٥٠٣٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا أبي، عن ثمامة، قال: قال أنس: كانت لأبي طلحة أرض فجعلها الله ، فجاء النبي ﷺ ، فقال: "اجعلها في فقراء قرابتك"، فجعلها لحسان وأبي. قال أبي، عن ثمامة، عن أنس رضي الله تعالى عنه، وكانا أقرب إليه مني (١).
٥٠٣٩ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالكًا حدثه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه حائط حديلة، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول في كتابه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب الأموال إليّ الحائط، فإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث شئت. فقال رسول الله ﷺ : "بخ، ذلك مال رابح، بخ، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيه، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله! فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني
стр. 2942
عمه (١).
قال أبو جعفر: فهذا أبو طلحة ﵁ قد جعلها في أبيّ وحسان، وإنما يلتقي هو وأبي عند أبيه السابع؛ لأن أبا طلحة اسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وكلاهما ليس بذي رحم محرم منه، فدل ذلك على فساد قول من زعم أن القرابة ليست إلا من كانت رحمه رحمًا محرمةً.
وأما ما ذهب إليه زفر بن الهذيل بما قد حكينا عنه في هذا الفصل ففاسد أيضًا؛ لأنا رأينا رسول الله ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلب ما أعطاهم من سهم ذوي القربي، قد سوي بين من قربت رحمه منه، وبين من بعدت رحمه منهم منه، وهم جميعًا له ذوو قرابة، فلو كان من قرب منه يحجب من بعد منه إذا لما أعطاه بعيدًا مع قريب؛ لأن الله إنما أمره أن يعطي ذا قرابته ولم يكن ليخالف ما أمره به، وهذا أبو طلحة فقد جمع في عطيته أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وأحدهما أقرب إليه من الآخر إن كانا من ذوي قرابته، ولم يكن لما فعل من ذلك مخالفًا لما أمره رسول الله ﷺ ، كما لم يكن رسول الله
стр. 2943
ﷺ في إعطائه بني المطلب مع بني هاشم مخالفًا لما أمر الله في إعطائه من أمره بإعطائه من قرابته.
وأما ما ذهب إليه الذين قالوا: قرابة الرجل كل من جمعه وإياه أبوه الرابع إلى من هو أسفل منه من آبائه ففاسد أيضًا؛ لأن أهله الذين ذهبوا إليه أيضًا دلهم عليه فيما ذكروا إعطاء رسول الله ﷺ من سهم ذوي القربى بني المطلب، وهم بنو أبيه الرابع، ولم يعط بني أبيه الخامس ولا بني أحد من آبائه الذين فوق ذلك، وقد رأيناه ﷺ حرم بني أمية وبني نوفل فلم يعطهم شيئًا ليس لأنهم ليسوا من ذوي قرابته، فكذلك يحتمل أيضًا أن يكون إذ حرم من فوقهم أن يكون ذلك منه، ليس لأنهم ليسوا من قرابته، وهذا أبو طلحة فقد أعطى ما أمره الله والنبي ﷺ بإعطائه إياه ذا قرابته الفقراء بعض بني أبيه السابع، فلم يكن بذلك أبو طلحة ﵁ لما أمره به رسول الله ﷺ مخالفًا، ولا أنكر رسول الله ﷺ ما فعله ذلك.
فأما ما ذهب إليه أن قرابة الرجل كل من جمعه وإياه أبوه الثالث إلى من هو أسفل من ذلك فإنهم قالوا: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وهم بنو أبيه الثالث، فكانوا قرابتهم منه، وأعطى بني المطلب ما أعطاهم؛ لأنهم حلفاؤه، ولو كان أعطاهم لأنهم قرابته لأعطى من هو في القرابة مثلهم من بني أمية، وبني نوفل.
فهذا القول عندنا فاسد؛ لأن رسول الله ﷺ لو كان أعطى بني المطلب بالحلف
стр. 2944
لا بالقرابة لأعطى جميع حلفائه، فقد كانت خزاعة حلفاءه، ولقد ناشده عمرو بن سالم الخزاعي بذلك الحلف.
٥٠٤٠ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما وادع رسول الله ﷺ أهلَ مكة، وكانت خزاعةُ حلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، فكانت بين خزاعة وبين بكر بعدُ قتالٌ، فأمدتهم قريش بسلاح وطعام وظلّلوا عليهم، وظهرت بنو بكر على خزاعة، فقتلوا فيهم.
فقدم وافد خزاعة على رسول الله ﷺ ، فأخبر بما صنع القوم، ودعاه إلى النصرة، وأنشد في ذلك:
لا همّ إني ناشد محمدًا … حلفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا
والدًا كنا وكنتَ ولدًا … إن قريشًا أخلفوك الموعِدَا
وزعموا أن لستُ أدعو أحدًا … ونقضوا ميثاقك المؤكدًا
وجعلوا لي بكداء رُصَّدًا … وهم أذلّ وأقلّ عددًا
وهم أتونا بالوَتِير هُجَّدًا … وقتلونا ركّعًا وسجدًا
ثمّة أسلمنا ولم ننزع يدًا … فانصر رسولَ الله نصرا عتَدَا
وابعث جنود الله تأتي مَددًا … في فَلْق كالبحر يأتي مزبدا
стр. 2945
فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خسفًا وجهُه تربّدا
قال حماد: وهذا الشعر بعضه عن أيوب، وبعضه عن يزيد بن حازم، وأكثره عن محمد بن إسحاق (١).
٥٠٤١ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وغيره نحوه، غير أنه ذكر أن المناشد لرسول الله ﷺ بهذا الشعر عمرو بن سالم (٢).
فلما كان رسول الله ﷺ لم يدخل خزاعة في سهم ذوي القربي للحلف الذي بينه وبينهم استحال أن يكون إعطاء بني المطلب للحلف، ولو كان إعطاؤهم للحلف أيضًا لأعطى موالي بني هاشم وهو فلم يعطهم شيئًا.
وأما ما ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله مما قد ذكرناه عنهما، فهو أحسن هذه الأقوال كلها عندنا؛ لأنا رأينا الناس في دهرنا هذا ينسبون إلى العباس، وكذلك آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الزبير وطلحة، كل هؤلاء لا ينسب
стр. 2946
أولادهم إلى أبيهم الأعلى، فيقال: بنو العباس، وبنو علي، وبنو من ذكرنا، حتى قد صار ذلك يجمعهم، وحتى قد صاروا بآبائهم متفرقين كأهل العشائر المختلفة.
فإن قال قائل: رأينا رسول الله ﷺ لما قسم سهم ذوي القربي، إنما جعله فيمن يجمعه وإياه أب جاهلي، فكان بنو ذلك الأب من ذوي قرابته، وكذلك من أعطاه أبو طلحة ما أعطاه ممن ذكرنا فإنما يجمعهم وإياه أب جاهلي، فلم قلتم: إن قرابة الرجل هي من جمعه وإياه أقصى آبائه في الإسلام؟.
