← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

سهم قائم. فدل ذلك على ما ذهبنا إليه من ارتفاع سهم ذوي القربي بعد وفاة رسول الله ﷺ بحديث روي عن عمر ﵁. ٥٠٧٢ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن هلال، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، مالك عن بن أوس، قال: كنت جالسًا إلى عمر بن الخطاب ﵁، فجاءه علي والعباس ﵄ يختصمان، قال العباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الكذا الكذا. قال حماد: أنا أكني عن الكلام، فقال: والله لأقضين بينكما إن رسول الله ﷺ لما توفي وولي أبو بكر ﵁ صدقته فقوي عليها، وأدى فيها الأمانة، فزعم هذا أنه خان وفجر، وكلمةً قالها أيوب، قال: والله يعلم أنه ما خان ولا فجر ولا كذا. قال حماد. وحدثنا عمرو بن دينار عن مالك، وغير واحد، عن الزهري أنه قال: لقد كان فيها راشدًا تابعًا للحق (١). ثم رجع إلى حديث أيوب: فلما توفي أبو بكر ﵁، وليتها بعده، فقويت عليها فأديت فيها الأمانة، وزعم هذا أني خنت، وفجرت، والله يعلم أني ما خنت ولا فجرت، ولا تيك الكلمة، وفي حديث عَمرو عن الزهري: ولقد كنت فيها راشدًا تابعًا

стр. 2977

للحق، ثم رجع إلى حديث عكرمة: ثم أتياني فقالا: ادفع إلينا صدقة رسول الله ﷺ فدفعتها إليهما، فقال هذا لهذا: أعطني نصيبي من ابن أخي، وقال هذا لهذا: أعطني نصيبي من امرأتي من أبيها، وقد علم أن نبي الله ﷺ لا يورث، ما ترك صدقة، وفي حديث عمرو، عن الزهري: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنا لا نورث، ما تركنا صدقة، ثم رجع إلى حديث عكرمة، ثم تلا عمر ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، فهذه لهؤلاء، ثم تلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية، ثم قال: وهذه لهؤلاء، وفي حديث عمرو عن الزهري قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] إلى آخر الآية فكانت هذه خاصةً لرسول الله ﷺ ما لم يوجف المسلمون فيه خيلًا ولا ركابًا، فكان يأخذ من ذلك قوته وقوت أهله، ويجعل بقية المال لأهله ثم رجع إلى حديث أيوب، ثم تلا ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] إلى آخر الآية، ثم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨] فهؤلاء المهاجرون، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حتى بلغ حماد: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] قال: فهؤلاء الأنصار، قال: ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فهذه الآية استوعبت المسلمين فلم يبق أحد من المسلمين إلا له حق، إلا ما يملكون من رقيقكم، فإن أعش إن شاء الله لم يبق أحد من

стр. 2978

المسلمين إلا سآتيه حقه حتى راعي الثلة يأتيه حظه، أو قال: حقه. قال: فهذا عمر ﵁ قد تلا في هذا الحديث: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية ثم قال: وهذه لهؤلاء، فدل ذلك أن سهم ذوي القربى قد كان ثابتًا عنده لهم بعد وفاة النبي ﷺ كما كان لهم في حياته. قيل له: ليس فيما ذكرت على ما ذهبت إليه، وكيف يكون لك فيه دلالة على ما ذهبت إليه، وقد كتب عبد الله بن عباس ﵄ إلى نجدة حين كتب إليه يسأله عن سهم ذوي القربي: قد كان عمر بن الخطاب دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا ويكسو منه عارينا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله فأبى ذلك علينا. فهذا عبد الله بن عباس ﵄ يخبر أن عمر أبي عليهم دفع السهم إليهم؛ لأنهم لم يكن عنده له، فكيف يتوهم عليه فيما روى عنه مالك بن أوس غير ذلك ولكن معنى ما روى عنه مالك بن أوس في هذا الحديث من قوله: فهذه لهؤلاء، أي: فهي لهم على معنى ما جعلها الله لهم في وقت إنزاله الآية على رسول الله ﷺ فيهم، وعلى مثل ما عنى به ما جعل لرسول الله ﷺ فيها من السهم الذي أضافه إليه، فلم يكن ذلك السهم جاريًا له ﷺ في حياته وبعد وفاته غير منقطع إلى يوم القيامة، بل كان جاريًا له في حياته منقطعًا عنه بموته، وكذلك ما أضافه فيها إلى ذوي قرباه كذلك أيضًا واجبًا لهم في حياته يضعه ﵇ فيمن شاء منهم مرتفعًا بوفاته، كما لم يكن قول عمر

стр. 2979

﵁ فهذه لهؤلاء، لا يجب به بقاء سهم رسول الله ﷺ إلى الوقت الذي قال فيه ما قال كان ذلك قوله فهي لهؤلاء لا يجب به بقاء سهم ذوي القربي إلى الوقت الذي قال فيه ما قال معارضةً صحيحةً باقيةً أن يكون حديث مالك بن أوس هذا عن عمر ﵁ مخالفًا لحديث عبد الله بن عباس ﵄ عن عمر ﵁ في سهم ذوي القربى. ولقد ٥٠٧٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ أن فاطمة ﵂ قالت: يا أبا بكر من يرثك إذا متَ؟ قال: وُلدي وأهلي، قالت: فما لك ترث النبي ﷺ دوني؟، قال: يا ابنة رسول الله ﷺ ما ورثت أباك دارًا ولا ذهبًا، ولا غلامًا، قالت: ولا سهم الله الذي جعله لنا وصافيتنا التي بيدك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما هي طعمة أطعمنيها الله ، فإذا متُ كانت بين المسلمين" (١). ٥٠٧٤ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن أم هاني، أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متَ؟، قال: وُلدي وأهلي، قالت: فما لك ترث رسول الله ﷺ دوننا! قال: يا ابنة رسول الله ﷺ ! ما ورث أبوك دارًا، ولا مالًا، ولا غلامًا، ولا ذهبًا، ولا فضةً، قالت:

