين دون الآخر، وإنما يحكم له بأن يختار ما أحب من كذا و كذا، فإن تعدى ذلك فقد قصر عن فهم الحكم، ورسول الله ﷺ أحكم الحكماء. فلما حكم بالقصاص وأخبر أنه كتاب الله القصاص ثبت بذلك أن الذي يجب في مثل ذلك هو القصاص لا غيره. فلما ثبت هذا الحديث على ما ذكرنا وجب أن نعطف عليه حديث أبي شريح وأبي هريرة ﵄. فنجعل قول رسول الله ﷺ فيهما فهو بالخيار بين أن يعفو أو يقتص أو يأخذ الدية على الرضاء من الجاني بغرم الدية، حتى يتفق معاني هذين الحديثين ومعنى حديث أنس ﵁. فإن قال قائل: فإن النظر يدل على ما قال أهل المقالة الأولى، وذلك أن على الناس أن يستحيوا أنفسهم.

стр. 2663

فإذا قال الذي له سفك الدم، قد رضيت بأخذ الدية، وترك سفك الدم وجب على القاتل استحياء نفسه، فإذا وجب ذلك عليه أخذ من ماله وإن كره. فالحجة عليه في ذلك أن على الناس استحياء أنفسهم كما ذكرت بالدية، وبما جاوز الدية وبجميع ما يملكون. وقد رأيناهم أجمعوا أن الولي لو قال للقاتل قد رضيت أن آخذ دارك هذه على أن لا أقتلك أن الواجب على القاتل فيما بينه وبين الله تسليم ذلك له، وحقن دم نفسه، فإن أبى لم يجبر عليه باتفاقهم ولم يؤخذ منه ذلك كرها فيدفع إلى الولي. فكذلك الدية إذا طلبها الولي فإنه يجب على القاتل فيما بينه وبين ربه أن يستحي نفسه بها، وإن أبى ذلك لم يجبر عليه، ولم يؤخذ منه كرهًا. ثم رجعنا إلى أهل المقالة الأولى في قولهم إن للولي أن يأخذ الدية وإن كره ذلك الجاني. فنقول لهم: ليس يخلو ذلك من أحد وجوه ثلاثة إما أن يكون ذلك لأن الذي له على القاتل هو القصاص والدية جميعًا، فإذا عفا عن القصاص فأبطله بعفوه كان له أخذ الدية. وإما أن يكون الذي وجب له هو القصاص خاصةً ولكن له أن يأخذ الدية بدلاً من ذلك القصاص.

стр. 2664

وإما أن يكون الذي وجب له هو أحد أمرين: إما القصاص وإما الدية، يختار من ذلك ما شاء، ليس يخلو ذلك من أحد هذه الوجوه الثلاثة. فإن قلتم: الذي وجب له هو القصاص والدية جميعًا فهذا فاسد، لأن الله لم يوجب على أحد فعل فعلاً أكثر مما فعل وقد قال الله ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. فلم يوجب الله على أحد بفعل يفعله أكثر مما فعل، ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يقتل ويأخذ الدية. فلما لم يكن له بعد قتله أخذ الدية، دل ذلك على أن الذي كان وجب له هو خلاف ما قلتم. وإن قلتم: إن الذي وجب له هو القصاص خاصة ولكن له أن يأخذ الدية بدلاً ذلك القصاص فإنا لا نجد حقا لرجل يكون له أن يأخذ به بدلاً بغير رضى من عليه ذلك الحق، فبطل هذا المعنى أيضًا. وإن قلتم: إن الذي وجب له هو أحد أمرين: إما القصاص، وإما الدية يأخذ منهما ما أحب، ولم يجب له أن يأخذ واحداً منهما دون الآخر. فإنه ينبغي إذا عفا عن أحدهما بعينه أن لا يجوز عفوه، لأن حقه لم يكن هو العفو