قيل له: قد ذكرنا فيها تقدم منّا في كتابنا هذا أن رسول الله ﷺ أعطى قرابةً، ومنع قرابةً، وقد كان كل من أعطاه وكل من حرمه ممن لم يعطه، ممن موضعه منه، وموضع الذي أعطاه يجمعه وإياهم عشيرة واحدة ينسبون إليها، حتى يقال لهم جميعًا: هؤلاء القريشيون، ولا ينسبون إلى ما بعد قريش، فيقال: هؤلاء الكنانيون، فصار أهل العشيرة جميعًا بني أب واحد وقرابة واحدة، وبانوا ممن سواهم فلم ينسبوا إليه.
فكذلك أيضًا كل أب حدث في الإسلام صار فخذًا أو صار عشيرةً ينسب ولده إليه في الإسلام، فكان هو وولده ينسبون جميعًا إلى عشيرة واحدة قد تقدمت الإسلام، فهم جميعًا من أهل تلك العشيرة.
هذا أحسن الأقوال في هذا الباب عندنا، والله نسأله التوفيق.
ثم رجعنا إلى ما أعطى رسول الله ﷺ ذوي، قرباه فوجدنا الناس قد اختلفوا في ذلك.
стр. 2947
فقال بعضهم (١): أعطاه بحق قد وجب لهم بذكر الله إياهم في آية الغنائم، وفي آية الفيء، ولم يكن لرسول الله ﷺ منعهم من ذلك، ولا التخطي به عنهم إلى غيرهم ولأنفسهم من خمس جميع الفيء، ومن خمس خمس جميع الغنائم كما ليس له منه منع المقاتلة من أربعة أخماس الغنائم، ولا التخطي به عنهم إلى غيرهم.
وقال آخرون (٢): لم يجب لذي قرابة رسول الله ﷺ حق في الفيء، ولا في خمس الغنائم بالآيتين اللتين ذكرتهما في أول كتابنا هذا، وإنما وكد الله أمرهم بذكره إياهم في هاتين الآيتين، ثم لا يجب بعد ذلك لهم في الفيء وخمس الغنائم إلا كما يجب لغيرهم من سائر فقراء المسلمين الذين لا قرابة بينهم وبين رسول الله ﷺ وقد روي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز ﵀.
٥٠٤٢ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني ثابت بن يعقوب، عن سعيد بن داود بن أبي الزنبر، عن مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، قال: هذا كتاب عمر بن عبد العزيز في الفيء والمغنم: أما بعد فإن الله أنزل القرآن على محمد ﷺ بصائر ورحمةً لقوم يؤمنون، فشرع فيه الدين، وأبهج به السبيل، وصرف به القول، وبين ما يؤتى مما ينال به من، رضوانه، وما ينتهى عنه من
стр. 2948
مناهيه ومَسَاخطه، ثم أحل حلاله الذي وسع به، وحرم حرامه فجعله مرغوبًا عنه، مسخوطًا على أهله، وجعل مما رحم به هذه الأمة، ووسع به عليهم ما أحل من المغنم، وبسط منه ولم يحظره عليهم كما ابتلى به أهل النبوة والكتاب ممن كان قبلهم، فكان من ذلك ما نفل رسول الله ﷺ لخاصة دون الناس مما غنمه من أموال بني قريظة والنضير، إذ يقول الله حينئذ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحشر: ٦]، فكانت تلك الأموال خالصةٌ لرسول الله ﷺ لم يجب فيها خمس ولا مغنم ليولي الله ورسوله أمره، واختار أهل الحاجة بها السابقة على ما يلهمه من ذلك، ويأذن له به فلم يضر بها رسول الله ﷺ ولم يخترها لنفسه، ولا لأقاربه، ولم يخصص بهذا منهم بفرض ولا سهمان، ولكن آثر بأوسعها وأكثرها أهل الحق والقدمة من المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]، وقسم الله طوائف منها في أهل الحاجة من الأنصار، وحبس رسول الله ﷺ فريقًا منها لنائبته وحقه وما يعروه، غير مفتقد شيئًا منها ولا مستأثر به، ولا مريد أن يؤتيه أحدًا بعده، فجعله صدقةً لا يورث لأحد فيه هادة في الدنيا، ومحقرة لها وأثرة لما عند الله، فهذا الذي لم يوجف فيه خيل ولا ركاب، ومن الأنفال التي آثر الله بها رسوله ولم يجعل لأحد فيها مثل الذي جعل له من المغنم الذي فيه اختلاف من اختلف قول الله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ
стр. 2949
مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، ثم قال ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]، فأما قوله: ﴿فَلِلَّهِ﴾ [الحشر: ٧] فإن الله ﵎ غني عن الدنيا وأهلها وكل ما فيها، وله ذلك كله، ولكنه يقول: اجعلوه في سبيله التي أمر بها، وقوله ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] فإن الرسول لم يكن له حظ في المغنم إلا كحظ العامة من المسلمين، ولكنه يقول: إلى الرسول قسمته والعمل به والحكومة فيه، فأما قوله: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] فقد ظن جهلة من الناس أن لذي قربي محمد ﷺ سهمًا مفروضًا من المغنم، قطع عنهم ولم يؤته إياهم، ولو كان كذلك، لبينه كما بين فرائض المواريث في النصف، والربع، والسدس والثمن، وما نقص حظهم من ذلك غناء كان عند أحدهم، أو فقر، كما لا يقطع ذلك حظ الورثة من سهامهم، ولكن رسول الله ﷺ قد نفل لهم في ذلك شيئًا من المغنم، من العقار، والسبي، والمواشي، والعروض، والصامت، ولكنه لم يكن في شيء من ذلك فرض يعلم، ولا أثر يقتدى به، حتى قبض الله نبيه ﷺ إلا أنه قد قسم فيهم قسمًا يوم خيبر لم يعم بذلك يومئذ عامتهم ولم يخصص قريباً دون آخر أحوج منه، لقد أعطى يومئذ من ليست له قرابة، وذلك لما شكوا إليه من الحاجة، وما كان منهم في جنبه من قومهم، وما خلص إلى حلفائهم من ذلك، فلم يفضلهم عليهم لقرابتهم، ولو كان لذي القربى حق كما ظن أولئك لكان أخواله ذوي قربي وأخوال أبيه وجده وكل من ضربه برحم فإنها القربى كلها، وكما لو كان ذلك كما ظنوا لأعطاهم إياه أبو بكر وعمر ﵄ بعدما وسع الفيء وكثر، وأبو الحسن ﵁ حين ملك ما
стр. 2950
