← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

على الخيل؟ قيل له: لما ٤٩٩٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا المرجى -هو ابن رجاء-، قال: ثنا أبو جهضم، قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: ما اختصنا رسول الله ﷺ إلا بثلاث: أن لا نأكل الصدقة، وأن نسبغ الوضوء، وأن لا ننزي حمارًا على فرس قال: فلقيت عبد الله بن الحسن وهو يطوف بالبيت، فحدثته، فقال: صدق، كانت الخيل قليلةً في بني هاشم فأحب أن تكثر فيهم (١). فبين عبد الله بن الحسن بتفسيره هذا المعنى الذي له اختص رسول الله ﷺ بني هاشم أن لا ينزوا الحمار على فرس، وأنَّه لم يكن للتحريم، وإنما كان لعلة قلة الخيل فيهم، فإذا ارتفعت تلك العلة، وكثرت الخيل في أيديهم صاروا في ذلك كغيرهم، وفي اختصاص النبي ﷺ إياهم بالنهي عن ذلك دليل على إباحته إياه لغيرهم، ولما كان النبي ﷺ قد جعل في ارتباط الخيل ما ذكرنا من الثواب والأجر، وسئل عن ارتباط الحمير، فلم يجعل في ارتباطها شيئًا، والبغال التي هي خلاف الخيل مثلها كان من ترك أن ينتج ما في ارتباطه وكسبه الثواب، وأنتج ما لا ثواب في ارتباطه وكسبه، من الذين لا يعلمون، فقد ثبت بما ذكرنا إباحة نتج البغال لبني هاشم ولغيرهم، وإن كان إنتاج الخيل أفضل من ذلك، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵏.

стр. 2907

١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم قال الله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وقال الله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. قال أبو جعفر: فكان ما ذكر الله في الآية الأولى هو فيما صالح عليه المسلمون أهل الشرك من الأموال وفيما أخذوه منهم في جزية رقابهم وما أشبه ذلك، وكان ما ذكره في الآية الثانية، هو خمس ما غلبوا عليه بأسيافهم وما أشبهه من الركاز الذي جعل الله فيه على لسان رسول ﷺ ، الخمس، وقد تواترت بذلك الآثار عنه ﷺ . ٤٩٩٤ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "في الركاز الخمس" (١). ٤٩٩٥ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن

стр. 2908

المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ … مثله (١). فقال له السائل: يا أبا محمد أمعه أبو سلمة؟ فقال: إن كان معه، فهو معه. فكان حكم جميع الفيء وخمس الغنائم حكمًا واحدًا، ثم تكلم الناس بعد ذلك في تأويل قوله في آية الفيء: فلله، وفي الغنيمة "فأن الله". فقال بعضهم: قد وجب الله بذلك سهم في الفيء، وفي خمس الغنيمة، فجعل ذلك السهم في نفقة الكعبة، ورووا ذلك عن أبي العالية ٤٩٩٦ - كتب إلي علي بن عبد العزيز، حدثني عن أبي عبيد، عن حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالغنيمة، فيضرب بيده، فما وقع فيها من شيء جعله للكعبة، وهو سهم بيت الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة، فيكون للنبي ﷺ سهم، ولذي القربى، سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم قال: والذي جعله للكعبة، هو السهم الذي جعله الله (٢).

стр. 2909

وذهب آخرون (١) إلى ما أضاف الله جل ثناؤه، إلى نفسه من ذلك، أنه مفتاح كلام افتتح به ما أمر من قسمة الفيء، وخمس الغنائم فيه، قالوا: وكذلك ما أضافه إلى رسول الله ﷺ ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ٤٩٩٧ - حدثنا محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، ومحمد بن خزيمة بن راشد البصري، وعلي بن عبد الرحمن بن المغيرة الكوفي، قالوا: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵂، قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس: فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة فربع لله ولرسوله ولذي القربي يعني قرابة النبي ﷺ ، فما كان الله وللرسول فهو لقرابة النبي ﷺ ، ولم يأخذ النبي ﷺ من الخمس شيئًا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع: لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين (٢).

стр. 2910

وذهب قوم (١) إلى أن معنى قول الله فأن الله خمسه، مفتاح كلام، وأن قوله وللرسول، يجب به لرسول الله سهم، وكذلك ما أضافه إلى من ذكره في آية خمس الغنائم جميعًا، ورووا ذلك عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁. ٤٩٩٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، قال: ثنا سفيان الثوري، (ح) وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال: سألت الحسن بن محمد بن علي عن قول الله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، قال: أما قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فهو مفتاح كلام الله في الدنيا والآخرة ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فاختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ . فقال قائل: سهم ذوي القربي لقرابة الخليفة، وقال قائل: سهم النبي ﷺ للخليفة من بعده، ثم أجمع رأيهم على أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله ، فكان ذلك في إمارة أبي بكر

стр. 2911

وعمر ﵂ (١). فلما اختلفوا فيما يقسم عليه الفيء وخمس الغنائم هذا الاختلاف، فقال كل فريق منهم ما قد ذكرناه عنه، وجب أن ننظر في ذلك، لنستخرج من أقوالهم فيه قولًا صحيحًا، فاعتبرنا قول الذين ذهبوا إلى أنهما يقسمان على ستة أسهم، وجعلوا ما أضافه الله إلى نفسه من ذلك يجب به سهم يصرف في حق الله تعالى كما ذكروا، هل له معنى أم لا؟ فرأينا الغنيمة قد كانت محرمةً على من سوى هذه الأمة من الأمم، ثم أباحه الله لهذه الأمة رحمةً منه إياها وتخفيفًا منه عنها، وجاءت بذلك الآثار عن الرسول الله ﷺ . ٤٩٩٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لم تحل الغنيمة لأحد سود الرءوس قبلنا، كانت الغنيمة تنزل النار فتأكلها، فنزلت ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] في الكتاب السابق (٢).