стр. 2665

عنه بعينه، فيكون له إبطاله إنما كان له أن يختاره فيكون هو حقه، أو يختار غيره فيكون هو حقه، فإذا عفا عن أحدهما قبل اختياره إياه وقبل وجوبه له بعينه فعفوه باطل. ألا ترى أن رجلًا لو جرح أبوه عمدًا فعفا عن جارح أبيه ثم مات أبوه من تلك الجراحة ولا وارث له غيره أن عفوه باطل، لأنه إنما عفا قبل وجوب ما وقع العفو عنه. فلما كان ما ذكرنا كذلك، وكان العفو عن القاتل قبل اختياره القصاص أو الدية جائزاً ثبت بذلك أن القصاص قد كان وجب له بعينه قبل عفوه عنه، ولولا وجوبه له. إذًا لما كان له إبطاله بعفوه كما لم يجز عفو الابن عن دم أبيه قبل وجوبه له. ففي ثبوت ما ذكرنا وانتفاء هذه الوجوه التي وصفنا ما يدل على أن الواجب على القاتل عمدًا أو الجارح عمدًا هو القصاص لا غير ذلك من دية ولا غيرها إلا أن يصطلح هو إن كان حيّا أو وارثه إن كان هو ميتًا، والذي وجب ذلك عليه على شيء، فيكون الصلح جائزاً على ما اصطلحا عليه من دية أو غيرها. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 2666

٢ - باب الرجل يقتل رجلاً كيف يقتل؟ ٤٦٦٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس أن يهوديّا رضَّ رأس صبي بين حجرين، فأمر النبي ﷺ أن يرضَّ رأسه بين حجرين (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى هذا الحديث فقلدوه، وقالوا: يقتل كل قاتل بما قتل به. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: كل من وجب عليه قود لم يقتل إلا بالسيف. وقالوا هذا الحديث الذي رويتموه يحتمل أن يكون النبي ﷺ رأى أن ذلك القاتل يجب قتله الله إذ كان إنما قتل على مال قد بين ذلك في بعض الحديث

стр. 2667

٤٦٦١ - حدثنا إبراهيم بن داود، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن شعبة، عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك، قال: عدا يهودي في عهد رسول الله ﷺ على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها، فأتى بها أهلها رسول الله ﷺ وهي في آخر رمق وقد أصمتت، وقال لها رسول الله ﷺ : "من قتلك؟ أفلان؟ " لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها: أي: لا، فقال: "ففلان؟ " لقاتلها، فأشارت برأسها أي نعم فأمر رسول الله ﷺ فرضّ رأسه بين حجرين (١). فإن كان رسول الله ﷺ جعل دم ذلك اليهودي قد وجب الله كما يجب دم قاطع الطريق الله تعالى. فكان له أن يقتل كيف شاء بسيف أو بغير ذلك والمثلة حينئذ مباحة كما فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين. ٤٦٦٢ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم ثمانية رهط من عكل فاستوخموا المدينة، فبعثهم النبي ﷺ إلى ذود له، فشربوا من ألبانها، فلما صحوا ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي الإبل وساقوا الإبل، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم،

стр. 2668

وتركهم حتى ماتوا (١). ٤٦٦٣ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ … نحوه (٢). ٤٦٦٤ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] قال: هم من عكل قطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم (٣). ٤٦٦٥ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال:

стр. 2669

ثنا حميد، عن أنس (١)، (ح) ٤٦٦٦ - وحدثنا صالح، قال: ثنا سعيد قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" (٢). ٤٦٦٧ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا أبو غسان قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من حي من أحياء العرب، فأسلموا وبايعوه، قال: فوقع الموم - وهو البرسام، فقالوا: يا رسول الله، هذا الوجع قد وقع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فكنا فيها؟ قال نعم اخرجوا فكونوا فيها. قال: فخرجوا فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل، قال: وجاء الآخر وقد جرح، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل. قال: وعنده شبان من الأنصار قريب من عشرين. قال: فأرسل إليهم الشبان وبعث معهم قائفًا يقص آثارهم، فأتى بهم، فقطع

стр. 2670

أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم (١). ففعل رسول الله ﷺ بالعرنيين ما فعل بهم من هذا، فلما حل له من سفك دمائهم وكان له أن يقتلهم كيف أحب، وإن كان ذلك تمثيلاً بهم، لأن المثلة كانت حينئذ مباحةً، ثم نسخت بعد ذلك، ونهى عنها رسول الله ﷺ فلم يكن لأحد أن يفعلها. فيحتمل أن يكون فعل باليهودي ما فعل من أجل ذلك، ثم نسخ ذلك بعد نسخ المثلة. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ لم ير ما وجب على اليهودي من ذلك الله تعالى ولكنه رآه واجباً لأولياء الجارية فقتله لهم. واحتمل أن يكون قتله كما فعل، لأن ذلك هو الذي كان وجب عليه. واحتمل أن يكون الذي كان وجب عليه هو سفك الدم بأي شيء ما شاء الولي يسفكه به فاختاروا الرضخ ففعل ذلك لهم رسول الله ﷺ . هذه وجوه يحتملها هذا الحديث، ولا دلالة معنا تدلنا أن النبي ﷺ أراد بعضها دون بعض.