ملك ولم يكن عليه فيه قائل، أفلا علّمهم من ذلك أمرًا يعمل به فيهم، ويعرف بعده، ولو كان ذلك كما زعموا لما قال الله تعالى ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فإن من ذوي قرابة رسول الله ﷺ ، ولمن كان غنيا وكان في سعة يوم ينزل القرآن وبعد ذلك، فلو كان ذلك السهم جائزًا له ولهم كانت تلك دولة بل كانت ميراثًا لقرابته لا يحل لأحد قطعها ولا نقضها، ولكنه يقول: لذي قربي بحقهم وقرابتهم في الحاجة، والحق اللازم كحق المسلمين في مسكنته وحاجته، فإذا استغنى فلا حق، له واليتيم في يتمه، وإن كان اليتيم ورث عن وارثه فلا حق له، وابن السبيل في سفره وصيرورته إن كان كبير المال موسعًا عليه فلا حق له فيه، ورد ذلك الحق إلى أهل الحاجة، وبعث الله الذين بعث، وذكر اليتيم ذا المقربة والمسكين ذا المتربة، كل هؤلاء هكذا لم يكن نبي الله ﷺ ولا صالح من مضى ليدعوا حقا فرضه الله الذي قرابة رسول الله ﷺ ويقومون لهم بحق الله فيه، كما قال: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" وأحكام القرآن ولقد أمضوا على ذلك عطايا من عطايا وضعها في أفياء الناس وإن بعض من أعطي من تلك العطايا لمن هو على غير دين الإسلام، فأمضوا ذلك لهم، فمن زعم غير هذا كان مفتريًا متقولًا على الله ورسوله، وصالح المؤمنين من الذين اتبعوا غير الحق، وأما قول من يقول في الخمس: إن الله فرضه فرائض معلومةً فيها حق من سمى، فإن الخمس في هذا الأمر بمنزلة المغنم، وقد أتى الله نبيه ﷺ سبيًا، فأخذ منه أناسًا، وترك ابنته، وقد أرأته يديها من محل الرحى، فوكلها إلى ذكر الله تعالى والتسبيح، فهذه ادعت حقا لقرابته، ولو كان هذا الخمس والفيء على ما ظن من يقول هذا القول كان ذلك حيفًا على المسلمين،
стр. 2951
واعتزامًا لما أفاء الله عليهم، ولما عطل قسم ذلك فيمن يدعي فيه بالقرابة والنسب والوراثة، ولدخلت فيه سهمان العصبة والنساء أمهات الأولاد، ويرى من تفقه في الدين أن ذلك غير موافق لقول الله لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧) و ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، وقول الأنبياء لقومهم مثل ذلك، وما كان رسول الله ﷺ ليدعي ما ليس له، ولا ليدع حظا ولا قسمًا لنفسه ولا لغيره، واختاره الله لهم، وامتنّ عليهم فيه، ولا ليحرمهم إياه، ولقد سأله نساء بني سعد بن بكر، الفكاك وتخلية المسلمين من سباياهم بعدما كانوا فيئًا، ففككهم وأطلقهم، وقال رسول الله ﷺ وهو يسأل من أنعامهم شجرةً بردائه، فظن أنهم نزعوه عنه "لو كان عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته بينكم، وما أنا بأحقَّ به منكم بقدرِ وبرةٍ آخذها من كاهل البعير إلا الخمس، فإنه مردود فيكم". ففي هذا بيان مواضع الفيء التي وجهها رسول الله ﷺ فيه بحكم الله تعالى، وعدل قضائه، فمن رغب عن هذا، أو ألحد فيه، وسمى رسول الله ﷺ بغير ما سماه به ربه كان بذلك مفتريًا مكذبًا محرفًا لقول الله عن مواضعه، مصيرا بذلك ومن تابعه عليه على التكذيب وإلى ما صار إليه ضلال أهل الكتابين الذين يدعون على أنبيائهم (١).
стр. 2952
قال أبو جعفر: وقال آخرون (١) إنما جعل الله أمر الخمس إلى نبيه ﷺ ليضعه فيمن رأى وضعه فيه من قرابته، غنيا كان أو فقيرًا مع من أمر أن يعطيه من الخمس سواهم ممن تبين في آية الخمس، ولذلك أمره في آية الفيء أيضًا.
فلما اختلفوا في هذا الاختلاف الذي وصفنا وجب أن ننظر في ذلك لنستخرج من أقوالهم هذه قولًا صحيحًا.
فاعتبرنا قول من قال: إن رسول الله ﷺ أعطى من قرابته من أعطى ما أعطاه بحق واجب لهم، لم يذكر الله إياهم في آية الغنائم، وفي آية الفيء، فوجدنا هذا القول فاسدًا؛ لأنا رأيناه ﷺ أعطى قرابةً ومنع قرابةً، فلو كان ما أضافه الله إليهم في آية الغنائم، وفي آية الفيء على طريق الفرض منه لهم إذًا لما حرم رسول الله ﷺ منهم أحدًا، ولعمهم بما جعل الله لهم حتى لا يكون في شيء من ذلك خارجًا عما أمره الله به فيهم.
ألا يرى أن رجلًا لو أوصى لذي قرابة فلانٍ بثلث ماله، وهم يخصّون ويعرفون أن القائم بوصيته ليس له وضع الثلث في بعض القرابة دون بقيتهم، حتى يعمهم جميعًا بالثلث الذي يوصي لهم به، ويسوي بينهم فيه، وإن فعل فيه ما سوى ذلك كان مخالفًا لما أمر به وحاش لله أن يكون رسول الله ﷺ في شيء من فعله لما أمره الله به مخالفًا، ولحكمه
стр. 2953
تاركًا.
فلما كان ما أعطى مما صرفه في ذوي قرباه لم يعم به قرابته كلها، استحال بذلك أن يكون الله لقرابته ﷺ ما قد منعهم منه؛ لأن قرابته لو كان جعل لهم شيء بعينه، كانوا كذوي قرابة فلان الموصى لهم بثلث المال الذي ليس للوصي منع بعضهم ولا إيثار أحدهم دون أحد فبطل بذلك هذا القول.
ثم اعتبرنا قول الذين قالوا: لم يجب لذي قرابة رسول الله ﷺ حق في آية الفيء ولا في آية الغنائم، وإنما وكد أمرهم بذكر الله إياهم، أي: فيعطون لقرابتهم ولفقرهم، ولحاجتهم، فوجدنا هذا القول فاسدًا؛ لأنَّه لو كان ذلك كما قالوا لما أعطى رسول الله ﷺ أغنياء بني هاشم، منهم العباس بن عبد المطلب ﵁، فقد أعطاه معهم، وكان موسرًا في الجاهلية والإسلام، حتى لقد تعجل رسول الله ﷺ ذي القربي ليس للفقر لكن لمعنًى سواه، ولو كان للفقر أعطاهم لكان ما أعطاهم ما سبيله سبيل الصدقة، والصدقة محرمة عليهم.
٥٠٤٣ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن بُريد ابن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي ﵄: ما تحفظ من رسول الله ﷺ ؟ قال: أذكر أني أخذت تمرةً من تمر الصدقة فجعلتها في فيّ، فأخرجها رسول الله ﷺ فألقاها في التمر، فقال رجل: يا رسول الله! ما كان عليك في
стр. 2954
هذه التمرة لهذا الصبي؟ فقال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" (١).
٥٠٤٤ - حدثنا بكار بن قتيبة، وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن ثابت بن عمارة، عن ربيعة بن شيبان، قال: قلت للحسن … فذكر نحوه إلا أنه قال في آخره: "ولا لأحد من أهله" (٢).