стр. 2912

٥٠٠٠ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لم تحل الغنيمة لقوم سود الرءوس قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها حتى كان يوم بدر، فوقعوا في الغنائم فاختلف بهم، فأنزل الله تعالى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨] (١). ثم إن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الأنفال، فانتزعها الله منهم، ثم جعلها لرسوله ﷺ ، فأنزل الله فيه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ٥٠٠١ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، فلقي العدو، فلما هزمهم الله، اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله العدو، ورجع الذين طلبوهم، قالوا: لنا النفل، نحن طلبنا العدو، وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : ما أنتم بأحق منا نحن أحدقنا برسول الله ﷺ ، لا ينال العدو منه غرةً، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: والله! ما أنتم أحق به منا،

стр. 2913

نحن حويناه واستوليناه، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] إلى قوله ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] فقسمه رسول الله ﷺ بينهم عن فواق (١). ٥٠٠٢ - حدثنا مالك بن يحيى، قال: ثنا أبو النصر، قال: ثنا الأشجعي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة ﵁ … نحوه ولم يذكر عبادة، غير أنه قال فقسمها النبي ﷺ عن فواق بينهم ونزل القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] (٢). وقد قال قوم (٣): إن هذه الآية نزلت في غير هذا المعنى. ٥٠٠٣ - حدثنا يحيى بن عثمان، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، قال: ما ندّ من المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة ونحو

стр. 2914

ذلك، فهو نفل للنبي ﷺ (١). وقال: والدليل على صحة هذا التأويل، ما روي عن رسول الله ﷺ في أمر أبي بكرة. ٥٠٠٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث قال: ثنا أبي، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، قال: كان من خرج إلى رسول الله ﷺ يوم الطائف أعتقه، فكان أبو بكرة منهم، فهو مولى رسول الله ﷺ (٢). ٥٠٠٥ - حدثنا فهد، قال: ثنا إسماعيل بن الخليل الكوفي، قال أخبرنا علي بن مسهر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، قال: أعتق رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إليه من عبيد الطائف، فكان ممن عتق يومئذ أبو بكرة وغيره، فكانوا موالي رسول الله ﷺ (٣).

стр. 2915

٥٠٠٦ - حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن الفضل بن مهلهل، عن المغيرة عن الشباك، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ أن يرد إلينا أبا بكرة، فأبى علينا وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله" (١). أفلا ترى أن رسول الله ﷺ قد أعتق أبا بكرة ومن نزل إليه من عبيد الطائف عتقًا صاروا به، مواليه فدل ذلك على أن ملكهم كان وجب له قبل العتاق دون سائر من كان معه من المسلمين، وأنهم إذا أخذوا بغير قتال كما لو لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وذلك لرسوله ﷺ دون من سواه ممن كان معه من المسلمين. وقد قال قوم (٢): إن تأويل هذه الآية أريد به معنًى غير هذين المعنيين. ٥٠٠٧ - حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : من فعل كذا وكذا، فله كذا وكذا، فذهب شبان الرجال، وجلس شيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا تحت الرايات، ولو انهزمتم، كنا

стр. 2916

ردءًا لكم، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] فقرأ حتى بلغ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ [الأنفال: ٥] يقول: "أطيعوا في هذا الأمر، كما رأيتم عاقبة أمري، حيث خرجتم وأنتم كارهون"، فقسم بينهم بالسوية (١). أفلا ترى أن الرسول الله ﷺ قد قسمه كله بينهم كما أنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وكان ما أضافه الله إلى نفسه على سبيل الفرض، وما أضافه إلى رسوله على سبيل التمليك. وقد روي في ذلك وجه آخر أيضًا. ٥٠٠٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: نزلت في أربع آيات: أصبت سيفًا يوم بدر، فقلت: يا رسول الله نفلنيه، فقال: "ضعه من حيث أخذته"، ثم قلت: يا رسول الله، نفلنيه، فقال: "ضعه من حيث أخذته"، قلت: يا رسول الله نفلنيه، فقال: "ضعه من حيث أخذته، أتجعل (٢) كمن لا غنى له"، أو قال: "أو جعل كمن لا غنى له"، الشك من

