← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

عشرًا، واحمدا عشرًا، وإذا آويتما إلى فراشكما .... " ثم ذكر مثل ما في حديث سليمان (١). ٤٨٥٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني عياش بن عقبة، قال: حدثني الفضل بن حسن بن عمرو، عن ابن أم الحكم، أن أمه، حدثته أنها ذهبت هي وأختها (٢) حتى دخلتا على فاطمة، فخرجن جميعًا، فأتين رسول الله ﷺ وقد أقبل من بعض مغازيه ومعه رقيق، فسألته أن يخدمهن، فقال رسول الله ﷺ سبقكن يتامى أهل بدر (٣). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٤) إلى أن ذوي قرابة رسول الله ﷺ لا سهم لهم من

стр. 2802

الخمس معلوم، ولا حظ لهم منه خلاف حظ غيرهم. قالوا: وإنما جعل الله لهم ما جعل من ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وبقوله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين﴾ [الحشر: ٧] لحال فقرهم وحاجتهم، فأدخلهم مع الفقراء والمساكين فكما يخرج الفقير واليتيم والمسكين من ذلك لخروجهم من المعنى الذي به استحقوا ما استحقوا من ذلك، فكذلك ذوو قرابة رسول الله ﷺ المضمومون معهم إنما كانوا ضموا معهم لفقرهم، فإذا استغنوا خرجوا من ذلك. وقالوا لو كان لقرابة رسول الله ﷺ في ذلك حظ لكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ منهم، إذ كانت أقربهم إليه نسبًا، وأمسهم به رحمًا، فلم يجعل لها حظا في السبي الذي ذكرنا، ولم يخدمها منه خادمًا ولكنه وكلها إلى ذكر الله ؛ لأن ما تأخذ من ذلك، إنما حكمها فيه حكم المسكين فيما يأخذ من الصدقة، فرأى أن تركها ذلك والإقبال على ذكر الله وتسبيحه وتهليله خير لها من ذلك وأفضل. وقد قسم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما بعد وفاة رسول الله ﷺ جميع الخمس، فلم يريا القرابة رسول الله ﷺ في ذلك لا حقا خلاف حق سائر المسلمين، فثبت بذلك أن هذا هو الحكم عندهما، وثبت أنه لم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولم يخالفهما فيه أن ذلك كان رأيهم فيه أيضًا.

стр. 2803

وإذا ثبت الإجماع في ذلك من أبي بكر وعمر ﵄ ومن جميع أصحاب رسول الله ﷺ ثبت القول به ووجب العمل به، وترك خلافه، ثم هذا علي ﵁، لما صار الأمر إليه حمل الناس على ذلك أيضًا. وذكروا في ذلك ما ٤٨٥٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق، قال: سألت أبا جعفر فقلت: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ حيث ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك به والله سبيل أبي بكر وعمر ﵄ فقلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أم والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره والله أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر ﵄ (١). فهذا علي بن أبي طالب ﵁، قد أجراه على ما كان أبو بكر وعمر ﵄ أجرياه عليه؛ لأنَّه رأى ذلك عدلًا، ولو كان رأيه خلاف ذلك مع علمه ودينه وفضله إذًا لرده إلى ما رأى. واحتجوا في ذلك أيضًا بما ٤٨٥٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال: سألت الحسن بن محمد بن علي عن قول الله

стр. 2804

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فقال: أما قوله: "فأن الله خمسه" فهو مفتاح كلام الله الدنيا والآخرة، للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين (١). واختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال قائل منهم: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة. وقال قائل: سهم النبي ﷺ للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، ، فكان ذلك في إمارة أبي بكر وعمر ﵄ قال: أفلا ترى أن ذلك مما قد اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ أنه راجع إلى الكراع والسلاح الذي يكون عدةً للمسلمين لقتال عدوهم، ولو كان ذلك لذوي قرابة رسول الله ﷺ لما منعوا منه، ولا صرف إلى غيرهم، ولا خفي ذلك على الحسن بن محمد مع علمه في أهله، وتقدمه فيهم، وقد قال ذلك أيضًا عبد الله بن عباس ﵄ في جوابه لنجدة لما كتب إليه يسأله عن سهم ذوي القربى. وذكروا في ذلك ما ٤٨٥٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال حدثني عمي جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب أن يزيد بن هرمز حدثه، أن نجدة

стр. 2805

صاحب اليمامة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربي، فكتب إليه ابن عباس: إنه لنا، وقد كان دعانا عمر بن الخطاب ﵁ لننكح منه أيمنا، ونقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا كله، ورأينا أنه لنا (١). ٤٨٥٧ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت قيسًا يحدث، عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن سهم ذوي القربي الذي ذكر الله وفرض لهم، فكتب إليه وأنا شاهد: كنا نرى أنهم قرابة رسول الله ﷺ فأبى ذلك علينا قومنا (٢). فهذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يخبر أن قومهم أبوا عليهم أن يكون لهم، ولم يظلم من أبى ذلك عليه. فدل أن ما أريد في ذلك بقرابة رسول الله ﷺ هو ما ذكرنا من الفقر والحاجة، فهذه حجج من ذهب إلى أن ذوي القربى لا سهم لهم من الخمس، وأن ذلك لم يكن لهم في عهد رسول الله ﷺ ولا من بعده.