٥٠٤٥ - حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: دخلنا على ابن عباس ﵄، فقال: ما اختصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا بثلاث إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل، الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل (٣).
стр. 2955
٥٠٤٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي (ح)
وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوّار (ح)
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد (ح)
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قالوا ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرةً من تمر الصدقة، فأدخلها في فيه، فقال له النبي ﷺ : كخٍ كخ، ألقها ألقها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" (١).
٥٠٤٧ - حدثنا بكار بن قتيبة، وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في إبل سائمة: "في كل أربعين ابنة لبون، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فأنا آخذها منه وشطر إبله، عزمة (٢) من عزمات ربنا، لا يحل لأحد منا منها شيء" (٣).
стр. 2956
٥٠٤٨ - حدثنا علي بن معبد قال: ثنا الحكم بن مروان الضرير، ح. وحدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قالا: ثنا معرِّف بن واصل السعدي، قال: سمعت حفصة في سنة تسعين، قال ابن أبي داود في حديثه: ابنة طلق تقول: ثنا رُشَيد بن مالك أبو عميرة قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى بطبق عليه، تمر، فقال: أصدقة أم هدية؟ فقال: بل صدقة. قال: فوضعه بين يدي القوم والحسن يتعفر (١) بين يديه، فأخذ الصبي تمرةً فجعلها في فيه، فأدخل رسول الله ﷺ أصبعه وجعله يترفق به، فأخرجها، فقذفها، ثم قال: "إنا آل محمد لا نأكل الصدقة" (٢).
٥٠٤٩ - حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا علي بن حكيم الأودي، قال أخبرنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: دخلت مع النبي ﷺ بيت الصدقة، فتناول الحسن تمرةً، فأخرجها من فيه وقال: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة (٣).
стр. 2957
٥٠٥٠ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أخبرنا
شريك … فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" ولم يشك (١).
قال أبو جعفر: أفلا يرى أن الصدقة التي تحل لسائر الفقراء من غير بني هاشم من جهة الفقر لا تحل لبني هاشم من حيث تحل لغيرهم، فكذلك الفيء والغنيمة لو كان ما يعطون منها على جهة الفقر، إذًا لما حلّ لهم.
فأما ما احتج به أهل هذا القول لقولهم من أمر رسول الله ﷺ فاطمة بالتسبيح، عندما سألته أن يخدمها خادمًا عند قدوم السبي عليه فوكلها إذًا بما أمرها به من التسبيح ولم يخدمها من السبي أحدًا، فذكر في ذلك ما.
٥٠٥١ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدث عن علي ﵁، أن فاطمة رضي الله تعالى عنهما أتت رسول الله ﷺ تشكو إليه أثر الرحى في يديها، وبلغها أن النبي ﷺ أتاه سبي، فأتته تسأله خادمًا، فلم تلقه ولقيتها عائشة ﵂، فأخبرتها
стр. 2958
الحديث، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته بذلك، قال: فأتانا رسول الله ﷺ وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا أن نقوم، فقال: "ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ تكبر أن الله أربعًا وثلاثين، وتسبحان الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثًا وثلاثين، إذا أخذتما مضاجعكما، فإنه خير لكما من خادم" (١).
٥٠٥٢ - حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي ﵁ أنه قال لفاطمة ذات يوم: قد جاء الله أباك بسعة من رقيق، فاستخدميه، فأتته فذكرت ذلك له، فقال: "والله لا أعطيكما، وأدع أهل الصفة يطوون بطونهم، ولا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعها وأنفق عليهم، ألا أدلكما على خير مما سألتما علّمنيه جبريل صلوات الله عليه: كبرا في دبر كل صلاة عشرًا، واحمدا عشرًا، وسبحا عشرًا فإذا أويتما إلى فراشكما". ثم ذكر مثل ما ذكر في حديث سليمان بن شعيب (٢).
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: أفلا يرى أن رسول الله ﷺ لم يخدمها من السبي خادمًا، ولو كان لها فيه حق بما ذكر الله من ذوي القربى في آية الغنيمة وفي آية الفيء إذًا لما منعها من ذلك وآثر غيرها عليها، ألا تراه يقول: "والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة يطوون بطونهم، ولا أجد ما أنفق عليهم".
стр. 2959
قيل له: منعه إياها يحتمل أن يكون لأنها لم تكن عنده قرابة، ولكنها كانت عنده أقرب من القرابة؛ لأن الولد لا يجوز أن يقال هو قرابة أبيه، وإنما القرابة من بعد الولد، ألا يرى إلى قول الله في كتابه: "قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين" فجعل الوالدين غير الأقربين، فكما كان الوالدان يخرجان من قرابة ولدهما، فكذلك ولدهما يخرج من قرابتهما.
ولقد قال محمد بن الحسن ﵀ في رجل أوصى بثلث ماله لذي قرابة فلان: إن والديه وولده لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم أقرب من القرابة، فيحتمل أن يكون رسول الله ﷺ لم يعط فاطمة ما سألته لهذا المعنى.
فإن قال قائل: فقد روي عنه أيضًا في غير فاطمة ﵂ من بني هاشم مثل هذا أيضًا، فذكر ما
٥٠٥٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني عياش بن عقبة، قال: حدثني الفضل بن الحسن بن عمرو، عن ابن أم الحكم، أن أمه حدثته أنها ذهبت هي وأختها حتى دخلتا على فاطمة ﵂، فخرجن جميعًا، فأتين رسول الله ﷺ وقد أقبل من بعض مغازيه، ومعه رقيق، فسألنه أن يخدمهن فقال: "سبقكن يتامى أهل بدر" (١).
стр. 2960
٥٠٥٤ - حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، قال: ثنا محمد بن سلمة المرادي، قال أملي علينا عبد الله بن وهب عن عياش بن عقبة الحضرمي، أن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية حدثه، أن ابن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب، حدثه عن إحداهما أنها قالت: "أصاب رسول الله ﷺ سبيًا، فذهبت أنا وأختي وفاطمة ابنة النبي ﷺ فشكونا إليه ما نحن فيه، وسألنا أن يعطينا شيئًا من السبي، فقال النبي ﷺ : "سبقكن يتامى بدر، ولكن سأدلكن على ما هو خير لكن، تكبرن الله على إثر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، وثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، وثلاثًا وثلاثين تحميدةً، ولا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، واحدة" قال عياش: وهما ابنتا الله عم رسول الله ﷺ (١).
٥٠٥٥ - حدثنا يحيى بن عثمان، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا عبد الله بن وهب … فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: ولا أدري ما اسم الرجل ولا اسم أبيه؟ (٢).
стр. 2961
قيل له: ليس هذا حجة لك على من أوجب سهم ذوي القربي؛ لأنَّه إنما يوجبه لمن رأى النبي ﷺ إيثاره به، فقد يجوز أن يكون آثر به ذا قرباه من يتامى أهل بدر، ومن الضعفاء الذين قد صاروا لضعفهم من أهل الصفة.