стр. 2671

وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قتل ذلك اليهودي بخلاف ما كان قتل به الجارية. ٤٦٦٨ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود وأحمد بن داود، قالا: ثنا أبو يعلى محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان قال ابن أبي داود وكان ثقةً، ورفع به عن ابن جريج، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن رجلاً من اليهود رضخ رأس جارية على حلي لها، فأمر به النبي ﷺ أن يرجم حتى قتل (١). ففي هذا الحديث أن رسول الله ﷺ كان قتل ذلك اليهودي رجماً بقتله الجارية على ما ذكرنا في هذا الأثر، وفيما تقدمه من الآثار وهو رضخه رأسها، والرجم قد يصيب الرأس وغير الرأس فقد قتله بغير ما كان قتل به الجارية. فدل ذلك أن ما كان فعل هذا كان حلالاً يومئذ، ثم نسخ بنسخ المثلة. فمما روي عن رسول الله ﷺ في نسخ المثلة ما قد ٤٦٦٩ - حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريج، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس ﵄: نهى رسول الله ﷺ

стр. 2672

عن المجثمة والمجثمة: الشاة ترمى بالنبل حتى تقتل (١). ٤٦٧٠ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر "ح" وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قالا: أخبرنا شعبة، عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا" (٢). ٤٦٧١ - حدثنا حسين بن نصر، قال سمعت يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شعبة … فذكر بإسناده مثله (٣). ٤٦٧٢ - حدثنا سليمان بن شعيب قال ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: ثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، وسماك، عن عكرمة، قال أحدهما عن ابن عباس عن

стр. 2673

النبي ﷺ … مثله (١). ٤٦٧٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ … مثله (٢). ٤٦٧٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير أو مجاهد، قال: مر ابن عمر بدجاجة قد نصبت ترمي، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يمثل بالبهائم (٣). ٤٦٧٥ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: حدثني عمي وهو ابن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، وابن لهيعة أن بكير بن عبد الله حدثهما عن أبيه، عن ابن تعلى أنه قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتي بأربعة أعلاج (٤) من العدو، فأمر بهم عبد الرحمن فقتلوا صبرًا بالنبل، فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري فقال: سمعت رسول الله

стр. 2674

ﷺ "ينهى عن قتل الصبر" والذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتها. فبلغ ذلك عبد الرحمن فأعتق أربع رقاب (١). ٤٦٧٦ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن بكير … فذكر بإسناده مثله (٢). ٤٦٧٧ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبيه، عن عبيد بن تعلى، عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ نهى عن صبر الدابة، قال أبو أيوب: ولو كانت دجاجةً ما صبرتها (٣). ٤٦٧٨ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عون قال أخبرنا هشيم عن منصور،

стр. 2675

عن الحسن، عن عمران بن الحصين قال: كان النبي ﷺ يخطبنا فيأمرنا بالصدقة، وينهانا عن المثلة (١). ٤٦٧٩ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم عن حميد، عن الحسن، قال: ثنا سمرة بن جندب قال: قلما خطبنا رسول الله ﷺ خطبةً إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة (٢). ٤٦٨٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا الحسن قال: قال سمرة: إن رسول الله ﷺ قلما قام فينا يخطب إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة (٣). ٤٦٨١ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن هشام بن زيد،

стр. 2676

عن أنس بن مالك قال: نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم (١). ٤٦٨٢ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا القاسم يعني ابن مالك، عن مسلمة بن نوفل الثقفي، قال: ثنا المغيرة بن صفية عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ نهى عن المثلة (٢). ٤٦٨٣ - حدثنا ابن أبي عمران وابن أبي داود، قالا: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم، عن هني بن نويرة، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: أحسن الناس قتلةً أهل الإيمان (٣).