стр. 2806

وقد خالفهم في ذلك آخرون (١)، فقالوا: قد كان لهم سهم على عهد رسول الله ﷺ ، وهو خمس الخمس، وكان لرسول الله ﷺ أن يضعه فيمن شاء منهم. وذكروا في ذلك ما ٤٨٥٨ - حدثنا محمد بن بحر بن مطر، وعلي بن شيبة البغداديان، قالا: ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربي، أعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني أمية شيئًا، فأتيت أنا وعثمان ﵁ رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم فضلهم الله بك، فما بالنا وبني المطلب؟ وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد فقال: "إن بني المطلب لم يفارقوني في الجاهلية ولا في الإسلام" (٢). قالوا: فلما أعطى رسول الله ﷺ ذلك السهم بعض القرابة، وحرم من قرابته منه

стр. 2807

كقرابتهم، ثبت بذلك أن الله لم يرد بما جعل لذوي القربى كل قرابة رسول الله ﷺ ، وإنما أراد به خاصا منهم، وجعل الرأي في ذلك إلى رسول الله ﷺ يضعه فيمن شاء منهم، وإذا مات فانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك، كما قد جعل لرسول الله ﷺ أن يصطفي من المغنم لنفسه سهم الصفي، فكان ذلك له ما كان حيا يختار لنفسه من المغنم ما شاء، فلما مات انقطع ذلك. وممن ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، ﵏ وخالفهم في ذلك آخرون (١)، فقالوا: بل ذوي القربى الذين جعل الله لهم من ذلك ما جعل هم: بنو هاشم، وبنو المطلب، فأعطاهم رسول الله ﷺ ما أعطاهم من ذلك بجعل الله ذلك لهم، ولم يكن له حينئذ أن يعطي غيرهم من بني أمية وبني نوفل؛ لأنهم لم يدخلوا في الآية، وإنما دخل فيها من قرابة رسول الله ﷺ بنو هاشم، وبنو المطلب خاصةً. فلما اختلفوا في هذا الاختلاف، فذهب كل فريق إلى ما ذكرنا، واحتج لقوله بما وصفنا وجب أن نكشف كل فريق منها، وما ذكرنا من حجة قائله لنستخرج من هذه الأقاويل قولًا صحيحًا. فنظرنا في ذلك، فابتدأنا بقول الذين نفوا أن يكون لهم في الآية شيء بحق

стр. 2808

القرابة، وإنما جعل لهم منها ما جعل لحاجتهم وفقرهم كما جعل للمسكين واليتيم فيها ما جعل لحاجتهما وفقرهما، فإذا ارتفع الفقر عنهم جميعًا ارتفعت حقوقهم من ذلك، فوجدنا رسول الله ﷺ ، قد قسم سهم ذوي القربى حين قسمه فأعطى بني هاشم، وبني المطلب، وعمهم جميعًا، وقد كان فيهم الغني والفقير. فثبت بذلك أنه لو كان ما جعل لهم في ذلك، هو لعلة الفقر، لا لعلة القرابة، إذا لما دخل أغنياؤهم مع فقرائهم فيما جعل لهم من ذلك، ولقصد إلى الفقراء منهم دون الأغنياء، فأعطاهم كما فعل في اليتامى، فلما أدخل أغنياءهم وفقرائهم ثبت بذلك أنه قصد بذلك إلى أعيان القرابة لعلة قرابتهم، لا لعلة فقرهم. وأما ما ذكروا من حديث فاطمة ﵂ حيث سألت رسول الله ﷺ أن يخدمها خادمًا من السبي الذي كان قدم عليه فلم يفعل، ووكلها إلى ذكر الله ، والتسبيح فهذا ليس فيه عندنا دليل لهم على ما ذكروا؛ لأن رسول الله ﷺ لم يقل لها عندما سألته: لا حق لك فيه، ولو كان ذلك كذلك، لبين لها كما بينه للفضل بن العباس وربيعة ابن الحارث حين سألا أن يستعملها على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تحل لمحمد، ولا لأحد من أهل بيته. وقد يجوز أيضًا أن يكون لم يعطها الخادم حينئذ؛ لأنَّه لم يكن قسم، فلما قسم أعطاها حقها من ذلك، وأعطى غيرها أيضًا حقه، فيكون تركه إعطاءها إنما كان لأنَّه لم يقسم، ودلها على تسبيح الله، وتحميده وتهليله الذي يرجو لها به الفوز من الله تعالى،

стр. 2809

والزلفى عنده، وقد يجوز أن يكون قد منعها من ذلك بعدما قسم، ولا نعلم في الآثار ما يدفع شيئًا من ذلك. وقد يجوز أن يكون منعها لأنها ليست قرابةً، ولكنها أقرب من القرابة؛ لأن الولد لا يقال هو من قرابة أبيه، إنما يقال ذلك لمن غيره أقرب إليه منه، ألا ترى إلى قول الله : ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، فجعل الوالدين غير الأقربين؛ لأنهم أقرب من الأقربين، فكما كان الوالد يخرج من قرابة ولده فكذلك الولد يخرج من قرابة والده. وقد قال محمد بن الحسن ﵀، نحوا مما ذكرنا في رجل قال: قد أوصيت بثلث مالي لقرابة فلان أن والديه وولده لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم أقرب من القرابة، وليسوا بقرابة، واعتل في ذلك بهذه الآية التي ذكرنا. فهذا وجه آخر، فارتفع بما ذكرنا أن يكون لهم أيضًا بحديث فاطمة ﵂ هذا حجة في نفي سهم ذوي القربى، وأما ما احتجوا به من فعل أبي بكر وعمر ﵄، وأن أصحاب رسول الله ﷺ لم ينكروا ذلك عليهما، فإن هذا مما يتبع فيه اجتهاد الرأي، فرأيا هما ذلك واجتهدا، فكان ما أداهما إليه اجتهادهما هو ما رأيا في ذلك فحكما به، وهو الذي كان عليهما، وهما في ذلك مثابان مأجوران. وأما قولهم: ولم ينكر ذلك عليهما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكيف يجوز أن ينكر ذلك عليهما أحد، وهما إماما عدل، رأيا رأيًا فحكما به، وفعلا في ذلك الذي كلفا