стр. 2917

ابن مرزوق، قال: ونزل "يسألونك عن الأنفال" إلى آخر الآية (١). قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار كلها التي أباحت الغنائم إنما جعلت في بدء تحليلها الله والرسول، فلم يكن ما أضاف الله منها إلى نفسه على أن يصرف شيء منها في حق الله تعالى، فيصرف ذلك في ذلك الحق بعينه، لا يجوز أن يتعدّى إلى غيره، ويصرف بعينها إلى سهم لرسول الله ﷺ ، فيكون مقسمةً على سهمين مصروفةً في وجهين، بل جعلت كلها متصرفةً في وجه واحد، وهو إن جعلت لرسول الله ﷺ ، فلم يستأثر بها على أصحابه، ولم يخص بها بعضهم دون بعض بل عمهم بها جميعًا، وسوى بينهم فيها، ولم يخرج منها الله خمسًا، لأن آية الخمس في الأفياء، وآية الغنائم لم تكن نزلت عليه حينئذ. ففيما ذكرنا ما يدل على أنه لما نزلت آية الغنائم، وهي التي وقع في تأويلها من الاختلاف ما قد ذكرنا أن لا يكون ما أضاف الله تعالى منها إلى نفسه من الغنائم، يجب به الله فيها سهم، فيكون ذلك السهم خلاف سهم رسول الله ﷺ فيها، ولكنه كان منه على أنه له فرض أن يقسم على ما سماه من الوجوه التي ذكرناها. فبطل بذلك قول من ذهب إلى أن الغنيمة تقسم على ستة أسهم، ثم رجعنا إلى

стр. 2918

قول من ذهب إلى أنها تقسم على أربعة أسهم، إلى ما احتجوا به في ذلك من خبر ابن عباس ﵄ الذي رويناه في صدر هذا الكتاب، وإن كان خبرًا منقطعًا، لا يثبت مثله، غير أن قومًا من أهل العلم بالآثار يقولون إنه صحيح، وإن علي بن أبي طلحة وإن كان لم يكن رأى عبد الله بن عباس ﵄ فإنما أخذ ذلك عن مجاهد وعكرمة، مولى ابن عباس ﵄. ٥٠٠٩ - حدثنا علي بن الحسين بن عبد الرحمن بن فهم، قال: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لو أن رجلًا رحل إلى مصر فانصرف منها بكتاب التأويل لمعاوية بن صالح ما رأيت رحلته ذهبت باطلةً (١). فوجدنا ما أضيف إلى رسول الله ﷺ والتحية في آية الأنفال قد كان على التمليك لا على ما سواه، فقد كان في هذا حجة قاطعة تغنينا عن الاحتجاج بما سواها على أهل هذا القول، ولكنا نريد في الاحتجاج عليهم فنقول: قد وجدنا الله أضاف إلى رسول الله ﷺ شيئاً من الفيء في غير الآيتين اللتين قدمنا ذكرهما في أول هذا الباب، فكان ذلك على التمليك منه إياه، ما أضافه إليه من ذلك قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]. ٥٠١٠ - حدثنا يزيد بن سنان، وأبو أمية، قالا: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس النصري، قال أرسل إليّ عمر بن الخطاب

стр. 2919

﵁ فقال: إنه قد حضر المدينةَ أهلُ أبيات قومك، وقد أمرنا لهم برَضْخ، فاقسمه بينهم، فبينا أنا كذلك، إذ جاءه حاجبه يرفأ، فقال: هذا عثمان، وعبد الرحمن، وسعد، والزبير، وطلحة ﵃ يستأذنون عليك فقال: ائذن لهم، ثم مكثنا ساعةً، فقال: هذا العباس وعلي يستأذنان عليك، فقال: ائذن لهما، فدخل العباس، قال: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الرجل وهما حينئذ فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، فقال القوم: اقض بينهما يا أمير المؤمنين! وأرح كل واحد منهما عن صاحبه، فقال عمر ﵁: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض أتعلمون أن رسول الله ﷺ ، قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" قالوا: قد قال ذلك، ثم قال لهما مثل ذلك، فقالا: نعم، قال: فإني سأخبركم عن هذا الفيء، إن الله خص نبيه بشيء لم يعطه غيره فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، فوالله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم، ولقد قسمها بينكم، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، وكان ينفق منه على أهله رزق سنة، ثم يجمع ما بقي مجمع مال الله (١).

стр. 2920

أفلا ترى أن قوله ، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾، هو على فيء تملكه رسول الله ﷺ دون سائر الناس ليس على مفتاح الكلام الذي لا يجب له به ملك، فكذلك ما أضافه إليه أيضًا في آية الفيء وفي آية الغنيمة اللتين قدمنا ذكرهما في صدر هذا الكتاب، هو على التمليك منه ليس له على افتتاح الكلام الذي لا يجب له به ملك. فثبت بما ذكرنا أن الفيء والخمس من الغنائم، قد كانا في عهد رسول الله ﷺ يصرفان في خمسة أوجه، لا في أكثر منها ولا فيما دونها. ٥٠١١ - وقد كتب إلي علي بن عبد العزيز، يحدثني، عن أبي عبيد، عن سعيد بن عفير، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: رأيت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم تسهم عليهم، فما أصاب لرسول الله ﷺ فهو له، لا تحتاز (١).