стр. 2980

فدك التي جعلها الله لنا، وصافيتنا التي بيدك لنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما طعمة أطعمنيها الله ، فإذا مت فهي بين المسلمين" (١). أفلا يرى أن أبا بكر ﵁ قد أخبر في هذا الحديث عن النبي ﷺ أن ما كان يعطيه ذوي، قرباه، فإنما كان من طعمة أطعمها الله إياه وملكه إياها حياته، وقطعها عن ذوي قرابته بموته. وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵃ أنه قال: اختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ . فقال قائل: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة. وقال قائل: سهم النبي ﷺ للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم على أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في إمارة أبي بكر ﵁، فلما أجمعوا بعدما كانوا اختلفوا، كان إجماعهم حجةً، وفيما أجمعوا عليه من ذلك بطلان سهم ذوي القربى من المغانم والفيء بعد وفاة رسول الله ﷺ . فإن قال قائل: فأما ما رويتموه عن علي ﵁، فإنما كان فيما ذهب إليه من ذلك، متابعًا لأبي بكر وعمر ﵄، كراهة أن يدعي عليه خلافهما. وذكر في ذلك ما

стр. 2981

٥٠٧٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق، قال: سألت أبا جعفر، قلت: أرأيت علي بن أبي طالب ﵁ حيث ولي العراق وما ولي من أمر الناس، كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلَكَ به والله سبيل أبي بكر وعمر ﵄ قلت: وكيف أنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أما والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره والله أن يدّعى عليه خلاف أبي بكر ﵁ (١). قيل له: هذا تأوله محمد بن علي، على علي بن أبي طالب ﵁ في تركه خلاف أبي بكر وعمر ﵄، وهو يرى في الحقيقة خلاف ما رأيا لا يجوز ذلك عندنا على علي بن أبي طالب ﵁، ولا يتوهم على مثله، فكيف يتوهم عليه، وقد خالف أبا بكر وعمر ﵄ في أشياء، وخالف عمر ﵁ وحده في أشياء أخر منها: ما رأى من جواز بيع أمهات الأولاد بعد نهي عمر عن بيعهن، ومن ذلك ما رأى من التسوية بين الناس في العطاء، وقد كان عمر ﵁ يفضل بينهم على قدر سوابقهم، ولعلي بن أبي طالب ﵁ كان أعرف بالله من أن يجري شيئًا على ما الحق عنده في خلافه، ولكنه أجرى الأمر بسهم ذوي القربى على ما رآه حقا وعدلًا فلم يخالف أبا بكر وعمر ﵄ فيه، ولقد كان علي بن أبي طالب ﵁ يخالف أبا بكر وعمر ﵄ في حياتهما في أشياء، قد رأيا ذلك خلاف ما رأى، فلا

стр. 2982

يرى الأمر عليه في ذلك دنفًا (١)، ولا يمنعانه من ذلك، ولا يؤاخذانه عنه، فكيف يسعه هذا في حال الإمام فيها غيره، ثم بصق عليه في حال هو الإمام فيها نفسه، هذا عندنا محال. ولقد ٥٠٧٦ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح قال: ثنا جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم، عن زاذان، قال: كنا عند علي ﵁ فتذاكرنا الخيار، فقال: أما أمير المؤمنين عمر ﵁، قد سألني عنه فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة وهي أحق بها، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة، فقال عمر: ليس كذلك، ولكنها إن اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحق بها، وإن اختارت زوجها فلا شيء، فلم أستطع إلا متابعة أمير المؤمنين فلما آل الأمر إليّ عرفت أني مسئول عن الفروج، فأخذت بما كنت أرى، فقال بعض أصحابه: رأي رأيته، تابعك عليه أمير المؤمنين أحب إلي من رأي انفردت به، فقال: أما والله لقد أرسل إلي زيد بن ثابت فخالفني وإياه، فقال: إذا اختارت زوجها فواحدة، وهو أحق بها وإن اختارت نفسها فثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره (٢).

стр. 2983

أفلا يرى أن عليا ﵁ قد أخبر في هذا الحديث أنه لما خلص إليه الأمر وعرف أنه مسئول عن الفروج أخذ بما كان يرى، وأنَّه لم ير تقليد عمر ﵁ فيما يرى خلافه ﵁، فكذلك أيضًا لما خلص إليه الأمر استحال مع معرفته بالله، ومع علمه أنه مسئول عن الأموال أن يكون يبيحها من يراه من غير أهلها، ويمنع منها أهلها، ولكنه كان القول عنده في سهم ذوي القربى كالقول فيما كان عند أبي بكر وعمر ﵄، فأجرى الأمر على ذلك، لا على ما سواه. فأما أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، رحمهما الله، فإن المشهور عنهم في سهم ذوي القربى قد ارتفع بوفاة النبي ﷺ ، وأن الخمس من الغنائم، وجميع الفيء يقسمان في ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل. ٥٠٧٧ - وكذلك حدثني محمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي، قال: ثنا محمد بن معبد، قال: ثنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبي حنيفة (١). وهكذا يعرف عن محمد بن الحسن، في جميع ما روي عنه في ذلك من رأيه، ومما حكاه عن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمة الله عليهما. فأما أصحاب الإملاء فإن جعفر بن أحمد حدثنا، قال: ثنا بشر بن الوليد قال: أملى علينا أبو يوسف في رمضان في سنة إحدى وثمانين ومائة، قال في قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فهذا، فيما