стр. 2810

ولكن قد رأى في ذلك غيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ خلاف ما رأيا، فلم يعنفوهما فيما حكما به من ذلك، إذ كان الرأي في ذلك واسعًا، والاجتهاد للناس جميعًا، فأدى أبا بكر وعمر ﵄ رأيهما في ذلك إلى ما رأيا وحكما، وأدى غيرهما ممن خالفها اجتهاده في ذلك إلى ما رآه، وكل مشكور وكل مأجور في اجتهاده في ذلك، مثاب مؤد للفرض الذي عليه، ولم ينكر بعضهم على بعض قوله؛ لأن ما خالفه إليه هو الرأي، والذي قاله مخالفه هو رأي أيضًا، ولا توقيف مع واحد منهما لقوله، من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع. والدليل على أن أبا بكر وعمر ﵄، قد كانا خولفا فيما رأيا من ذلك قول ابن عباس ﵄: قد كنا نرى أنا نحن هم قرابة رسول الله ﷺ ، فأبى ذلك علينا قومنا، فأخبر أنهم رأوا في ذلك رأيًا، أباه عليهم قومهم، وأن عمر ﵁ دعاهم إلى أن يزوج منه أيمهم ويكسو منه عاريهم، قال: فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله، فدل ذلك أنهم قد كانوا على هذا القول في خلافة عمر بعد أبي بكر ﵄، وأنهم لم يكونوا نزعوا عما كانوا رأوا من ذلك لرأي أبي بكر، ولرأي عمر رضي الله تعالى عنهما فدل ما ذكرنا أن حكم ذلك كان عند أبي بكر وعمر ﵄ وعند سائر أصحاب رسول الله ﷺ كحكم الأشياء التي يختلف فيها الذي يتسع فيها اجتهاد الرأي. وأما قولهم: ثم أفضي الأمر إلى علي بن أبي طالب ﵁، فلم يغير شيئًا من ذلك عما كان وضعه عليه أبو بكر وعمر ﵄، قالوا: فذلك دليل على أنه

стр. 2811

قد كان رأى في ذلك أيضًا مثل الذي رأيا، فليس ذلك كما ذكروا؛ لأنَّه لم يكن بقي في يد علي ﵁ ما كان وقع في يد أبي بكر وعمر ﵄ من ذلك شيء؛ لأنهما لما وقع في أيديهما أنفداه في وجوهه التي رأياها في ذلك الذي كان عليهما. ثم أفضي الأمر إلى علي رضي الله تعالى عنه، فلم يعلم أنه سبي أحدًا ولا ظهر على أحد من العدو، ولا غنم غنيمةً يجب فيها خمس الله ؛ لأنَّه إنما كان شغله في خلافته كلها بقتال من خالفه ممن لا يسبى ولا يغنم، وإنما يحتج بقول علي ﵁ في ذلك لو سبى وغنم، ففعل في خمس ذلك مثل ما كان أبو بكر وعمر فعلا في الأخماس، فأما إذا لم يكن سبى ولا غنم، فلا حجة لأحد في تركه تغيير ما كان فعل قبله من ذلك، ولو كان بقي في يده من ذلك شيء، مما كان غنمه من كان قبله، فحرمه ذوي قرابة رسول الله ﷺ لما كان في ذلك أيضًا حجة تدل على مذهبه في ذلك كيف كان؟ لأن ذلك إنما صار إليه بعدما نفذ فيه الحكم من الإمام الذي كان قبله، فلم يكن له إبطال ذلك الحكم، وإن كان هو يرى خلافه؛ لأن ذلك الحكم مما يختلف فيه العلماء، ولو كان علي ﵁ رأى في ذلك ما كان أبو بكر وعمر ﵄ رأياه لكان في قرابة رسول الله ﷺ من قد خالفه لقول ابن عباس ﵄: كنا نرى أنا نحن هم، فأبى ذلك علينا قومنا. وهذه جوابات الحجج التي احتج بها الذين نفوا سهم ذوي القربى وذوي القرابة أن يكون واجبًا لهم بعد رسول الله ﷺ ولا في حياته، وأنهم كانوا في ذلك كسائر الفقراء فبطل هذا المذهب، وثبت أحد المذاهب الآخر.

стр. 2812

فأردنا أن ننظر في قول من جعله لقرابة الخليفة من بعد رسول الله ﷺ ، وجعل سهم رسول الله ﷺ للخليفة من بعده هل لذلك وجه؟ فرأينا رسول الله ﷺ قد كان فضل بسهم الصفي وبخمس الخمس، وجعل له مع ذلك في الغنيمة سهم كسهم رجل من المسلمين. ثم رأيناهم قد أجمعوا أن سهم الصفي ليس لأحد بعد رسول الله ﷺ في ذلك، وأن حكم رسول الله في ذلك بخلاف حكم الإمام من بعده، فثبت بذلك أيضًا أن حكمه في خمس الخمس خلاف حكم الإمام من بعده، وإذا ثبت أن حكمه فيما وصفناه خلاف حكم الإمام من بعده، ثبت بذلك أن حكم قرابته خلاف حكم قرابة الإمام من بعده، فثبت أحد القولين من الآخرين. فنظرنا في ذلك فإذا الله قد قال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فكان سهم الرسول جاريًا له ما كان حيا إلى أن مات، وانقطع بموته، وكان سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل بعد وفاة النبي ﷺ كما كان قبل ذلك. ثم اختلفوا في سهم ذوي القربى، فقال قوم: هو لهم بعد وفاة رسول الله ﷺ ، كما كان لهم في حياته. وقال قوم: قد انقطع عنهم بموته، وكان الله قد جمع كل قرابة رسول الله ﷺ في قوله: "ولذي القربى"، فلم يخص أحدا منهم دون أحد، ثم قسم ذلك النبي

стр. 2813

ﷺ ، فأعطى منهم بني هاشم وبني المطلب خاصةً، وحرم بني أمية، وبني نوفل وقد كانوا محصورين معدودين، وفيمن أعطى الغني والفقير، وفيمن حرم كذلك. فثبت أن ذلك السهم كان للنبي ﷺ ، يجعله في أي قرابته شاء، فصار بذلك حكمه حكم سهمه الذي كان يصطفيه لنفسه فلما كان ذلك مرتفعًا بوفاته غير واجب لأحد من بعده، كان هذا أيضًا كذلك مرتفعًا بوفاته، غير واجب لأحد من بعده. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، ﵏.