стр. 2921

٥٠١٢ - ثم حدثنيه يحيى بن عثمان قال: ثنا أبي، وسعيد بن عفير … فذكره بإسناده ومتنه عنهما (١). ٥٠١٣ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، قال أخبرنا ابن لهيعة … فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: مما أصاب لرسول الله ﷺ فهو له، ويقسم البقية بينهم (٢). وقد روي ذلك أيضًا عن يحيى بن الجزار، وعن عطاء بن أبي رباح. ٥٠١٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، قال: سمعت يحيى بن الجزار، يقول: سهم النبي ﷺ خمس الخمس (٣). ٥٠١٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن

стр. 2922

عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: خمس الله وخمس الرسول واحد (١). ثم تكلموا في تأويل قوله ولذي القربى" من هم؟ فقال بعضهم (٢): هم بنو هاشم الذين حرم الله عليهم الصدقة، لا من سواهم من ذوي قربي رسول الله ﷺ جعل الله لهم من الفيء، ومن خمس الغنائم ما جعل لهم منها بدلًا مما حرم الله عليهم من الصدقة. وقال قوم (٣): هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصةً دون من سواهم من قرابة رسول الله ﷺ . وقال قوم (٤): هم قريش كلها، الذين يجمعه وإياهم أقصى آبائه من قريش دون من سواهم، ممن يقاربه من قبل أمهاته، ممن ليس من قريش، غير أنه لم يكن عليه أن

стр. 2923

يعمهم، إنما كان عليه أن يعطي من رأى إعطاءه منهم دون بقيتهم. وقال قوم (١): هم قرابته من قبل آبائه إلى أقصى أب له من قريش، ومن قبل أمهاته إلى أقصى أم، لكل أم منهن من العشيرة التي هي منها، غير أنه لم يكن عليه أن يعمهم بعطيته، إنما يعطي من رأى إعطاءه منهم. وقد احتج كل فريق منهم لما ذهب إليه في ذلك، بما سنذكره في كتابنا هذا، ونذكر ذلك ما يلزمه من مذهبه إن شاء الله تعالى. فأما أهل القول الأول الذين جعلوه لبني هاشم خاصةً، فاحتجوا في ذلك بأن الله اختصهم بذلك بتحريم الصدقة عليهم، فإن قولهم هذا عندنا فاسد، "لأن رسول الله ﷺ لما حرمت الصدقة على بني هاشم، قد حرمها على مواليهم كتحريمه إياها عليهم، وتواترت عنه الآثار بذلك. ٥٠١٦ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن المقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: استعمل أرقم بن أبي أرقم على الصدقات، فاستتبع أبا رافع فأتى النبي ﷺ فسأله، فقال: يا أبا رافع! إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم" (٢).

стр. 2924

٥٠١٧ - حدثنا بكار بن قتيبة، وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ عن أبيه، أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما نصيبَ منها، فقال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "إن آل محمد لا يحل لهم الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم" (١). ٥٠١٨ - حدثنا ربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ورقاء بن عمر، عن عطاء بن السائب، قال: دخلت على أم كلثوم ابنة علي ﵁، فقالت: إن مولًى لنا يقال له هرمز أو كيسان أخبر أنه مر على رسول الله ﷺ قال: فدعاني فقال: "يا أبا (٢) فلان، إنا أهل بيت قد نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم، فلا تأكل

стр. 2925

الصدقة" (١). فلما كانت الصدقة المحرمة على بني هاشم، قد دخل فيهم مواليهم، ولم يدخل مواليهم معهم في سهم ذوي القربى باتفاق المسلمين، ثبت بذلك فساد قول من قال: إنما جعلت لذوي القربى في آية الفيء، وفي آية خمس الغنيمة بدلًا مما حرم عليهم الصدقة. ويفسد هذا القول أيضًا من جهة أخرى، وذلك أنا رأينا الصدقة لو كانت حلالًا لبني هاشم كهي الجميع المسلمين لكانت حرامًا على أغنيائهم كحرمتها على أغنياء جميع المسلمين فمن سواهم، وقد رأينا رسول الله ﷺ أدخل بني هاشم في سهم ذوي القربى جميعًا، وفيهم العباس بن عبد المطلب ﵁، وقد كان موسرًا في الجاهلية والإسلام جميعًا، ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد تعجّل منه زكاة ماله عامين فلما رأينا يساره لم يمنعه من سهم ذوي القربى، وكان ذلك اليسار يمنعه من الصدقة قبل تحريم الله إياها على بني هاشم، فدل ذلك أن سهم ذوي القربى لم يجعل لمن يجعل له خلفًا من الصدقة

стр. 2926

التي حرمت عليه. وأما الذين ذهبوا إلى أن ذوي القربى في الآيتين اللتين قدمنا في أول هذا الكتاب، هم بنو هاشم، وبنو المطلب خاصةً، فإنهم احتجوا لقولهم بما روى جبير بن مطعم ﵁ عن رسول الله ﷺ في ذلك. ٥٠١٩ - حدثنا علي بن شيبة، ومحمد بن بحر بن مطر البغداديان قالا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم ﵁ قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى به أعطى بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط بني أمية شيئًا، فأتيت أنا وعثمان رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء بنو هاشم فضلهم الله بك، فما بالنا وبني المطلب؟ وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد، فقال: "إن بني المطلب لم يفارقوني في الجاهلية والإسلام" (١).