стр. 2984

بلغنا -والله أعلم-، فيما أصاب من عساكر أهل الشرك من الغنائم، والخمس منها على ما سمي الله في كتابه أربعة أخماسها بين الجند الذين أصابوا ذلك: للفرس سهم، وللرجل سهم، على ما جاء من الأحاديث والآثار. وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: للرجل سهم، وللفرس سهم، والخمس يقسم على خمسة أسهم خمس الله والرسول واحد، وخمس ذوي القربي لكل صنف سماه الله في هذه الآية خمس الخمس، ففي هذه الرواية ثبوت سهم ذوي القربي. قالوا: وأملى علينا أبو يوسف ﵀ في مسألة: قال أبو حنيفة: إذا ظهر الإمام على بلد من بلاد أهل الشرك فهو بالخيار يفعل فيه الذي يرى أنه أفضل وخير للمسلمين، إن رأى أن يخمس الأرض والمتاع، ويقسم أربعة أخماسه بين الجند الذي افتتحوا معه فعل، ويقسم الخمس على ثلاثة أسهم: للفقراء والمساكين وابن السبيل، وإن رأى أن يترك الأرضين ويترك أهلها فيها، ويجعلها ذمةً، ويضع عليهم وعلى أرضهم الخراج، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بالسواد، كان ذلك كله. قال أبو جعفر: ففي هذه الرواية سقوط سهم ذوي القربى، وهذا القول هو المشهور عنهم، والذي اتفقت عليه هاتان الروايتان في الفيء، وفي خمس الغنيمة أنهما إذا خلصا جميعًا وضع خمس الغنائم فيما يجب وضعه فيه مما ذكرنا، وأما الفيء فيبدأ منه بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، وأرزاق الجند، وجوائز الوفود، ثم يوضع ما بقي منه بعد ذلك في مثل ما يوضع فيه خمس الغنائم سواء.

стр. 2985

فهذه وجوه الفيء وأخماس الغنائم التي كانت تجري عليها في عهد رسول الله ﷺ إلى أن توفي، وما يجب أن يمتثل فيها بعد وفاته ﷺ إلى يوم القيامة، فقد بينا ذلك وشرحناه بغاية ما ملكنا والله نسأل التوفيق، وأما سفيان الثوري، فإنه ثنا مالك بن يحيى، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا الأشجعي، قال: ثنا سفيان: سهم النبي ﷺ من الخمس، هو خمس الخمس، وما بقي فلهذه الطبقات التي سمى الله، والأربعة الأخماس لمن قاتل عليه.

стр. 2986

١٥ - كتاب الحجة في باب فتح رسول الله ﷺ مكة عنوةً قال أبو جعفر ﵀ أجمعت الأمة أن رسول الله ﷺ ، صالح أهل مكة قبل افتتاحه إياها، ثم افتتحها بعد ذلك. فقال قوم (١): كان افتتاحه إياها بعد أن نقض أهل مكة العهد، وخرجوا من الصلح، فافتتحها يوم افتتحها، وهي دار حرب لا صلح بينه وبين أهلها، ولا عقد ولا عهد، وممن قال هذا القول: أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان بن سعيد الثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏. وقال قوم (٢): بل افتتحها صلحًا. ثم احتج كل فريق من هذين الفريقين لقوله من الآثار بما سنبينه في كتابي هذا، ونذكر مع ذلك صحة ما احتج به أو فساده إن شاء الله تعالى. وكان حجة من ذهب إلى أن رسول الله ﷺ افتتحها صلحًا: أن قال: أما الصلح فقد كان بين رسول الله ﷺ بين أهل مكة، فأمن كل فريق منه ومن أهل مكة من الفريق الآخر، ثم لم يكن من أهل مكة في ذلك ما يوجب نقض الصلح، وإنما كانت بنو نفاثة، وهم من غير أهل مكة، قاتلوا خزاعة، وأعانهم على ذلك رجال من قريش، وثبت بقية

стр. 2987

أهل مكة على صلحهم، وتمسكوا بعهدهم الذي عاهدوا رسول الله ﷺ فخرجت بنو نفاثة، ومن تابعهم على ما فعلوا من ذلك من الصلح، وثبت بقية أهل مكة على الصلح الذي كانوا صالحوا رسول الله ﷺ . قالوا: والدليل على ذلك أن رسول الله ﷺ لما افتتحها لم يقسم فيها فيئًا، ولم يستعبد فيها أحدًا، وكان من الحجة عليهم في ذلك لمخالفهم أن عكرمة مولى عبد الله بن عباس، ومحمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري -وعليهما يدور أكثر أخبار المغازي-، قد روي عنهما ما يدل على خروج أهل مكة من الصلح الذي كانوا صالحوا عليه رسول الله ﷺ بأحداث أحدثوها. ٥٠٧٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: لما وادع رسول الله ﷺ أهل مكة، وكانت خزاعةُ حلفاءَ رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاءَ قريش، فدخلت خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، فكان بين خزاعة وبين بني بكر بعدُ قتال، فأمدّهم قريش بسلاح وطعام، وظَلّلوا عليهم، وظهرت بنو بكر على خزاعة، فقتلوا فيهم، فخافت قريش أن يكونوا قد نقضوا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد فأجدَّ (١) الحلف، وأصلح بين الناس، وأن ليس في قوم ظلّلوا على قوم، وأمدّوهم بسلاح وطعام ما أن يكونوا نقضوا، فانطلق أبو سفيان وسار حتى قدم المدينة، فقال رسول الله