فلما انتفى قول من رأى سهم ذوي القربى واحد بجملتهم على أنهم عنده بنو هاشم وبنو المطلب خاصةً لا يُتخطّون إلى غيرهم، وقول من قال: إن حق ذوي القربى في خمس الغنائم، وفي الفيء بفقرهم ولحاجتهم بما احتججنا به على كل واحد من القولين، ثبت القول الآخر، وهو: أن رسول الله ﷺ قد كان له أن يخص به من شاء منهم، ويحرم من شاء منهم.
فإن قال قائل: وما دليلك على ذلك؟.
قيل له: قد ذكرنا من الدلائل على ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب ما يغنينا عن إعادته هاهنا مع أنا نزيد في ذلك بيانًا أيضًا.
٥٠٥٦ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعه بن الحارث والعباس بن عبد المطلب ﵁ فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين لي والفضل بن عباس على الصدقة، فأدّيا ما يؤدّي الناس، وأصابا ما يصيب الناس، قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁ ووقف عليهما، فذكرا ذلك له فقال علي: لا تفعلا، فوالله! ما
стр. 2962
هو بفاعل، فقالا: ما يمنعك هذا إلا نفاسةً علينا، فوالله لقد نِلتَ صهر رسول الله ﷺ فما نَفْسنا عليك، فقال علي ﵁: أنا أبو حسن أرسِلاهما فانطلقا، واضطجع، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء، فأخذ بآذاننا فقال: "أخرجا ما تضمران"، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب ابنة جحش، فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدُنا فقال: يا رسول الله! أنت أبرّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح وقد جئناك لتؤمّرنا على بعض الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدون، ونصيب كما يصيبون، فسكت حتى أردنا أن نكلمه، وجعلت زينب ﵁ تلمع (١) إلينا من وراء الحجاب: أن لا تكلماه، فقال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنا هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب" فجاءاه، فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك، للفضل بن عباس"، فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك"، فأنكحني، فقال لمحمية: "أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا" (٢).
أفلا ترى أن رسول الله ﷺ أمر محمية أن يصدق عنهما من الخمس، ولم يقسم الخمس بعد ذلك عن عدد بني هاشم، وبني المطلب، فيعلم مقدار ما لكل واحد منهم، فدل ذلك على أنه أتى ما سمى الله لذوي القربى في الآيتين اللتين ذكرناهما في صدر كتابنا
стр. 2963
هذا، ليس لقوم بأعيانهم لقرابتهم، لو كان ذلك كذلك إذًا لوجب التسوية فيه بينهم، وإذًا لما كان رسول الله ﷺ يحبسه في يد محمية دون أهله حتى يضعه فيهم، كما لم يحبس أربعة أخماس الغنائم عن أهلها، ولم يولّ عليها حافظًا دون أهلها.
ففي تولية النبي ﷺ على الخمس من الغنائم من يحفظه حتى يضعه فيمن يأمره النبي ﷺ فوضعه فيه دليل على أن حكمه إليه فيمن يرى في ذوي قرباه، ولو كان لذوي القربي حق بعينه لا يجوز أن يصرف سهم عن كل واحد منهم حظه منه إلى من سواه، وإن كانوا أولي قربي لما كان رسول الله ﷺ يحبس حقا للفضل بن العباس بن عبد المطلب، ولا لعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ولا عن غيرهما، حتى يؤدي إلى كل واحد منهم حقه، ولما احتاج الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة أن يصدق عنهما شيئًا قد جعله الله لهما بالآية التي ذكرهم فيها.
ففي انتفاء ما ذكرنا دليل صحيح وحجة قائمة أن ما كان رسول الله ﷺ جعله في ذوي قرباه الذين جعله فيهم، وما قد كان له صرفه عنهم إلى ذوي قرباه مثلهم، وإن بعضهم لم يكن أولى به من بعض إلا من رأى رسول الله ﷺ وضعه فيه منهم، فيكون بذلك أولى ممن رأى يحظّيه به منهم، وفي ذلك أيضًا حجة أخرى وهي: أن
٥٠٥٧ - فهد بن سليمان بن يحيى قد حدثنا، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله! لمن المغنم؟ فقال: "الله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم"، قلت: فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: "لا، حتى السهم يأخذه
стр. 2964
أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أخيه" (١).
٥٠٥٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢).
٥٠٥٩ - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة قال: كنت أقعد مع ابن عباس ﵄ فقال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال مَن القوم؟ أم من الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: "مرحبًا بالقوم، أو بالوفد، غير خزايا ولا نادمين"، قالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأصل فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن يعطوا من المغنم الخمس" (٣).
стр. 2965
٥٠٦٠ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ (١).
فعلم أنه قد أضاف الخمس من الغنيمة إلى الله ، ولم يضف إليه أربعة أخماسها، وأن ما سواه منها لقوم بغير أعيانهم يضعه رسول الله ﷺ فيهم على ما يرى ولو كان لذي القربى المعلوم عددُهم لم يكن كذلك، أفلا ترى أن رسول الله ﷺ كان يأخذ الخمس ليضعه فيما يرى وضعه، ويقسم ما بقي بعده على السهمان، فدل أن ما كان يقسمه على السهمان أنه لقوم بأعيانهم، لا يجوز لأحد منعهم منه، وأن الذي يأخذه لا يقسمه حتى يدخل فيه رأيه هو الذي ليس لقوم بأعيانهم، وأنَّه مردود إلى رسول الله ﷺ حتى يضعه فيما يرى، ثم تكلم الناس في حكم ما كان رسول الله ﷺ يضعه في ذوي قرباه في حياته كيف حكمه بعد وفاته ﷺ ؟.
فقال قائلون: هو راجع من قرابته إلى قرابة الخليفة من بعده.
وقال آخرون (٢): هو لبني هاشم ولبني المطلب خاصةً.
стр. 2966
وقال آخرون (١): وهم الذين ذهبوا إلى أن ما كان في حياة النبي ﷺ لمن رأى النبي ﷺ وضعه فيه من قرابته: هو منقطع عنهم بوفاة رسول الله ﷺ ، فنظرنا في هذه الأقوال، لنستخرج منها قولًا صحيحًا، فرأينا رسول الله ﷺ كان في حياته في المغنم سهم الصفي لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. وقد روي عنه فيه
٥٠٦١ - ما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا أبو هلال الراسبي، عن أبي جمرة، عن ابن عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ به، ونحدث به من بعدنا، قال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتعطوا سهم الله من الغنائم والصفى، وأنهاكم عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت" (٢).
٥٠٦٢ - حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر (٣).
стр. 2967
٥٠٦٣ - حدثنا مالك بن يحيى الهمداني، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن مطرف، قال: سألت الشعبي عن سهم النبي ﷺ والصفي، قال: كان سهم النبي ﷺ كسهم رجل من المسلمين، وكان الصفي يصفى به إن شاء عبدًا، وإن شاء أمةً، وإن شاء فرسًا (١).