стр. 2927

قالوا: فلما رأينا رسول الله ﷺ قد عمّ بعطيته ما أمر أن يعطيه ذوي قرباه بني هاشم وبني المطلب، وحرم من فوقهم فلم يعطه شيئًا، دل ذلك أن من فوقهم ليسوا من ذوي قرباه. وهذا القول أيضًا عندنا فاسد، لأنا قد رأيناه قد حرم بني أمية، وبني نوفل، ولم يعطهم شيئًا؛ لأنهم ليسوا قرابةً، وكيف لا يكونون قرابةً، وموضعهم منه، كموضع بني المطلب؟ فلما كان بنو أمية وبنو نوفل لم يخرجوا من قرابة النبي ﷺ بتركه إعطاءهم كان كذلك من فوقهم من سائر بطون قريش لا يخرجون من قرابته بتركه إعطاءهم، وقد أعطى رسول الله ﷺ أيضًا من سهم ذوي القربى من ليس من بني هاشم، ولا من بني المطلب، ولكنه من قريش ممن يلقاه إلى أب هو أبعد من الأب من الذي يلقاه عنه بنو أمية، وبنو نوفل، وهو الزبير بن العوام ﵁. ٥٠٢٠ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن جده، أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام بأربعة أسهم: سهم للزبير، وسهم لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب، أم الزبير، وسهمين للفرس (١).

стр. 2928

٥٠٢١ - حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا سعيد بن داود الزنبري، قال: ثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت ﵁، أن النبي ﷺ أعطى الزبير بن العوام يوم خيبر أربعة أسهم: سهمًا له مع المسلمين، وسهمين للفرس، وسهمًا لذي القربى (١). ٥٠٢٢ - حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الزبير يضرب له في الغنم بأربعة أسهم: سهمين لفرسه، وسهمًا لذي القربي (٢). فلما كان رسول الله ﷺ قد أعطى الزبير بن العوام، لقرابته منه من سهم ذوي القربى، والزبير ليس من بني هاشم، ولا بني المطلب، وقد جعله فيما أعطاه من ذلك كبني هاشم وبني المطلب، دل ذلك أن ذوي القربى لرسول الله ﷺ هم بنو هاشم وبنو المطلب ومن سواهم من ذوي قرابته.

стр. 2929

فإن قال قائل: إن الزبير وإن لم يكن من بني هاشم، فإن أمه منهم، وهي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم فبهذا أعطاه رسول الله ﷺ ما أعطاه، فقام عنده بموضعه منه بأمه مقام غيره من بني هاشم. قيل له: لو كان ما وصفت كما ذكرت، إذًا لأعطى من سواه من غير بني هاشم، ممن أمه من بني هاشم، وقد كان بحضرته من غير بني هاشم ممن أمهاتهم هاشميات، ممن هو أمس برسول الله ﷺ بنسب أمه رحمًا من الزبير، منهم أمامة ابنة أبي العاص بن الربيع، وقد حرمها رسول الله ﷺ فلم يعطها شيئًا من سهم ذوي القربى إذ حرم بني أمية، وهي من بني أمية، ولم يعطها رسول الله ﷺ بأمها الهاشمية، وهي زينب ابنة رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، وحرم أيضًا جعدة بن هبيرة المخزومي فلم يعطه شيئًا، وأمه أم هانئ ابنة أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم فلم يعطه بأمه شيئًا إذ كانت من بني هاشم، فدل ذلك أن المعنى الذي أعطى به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام ما أعطاه من سهم ذوي القربى، ليس لقرابته لأمه، ولكنه لمعنًى غير ذلك. فثبت بما ذكرنا أن ذوي قربي رسول الله ﷺ : هم بنو هاشم، وبنو المطلب، ومن سواهم، ممن هو له قرابة من غير بني هاشم، ومن غير بني المطلب، وقد أمر الله رسوله في غير هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فلم يقصد رسول الله ﷺ بالنذارة بني هاشم وبني المطلب خاصةً، بل قد أنذر من قومه ممن هو أبعد منه رحمًا من بني أمية ومن بني نوفل.

стр. 2930

٥٠٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: ثنا عباد بن يعقوب، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، قال: قال علي ﵁: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي! اجمع لي بني هاشم وهم أربعون رجلًا، أو أربعون إلا رجلًا … "، ثم ذكر الحديث (١). قال أبو جعفر ﵁: ففي هذا الحديث أنه قصد بالنذارة إلى بني هاشم خاصةً. ٥٠٢٤ - فحدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: ثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي ﵃ … مثله، غير أنه قال: اجمع لي بني المطلب (٢). ٥٠٢٥ - حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا مسدد بن مسرهد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مخارق، وزهير بن

стр. 2931

عمرو، قالا: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، انطلق رسول الله ﷺ إلى رضفة من جبل، فعلا، أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف! إني نذير" (١). ففي هذا الحديث إدخاله بني عبد مناف مع من هو أقرب إليه منهم من قرابته. ٥٠٢٦ - حدثنا ربيع بن سليمان، قال: ثنا أبو الأسود، وحسان بن غالب، قالا: ثنا ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يا بني هاشم، يا بني قصي، يا بني عبد مناف! أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعد" (٢). ففي هذا الحديث أنه دعا بني قصي مع من هو أقرب إليه منهم. ٥٠٢٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، وعفان، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت

стр. 2932

﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام نبي الله ﷺ فنادى: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة ابنة محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رِحمًا سأبلّها ببلالها" (١). ففي هذا الحديث أنه أنذر بني كعب بن لؤي مع من هو أقرب إليه منهم، وفي الحديث أيضًا أنه جعلهم جميعًا، ذوي أرحام. ٥٠٢٨ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد رسول الله ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني عدي، يا بني فلان" لبطون قريش، حتى اجتمعو، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر، وجاء أبو لهب وقريش، فاجتمعوا فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ "، قالوا: نعم، ما جربنا

стр. 2933

عليك إلا صدقًا، قال: "فإني نذير لكم، بين يدي عذاب شديد" (١). ففي هذا الحديث أنه دعا بطون قريش كلها. ٥٠٢٩ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سلامة بن روح، قال ثنا [عقيل] بن خالد، قال: حدثني الزهري، قال: ثنا سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة ابنة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا" (٢). ٥٠٣٠ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد، وأبو سلمة، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … ثم ذكر مثله، غير أنه قال: "يا صفية، يا فاطمة" (٣).