стр. 2814

٨ - باب النفل بعد الفراغ من قتال العدو، وإحراز الغنيمة ٤٨٥٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد، عن سليمان ابن موسى، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة: أن رسول الله ﷺ نفل في بدأته (١) الربع، وفي رجعته (٢) الثلث (٣). فذهب قوم (٤) إلى أن الإمام له أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها كما كان له قبل ذلك، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون (٥)، فقالوا: ليس للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، فأما من غير الخمس فلا؛ لأن ذلك قد ملكته المقاتلة، فلا سبيل للإمام عليه

стр. 2815

وقالوا: قد يحتمل أن يكون ما كان النبي ﷺ ينفله في الرجعة هو ثلث الخمس بعد الربع الذي كان نفله في البدأة، فلا يخرج مما قلنا. فقال لهم الآخرون: إن الحديث إنما جاء في أن رسول الله ﷺ كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث، فلما كان الربع الذي كان ينفله في البدأة، إنما هو الربع قبل الخمس، فكذلك الثلث الذي كان ينفله في الرجعة، هو الثلث أيضًا قبل الخمس، وإلا لم يكن لذكر الثلث معنًى. قيل لهم بل له معنًى صحيح، وذلك أن المذكور من نفله في البدأة هو الربع، مما يجوز له النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة هو الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس. فقال أهل المقالة الأولى: فقد روي حديث حبيب هذا بلفظ يدل على معنى ما قلنا. فذكروا ما. ٤٨٦٠ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس (١). ٤٨٦١ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن يزيد بن جابر، عن

стр. 2816

مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة، أن رسول الله ﷺ نفل الثلث بعد الخمس (١) (٢). ٤٨٦٢ - حدثنا فهد، وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان ينفل في الغزو الربع بعد الخمس، وينفل إذا قفل الثلث بعد الخمس (٣) (٤). قالوا: فدل ما ذكرنا أن ذلك الثلث الذي كان رسول الله ﷺ ينفل له في الرجعة، هو الثلث بعد الخمس. قيل لهم قد يحتمل هذا أيضًا ما ذكرنا. واحتجوا في ذلك أيضًا بما

стр. 2817

٤٨٦٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث (١). قيل لهم: وهذا الحديث أيضًا فقد يحتمل ما احتمله حديث حبيب بن مسلمة رضي عنه الذي أرسله أكثر الناس عن رضي مكحول أنه كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث. وقد يجوز أيضًا أن يكون عبادة ﵁ عني بقوله "وينفلهم إذا قفلوا الثلث"، فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال، فإذا كان ذلك كذلك، وكان الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس فذلك جائز عندنا أيضًا. لأنَّه يتوخى بذلك صلاح القوم، وتحريضهم على قتال عدوهم، فأما إذا كان القتال قد ارتفع، فلا يجوز النفل؛ لأنَّه لا منفعة للمسلمين في ذلك. واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما

стр. 2818

٤٨٦٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قالا: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: لما قربنا من المشركين أمرنا أبو بكر ﵁ فشننا الغارة عليهم، فنفلني أبو بكر ﵁ امرأةً من فزارة أتيت بها من الغارة، فقدمت بها المدينة فاستوهبها مني رسول الله ﷺ ، فوهبتها له، فبعث بها رسول الله ﷺ ففادى بها أناسًا من المسلمين (١). وكان من الحجة للآخرين عليهم أنه لم يذكر في ذلك الحديث أن أبا بكر ﵁ كان نفل سلمة قبل انقطاع الحرب أو بعد انقطاعها، فلا حجة في ذلك. واحتجوا لقولهم أيضًا بما ٤٨٦٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ بعث سريةً فيها ابن عمر فغنموا غنائم كثيرةً، فكانت غنائمهم لكل إنسان اثني عشر

стр. 2819

بعيرًا، ونفل كل إنسان منهم بعيرًا بعيراً سوى ذلك (١). قالوا: فهذا ابن عمر ﵄ يخبر أنهم قد نفلوا بعد سهامهم بعيرًا بعيرًا، فلم ينكر ذلك النبي ﷺ ، وقيل لهم: ما لكم في هذا الحديث من حجة، ولهو إلى الحجة عليكم أقرب منه إلى الحجة لكم؛ لأنَّه فيه فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا. ففي ذلك دليل أن ما نفلوا منه ما نفلوا من ذلك، كان من غير ما كانت فيه سهمانهم وهو الخمس، فلا حجة لكم بهذا الحديث من النفل من غير الخمس، فلما لم يكن في شيء مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم من الآثار ما يجب به ما قالوا أردنا أن ننظر فيما احتج به أهل المقالة الأخرى لقولهم من الآثار أيضًا، فنظرنا في ذلك ٤٨٦٦ - فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄، أن رسول الله ﷺ أخذ يوم حنين وبرةً (٢) من جنب بعير، ثم قال: "يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم، فأدوا الخيط والمخيط" قال: وكان رسول الله ﷺ يكره

стр. 2820

الأنفال، وقال: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم" (١). أفلا ترى أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس". فدل ذلك أن ما سوى الخمس من الغنائم للمقاتلة، لا حكم للإمام في ذلك، ثم كره رسول الله ﷺ الأنفال، وقال: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم" أي: لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه، ويستوون في ذلك. واستحال أيضًا أن يكون رسول الله ﷺ نفال من الأنفال ما كان يكره، فكان النفل الذي ليس بمكروه هو النفل الذي من الخمس، فثبت بذلك أن ما كان رسول الله ﷺ نفله مما رواه عبادة عنه في هذا الحديث، هو من الخمس. وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا ما يدل على صحة هذا المذهب. ٤٨٦٧ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية، عن معن بن يزيد السلمي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول "لا نفل إلا بعد الخمس" (٢).