стр. 2677

٤٦٨٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون قال: ثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم، ولم يذكر شباكا عن هني، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ … مثله (١). فقد ثبت بهذه الآثار نسخ المثلة بعد أن كانت مباحةً على ما قد رويناه في حديث العرنيين. فإن قال قائل: لم يدخل ما اختلفنا نحن وأنتم فيه من القصاص في هذا، لأن الله قال ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] قيل له: ليست هذه الآية يراد بها هذا المعنى، إنما أريد بها ما قد روي عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عباس وأبو هريرة ﵃. ٤٦٨٥ - حدثنا فهد قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا قيس، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس قال: لما قتل حمزة ومثل به قال رسول الله ﷺ : "لئن ظفرت

стр. 2678

بهم لأمثلن بسبعين رجلًا منهم". فأنزل الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] فقال رسول الله ﷺ : "بل نصبر" (١). ٤٦٨٦ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، (ح) وحدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور قال: ثنا الهيثم بن جميل، قالا: ثنا صالح، المري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، فنظر إلى أمر لم ينظر قط إلى أمر أوجع لقلبه منه، فقال: يرحمك الله إن كنت لوصولاً للرحم، فعولاً للخيرات، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، وايم الله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزل عليه جبريل ﵇ والنبي ﷺ واقف بعد بخواتيم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخر السورة فصبر رسول الله ﷺ وكفر عن يمينه، فإنما نزلت هذه الآية في هذا المعنى لا في المعنى الذي ذكرت (٢).

стр. 2679

وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا قود إلا بالسيف". ٤٦٨٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان الثوري، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود إلا بالسيف" (١). فدل هذا الحديث أن القود لكل قتيل ما كان لا يكون إلا بالسيف، وقد جاء عن رسول الله ﷺ ما قد دل على ما ذكرنا أيضًا. ٤٦٨٨ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن ابن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ أتي بجراح، فأمرهم أن يستأنوا (٢) بها سنةً (٣).

стр. 2680

٤٦٨٩ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا مهدي بن جعفر، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عنبسة، بن سعيد، عن الشعبي عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ" (١). ولو كان يفعل بالجاني كما فعل هو كما قال أهل المقالة الأولى لم يكن للاستيناء معنى لأنه يجب على القاطع قطع يده إن كانت جنايته قطعا، برئ من ذلك المجني عليه أو مات. فلما ثبت الاستيناء لينظر ما تئول إليه الجناية ثبت بذلك أن ما يجب فيه القصاص هو ما يئول إليه الجناية لا غير ذلك. فإن طعن طاعن في يحيى بن أبي أنيسة وأنكر علينا الاحتجاج بحديثه، فإن علي بن المديني قد ذكر عن يحيى بن سعيد أنه أحب إليه في حديث الزهري عن محمد بن

стр. 2681

إسحاق. ٤٦٩٠ - وقد حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (١). فأمر النبي ﷺ الله الناس بأن يحسنوا القتلة، وأن يريحوا ما أحل الله لهم ذبحه من الأنعام، فما أحل لهم قتله من بني آدم، فهو أحرى أن يفعل به ذلك. فإن قال قائل: لا يستأنى برء الجراح، وخالف ما ذكرنا في ذلك من الآثار، فكفى به جهلاً في خلافه كل من تقدمه من العلماء.

стр. 2682

وعلى ذلك فإنا نفسد قوله من طريق النظر وذلك إنا لو رأينا رجلًا قطع يد رجل خطأ فبرأ منها، وجبت عليه دية اليد، ولو مات منها وجبت عليه دية النفس، ولم يجب عليه في اليد شيء، ودخل ما كان يجب في اليد فيما وجب في النفس. فصار الجاني كمن قتل وليس كمن قطع وصارت اليد لا يجب لها حكم إلا والنفس قائمة مقامها ولا يجب لها حكم إذا كانت النفس تالفةً. فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك إذا قطع يده عمدًا، فإن برأ فالحكم لليد وفيها القود وإن مات منها فالحكم للنفس، وفيها القصاص لا في اليد قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من حكم الخطأ. ويدخل أيضًا على من يقول: إن الجاني يقتل كما قتل أن تقول: إذا رماه بسهم فقتله أن ينصب الرامي فيرميه حتى يقتله، وقد نهى رسول الله ﷺ عن صبر ذي الروح، فلا ينبغي أن يصبر أحد لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولكن يقتل قتلاً لا يكون معه معه شيء من النهي. ألا ترى أن رجلًا لو نكح رجلًا فقتله بذلك أنه لا يجب للولي أن يفعل بالقاتل كما فعل، ولكن يجب له أن يقتله لأن نكاحه إياه حرام عليه. فكذلك صبره إياه فيما وصفنا حرام عليه، ولكن له قتله كما يقتل من حل دم بردة أو بغيرها. هذا هو النظر وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 2683