стр. 2934

فلما كان رسول الله ﷺ لما أمره الله أن ينذر عشيرته الأقربين أنذر قريشًا بعيدها وقريبها، دل ذلك أنهم جميعًا ذوو قرابته، ولولا ذلك لقصد بإنذاره إلى ذوي قرابته منهم، وترك من ليس منهم بذوي قرابة له، فلم ينذره كما لم ينذر من يجمعه وإياه أب غير قريش. فإن قال قائل: إنه إنما جمع قريشًا كلها فأنذرها؛ لأن الله أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ولا عشيرة له أقرب من قريش، فلذلك دعا قريشًا كلها إذ كانت بأجمعها عشيرته التي هي أقرب العشائر إليه، قيل له: لو كان كما ذكرت إذًا كان يقول: وأنذر عشيرتك القربى ولكنه لم يقل له كذلك، وقال له ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فأعلمه أن كل أهل هذه العشيرة من أقربيه، فبطل بما ذكرنا قول من جعل ذا قربي رسول الله ﷺ ، بني هاشم، وبني المطلب خاصةً وفيما ذكرنا من بعد هذه الحجة التي احتججنا بها ما يغنينا عن الاحتجاج لقول من قال: إن ذوي قربي رسول الله ﷺ ، هم: قريش كلها. وقد روي عن عبد الله بن عباس ﵄ في تأويل قول الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ما يدل على هذا المعنى أيضًا. ٥٠٣١ - حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم قال: ثنا الفريابي قال: ثنا سفيان،

стр. 2935

عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: أن يصلوا قرابتي، ولا يكذبوني (١). فهذا على الخطاب لقريش كلها، فقد دل ذلك على أن قريشًا كلها ذوو قرابته وقد روي في ذلك أيضًا عن عكرمة ما يدل على هذا المعنى أيضًا. ٥٠٣٢ - حدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا يحيى بن أيوب البجلي، قال: سألت عكرمة عن قول الله ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: كانت قرابات النبي ﷺ من بطون قريش كلها، فكانوا أشد الناس له أذًى، فأنزل الله تعالى فيهم ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (٢). ٥٠٣٣ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا الحجاج بن نُصَير، عن عمر بن فروخ، عن حبيب بن الزبير قال: أتى رجل عكرمة فقال: يا أبا عبد الله! قول الله ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: أسبائي أنت؟ قال: لست بسبائي، ولكني أريد أن أعلم، قال: إن كنت تريد أن تعلم فإنه لم يكن حي من أحياء قريش إلا

стр. 2936

وقد عرق فيهم رسول الله ﷺ ، قد كانت قريش يصلون أرحامهم من قبله، فما عدا إذا جاء نبي الله ﷺ فدعاهم إلى الإسلام، فقطعوه ومنعوه، وحرموه، فقال الله : ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، أن تصلوني لما كنتم تصلون به قرابتكم قبلي" (١). وقد روي عن مجاهد في ذلك أيضًا ما يدل على هذا المعنى. ٥٠٣٤ - حدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أن تتبعوني وتصدقوني، وتصلوا رحمي (٢). ففي ما روينا عن عبد الله بن عباس ﵄، وعن عكرمة، وعن مجاهد، في تأويل هذه الآية ما يدل على أن قريشًا كلها ذوو قرابة لرسول الله ﷺ ، وقد وافق ذلك ما ذكرناه في تأويل قول الله "وأنذر عشيرتك الأقربين" غير أنه قد روي عن الحسن في تأويل هذه الآية وجه يخالف هذا الوجه. ٥٠٣٥ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن هُشيم،

стр. 2937

عن منصور بن زاذان، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال التقرب إلى الله بالعمل الصالح (١). فأما من ذهب إلى أن قريشًا من ذوي قربي رسول الله ﷺ ، وأن من ذوي القربي أيضًا من مسه برَحِم من قبل أمهاته إلى أقصى كل أب، لكل أم من أمهاته من العشيرة التي هي منها، فإنه احتج لما ذهب إليه من ذلك بالنظر، وقال: رأيت الرجل بنسبته من أبيه ومن أمه مختلفًا، ولم يمنعه اختلاف نسبه منهما إن كان ابنًا لهما، ثم رأيناه يكون له قرابة لكل واحد منهما، فيكون بموضعه من أبيه قرابة لذي قرابة أبيه، ويكون بموضعه من أمه قرابة لذي قربي أمه. ألا ترى أنه يرث إخوته لأبيه وإخوته لأمه، وترثه إخوته لأبيه وإخوته لأمه، وإن كان ميراث فريق ممن ذكرنا مخالفًا لميراث الفريق الآخر، وليس اختلاف ذلك بمانع منه القرابة، فلما كان ذوو قربي أمه قد صاروا له قرابةً، كما أن ذوي قربي أبيه قد صاروا له قرابةً كان ما يستحقه ذوو قربى أبيه بقرابتهم منه يستحق ذوو قربى أمه بقرابتهم منه مثله. وقد تكلم أهل العلم في مثل هذا في رجل أوصى لذي قرابة فلان بثلث ماله، فقالوا في ذلك أقوالًا سنبينها، ونبين مذهب صاحب كل قول منها الذي أداه إلى قوله