стр. 2821

ومعنى قوله: إلا بعد الخمس -عندنا، والله أعلم- أي: حتى يقسم الخمس، فإذا قسم الخمس انفرد حق المقاتلة، وهو أربعة أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإمام من بعد أن آثر به أن يفعل ذلك من الخمس، لا من أربعة الأخماس التي هي حق المقاتلة. أي: وقد دل على ذلك أيضًا ما ٤٨٦٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن أنس بن مالك ﵁ كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة غزاها، فأصابوا سبيًا، فأراد عبيد الله أن يعطي أنسًا من السبي قبل أن يقسم، فقال أنس: لا، ولكن اقسم، ثم أعطني من الخمس قال: فقال عبيد الله: لا، إلا من جميع الغنائم، فأبى أنس أن يقبل منه، وأبي عبيد الله أن يعطيه من الخمس شيئا (١). ٤٨٦٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم عن كهمس بن الحسن، عن محمد بن سيرين، عن أنس ﵁ نحوه (٢). فهذا أنس رضي الله تعالى عنه، لم يقبل النفل إلا من الخمس. وقد روي مثل

стр. 2822

ذلك أيضًا عن جبلة بن عمرو. ٤٨٧٠ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار أنهم كانوا مع معاوية بن حديج في غزوة المغرب، فنفل الناس ومعنا أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم يردوا ذلك غير جبلة بن عمرو (١). ٤٨٧١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، قال: سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو، فقال: لم أر أحدًا صنعه غير أن ابن حديج، نفلنا بإفريقية النصف بعد الخمس، ومعنا من أصحاب رسول الله ﷺ لا من المهاجرين الأولين أناس كثير، فأبى جبلة بن عمرو أن يأخذ منها شيئًا (٢). فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله ﷺ سوى جبلة بن عمرو قد قبلوا. قيل له: قد صدقت، ونحن فلم ننكر أن الناس قد اختلفوا في ذلك، فمنهم من

стр. 2823

أجاز للإمام النفل قبل الخمس، ومنهم من لم يجزه، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قد كانوا في ذلك مختلفين، وإنما أردنا بما روينا عن أنس وجبلة ﵄ أن نخبر قولنا هذا قد تقدمنا فيه من ذكرنا من أصحاب رسول الله ﷺ . فإن قال قائل: فقد روي أيضًا عن سعد بن أبي وقاص في هذا، فذكر ٤٨٧٢ - ما حدثنا يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن الأسود بن قيس عن رجل من قومه يقال له: شبر بن علقمة قال: بارزت رجلًا يوم القادسية فقتلته، فبلغ سلبه اثني عشر ألفًا، فنفلنيه سعد بن أبي وقاص ﵁ (١). قيل له: قد يجوز أن يكون سعد نفله ذلك والقتال لم يرتفع، فإن كان كذلك، فهذا قولنا أيضًا، وإن كان إنما نفله بعد ارتفاع القتال، فقد يجوز أن يكون جعل ذلك من الخمس، فإن كان جعله من غير الخمس، فهذا فيه الذي ذكرنا من الاختلاف، فلم يكن في هذا الحديث لأحد الفريقين حجة إذ كان قد يحتمل ما قد صرفه إليه مخالفه ووجب بعد ذلك أن نكشف وجه هذا الباب لنعلم كيف حكمه من طريق النظر. فكان الأصل في ذلك أن الإمام إذا قال في حال القتال: من قتل قتيلًا فله سلبه، أن ذلك جائز، ولو قال من قتل قتيلًا فله كذا وكذا درهمًا، كان ذلك جائزا أيضًا، ولو قال: من قتل قتيلًا فله عشر ما أصبنا لم يجز ذلك؛ لأن هذا لو جاز جاز أن تكون الغنيمة

стр. 2824

كلها للمقاتلين، فيبطل حق الله تعالى فيها من الخمس، فكان النفل لا يكون قبل القتال إلا فيما أصابه المنفَّل بسيفه، ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون فيما حكمه حكم الإجارة، فيجوز ذلك كما تجوز الإجارة كقوله: من قتل قتيلًا فله عشرة دراهم، فذلك جائز. فلما كان ما ذكرنا كذلك، ولم يجز النفل إلا فيما أصاب المنفّل بسيفه، أو فيما جعل له بعمله، ولم يجز أن ينفل مما أصاب غيره، كان النظر على ذلك أيضا أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره. ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو، فكان ذلك قبل أن ينفله الإمام إياه قد وجب حق الله تعالى في خمسه، وحق المقاتلة في أربعة أخماسه، فلو أجزنا النفل إذًا لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه، وإنما يجوز النفل فيما يدخل في ملك المنفّل من ملك العدو، فأما ما قد زال عن ملك العدو وصار في ملك المسلمين، فلا نفل في ذلك؛ لأنَّه من مال المسلمين. فثبت بذلك أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة على ما قد بينا وفصلنا في هذا الباب، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، ﵏.

стр. 2825

٩ - باب: المدد يقدمون بعد الفراغ من القتال في دار الحرب بعدما ارتفع القتال قبل قفول العسكر، هل يسهم لهم أم لا؟ ٤٨٧٣ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن محمد ابن الوليد الزبيدي، عن ابن شهاب الزهري، أن عنبسة بن سعيد أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يحدث سعيد بن العاص ﵁، قال أبو هريرة: بعث النبي ﷺ أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما فتحها، وأن حزم خيلهم الليف فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، وقال أبو هريرة، فقلت: لا تقسم لهم شيئًا يا نبي الله قال أبان أنت بهذا يا وبر تحدر [علينا من رأس ضال] (١)، فقال النبي ﷺ : اجلس يا أبان فلم يقسم لهم شيئًا (٢). قال أبو جعفر فذهب قوم (٣) إلى أنه لا يسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة.

стр. 2826

وخالفهم في ذلك آخرون (١) فقالوا: يقسم لكل من حضر الوقعة، ولمن كان غائبًا عنها في شيء من أسبابها، فمن ذلك من خرج يريدها، فلم يلحق بالإمام حتى ذهب القتال، غير أنه لحق به في دار الحرب قبل خروجه منها قسم له. واحتجوا في ذلك بما ٤٨٧٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا كليب بن وائل، قال: حدثني هانئ بن قيس، عن حبيب بن أبي مليكة، قال: كنت قاعدًا إلى جنب ابن عمر ﵁، فأتاه رجل، فقال: هل شهد عثمان بدرًا؟ فقال: لا، ولكن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: "إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله" فضرب له بسهم، ولم يضرب لأحد غاب يوم بدر غيره (٢). ٤٨٧٥ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا معاوية بن عمرو الأزدي، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن كليب بن وائل … ثم ذكر بإسناده مثله (٣) (٤).