غير أن أبا حنيفة ﵁ كان لا يوجب القود على من قتل بحجر، وسنبين قوله هذا، والحجة له في باب شبه العمد إن شاء الله تعالى.

стр. 2684

٣ - باب: شبه العمد الذي لا قود فيه ما هو؟ ٤٦٩١ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا هشيم عن خالد الحذاء، عن قاسم بن ربيعة بن جوشن، عن عقبة بن أوس السدوسي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال في خطبته: "ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر، فيه دية مغلظة مائة من الإبل: منها أربعون خَلِفةً في بطونها أولادها" (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى هذا الحديث فقالوا: لا قود على من قتل رجلًا بعضًا أو حجر. وممن قال بذلك أبو حنيفة ﵀. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) منهم أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما فقالوا: إذا كانت الخشبة مثلها يقتل فعلى القاتل بها القصاص وذلك عمد.

стр. 2685

وإن كان مثلها لا يقتل ففي ذلك الدية، وذلك شبه العمد. وقالوا ليس فيما احتج به علينا أهل المقالة الأولى من قول النبي ﷺ : "ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه مائة من الإبل" دليل على ما قالوا، لأنه قد يجوز أن يكون النبي ﷺ أراد بذلك العصا التي لا تقتل مثلها التي هي كالسوط الذي لا يقتل مثله. فإن كان أراد ذلك فهو الذي قلنا، وإن لم يكن أراد ذلك، وأراد ما قلتم أنتم فقد تركنا الحديث وخالفناه. فنحن بعد لم نثبت خلافنا لهذا الحديث إذ كنا نقول: إن من العصا ما إذا قتل به لم يجب به على القاتل قود. وهذا المعنى الذي حملنا عليه معنى هذا الحديث أولى مما حمله عليه أهل المقالة الأولى؛ لأن ما حملناه عليه لا يضاد حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ في إيجابه القود على اليهودي الذي رضخ رأس الجارية بحجر. وما حمله عليه أهل المقالة الأولى يضاد ذلك وينفيه. ولأن يحمل الحديث على ما يوافق بعضه بعضًا أولى من أن يحمل على ما يضاد بعضه بعضًا. فإن قال قائل: فإنك قد قلت إن حديث أنس ﵁ هذا منسوخ في الباب الأول فكيف أثبت العمل به هاهنا؟.

стр. 2686

قيل له: لم نقل: إن حديث أنس ﵁ هذا منسوخ من جهة ما ذكرت وقد ثبت وجوب القود في القتل بالحجر في حديث أنس ﵁. وإنما قلت: إن القصاص بالحجر قد يجوز أن يكون منسوخًا لما قد ذكرت من الحجة في ذلك. فحديث أنس ﵁ في إيجاب القود عندنا غير منسوخ. وفي كيفية القود الواجب به يحتمل أن يكون منسوخًا على ما فسرنا وبينا في الباب الذي قبل هذا الباب. فكان من حجة الذين قالوا: إن القتل بالحجر لا يوجب القود في دفع حديث أنس ﵁ أنه قد يحتمل أن يكون ما أوجب النبي ﷺ من القتل في ذلك حقا الله ، وجعل اليهودي كقاطع الطريق الذي يكون ما وجب عليه حدا من حدود الله . فإن كان ذلك كذلك، فإن قاطع الطريق إذا قتل بحجر أو بعصًا وجب عليه القتل في قول الذين زعموا أنه لا قود على من قتل بعضًا، وقد قال بهذا القول جماعة من أهل النظر. وقد قال أبو حنيفة ﵀ في الخناق أن عليه الدية، وأنه لا يقتل إلا أن يفعل ذلك غير مرة فيقتل ويكون ذلك حدًا من حدود الله . فقد يجوز أن يكون النبي ﷺ قتل اليهودي على ما في حديث أنس ﵁ لأنه وجب عليه القتل الله كما يجب على قاطع الطريق.