٥٠٦٤ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد (٢).
٥٠٦٥ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني عبد العزيز بن محمد، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال فيما يحتج به: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بني النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير: حُبسًا لنوائبه، وأما فدك: فكانت حبسا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزاها ثلاثة أجزاء، فقسم منها جزءًا بين المسلمين، وحبس جزءًا للنفقة، فما فضل عن أهله رده إلى فقراء المهاجرين ﵃ (٣).
стр. 2968
٥٠٦٦ - حدثنا مالك بن يحيى الهمداني، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال أخبرنا الجُريري، عن أبي العلاء، قال: بينما أنا مع مطرف بأعلى المربد (١)، في سوق الإبل إذ أتى علينا أعرابي معه قطعة أديم، أو قطعة جراب -شك الجُريري-، فقال: هل فيكم من يقرأ؟ فقلت أنا أقرأ، قال: ها، فاقرأه، فإن رسول الله ﷺ كتبه لنا، فإذا فيه: "من محمد النبي، لبني زهير بن أفيش، حي من عكل، إنهم إن شهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وفارقوا المشركين، وأقروا بالخمس في غنائمهم، وسهم النبي ﷺ وصفيه، فإنهم آمنون بأمان الله، فقال له بعضهم: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا تحدثنا؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يذهب عنه وحر (٢) الصدر، فليصم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر" فقال رجل من القوم: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: ألا أراكم تروننا، أني أكذب على رسول الله ﷺ لا حدثتكم اليوم حديثًا، فأخذها، ثم انطلق (٣).
стр. 2969
قال أبو جعفر: وأجمعوا جميعًا أن هذا السهم ليس للخليفة بعد النبي ﷺ ، وأنَّه ليس فيه كالنبي ﷺ ، فلما كان الخليفة لا يخلُف النبي ﷺ فيما كان له مما خصه الله به دون سائر المقاتلين معه، كانت قرابته أحرى أن لا تخلف قرابة النبي ﷺ ، فيما كان لهم في حياته من الفيء والغنيمة، فبطل بهذا قول من قال: إن سهم ذوي القربي بعد موت النبي ﷺ لقرابة الخليفة من بعده.
الصفي إنما كان للنبي ﷺ ثابتا خاصا لم يبق بعده، ولا نعلم مخالفا لهذا إلا أبا ثور، فإنه قال: إن كان الصفي ثابتا للنبي ﷺ فللإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبي ﷺ ويجعله، فجعل سهم النبي ﷺ من خمس الخمس، قال: فجمع بين الشك في حياة النبي ﷺ ، ومخالفة الإجماع في إبقائه بعد موته (١).
ثم رجعنا إلى ما قال الناس سوى هذا القول من هذه الأقوال التي ذكرناها في هذا الفصل، فأما من خص بني هاشم وبني المطلب دون من سواهم من ذوي قربي رسول الله ﷺ ، وجعل سهم ذوي القربى لهم خاصةً، فقد ذكرنا فساد قوله فيما تقدم في كتابنا هذا، فأغنانا ذلك عن إعادته هاهنا.
وكذلك من جعله لفقراء قرابة النبي ﷺ دون أغنيائهم، وجعلهم كغيرهم من سائر فقراء المسلمين، فقد ذكرنا أيضًا فيما تقدم من هذا الكتاب فساد قوله فأغنانا عن
стр. 2970
إعادته هاهنا وبقي قول الذين يقولون: إن رسول الله ﷺ كان له أن يضعه فيمن رأى وضعه فيه من ذوي قرابته، وإن أحدًا منهم لا يستحق منه شيئًا حتى يعطيه إياه رسول الله ﷺ ، قد كان له أن يصطفي من المغنم لنفسه ما رأى، فكان ذلك منقطعًا بوفاته غير واجب لأحد من بعد وفاته.
فالنظر على ذلك أن يكون كذلك ما له أن يخص به من رأى من ذوي قرباه دون من سواه من ذوي قرباه في حياته، إلا أن يكون ذلك إلى أحد من بعد وفاته، ولما بطل أن يكون ذلك إلى أحد بعد وفاته بطل أن يكون ذلك السهم لأحد من ذوي قرابته بعد وفاته.
فإن قال قائل: فقد أبى ذلك عليكم عبد الله بن عباس ﵄، ثم ذكر ما
٥٠٦٧ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثني عمي جُويرية بن أسماء، عن مالك، عن ابن شهاب، عن يزيد بن هرمز، حدثه أن نجدة صاحب اليمامة كتب إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن سهم ذوي القربي، فكتب إليه ابن عباس ﵄: إنه لنا، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ دعانا لينكح منه أيمنا، ويقضى منه غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا كله، ورأينا أنه لنا (١).
٥٠٦٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت
стр. 2971
قيسًا يحدث عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن سهم ذوي القربى الذين ذكرهم الله ، وفرض لهم فكتب إليه وأنا شاهد كتابه (١): إنهم قرابة رسول الله ﷺ ، فأبى ذلك علينا قومنا (٢).
قيل له: إنا لم ندفع أن يكون قد خولفنا فيما ذهبنا إليه مما ذكرنا، ولكن عبد الله بن عباس ﵄، رأى في ذلك أن سهم ذوي القربى ثابت، وأنهم بنو هاشم في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، وقد أخبر أن قومه أبوا ذلك عليه، وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، ومن تابعه منهم رضوان الله عليهم، وعلى ذلك، فمثل من ذكرنا، يكون قوله معارضًا لقول عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولقد
٥٠٦٩ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن بشر الخثعمي، عن ابن حَمَمَة، قال: وقعت جرة فيها وَرِق من دير خرب فأتيت بها علي بن أبي طالب ﵁ فقال: اقسمها على خمسة أخماس فخذ أربعةً، وهاتِ خمسًا، فلما أدبرتُ قال: أفي ناحيتك مساكين فقراء؟ فقلت: نعم، قال: فخذه فاقسمه بينهم (٣).
стр. 2972
أفلا يرى أن عليا رضي الله تعالى عنه قد أمره أن يقسم الخمس من الركاز في فقراء ناحيته، فلم يوجب عليه دفع شيء منه إلى أحد من ذوي قربي رسول الله ﷺ ، فهذا خلاف ما كان عبد الله بن عباس ﵄ رآه في ذلك.
٥٠٧٠ - وقد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، قال: حدثني عمير بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن أمية، اللهم أو حدث القومَ وأنا فيهم، قال: حدثني عبد الرحمن بن عوف قال: أرسل إليّ عمر رضي عمر ﵁ ظهرًا، فأتيته فلما انتهيت إلى الباب سمعت نحيبًا شديدًا، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعيى عمر أمير المؤمنين، فدخلت حتى جئت فوضعت يدي عليه، فقلت: لا بأس بك يا أمير المؤمنين، فقال: أعجبك ما رأيت؟ قلت: نعم، قال: ها إن الخطاب على الله لو كرسنا عليه، كان حذا إلى صاحبي قبلي، قال: ثم قال: اجلس بنا نتفكر، فكتبنا المحقين في سبيل الله، وكتبنا أزواج النبي ﷺ ومن دون ذلك، فأصاب المحقين في سبيل الله أربعة آلاف، وأصاب أمهات المؤمنين، رضوان الله عليهن، ومن دون ذلك، ألفا حتى وزعنا المال (١).