стр. 2988

ﷺ : "قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضيًا بغير حاجة"، فأتى أبا بكر ﵁، فقال: يا أبا بكر أجِدّ الحلف، وأصلح بين الناس وبين قومك، قال: فقال أبو بكر ﵁: الأمر إلى الله تعالى وإلى رسوله، وقد قال فيما قال له بأن ليس في قوم ظلّلوا على قوم، وأمدوهم بسلاح وطعام ما أن يكونوا نقضوا، قال: فقال أبو بكر ﵁: الأمر إلى الله ، وإلى رسوله، قال: ثم أتى عمر بن الخطاب ﵁ فذكر له نحوًا مما ذكر لأبي بكر ﵁، فقال عمر ﵁: أنقضتم؟ فما كان منه جديدًا فأبلاه الله تعالى، وما كان منه شديدًا، أو قال متينًا فقطعه الله تعالى، فقال أبو سفيان: وما رأيت كاليوم شاهد عشرة، ثم أتى فاطمة ﵂، فقال لها: يا فاطمة! هل لك في أمر تسودين فيه نساء قومك، ثم ذكر لها نحوًا مما قال لأبي بكر ﵁، ثم قال لها: فتجددين الحلف، وتصلحين بين الناس، فقالت ﵂: ليس إلا إلى الله وإلى رسوله، قال: ثم أتى عليا ﵁، فقال له نحوًا مما قال لأبي بكر ﵁، فقال علي ﵁: ما رأيت كاليوم رجلًا أضل، أنت سيد الناس فأجدَّ الحلف وأصلح بين الناس، فضرب أبو سفيان إحدى رجليه على الأخرى، وقال: قد أخذت بين الناس بعضهم من بعض. قال: ثم انطلق حتى قدم على أهل مكة فأخبرهم بما صنع، فقالوا: والله ما رأينا كاليوم وافد قوم، والله ما أتيتنا بحرب فيُحذَر، ولا أتيتنا بصلح فيأمن، ارجع ارجع. قال وقدم وفد خزاعة على رسول الله ﷺ فأخبره بما صنع القوم، ودعاه بالنصرة وأنشد في ذلك: لا همَّ إني ناشدٌ محمدًا … حلف أبينا وأبيه الأتْلَدا

стр. 2989

والدًا كنا وكنت ولدا … إن قريشًا أخلفوك الموعدَا ونقضوا ميثاقك المؤكدا … وجعلوا لي بكداء رصّدًا وزعموا أن لست أدعو أحدا … وهم أذلّ وأقلّ عددا وهم أتونا بالوتير هُجَّدا … نتلوا القرآن ركعًا وسجدا ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا … فانصر رسول الله نصرًا عتدا وابعث جنود الله تأتي مددًا … في فَلْق كالبحر يأتي مزْبدا فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيمَ خَسفًا وجهُه تربَّدا قال حماد: هذا الشعر بعضه عن أيوب، وبعضه عن يزيد بن حازم، وأكثره عن محمد بن إسحاق، ثم رجع إلى حديث أيوب، عن عكرمة قال: ما قال حسان بن ثابت ﵁: أتاني ولم أشهد ببطحاء مكة … رجال بني كعب تُحزُّ رقَابُها وصفوان عود خرّ من ودق استه … فذاك أوان الحرب حان غضابها فيا ليت شعري هل بنا لزمرةً … سهيل بن عمرو حولُها وعِقابُها قال: فأمر رسول الله ﷺ الناس بالرحيل، فارتحلوا فساروا حتى نزلوا بمرّ الظهران، قال وجاء أبو سفيان حتى نزل ليلًا، فرأى العسكر والنيران، فقال: ما هذا؟ قيل: هذه تميم، أمْحلتْ بلادُها فانتجعتْ بلادكم، قال: هؤلاء والله أكثر من أهل منًى، أو مثل أهل منًى، فلما علم أنه النبي ﷺ تنكر وقال: دلوني على العباس بن عبد المطلب، وأتى العباس فأخبره الخبر وانطلق به إلى رسول الله ﷺ ، فأتى به إلى رسول الله ﷺ في قبة