стр. 2687

فإن كان ذلك كذلك فإن أبا حنيفة ﵀ يقول: كل من قطع الطريق فقتل بعضًا أو حجر، أو فعل ذلك في المصر يكون حكمه فيما فعل حكم قاطع الطريق، وكذلك الخناق الذي قد فعل ذلك غير مرة أنه يقتل. وقد كان ينبغي في القياس على قوله أن يكون يجب على من فعل ذلك مرةً واحدةً القتل ويكون ذلك حدا من حدود الله ، كما يجب إذا فعله مراراً، لأنا رأينا الحدود يوجبها انتهاك الحرمة مرةً واحدةً، ثم لا يجب على من انتهك تلك الحرمة ثانيةً إلا ما كان وجب عليه في انتهاكها في البدء. فكان النظر فيما وصفنا أن يكون الخناق كذلك أيضًا، وأن يكون حكمه في أول مرة هو حكمه في آخر مرة، هذا هو النظر في هذا الباب. وفي ثبوت ما ذكرنا ما يدفع أن يكون في حديث أنس ﵁ حجة على من يقول: من قتل رجلًا بحجر فلا قود عليه. وكان من حجة أبي حنيفة ﵀ أيضًا في قوله هذا ما ٤٦٩٢ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل، فضربت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق،

стр. 2688

ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل (١)، فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجعه" (٢). ٤٦٩٣ - حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نضلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة أن امرأتين ضربت إحداهما الأخرى بعمودا بعمود الفسطاط فقتلتها. فقضى رسول الله ﷺ بالدليلة على عصبة القاتلة، وقضى فيما في بطنها بغرة، والغرة عبد أو أمة، فقال الأعرابي: أغرم من لا طعم، ولا شرب، ولا صاح، ولا استهل، ومثل ذلك يطل. فقال: "سجع كسجع الأعراب" (٣). ٤٦٩٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال أخبرنا زائدة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نضلة عن المغيرة، عن النبي ﷺ … مثله (٤).

стр. 2689

قالوا: فهذه الآثار تخبر أن النبي ﷺ لم يقتل المرأة القاتلة بالحجر ولا بعمود الفسطاط وعمود الفسطاط يقتل مثله. فدل ذلك على أنه لا قود على من قتل بخشبة وإن كان مثلها يقتل. فكان من حجة من خالفهم في ذلك أن قال: فقد روى حمل عن النبي ﷺ خلاف هذا فذكر ما ٤٦٩٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ نشد الناس قضاء رسول الله ﷺ في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: إني كنت بين امرأتين، وإن إحداهما ضربت الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة، وأن تقتل مكانها (١). ٤٦٩٦ - حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا هشام بن سليمان

стр. 2690

المخزومي (١)، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار عن طاوس، عن ابن عباس … مثله، غير أنه لم يذكر قوله: وأن تقتل مكانها (٢). قال أبو جعفر: فهذا حمل بن مالك ﵁ يروي عن النبي ﷺ أنه قتل المرأة بالتي قتلتها بالمسطح. فقد خالف أبا هريرة والمغيرة ﵄ فيما رويا عن النبي ﷺ من قضائه بالدية في ذلك. فقد تكافأت الأخبار في ذلك. فلما تكافأت واختلفت وجب النظر في ذلك لنستخرج من القولين قولا صحيحًا فاعتبرنا ذلك. فوجدنا الأصل المجتمع عليه أن من قتل رجلًا بحديدة عمداً فعليه القود وهو آثم في ذلك، ولا كفارة عليه في قول أكثر الفقهاء. وإذا قتله خطأً فالدية على عاقلته، والكفارة عليه ولا إثم عليه فكانت الكفارة تجب حيث يرتفع الإثم. وترتفع الكفارة حيث يجب الإثم. ورأينا شبه العمد قد أجمعوا أن الدية فيه، وأن الكفارة فيه واجبة، واختلفوا في كيفيتها ما هي؟ فقال قائلون: هو الرجل يقتل رجلًا متعمداً بغير سلاح. وقال آخرون: هو الرجل يقتل الرجل بالشيء الذي لا يرى أنه يقتله كأنه يتعمد ضرب رجل بسوط أو بشيء لا يقتل مثله، فيموت من ذلك فهذا شبه العمد عندهم.