стр. 2827

أفلا ترى أن رسول الله ﷺ قد ضرب لعثمان في غنائم بدر بسهم ولم يحضرها، لأنَّه كان غائبًا في حاجة الله وحاجة رسوله، فجعله رسول الله ﷺ كمن حضرها، فكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل الحرب بشغل يشغله به الإمام من أمور المسلمين، مثل أن يبعثه إلى شق آخر من دار الحرب لقتال قوم آخرين، فيصيب الإمام غنيمةً بعد مفارقة ذلك الرجل إياه، أو يبعث برجل ممن معه من دار الحرب إلى دار الإسلام ليمده بالسلاح والرجال، فلا يعود ذلك الرجل إلى الإمام حتى يغنم غنيمةً فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها. وكذلك من أرادها فرده الإمام عنها، وشغله بشيء من أمور المسلمين، فهو كمن حضرها، وعلى هذا الوجه -عندنا، والله أعلم- أسهم النبي ﷺ لعثمان بن عفان في غنائم بدر، ولولا ذلك لما أسهم له كما لم يسهم لغيره ممن غاب عنها؛ لأن غنائم بدر لو كانت وجبت لمن حضرها دون من غاب عنها إذًا لما ضرب النبي ﷺ لغيرهم فيها بسهم ولكنها وجبت لمن حضر الوقعة ولكن من بذل نفسه لها فصرفه الإمام عنها وشغله بغيرها من أمور المسلمين كمن حضرها. وأما حديث أبي هريرة ﵁، فإنما ذلك -عندنا، والله أعلم- على أن النبي ﷺ وجه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر، فتوجه أبان إلى ذلك، ثم حدث من خروج النبي ﷺ إلى خيبر ما حدث، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك عن

стр. 2828

حضور خيبر ليس هو شغل شغله النبي ﷺ عن حضورها بعد إرادته إياه، فيكون كمن حضرها. فهذان الحديثان أصلان، فكل من أراد الخروج مع الإمام إلى قتال العدو فرده الإمام عن ذلك بأمر آخر من أمور المسلمين، فتشاغل به حتى غنم الإمام غنيمةً فهو كمن حضر مع الإمام يسهم له في الغنيمة كما يسهم لمن حضرها، وكل شيء تشاغل به رجل من شغل نفسه أو شغل المسلمين مما كان دخوله فيه متقدمًا، ثم حدث للإمام قتال العدو، فتوجه له فغنم فلا حق لذلك الرجل في الغنيمة، وهي بين من حضرها وبين من حكمه حكم الحاضر لها. واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا، بما ٤٨٧٦ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: إن أهل البصرة غزَوْا نُهاوند (١) وأمدهم أهل الكوفة فظفروا، فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة، وكان عمار ﵁ على أهل الكوفة، فقال رجل من بني عطارد: أيها الأجدع (٢) تريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال: خير أذني سينبت، قال: فكتب في ذلك إلى عمر ﵁ فكتب: عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة (٣).

стр. 2829

قالوا: فهذا عمر ﵁ قد ذهب أيضًا إلى أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، فقد وافق هذا قولنا، قيل لهم قد يجوز أن تكون نُهاوَند فتحت وصارت دار الإسلام، وأحرزت الغنائم، وقسمت قبل ورود أهل الكوفة، فإن كان ذلك كذلك، فإنا نحن نقول أيضًا: إنما الغنيمة في ذلك لمن شهد الوقعة، فإن كان جواب عمر ﵁ الذي في هذا الحديث لما كتب به إليه إنما هو لهذا السؤال، فإن ذلك مما لا اختلاف فيه، وإن كان على أن أهل الكوفة لحقوا بهم قبل خروجهم من دار الشرك بعد ارتفاع القتال، فكتب عمر ﵁: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. فإن في ذلك الحديث ما يدل على أن أهل الكوفة قد كانوا طلبوا أن يقسم لهم، وفيهم عمار بن ياسر، ومن كان فيهم غيره من أصحاب رسول الله ﷺ فهم ممن يكافأ قولهم بقول عمر ﵁ فلا يكون واحد من القولين أولى من الآخر إلا بدليل يدل عليه، إما من كتاب، وإما من سنة، وإما من نظر صحيح. فنظرنا في ذلك، فرأينا السرايا المبعوثة من دار الحرب إلى بعض أهل الحرب أنهم إذا غنموا، فهو بينهم وبين سائر أصحابهم، وسواء في ذلك من كان خرج في تلك السرية، ومن لم يخرج؛ لأنهم قد كانوا بذلوا لهم من أنفسهم ما بذل الذين أسروا، فلم يفضل في ذلك بعضهم على بعض، وإن كان ما لقوا من القتال مختلفًا، فالنظر على ذلك

стр. 2830

أن يكون كذلك من بذل نفسه بمثل ما بذل به نفسه من حضر الوقعة، فهو في ذلك كمن حضر الوقعة، إذا كان على الشرائط التي ذكرنا في هذا الباب والله أعلم.