стр. 2990

له، فقال: يا أبا سفيان! أسلم تسلم قال: وكيف أصنع باللات والعزى؟ قال أيوب: حدثني أبو الخليل عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قال عمر ﵁ وهو خارج من القبة [في عنقه السيف أحرا عليهما أما والله لو كنت خارجا من القبة] (١) ما قلتها أبدًا، قال أبو سفيان: من هذا؟ قالوا: عمر ﵁، فأسلم أبو سفيان فانطلق به العباس، فلما أصبحوا (٢) ثار الناس لظهورهم، قال: فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل! ما للناس أمروا في شيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة فأمره فتوضأ، وانطلق به إلى رسول الله ﷺ ، فلما دخل رسول الله ﷺ الصلاة، كبَّر، فكبّر الناس، ثم ركع فركعوا، ثم رفع فرفعوا، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعةً قوم جمعهم من هاهنا وهاهنا، ولا فارس الأكارم ولا الروم ذات القرون باطوع منهم، قال حماد: وزعم يزيد بن حازم، عن عكرمة، قال: قال أبو سفيان يا أبا الفضل! أصبح والله ابن أخيك عظيم الملك، قال: ليس بملك، ولكنها نبوة، قال: أو ذاك، أو ذاك قال: ثم رجع إلى حديث أيوب، عن عكرمة قال: فقال أبو سفيان واصباح قريش؟ قال: فقال العباس ﵁: يا رسول الله! لو أذنت لي فأتيت أهل مكة فدعوتهم، وأمنتُهم، وجعلت لأبي سفيان شيئًا يذكر به، قال: فانطلق فركب بغلة رسول الله ﷺ ، الشهباء، وانطلق قال فقال رسول الله ﷺ : "ردوا عليّ أبي، ردوا عليّ أبي، إن عم الرجل صنو أبيه، إني أخاف أن تفعل بك قريش، كما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود، دعاهم إلى الله فقتلوه، أما والله لئن ركبوها منه،

стр. 2991

لأضْرمنّها عليهم نارًا" قال: فانطلق العباس ﵁: فقال يا أهل مكة! أسلموا تسلموا، فقد استَبْطنتُم بأشهب (١) بازلٍ، قال: وقد كان رسول الله ﷺ بعث الزبير ﵁ من قبل أعلَى مكة، وبعث خالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، قال: فقال لهم: هذا الزبير من قِبَل أعلى مكة، وهذا خالدِ منِ قبل أسفل مكة، وخالد وما خالد، وخزاعة مجدعَةُ الأنوف، ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم قدم النبي ﷺ ، فتراموا بشيء من النبل، ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم، فأمّن الناس إلا خزاعة عن بني بكر، وذكر أربعةً، مقيس بن ضبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وابن خطل، ومارة مولاة بني هاشم، قال حماد: سبارة في حديث أيوب، أو في حديث غيره، قال: فقاتلهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] إلى قوله ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] قال: خزاعة، ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] (٢). ٥٠٧٩ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: سمعت ابن إسحاق، يقول: حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وغيره، قال:

стр. 2992

كان رسول الله ﷺ قد صالح قريشًا عام الحديبية على أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة وبنو كعب وغيرهم معهم، فقالوا: نحن في عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وقامت قريش على الوفاء بذلك سنةً وبعض سنة، ثم إن بني بكر عدوا على خزاعة على ما لهم بأسفل مكة، فقال له الزبير: بيتوهم فيه، فأصابوا منهم رجلًا، وتجاوز القوم فاقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قاتل من قريش بالنبل مستخفيًا حتى جاوزوا خزاعة إلى الحرم، وقائد بني بكر يومئذ نوفل بن معاوية، فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل! إلهك إلهك، إنا قد دخلنا الحرم، فقال: كلمةً عظيمةً لا إله له اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، قد كانت خزاعة أصابت قبل الإسلام نفرًا ثلاثةً، وهم متحرفون دويبًا، وكلثومًا، وسليمان بن الأسود بن رزيق بن يعمر، فلعمري يا بني بكر إنكم تسرفون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ قال: وقد كانوا أصابوا منهم رجلًا ليلة بيتوهم بالوتير، ومعه رجل من قومه يقال له: منبه، وكان منبه رجلًا مفردًا فخرج هو وتميم، فقال منبه: يا تميم! انج بنفسك، فأما أنا فوالله إني لميت، قتلوني أو لم يقتلوني، فانطلق تميم فأدرك منبه فقتلوه وأفلت تميم، فلما دخل مكة لحق إلى دار بديل بن ورقاء، ودار (١) رافع مولًى لهم، وخرج عمرو بن سالم، حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فوقف ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فقال عمرو: ثم:

стр. 2993

لاهمّ إني ناشدٌ محمدًا … حلفَ أبينا وأبيه الأتْلدَا والدًا كنّا وكنتَ ولدًا … ثَمّة أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر -رسول الله- نصرًا عَدا … وادعُ عبادَ الله يأتوك مددا فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خُسفًا وجهه تربدا في فَيلق كالبحر يأتي مزبَّدا … إن قريشًا أخلفوك الموعدا وأنقضوا ميثاقك المؤكدا … وجعلوا لي في كداءَ رصّدًا وزعموا أن لستَ أدعو أحدًا … وهم أذل وأقل عددًا ثم بيَّتونا بالوتير هجَّدا … فقتلونا ركعًا وسجَّدا قال: فقال رسول الله ﷺ : "قد نصرت يا عمرو بن سالم" ثم عرض له عنان سحابة، فقال: "إن هذه السحابة لتستنزل بنصر بني كعب"، ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة فأخبروه بما أصيب منهم وقد رجعوا، وقد قال رسول الله ﷺ : "كأنكم بأبي سفيان، قد قدم ليزيد في العهد، ويزيد في المدة"، ثم ذكر نحوًا مما في حديث أيوب عن عكرمة في طلب أبي سفيان الحوار من أبي بكر، ومن عمر، ومن علي، ومن فاطمة رضوان الله عليهم أجمعين، وجواب كل واحد منهم له بما أجابه في ذلك، على ما في حديث أيوب، عن عكرمة، ولم يذكر خبر أبي سفيان مع العباس ﵁، ولا أمان العباس إياه ولا إسلامه، ولا بقية الحديث (١).