أفلا ترى أن عمر، وعبد الرحمن بن عوف قد سويا بين المحقين، وبين أهل الدرجة التي بعدهم، ولم يدخلا في ذلك ذوي قربي رسول الله ﷺ لقرابتهم، كما أدخلا الاستحقاق باستحقاقهم.
стр. 2973
٥٠٧١ - وقد حدثنا أيضًا يزيد بن سنان، قال: ثنا محمد بن أبي رجاء الهاشمي، قال: ثنا أبو معشر عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، وولي أبو بكر ﵁، قدم عليه مال من البحرين، فقال: من كان له على رسول الله ﷺ عدة فليأتني، وليأخذ، فأتى جابر بن عبد الله ﵄ فقال: وعدني رسول الله ﷺ إذا أتاه مال من البحرين أعطاني هكذا وهكذا، وهكذا ثلاث مرات ملء كفيه قال: خذ بيدك، فأخذ بيده، فوجدها خمسمائة فقال: اعدد إليها ألفًا. ثم أعطى من كان وعده رسول الله ﷺ شيئًا، ثم قسم بين الناس ما بقي، فأصاب كل إنسان منهم عشرة دراهم، فلما كان العام المقبل، وجاءه مال كثير أكثر من ذلك فقسمه بين الناس، فأصاب كل إنسان عشرون درهمًا، وفضل من المال فضل، فقال: يا أيها الناس، قد فضل فضلٌ، ولكم خدم يعالجون لكم، ويعملون لكم، فإن شئتم رضخنا لهم، فرضخ لهم خمسة دراهم، خمسة دراهم، فقيل: يا خليفة رسول الله ﷺ لو فضلت المهاجرين والأنصار بفضلهم، قال: إنما أجورهم على الله، إنما هذا مغانم، والأسوة في المغانم أفضل من الأثرة، فلما توفي أبو بكر ﵁، واستُخْلِف عمر ﵁، فُتِحت عليه الفتوح، وجاءهم مال أكثر من ذلك، فقال: كان لأبي بكر ﵁ في هذا المال رأيٌ ولي رأي آخر، رأى أبو بكر أن يقسم بالسوية، ورأيت أن أفضل المهاجرين والأنصار، ولا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه، ففضّل المهاجرين والأنصار، فجعل لمن شهد بدرًا منهم خمسة آلاف، ومن كان له إسلام مع إسلامهم إلا أنه لم يشهد بدرًا، أربعة آلاف أربعة آلاف، وللناس على قدر إسلامهم ومنازلهم، وفرض
стр. 2974
لأزواج النبي ﷺ اثني عشر ألفًا، لكل امرأة منهن، إلا صفية وجويرية، فرض لهما ستة آلاف، ستة آلاف، فأبتا أن تأخذا، فقال: إنما فرضت لكن بالهجرة، فقالتا: إنما فرضت لهن لمكانهن من رسول الله ﷺ ولنا مثل مكانهن، فأبصر ذلك عمر ﵁ فجعلهن سواءً، وفرض للعباس بن عبد المطلب اثني عشر ألفًا لقرابته من رسول الله ﷺ وفرض لنفسه خمسة آلاف، وفرض لعلي بن أبي طالب ﵁ خمسة آلاف، وربما زاد الشيء، وفرض للحسن والحسين ﵄ خمسة آلاف خمسة آلاف، ألحقهما بأبيهما لقرابتهما من رسول الله ﷺ وفرض لأسامة بن زيد ﵁، أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر ﵄، ثلاثة آلاف، فقال له عبد الله بن عمر ﵄: بأي شيء زدته عليّ؟ فما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لك ولم يكن له من الفضل ما لم يكن لي؟ فقال: إن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان هو أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا ألفين ألفين، فمر به عمر بن أبي سلمة فقال: زده ألفًا يا غلام، وقال محمد بن عبد الله بن جحش: لأي شيء زدته علي؟ والله ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لآبائنا، قال: فرضت لأبي سلمة ألفين، وزدته لأم سلمة ألفًا، فلو كانت لك أم مثل أم سلمة زدتك ألفًا، وفرض لأهل مكة ثماني مائة في الشرف منهم، ثم الناس على قدر منازلهم، وفرض لعثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ثماني مائة، وفرض للنضر بن أنس في ألفيْ درهم، فقال له طلحة بن عبيد الله: جاءك ابن عثمان بن عمرو -ونسبه إلى جده-، ففرضت له ثماني مائة، وجاءكَ هنْبَة من الأنصار، ففرضت له في ألفين، فقال: إني لقيت أبا هذا يوم أحد، فسألني عن رسول
стр. 2975
الله ﷺ فقلت: ما أراه إلا قد قتل، فسل سيفه، وكَسَرَ غمده، وقال: إن كان رسول الله ﷺ قتل، فإن الله حي لا يموت، وقاتل حتى قتل، وهذا يرعى الغنم بمكة، أفتراني أجعلهما سواءً؟، قال: فعمل عمر عمره كله بهذا، حتى إذا كان في آخر السنة التي قتل فيها سنة ثلاث وعشرين حجّ فقال أناس من الناس: لو مات أمير المؤمنين قمنا إلى فلان ابن فلان، فبايعناه، قال أبو معشر: يعنون طلحة بن عبيد الله، فلما قدم عمر المدينة خطب، فقال في خطبته: رأى أبو بكر في هذا المال رأيًا، رأى أن يقسم بينهم بالسوية ورأيت أن أفضل المهاجرين والأنصار بفضلهم، فإن عشت هذه السنة أرجع إلى رأي أبي بكر، فهو خير من رأيي (١).
أفلا ترى أن أبا بكر ﵁، لما قسم سوّى بين الناس جميعًا، فلم يقدم ذوي قربي رسول الله ﷺ على من سواهم، ولم يجعل لهم سهمًا في ذلك المال أبانهم به عن الناس، فذلك دليل على أنه كان لا يرى لهم بعد موت رسول الله ﷺ حقا في مال الفيء سوى ما يأخذونه، كما يأخذ من ليس بذوي القربي.
ثم هذا عمر بن الخطاب ﵁، لما أفضى إليه الأمر، ورأى التفضيل بين الناس على المنازل، لم يجعل لذوي القربي سهمًا يبينون به على الناس، ولكنه جعلهم وسائر الناس سواءً، وفضل بينهم بالمنازل غير ما يستحقونه بالقرابة، لو كان لأهلها
стр. 2976
سهم قائم.
فدل ذلك على ما ذهبنا إليه من ارتفاع سهم ذوي القربي بعد وفاة رسول الله ﷺ بحديث روي عن عمر ﵁.