стр. 2691

فإن كرر عليه الضرب بالسوط مرارًا حتى كان ذلك مما قد يقتل جملته كان ذلك عمدًا، ووجب عليه فيه القود. فكل من جعل منه شبه العمد على جنس من هذين الجنسين أوجب فيه الكفارة. وقد رأينا الكفارة فيما قد أجمع عليه الفريقان تجب حيث لا يجب الإثم، وتنتفي حيث يكون الإثم، وكان القاتل بحجر أو بعصا، أو مثل ذلك يقتل عليه إثم النفس وهو فيما بينه وبين ربه كمن قتل رجلًا بحديدة، وكان من قتل رجلًا بسوط ليس مثله يقتل غير آثم إثم القتل ولكنه آثم إثم الضرب، فكان إثم القتل في هذا عنه مرفوعا:، لأنه لم يرده، وإثم الضرب عليه مكتوب لأنه قصده وأراده. فكان النظر أن يكون شبه العمد الذي قد أجمع أن فيه الكفارة في النفس هو ما لا إثم فيه وهو القتل بما ليس مثله يقتل الذي يتعمد به الضرب، ولا يراد به تلف النفس فيأتي ذلك على تلف النفس. فقد ثبت بذلك قول أهل هذه المقالة وهو قول أبي يوسف ومحمد ﵀. وقد روي ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁. ٤٦٩٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم البركي، قال: ثنا عبد الواحد قال: ثنا الحجاج قال: حدثني زيد بن جبير الجشمي، عن جروة بن حُمَيل، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل آكلة اللحم، قال الحجاج: يعني

стр. 2692

العصا، ثم يقول: لا قود علي، لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدته (١). وقد روي عن علي ﵁ خلاف ذلك. ٤٦٩٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، قال شبه العمد بالعصا والحجر الثقيل وليس فيهما قود (٢).

стр. 2693

٤ - باب شبه العمد هل يكون فيها دون النفس كما يكون في النفس؟ قال أبو جعفر ﵀: فإن قال قائل: لما ثبت عن رسول الله ﷺ أن النفس قد يكون فيها شبه العمد كان كذلك فيما دون النفس وذكر في ذلك الآثار التي رويناها عن رسول الله ﷺ التي فيها، ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر، فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفةً في بطونها أولادها. فكان من حجتنا عليه في ذلك أنه قد روي عن رسول الله ﷺ في النفس ما قد روي عنه فيها. وقد روي عنه فيها دون النفس ما يخالف ذلك وهو ما قد ذكرناه بإسناده في أول هذا الكتاب في خبر الربيع أنها لطمت جاريةً فكسرت ثنيتها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فأمر بالقصاص. وقد رأينا اللطمة إذا أتت على النفس لم يجب فيها قود، ورأيناها فيما دون النفس قد أوجبت القود. فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد أنه فيما دون النفس عمد على تصحي هذه الآثار. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.

стр. 2694

٥ - باب: الرجل يقول عند موته: إن متُّ ففلان قتلني قال أبو جعفر ﵀: قد روينا فيما تقدم من هذا الباب: أن رسول الله ﷺ لما سأل الجارية التي رضخ رأسها: "من رضخ رأسك أفلان هو؟ " فأومت برأسها أي نعم، فأمر رسول الله ﷺ برضخ رأسه بين حجرين. فذهب قوم (١) إلى هذا الحديث فزعموا أنهم قلدوه وقالوا من ادعى - وهو في حال الموت - أن فلانًا قتله ثم مات، قبل قوله في ذلك، وقتل الذي ذكر أنه قتله. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﷺ سأل اليهودي فأقر بما ادعت الجارية عليه من ذلك، فقتله بإقراره لا بدعوى الجارية. فاعتبرنا الآثار التي قد جاءت في ذلك هل نجد فيها على شيء من ذلك دليلا؟ ٤٦٩٩ - فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ نحوه، وزاد قال فسأله فأقر بما ادعت، فرضخ رأسه بين حجرين (٣).