стр. 2831

١٠ - باب الأرض تفتح كيف ينبغي للإمام أن يفعل فيها؟ ٤٨٧٧ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ قال: لولا أن يكون الناس بيَّانا (١) ليس لهم شيء، ما فتح الله على قرية إلا قسمتها، كما قسم رسول الله ﷺ خيبر (٢). ٤٨٧٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول … فذكر نحوه (٣). قال أبو جعفر فذهب قوم (٤) إلى أن الإمام إذا فتح أرضًا عنوةً وجب عليه أن يقسمها كما تقسم الغنائم، وليس له احتباسها كما ليس له احتباس سائر الغنائم، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

стр. 2832

وخالفهم في ذلك آخرون (١)، فقالوا: إن الإمام بالخيار إن شاء خمسها وقسم أربعة أخماسها، وإن شاء تركها أرض خراج ولم يقسمها. ٤٨٧٩ - حدثنا بذلك محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن أبي حنيفة وسفيان بذلك (٢). وهو قول أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله، وكان من الحجة لهم في ذلك ما قد روي عن رسول الله ﷺ ، فمن ذلك ما ٤٨٨٠ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس ﵄، قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم (٣). ٤٨٨١ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ عام خيبر عامل أهل خيبر بشطر ما

стр. 2833

خرج من الزرع (١). ٤٨٨٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: أفاء الله خيبر، فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة، فخرصها عليهم (٢). ٤٨٨٣ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا محمد بن سابق قال: ثنا إبراهيم بن طهمان … ثم ذكر (٣) بإسناده مثله (٤). فثبت بذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن قسم خيبر بكمالها ولكنه قسم طائفةً منها

стр. 2834

على ما احتج به عمر ﵁ في الحديث الأول، وترك طائفة منها فلم يقسمها على ما روي عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر ﵃ في هذه الآثار الآخر، والذي كان قسم منها هو الشق والنطاة، وترك سائرها، فعلمنا بذلك أنه قسم وله أن يقسم، وترك، وله أن يترك. فثبت بذلك أنه هكذا حكم الأرضين المفتتحة للإمام، قسمتها إن رأى ذلك صلاحًا للمسلمين كما قسم رسول الله ﷺ ما قسم من خيبر، وله تركها إن رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين أيضًا، كما ترك رسول الله ﷺ ما ترك من خيبر يفعل من ذلك ما رأى على التحري منه لصلاح المسلمين. وقد فعل عمر بن الخطاب ﵁ في أرض السواد مثل ذلك أيضًا، فتركها للمسلمين أرض خراج لينتفع بها من يجيء من بعده منهم، كما ينتفع بها من كان في عصره من المسلمين. فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون عمر ﵁ لم يفعل في السواد ما فعل من ذلك من جهة ما قلتم ولكن لأن المسلمين جميعًا رضوا بذلك. والدليل على أنهم قد كانوا رضوا بذلك أنه جعل الجزية على رقابهم فلم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون جعلها عليهم ضريبةً للمسلمين؛ لأنهم عبيد لهم، أو يكون جعل ذلك عليهم كما تجعل الجزية على الأحرار، لتحقن بذلك دماءهم. فرأينا قد أهمل نساؤهم ومشائخهم وأهل الزمانة منهم وصبيانهم وإن كانوا

стр. 2835

قادرين على الاكتساب أكثر مما يقدر عليه بعض البالغين، فلم يجعل على أحد مما ذكرنا من ذلك شيئًا، فدل ما بقي من ذلك أن ما أوجب ليس لعلة الملك، ولكنه لعلة الذمة وقبل ذلك جميع من افتتح تلك الأرض فكان أخذهم ذلك منه دليلا على إجازتهم لما كان عمر ﵁ فعل من ذلك. ثم رأيناه وضع على الأرضين شيئًا مختلفًا، فوضع على جريب الكرم شيئًا معلومًا، ووضع على جريب الحنطة شيئًا معلومًا، وأهمل النخل فلم يأخذ منها شيئًا، فلم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون يملك به القوم الذين قد ثبتت جزيتهم بثمار أرضيهم، والأرض ملك المسلمين، أو يكون جعل ذلك عليهم كما جعل الخراج على رقابهم، ولا يجوز أن يكون الخراج يجب إلا فيما ملكه بغير أخذ الخراج، فإن حملنا ذلك على التمليك من عمر ﵁ إياهم ثمر النخل والكرم بما جعل عليهم مما ذكرنا، جعل فعله ذلك قد دخل فيما قد نهى عنه رسول الله ﷺ ، من بيع السنين، ومن بيع ما ليس عندك، فاستحال أن يكون الأمر على ذلك، ولكن الأمر عندنا على أن تمليكه لهم الأرض التي أوجب هذا عليهم فيما قد تقدم على أن يكون ملكهم لذلك ملكا خراجيا. فهذا حكمه فيما يجب عليهم فيه، وقبل الناس جميعًا منه ذلك، وأخذوا منه ما أعطاهم مما أخذ منهم، فكان قبولهم لذلك إجازةً منهم لفعله. قالوا: فلهذا جعلنا أهل السواد مالكين لأرضهم، وجعلناهم أحرارًا للعلة المتقدمة، وكل هذا فإنما كان بإجازة القوم الذين غنموا تلك الأرض، ولولا ذلك لما جاز

стр. 2836

وكانوا على ملكهم. قالوا: فكذلك نقول: كل أرض مفتتحة عنوةً فحكمها أن تقسم كما تقسم الأموال: خمسها الله ، وأربعة أخماسها للذين افتتحوها، ليس للإمام منعهم من ذلك إلا أن تطيب أنفس القوم بتركها كما طابت أنفس الذين افتتحوا السواد لعمر ﵁ بما ذكرنا. وكان من الحجة للآخرين عليهم: أنا نعلم أن أرض السواد لو كانت كما ذكر أهل المقالة الأولى، لكان قد وجب فيها خمس الله بين أهله الذين جعله الله لهم، وقد علمنا أنه لا يجوز لإمام المسلمين أن يجعل ذلك الخمس ولا شيئًا منه لأهل الذمة، وقد كان أهل السواد الذين أقرهم عمر ﵁ قد صاروا أهل الذمة، وقد كان السواد بأسره في أيديهم، فثبت بذلك أن ما فعله عمر ﵁ من ذلك، كان من جهة غير الجهة التي ذكروا، وهو على أنه لم يكن وجب الله في ذلك خمس، وكذلك ما فعل في رقابهم، فمن عليهم بأن أقرهم في أرضهم، ونفى الرق عنهم، وأوجب الخراج عليهم في رقابهم وأرضهم، فملكوا بذلك أرضهم، وانتفى الرق عن رقابهم. فثبت بذلك أن للإمام أن يفعل هذا بما افتتح عنوةً، فينفى عن أهلها رق المسلمين، وعن أرضهم ملك المسلمين منه عليها، ويوجب ذلك لأهلها، ويضع عليهم ما يجب عليهم وضعه من الخراج، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه بحضرة أصحاب