стр. 2994

قال أبو جعفر: في هذين الحديثين أن الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة دخلت خزاعة في صلح رسول الله ﷺ للحلف الذي كان بينهم وبينه، ودخلت بنو بكر في صلح قريش للحلف الذي كان بينهم وبينهم فصار حكم حلفاء كل فريق من رسول الله ﷺ ومن قريش في الصلح كحكم رسول الله ﷺ حكم قريش، وكان بين حلفاء رسول الله ﷺ بين حلفاء قريش من القتال ما كان فكان ذلك نقضًا من حلفاء قريش للصلح الذي كانوا دخلوا فيه، وخروجًا منهم بذلك منه، فصاروا بذلك حربًا لرسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ثم أمدت قريش حلفاءها هؤلاء بما قووهم به على قتال خزاعة، حتى قتل منهم من قتل وقد كان الصلح منعهم من ذلك، فكان فيما فعلوا من ذلك، نقضا للعهد، وخروجًا من الصلح، فصارت قريش بذلك حربًا لرسول الله ﷺ ولأصحابه ﵃. وقال الآخرون: وكيف يكون بما ذكرتم كما وصفتم، وقد رويتم أن أبا سفيان قدم على رسول الله ﷺ المدينة بعد أن كان بين بني بكر وبين خزاعة من القتال ما كان، وبعد أن كان من قريش لبني بكر من المعونة لهم ما كان علم (١) رسول الله ﷺ بموضعه، فلم يصله (٢) ولم يعرض له، فدل ذلك على أنه كان عنده في أمانه على حاله غير خارج منه مما كان من بني بكر في قتال خزاعة، وما كان من قريش في معونة بني بكر بما أعانوهم به من الطعام والسلاح والتظليل، غير ناقض لأمانه بصلح الذي كان بينه وبين رسول الله

стр. 2995

ﷺ وغير مخرج له منه، فكان من الحجة عليه للآخرين أن ترك رسول الله ﷺ التعرض لأبي سفيان، لم يكن لأن الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة قائم، ولكنه تركه؛ لأنَّه كان وافدًا إليه من أهل مكة طالبًا الصلح الثاني سوى الصلح الأول، لانتقاض الصلح الأول، فلم يعرض له رسول الله ﷺ بقتل ولا غيره؛ لأن من سنته أن الرسل لا يقتلون. ثم قد روي عنه في ذلك، ما ٥٠٨٠ - حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم بن بهدلة، قال: حدثني أبو وائل قال: ثنا ابن مُعَيز السعدي، قال: خرجت أستبق فرسًا لي بالسحر، فمررت على مسجد من مساجد بني حنيفة، فسمعتهم يشهدون أن مسيلمة رسول الله، فرجعت إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فذكرت له أمرهم، فبعث الشرط فأخذوهم، وجيء بهم إليه، فتابوا ورجعوا عما قالوا، وقالوا: لا نعود، فخلى سبيلهم، وقدَّم رجلا منهم يقال له: عبد الله بن النواحة، فضرب عنقه، فقال الناس: أخذت قومًا في أمر واحد، فخليت سبيل بعضهم، وقتلت بعضهم، فقال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا فجاءه ابن النواحة ورجل معه يقال له ابن وثال بن حجر وافدين من عند مسيلمة، فقال لهما رسول الله ﷺ : "أتشهدان أني رسول الله؟ " فقالا: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال: "آمنت بالله وبرسوله، لو كنت قاتلًا وفدًا لقتلتكما"، فلذلك قتلت هذا (١).

стр. 2996

٥٠٨١ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الحسن بن علي بن أبي رافع حدثه، أن أبا رافع أخبره أنه أقبل بكتاب من قريش إلى رسول الله ﷺ ، قال: فلما رأيت النبي ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : "أما إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد (١)، ولكن ارجع، فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن فارجع"، قال: فرجعت إليهم ثم أقبلت إلى رسول الله ﷺ ، وأسلمت، قال بكير: وأخبرني أن أبا رافع كان قبطيا (٢). ٥٠٨٢ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم، عن أبيه، قال: كنت عند النبي ﷺ حين جاءه رسول مسيلمة بكتابه، ورسول الله ﷺ يقول لهما: "وأنتما تقولان مثل ما يقول؟ " فقالا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل

стр. 2997

لضربت أعناقكها" (١). والدليل على خروج أهل مكة من الصلح بما كان بين بني بكر وبين خزاعة، وبما كان من معونة قريش لبني بكر في ذلك، طلب أبي سفيان تجديد الحلف، وتوكيد الصلح عند سؤال أهل مكة إياه ذلك، ولو كان الصلح لم ينتقض إذًا لما كان بهم إلى ذلك حاجة، ولكان أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، لما سألهم أبو سفيان ما سألهم من ذلك، يقولون: ما حاجتك وحاجة أهل مكة إلى ذلك إنهم جميعًا في صلح وفي أمان لا تحتاجون معهما إلى غيرهما، ثم هذا عمرو بن سالم وافد خزاعة يناشد رسول الله ﷺ بما قد ذكرنا من مناشدته إياه في حديث عكرمة، والزهري، وسأله في ذلك النصر ويقول فيما يناشده من ذلك: إن قريشًا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا ورسول الله ﷺ لا ينكر ذلك عليه، ثم كشف له عمرو بن سالم المعنى الذي به