стр. 2695

٤٧٠٠ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي قال: أنا همام، عن قتادة، عن أنس أن يهوديا رضخ رأس جارية بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا؟ أفلان أفلان؟ ذكروا اليهودي فأتي به فاعترف فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة (١). فبين هذا الحديث أن النبي ﷺ إنما قتله بإقراره بما ادعى عليه لا بالدعوى. وقد بين ذلك أيضًا ما قد أجمعوا عليه. ألا ترى أن رجلاً لو ادعى على رجل دعوى قتل أو غيره، فسأل المدعى عليه عن ذلك، فأومأ برأسه أي: نعم أنه لا يكون بذلك مقراً. فإذا كان إيماء المدعى عليه برأسه لا يكون منه إقرارًا يجب به عليه حق، كان إيماء المدعي برأسه أحرى أن لا يوجب له حقا. ٤٧٠١ - وقد حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٢).

стр. 2696

فمنع رسول الله ﷺ أن يعطى أحد بدعواه دماً أو مالا ولم يوجب للمدعى فيه بدعواه إلا باليمين. فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجه ذلك من طريق النظر فإنهم قد أجمعوا أن رجلًا لو ادعى في حال موته أن له على رجل دراهم (١) ثم مات أن ذلك غير مقبول منه وأنه في ذلك كهو في دعواه في حال الصحة. فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو في دعواه الدم في تلك الحال كهو في دعواه ذلك في حال الصحة. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين ٤٧٠٢ - حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا خالد بن نزار قال: أخبرنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كنت عاملاً لابن الزبير على الطائف فكتبت إلى ابن عباس في امرأتين كانتا في بيت تخرزان حريرًا (٢) لهما فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفى فجرحتها،

стр. 2697

فخرجت وهي تدمى وفي الحجرة حدات (١) فقالت: أصابتني فأنكرت ذلك الأخرى. فكتبت في ذلك إلى ابن عباس فكتب إلي: إن رسول الله ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه، ولو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء رجال وأموالهم فادعها فاقرأ هذه الآية عليها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية فقرأت عليها الآية فاعترفت، قال نافع فحسبت أنه قال فبلغ ذلك ابن عباس فسره (٢). ألا ترى أن ابن عباس ﵄ قد رد حكمها في ذلك إلى حكم سائر ما يدعي الناس بعضهم على بعض والله أعلم.

стр. 2698

٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمدًا ٤٧٠٣ - حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: أخبرنا سفيان. (ح) وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أسباط، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: سألت عليا هل عندكم من رسول الله ﷺ علم غير القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا من رسول الله ﷺ سوى القرآن وما في هذه الصحيفة. قال: قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن المسلم إذا قتل الكافر متعمدًا لم يقتل به واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

стр. 2699

وخالفهم في ذلك آخرون (١) فقالوا: بل يقتل به. وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الكلام الذي حكاه أبو جحيفة في هذا الحديث عن علي ﵁ لم يكن منفردًا (٢) ولو كان منفردًا لاحتمل ما قالوا: ولكنه كان موصولاً بغيره ٤٧٠٤ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ عهدًا لم يعهده إلى الناس عامةً؟ قال: لا إلا ما كان في كتابي هذا، فأخرج كتابًا من قراب سيفه، فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ومن أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٣).

стр. 2700

فهذا هو حديث علي ﵁ بتمامه، والذي فيه من نفي قتل المؤمن بالكافر هو قوله" لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده. فاستحال أن يكون معناه على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، لأنه لو كان معناه على ما ذكروا لكان ذلك لحنًا ورسول الله ﷺ أبعد الناس من ذلك، ولكان لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذي عهد في عهده. فلما لم يكن لفظه كذلك، وإنما هو: "ولا ذو عهد في عهده علمنا بذلك أن ذا العهد هو المعني بالقصاص، فصار ذلك كقوله "لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر". وقد علمنا أن ذا العهد كافر، فدل ذلك أن الكافر الذي منع النبي ﷺ أن يقتل به المؤمن في هذا الحديث هو الكافر الذي لا عهد له. فهذا مما لا اختلاف فيه بين المسلمين أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي، وأن ذا العهد الكافر الذي قد صارت له ذمة لا يقتل به أيضًا. وقد نجد مثل هذا كثيرًا في القرآن قال الله تعالى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فكان معنى ذلك "واللائي يئسن من المحيض" واللائي لم يحضن "إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر" فقدم وأخر.
следующие страницы →