٥٠٧٢ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن هلال، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، مالك عن بن أوس، قال: كنت جالسًا إلى عمر بن الخطاب ﵁، فجاءه علي والعباس ﵄ يختصمان، قال العباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الكذا الكذا. قال حماد: أنا أكني عن الكلام، فقال: والله لأقضين بينكما إن رسول الله ﷺ لما توفي وولي أبو بكر ﵁ صدقته فقوي عليها، وأدى فيها الأمانة، فزعم هذا أنه خان وفجر، وكلمةً قالها أيوب، قال: والله يعلم أنه ما خان ولا فجر ولا كذا. قال حماد. وحدثنا عمرو بن دينار عن مالك، وغير واحد، عن الزهري أنه قال: لقد كان فيها راشدًا تابعًا للحق (١).
ثم رجع إلى حديث أيوب: فلما توفي أبو بكر ﵁، وليتها بعده، فقويت عليها فأديت فيها الأمانة، وزعم هذا أني خنت، وفجرت، والله يعلم أني ما خنت ولا فجرت، ولا تيك الكلمة، وفي حديث عَمرو عن الزهري: ولقد كنت فيها راشدًا تابعًا
стр. 2977
للحق، ثم رجع إلى حديث عكرمة: ثم أتياني فقالا: ادفع إلينا صدقة رسول الله ﷺ فدفعتها إليهما، فقال هذا لهذا: أعطني نصيبي من ابن أخي، وقال هذا لهذا: أعطني نصيبي من امرأتي من أبيها، وقد علم أن نبي الله ﷺ لا يورث، ما ترك صدقة، وفي حديث عمرو، عن الزهري: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنا لا نورث، ما تركنا صدقة، ثم رجع إلى حديث عكرمة، ثم تلا عمر ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، فهذه لهؤلاء، ثم تلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية، ثم قال: وهذه لهؤلاء، وفي حديث عمرو عن الزهري قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] إلى آخر الآية فكانت هذه خاصةً لرسول الله ﷺ ما لم يوجف المسلمون فيه خيلًا ولا ركابًا، فكان يأخذ من ذلك قوته وقوت أهله، ويجعل بقية المال لأهله ثم رجع إلى حديث أيوب، ثم تلا ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] إلى آخر الآية، ثم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨] فهؤلاء المهاجرون، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حتى بلغ حماد: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] قال: فهؤلاء الأنصار، قال: ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فهذه الآية استوعبت المسلمين فلم يبق أحد من المسلمين إلا له حق، إلا ما يملكون من رقيقكم، فإن أعش إن شاء الله لم يبق أحد من
стр. 2978
المسلمين إلا سآتيه حقه حتى راعي الثلة يأتيه حظه، أو قال: حقه.
قال: فهذا عمر ﵁ قد تلا في هذا الحديث: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية ثم قال: وهذه لهؤلاء، فدل ذلك أن سهم ذوي القربى قد كان ثابتًا عنده لهم بعد وفاة النبي ﷺ كما كان لهم في حياته.
قيل له: ليس فيما ذكرت على ما ذهبت إليه، وكيف يكون لك فيه دلالة على ما ذهبت إليه، وقد كتب عبد الله بن عباس ﵄ إلى نجدة حين كتب إليه يسأله عن سهم ذوي القربي: قد كان عمر بن الخطاب دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا ويكسو منه عارينا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله فأبى ذلك علينا.
فهذا عبد الله بن عباس ﵄ يخبر أن عمر أبي عليهم دفع السهم إليهم؛ لأنهم لم يكن عنده له، فكيف يتوهم عليه فيما روى عنه مالك بن أوس غير ذلك ولكن معنى ما روى عنه مالك بن أوس في هذا الحديث من قوله: فهذه لهؤلاء، أي: فهي لهم على معنى ما جعلها الله لهم في وقت إنزاله الآية على رسول الله ﷺ فيهم، وعلى مثل ما عنى به ما جعل لرسول الله ﷺ فيها من السهم الذي أضافه إليه، فلم يكن ذلك السهم جاريًا له ﷺ في حياته وبعد وفاته غير منقطع إلى يوم القيامة، بل كان جاريًا له في حياته منقطعًا عنه بموته، وكذلك ما أضافه فيها إلى ذوي قرباه كذلك أيضًا واجبًا لهم في حياته يضعه ﵇ فيمن شاء منهم مرتفعًا بوفاته، كما لم يكن قول عمر
стр. 2979
﵁ فهذه لهؤلاء، لا يجب به بقاء سهم رسول الله ﷺ إلى الوقت الذي قال فيه ما قال كان ذلك قوله فهي لهؤلاء لا يجب به بقاء سهم ذوي القربي إلى الوقت الذي قال فيه ما قال معارضةً صحيحةً باقيةً أن يكون حديث مالك بن أوس هذا عن عمر ﵁ مخالفًا لحديث عبد الله بن عباس ﵄ عن عمر ﵁ في سهم ذوي القربى. ولقد
٥٠٧٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ أن فاطمة ﵂ قالت: يا أبا بكر من يرثك إذا متَ؟ قال: وُلدي وأهلي، قالت: فما لك ترث النبي ﷺ دوني؟، قال: يا ابنة رسول الله ﷺ ما ورثت أباك دارًا ولا ذهبًا، ولا غلامًا، قالت: ولا سهم الله الذي جعله لنا وصافيتنا التي بيدك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما هي طعمة أطعمنيها الله ، فإذا متُ كانت بين المسلمين" (١).
٥٠٧٤ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن أم هاني، أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متَ؟، قال: وُلدي وأهلي، قالت: فما لك ترث رسول الله ﷺ دوننا! قال: يا ابنة رسول الله ﷺ ! ما ورث أبوك دارًا، ولا مالًا، ولا غلامًا، ولا ذهبًا، ولا فضةً، قالت:
стр. 2980
فدك التي جعلها الله لنا، وصافيتنا التي بيدك لنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما طعمة أطعمنيها الله ، فإذا مت فهي بين المسلمين" (١).
أفلا يرى أن أبا بكر ﵁ قد أخبر في هذا الحديث عن النبي ﷺ أن ما كان يعطيه ذوي، قرباه، فإنما كان من طعمة أطعمها الله إياه وملكه إياها حياته، وقطعها عن ذوي قرابته بموته.
وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵃ أنه قال: اختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ .
فقال قائل: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة.
وقال قائل: سهم النبي ﷺ للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم على أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في إمارة أبي بكر ﵁، فلما أجمعوا بعدما كانوا اختلفوا، كان إجماعهم حجةً، وفيما أجمعوا عليه من ذلك بطلان سهم ذوي القربى من المغانم والفيء بعد وفاة رسول الله ﷺ .
فإن قال قائل: فأما ما رويتموه عن علي ﵁، فإنما كان فيما ذهب إليه من ذلك، متابعًا لأبي بكر وعمر ﵄، كراهة أن يدعي عليه خلافهما. وذكر في ذلك ما