стр. 2837

رسول الله ﷺ ، واحتج عمر ﵁ لذلك بقول الله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، ثم قال ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] فأدخلهم معهم، ثم قال ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد بذلك الأنصار، فأدخلهم معهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فأدخل فيها جميع من يجيء من بعدهم، فللإمام أن يفعل ذلك، ويضعه حيث رأى وضعه، فيما سمى الله في هذه السورة. فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وسفيان، وهو قول أبي يوسف ومحمد، ﵏. فإن احتج في ذلك محتج، بما ٤٨٨٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: لما وفد جرير بن عبد الله وعمار بن ياسر، وأناس من المسلمين إلى عمر بن الخطاب، قال عمر لجرير: يا جرير! والله لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسمت لكم، ولكني أرى أن أرده على المسلمين، فرده، وكان ربع السواد لبجيلة، فأخذه منهم، وأعطاهم ثمانين دينارًا (١). ٤٨٨٥ - حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال ثنا أبو أسامة، قال: حدثني إسماعيل،

стр. 2838

عن قيس، عن جرير، قال: كان عمر ﵁ قد أعطى بجيلة ربع السواد، فأخذناه ثلاث سنين، فوفد بعد ذلك جرير إلى عمر، ومعه عمار بن ياسر، فقال عمر ﵁ والله لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما كنت أعطيتكم فأرى أن تردوه على المسلمين، ففعل قال: فأجازني عمر ﵁ بثمانين دينارًا (١). قالوا: فهذا يدل على أن عمر ﵁ قد كان قسم السواد بين الناس، ثم أرضاهم بعد ذلك بما أعطاهم على أن يعود للمسلمين. قيل له: ما يدل هذا الحديث ظاهره على ما ذكرت، ولكن يجوز أن يكون عمر ﵁ فعل من ذلك في طائفة من السواد، فجعلها لبجيلة، ثم أخذ ذلك منهم للمسلمين، وعوضهم منه، عوضًا من مال المسلمين، فكانت تلك الطائفة التي جرى فيها هذا الفعل للمسلمين بما عوض عمر ﵁ أهلها ما عوضهم منها من ذلك، وما بقي بعد ذلك من السواد فعلى الحكم الذي قد بيناه لما تقدم في هذا الباب، ولولا ذلك لكانت أرض السواد أرض عشر، ولم تكن أرض خراج. فإن احتجوا في ذلك بما ٤٨٨٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاءت امرأة من بجيلة إلى عمر ﵁ فقالت: إن قومي رضوا منك من السواد بما لم أرض، ولست أرضى حتى تملأ كفي ذهبًا،

стр. 2839

وجملي طعامًا، أو كلامًا هذا معناه، ففعل ذلك بها عمر ﵁ (١). قيل لهم: هذا أيضًا -عندنا والله أعلم-، على الجزء الذي كان سلّمه عمر لبجيلة فملكوه، ثم أراد انتزاعه منهم، بطيب أنفسهم ولم يخرج حق تلك المرأة منه إلا بما طابت نفسها، فأعطاها عمر ما طلبت حتى رضيت فسلمت ما كان لها من ذلك، كما سلم سائر قومها حقوقهم. فهذا عندنا وجه هذا الباب كله من طريق الآثار، ومن طريق النظر على ما بينا وهو قول أبي حنيفة وسفيان وأبي يوسف، ومحمد، ﵏. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في أرض مصر أيضًا، ٤٨٨٧ - ما حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا محمد بن حِمْيَر، عن عمرو بن قيس السكوني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لما فتح عمرو بن العاص أرض مصر جمع من كان معه من أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم في قسمة أرضها بين من شهدها كما قسم بينهم غنائمهم، وكما قسم رسول الله ﷺ خيبر بين من شهدها أو يوقفها حتى يراجع في ذلك رأي أمير المؤمنين، فقال نفر منهم -فيهم الزبير بن العوام-، والله ما ذاك إليك ولا إلى عمر إنما هي

стр. 2840

أرض فتحها الله علينا، وأوجفنا عليها خيلنا ورجالنا، وحوينا ما فيها، فما قسمتها بأحق من قسمة أموالها، وقال نفر منهم: لا نقسمها حتى نراجع رأي أمير المؤمنين فيها، فاتفق رأيهم على أن يكتبوا إلى عمر ﵁ في ذلك، ويخبروه في كتابهم إليه مقاتلهم، فكتب إليهم عمر، بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد! فقد وصل إلى ما كان من إجماعكم على أن تغتصبوا عطايا المسلمين، ومؤن من يغزو أهل العدو، من أهل الكفر، وإني إن قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم من المسلمين مادةً يقوون به على عدوكم، ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله وأدفع عن المسلمين من مؤنهم، وأجري على ضعفائهم وأهل الديوان منهم لقسمتها بينكم، فأوقفوها فيئًا على من بقي من المسلمين حتى تنقرض آخر عصابة تغزو من المؤمنين، والسلام عليكم (١). ففي هذا الحديث ما قد دل في حكم الأرضين المفتتحة على ما ذكرنا، وأن حكمها خلاف حكم ما سواها من سائر الأموال المغنومة من العدو. فإن قال قائل: ففي هذا الحديث ذكر أصحاب رسول الله ﷺ "عن رسول الله ﷺ أنه كان قسم خيبر بين من كان شهدها"، فذلك ينفي أن يكون فيما فعل رسول الله ﷺ في خيبر حجةً لمن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، وسفيان، ومن تابعهما في إيقاف الأرضين المفتتحة لنوائب المسلمين. قيل له: هذا الحديث لم يفسر لنا فيه كل الذي كان من رسول الله ﷺ في خيبر،
следующие страницы →