стр. 2998

كان نقض قريش ما كانوا عاهدوه عليه، ووافقوه بأن قال: وهم أتونا بالوتير هُجَّدًا … فقتلونا ركَّعًا وسجَّدا ولم يذكر في ذلك أحدا غير قريش من بني نفاثة، ولا من غيرهم، ثم أنشد حسان بن ثابت شعره الذي ذكرناه عنه، في حديث عكرمة المعنى الذي ذكره عمرو بن سالم في الشعر الذي ناشد به رسول الله ﷺ ، ففي ذلك دليل أن رجال بني كعب أصابهم من نقض قريش الذي به خرجوا من عهدهم ببطن مكة، ألا تراه يقول: أتاني ولم أشهد ببطحاء مكة … رجال بني كعب تحز رقابها ثم ذكر ما بيناه لمن كان سببا من ذلك قريش ورجالها فقال: فيا ليت شعري هل لنا (١) لزمرة … سهيل بن عمرو حوبُها وعقابُها وسهيل بن عمرو هو كان أحد من عاقده رسول الله ﷺ الصلح، فأما ما ذكر لك رسول الله ﷺ لما افتتحها، لم يقسم مالا، ولم يستعبد أحدا، ولم يغنم أرضًا، فكيف يستعبد من قد منَّ عليه في دمه وماله، فأما أراضي مكة، فإن الناس قد اختلفوا في ترك النبي ﷺ التعرض لها، فمن يذهب إلى أنه افتتحها عنوةً، فقال بعضهم: تركها منة عليهم كمنّته عليهم في دمائهم، وفي سائر أموالهم، وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ﵀، لأنه كان يذهب إلى أن أرض مكة تجري عليها الأملاك كما تجري على سائر الأرضين. وقال بعضهم: لم تكن أراضي مكة مما وقعت عليها الغنائم، لأن أرض مكة

стр. 2999

عندهم لا تجري عليها الأملاك، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وسفيان الثوري رحمهما الله، وقد ذكرنا في هذا الباب الآثار التي رواها كل فريق ممن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف رحمهما الله - في كتاب البيوع -، من شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله ﷺ في الأحكام فأغنانا ذلك عن إعادته هاهنا، ثم رجع الكلام إلى ما يثبت أن مكة فتحت عنوةً، فإن قلتم إن حديثي الزهري وعكرمة اللذين ذكرنا منقطعان، قيل لكم وقد روي عن ابن عباس ﵄ حديث يدل على ما رويناه. ٥٠٨٣ - حدثنا فهد بن سليمان بن يحيى قال: ثنا يوسف بن، بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: قال الزهري حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مضى لسفر وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد أفطر، ثم مضى رسول الله ﷺ ، حتى نزل مرَّ الظَّهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسمعت سليم (١) ومزينة، فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقد عُمّيت الأخبار على قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل؟ وخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ينظرون هل يجدون خيرًا، أو يسمعونه؟ فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب ﵁ قلت: واصَباحَ قُريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوةً قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش

стр. 3000

إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى دخلت الأراك، فلقي بعض الحطّابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتيهم يخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه، قال: فإني لأشير عليه، وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال بديل هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة والله أذل من أن يكون هذه نيرانهم، فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: يا أبا حنظلة قال: فعرف صوتي فقال أبو الفضل؟ قال: قلت نعم قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ قال قلتُ: ويلك هذا والله رسول الله في الناس واصَباحَ قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوةً قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قال قلت: لا والله إلا أن تركب في عجز هذه الدابة فآتي بك رسول الله ﷺ فإنه والله لئن ظفر بك ليضربن عنقكَ، قال: فركب في عجز البغلة، ورجع صاحباه، قال: وكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا نظروا، قالوا: عمُّ رسول الله على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رآه على عجز الدابة عرفه، وقال: أبو سفيان عدوّ الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك وخرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته، كما تسبق الدابة البطية الرجل البطيء، ثم اقتحمت عن البغلة، ودخلت على رسول الله ﷺ ، وجاء عمر ﵁ فدخل فقال: يا رسول الله! هذا أبو سفيان، قد أمكن الله منه بلا عقد ولا عهد، فدعني فأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله إني قد أجرتُه، قال: ثم جلست إلى رسول الله

стр. 3001

ﷺ ، فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، قال: فلما أكثر عمر ﵁ في شأنه، قلت: مهلا يا عمر والله لو كان رجلًا من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكن عرفت أنه رجل من بني عبد مناف، قال فقال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب، وما لي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به إلى رَحْلك فإذا أصبحت فأتنا به"، قال: فلما أصبحتُ غدوتُ به إلى رسول الله، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: بأبي أنت وأمي فما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما والله لقد كاد يقع في نفسي أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئًا بعد، وقال: ويلك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تشهد أني رسول الله؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه فإن في النفس منها الآن شيئًا، قال العباس: قلت: ويلك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق وأسلم، قال العباس ﵁: فقلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا، قال: "نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن"، فلما ذهبت لأنصرف قال يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند حطم الجند (١) حتى يمر به جنود الله فيراها، قال: فحبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ قال: ومرت به القبائل على راياتها بها، فكلما مرت به قبيلة قال: من هذه؟ قلت: بنو سليم قال: يقول: ما لي ولبني سليم، ثم تمر به