стр. 2938

الذي قاله منها في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، فكان أبو حنيفة ﵀ قال: هي كل ذي رحم محرم من فلان الموصى لقرابته بما أوصى لهم به من قبل أبيه، ومن قبل أمه، غير أنه يبدأ في ذلك بمن كانت قرابته منه من قبل أبيه، على من كانت قرابته منه من قبل أمه، وتفسير ذلك أن يكون له عم وخال، فقرابة عمه منه من قبل أبيه كقرابة خاله منه من قبل أمه، فيبدأ في ذلك عمه على خاله، فيجعل الوصية له. وكان زفر بن الهذيل يقول: الوصية لكل من قرب منه من قبل أبيه أو من قبل أمه، دون من كان أبعد منه منهم، وسواء في ذلك من كان منهم ذا رِحم للموصي لقرابته، ومن لم يكن منهم ذا رحم. وقال أبو يوسف ومحمد ﵀: الوصية في ذلك لكل من جمعه، وفلانًا أب واحد، منذ كانت الهجرة من قبل أبيه، أو من قبل أمه، وسويّا في ذلك بين من بعُد منهم وبين من قُرب، وبين من كانت رحِمُه محرمةً منهم، وبين من كانت رحمه منهم غير محرمة، ولم يفصلا في ذلك بين من كانت رحمه منهم من قبل الأب على من كانت رحمه منهم من قبل الأم. وكان آخرون يذهبون (١) في ذلك إلى أن الوصية بما وصفنا لكل من جمعه والموصي لقرابته أبوه الثالث إلى من هو أسفل من ذلك، وكان آخر يذهبون في ذلك إلى أن الوصية لكل من جمعه وفلانًا الموصى لقرابته أبوه الرابع إلى من هو أسفل من ذلك.

стр. 2939

وكان آخرون يذهبون (١) في ذلك إلى أن الوصية فيما ذكرنا لكل من جمعه وفلانًا الموصى لقرابته، أب واحد في الإسلام أو في الجاهلية ممن يرجع بآبائه أو بأمهاته إليه، إما عن أب، وإما عن أم إلى أن يلقاه يثبت به المواريث ويقوم به الشهادات. فأما ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀، مما ذكرنا في هذا الفصل ففاسد عندنا؛ لأن رسول الله ﷺ لما قسم سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب، وأكثرهم غير ذوي أرحام محرمة. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه أمر أبا طلحة أن يجعل شيئًا من ماله قد جاء به إلى النبي ﷺ لله ولرسوله فأمره رسول الله ﷺ أن يجعل في فقراء قرابته، فجعله أبو طلحة لأبي بن كعب، والحسان بن ثابت ﵄، فأما حسان فيلقاه عند أبيه الثالث، وأما أبي، فيلقاه عند أبيه السابع، وليسا بذوي أرحام منه محرمة. وجاءت بذلك الآثار، فمنها ما ٥٠٣٦ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جاء أبو طلحة ورسول الله ﷺ على المنبر، قال: وكان دار أبي جعفر والدار التي تليها إلى قصر -حُدَيلة حوائط،

стр. 2940

قال: وكان قصر حُدَيلة حوائط لأبي طلحة فيها بئر، كان النبي ﷺ يدخلها فيشرب من مائها، ويأكل ثمرها، فجاءه أبو طلحة ورسول الله ﷺ على المنبر فقال: إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فإن أحب أموالي إلي هذه البئر فهي لله ولرسوله، أرجو بره وذخره اجعله يا رسول الله! حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : "بخ يا أبا طلحة، مال رابح، قد قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين". قال: فتصدق أبو طلحة على ذوي رحمه، فكان منهم أبي بن كعب، وحسان بن ثابت. قال: فباع حسان نصيبه من معاوية، فقيل له: إن حسانا يبيع صدقة أبي طلحة. فقال: لا أبيع صاعًا بصاع من دراهم (١). ٥٠٣٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال: أو قال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله! حائطي الذي بمكان كذا وكذا، لو استطعت أن أسره لم أعلنه قال: اجعله في فقراء قرابتك، وفقراء أهلك" (٢).

стр. 2941

٥٠٣٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا أبي، عن ثمامة، قال: قال أنس: كانت لأبي طلحة أرض فجعلها الله ، فجاء النبي ﷺ ، فقال: "اجعلها في فقراء قرابتك"، فجعلها لحسان وأبي. قال أبي، عن ثمامة، عن أنس رضي الله تعالى عنه، وكانا أقرب إليه مني (١). ٥٠٣٩ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالكًا حدثه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه حائط حديلة، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول في كتابه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب الأموال إليّ الحائط، فإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث شئت. فقال رسول الله ﷺ : "بخ، ذلك مال رابح، بخ، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيه، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله! فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني

стр. 2942

عمه (١). قال أبو جعفر: فهذا أبو طلحة ﵁ قد جعلها في أبيّ وحسان، وإنما يلتقي هو وأبي عند أبيه السابع؛ لأن أبا طلحة اسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وكلاهما ليس بذي رحم محرم منه، فدل ذلك على فساد قول من زعم أن القرابة ليست إلا من كانت رحمه رحمًا محرمةً. وأما ما ذهب إليه زفر بن الهذيل بما قد حكينا عنه في هذا الفصل ففاسد أيضًا؛ لأنا رأينا رسول الله ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلب ما أعطاهم من سهم ذوي القربي، قد سوي بين من قربت رحمه منه، وبين من بعدت رحمه منهم منه، وهم جميعًا له ذوو قرابة، فلو كان من قرب منه يحجب من بعد منه إذا لما أعطاه بعيدًا مع قريب؛ لأن الله إنما أمره أن يعطي ذا قرابته ولم يكن ليخالف ما أمره به، وهذا أبو طلحة فقد جمع في عطيته أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وأحدهما أقرب إليه من الآخر إن كانا من ذوي قرابته، ولم يكن لما فعل من ذلك مخالفًا لما أمره رسول الله ﷺ ، كما لم يكن رسول الله

стр. 2943

ﷺ في إعطائه بني المطلب مع بني هاشم مخالفًا لما أمر الله في إعطائه من أمره بإعطائه من قرابته. وأما ما ذهب إليه الذين قالوا: قرابة الرجل كل من جمعه وإياه أبوه الرابع إلى من هو أسفل منه من آبائه ففاسد أيضًا؛ لأن أهله الذين ذهبوا إليه أيضًا دلهم عليه فيما ذكروا إعطاء رسول الله ﷺ من سهم ذوي القربى بني المطلب، وهم بنو أبيه الرابع، ولم يعط بني أبيه الخامس ولا بني أحد من آبائه الذين فوق ذلك، وقد رأيناه ﷺ حرم بني أمية وبني نوفل فلم يعطهم شيئًا ليس لأنهم ليسوا من ذوي قرابته، فكذلك يحتمل أيضًا أن يكون إذ حرم من فوقهم أن يكون ذلك منه، ليس لأنهم ليسوا من قرابته، وهذا أبو طلحة فقد أعطى ما أمره الله والنبي ﷺ بإعطائه إياه ذا قرابته الفقراء بعض بني أبيه السابع، فلم يكن بذلك أبو طلحة ﵁ لما أمره به رسول الله ﷺ مخالفًا، ولا أنكر رسول الله ﷺ ما فعله ذلك. فأما ما ذهب إليه أن قرابة الرجل كل من جمعه وإياه أبوه الثالث إلى من هو أسفل من ذلك فإنهم قالوا: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وهم بنو أبيه الثالث، فكانوا قرابتهم منه، وأعطى بني المطلب ما أعطاهم؛ لأنهم حلفاؤه، ولو كان أعطاهم لأنهم قرابته لأعطى من هو في القرابة مثلهم من بني أمية، وبني نوفل. فهذا القول عندنا فاسد؛ لأن رسول الله ﷺ لو كان أعطى بني المطلب بالحلف

стр. 2944

لا بالقرابة لأعطى جميع حلفائه، فقد كانت خزاعة حلفاءه، ولقد ناشده عمرو بن سالم الخزاعي بذلك الحلف. ٥٠٤٠ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما وادع رسول الله ﷺ أهلَ مكة، وكانت خزاعةُ حلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، فكانت بين خزاعة وبين بكر بعدُ قتالٌ، فأمدتهم قريش بسلاح وطعام وظلّلوا عليهم، وظهرت بنو بكر على خزاعة، فقتلوا فيهم. فقدم وافد خزاعة على رسول الله ﷺ ، فأخبر بما صنع القوم، ودعاه إلى النصرة، وأنشد في ذلك: لا همّ إني ناشد محمدًا … حلفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا والدًا كنا وكنتَ ولدًا … إن قريشًا أخلفوك الموعِدَا وزعموا أن لستُ أدعو أحدًا … ونقضوا ميثاقك المؤكدًا وجعلوا لي بكداء رُصَّدًا … وهم أذلّ وأقلّ عددًا وهم أتونا بالوَتِير هُجَّدًا … وقتلونا ركّعًا وسجدًا ثمّة أسلمنا ولم ننزع يدًا … فانصر رسولَ الله نصرا عتَدَا وابعث جنود الله تأتي مَددًا … في فَلْق كالبحر يأتي مزبدا

стр. 2945

فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خسفًا وجهُه تربّدا قال حماد: وهذا الشعر بعضه عن أيوب، وبعضه عن يزيد بن حازم، وأكثره عن محمد بن إسحاق (١). ٥٠٤١ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وغيره نحوه، غير أنه ذكر أن المناشد لرسول الله ﷺ بهذا الشعر عمرو بن سالم (٢). فلما كان رسول الله ﷺ لم يدخل خزاعة في سهم ذوي القربي للحلف الذي بينه وبينهم استحال أن يكون إعطاء بني المطلب للحلف، ولو كان إعطاؤهم للحلف أيضًا لأعطى موالي بني هاشم وهو فلم يعطهم شيئًا. وأما ما ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله مما قد ذكرناه عنهما، فهو أحسن هذه الأقوال كلها عندنا؛ لأنا رأينا الناس في دهرنا هذا ينسبون إلى العباس، وكذلك آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الزبير وطلحة، كل هؤلاء لا ينسب
следующие страницы →