стр. 3002

قبيلة فيقول: من هذه؟ فأقول: مزينة فقال: ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل لا تمر به قبيلة إلا سألني عنها فأخبره إلا قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق في الحديد، فقال: سبحان الله! من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: فقلت: ويلك يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم، قال: قلتُ التجئ إلى قومك اخرج إليهم، حتى إذا جاءهم صَرَخَ بأعلى صوته يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة بن ربيعة فأخذت شاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم فبئس طليعة قوم، قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم وإنه قد جاء ما لا قبل لكم به من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما يغني عنا دارك قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن (١). فهذا حديث متصل صحيح الإسناد ما فيه معنى يدل على فتح مكة عنوة، وينفي أن يكون صلحًا ويثبت أن الهدنة التي كانت تقدمت بين رسول الله ﷺ وبين قريش قد كانت انقطعت وذهبت قبل ورود رسول الله ﷺ مكة، ألا يرى إلى قول العباس رضي

стр. 3003

الله عنه: واصَباحَ قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوةً قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، أفترى العباس على فضل رأيه وعقله يتوهم أن رسول الله ﷺ يتعرض قريشًا وهم منه في أمان وصلح وهدنة؟ هذا من المحال الذي لا يجوز كونه ولا ينبغي لذي لب أو لذي عقل أو لذي دين أن يتوهم ذلك عليه. ثم هذا العباس ﵁ قد خاطب أبا سفيان بذلك فقال: والله لئن ظفر بك رسول الله ﷺ ليقتلنك والله إنه لهلاك قريش إن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوةً، فلا يدفع أبو سفيان قوله ولا يقول له: وما خوفي وخوف قريش من دخول رسول الله ﷺ مكة ونحن في أمان منه؟، إنما يقصد بدخوله أن ينتصف خزاعة من بني نفاثة دون قريش وسائر أهل مكة، ولم يقل له أبو سفيان: ولم يضرب عنقي؟، إذ قال له العباس: والله لئن ظفر بك رسول الله ﷺ ليضربن عنقك، وأنا في أمان منه. ثم هذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول لرسول الله ﷺ ، لما رأى أبا سفيان، يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه، ولم ينكر رسول الله ﷺ ذلك عليه، إذ كان أبو سفيان عنده ليس في أمان من رسول الله ﷺ ولا في صلح منه، ثم لم يحاج أبو سفيان عمر ﵁ بذلك ولا حاجه به عمه العباس ﵁ بل قال له العباس: إني قد أجرته، فلم ينكر رسول الله ﷺ على عمر ولا على العباس ما كان منهما من القول الذي ذكرنا عنها، فدل ذلك أنه لولا جوار العباس إذا لما منع رسول الله ﷺ عمر فيما أراد من قتل أبي سفيان، فأي خروج من

стр. 3004

الصلح المتقدم؟ وأي نقض له يكون أبين من هذا؟. ثم أبو سفيان لما دخل مكة بعد ذلك نادى بأعلى صوته بما جعل له رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ولم يقل له قريش: وما حاجتنا إلى دخولنا دارك وإلى إغلاقنا أبوابنا ونحن في أمان، قد أغنانا عن طلب الأمان بغيره، ولكنهم عرفوا خروجهم من الأمان الأول وانتقاض الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وأنهم عندما خوطبوا بما خوطبوا به من هذا الكلام غير آمنين إلا أن يفعلوا ما جعلهم رسول الله له به آمنين أن يفعلوه من دخولهم دار أبي سفيان أو من إغلاقهم أبوابهم، ثم قد روي عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ ما يدل على أن رسول الله ﷺ دخل مكة وهي دار حرب لا دار أمان. ٥٠٨٤ - حدثنا فهد قال: ثنا يوسف بن بهلول قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فدخل علي أخي علي بن أبي طالب ﵁ فقال: لأقتلنهما، فأغلقت عليهما بيتي، ثم جئتُ رسول الله ﷺ بأعلى مكة، فوجدته يغتسل في جفنة أن فيها أثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ﷺ من الضحى ثماني ركعات ثم انصرف إلي فقال: مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي رضي الله

стр. 3005

عنه فقال: "قد أجرنا من أجرتِ وأمّنا من أمّنتِ" (١). ٥٠٨٥ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل عن فاختة أم هانئ ﵂، أن رسول الله ﷺ اغتسل يوم فتح مكة، ثم صلى ثماني ركعات في ثوب واحد مخالفا بين طرفيه، قال: فقلت: إني أجرت حموي من المشركين، وإن عليا يفلت عليهما ليقتلها، قالت: فقال: "ما كان له ذلك، قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت" (٢). أفلا ترى أن عليا ﵁ قد أراد قتل المخزوميين بمكة؟ ولو كانا في أمان لما طلب ذلك منهما فأمنتهما أم هانئ ليحرم بذلك دماؤهما على علي ﵁ ولم تقل له: ما لك إلى قتلهما من سبيل لأنهما وسائر أهل مكة في صلح وأمان، ثم أخبرت أم هانئ ﵂ رسول الله ﷺ بما كان من علي ﵁ وبما كان من جوارها ذينك المخزوميين، فقال لها رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت"، ولم يعنف

стр. 3006

رسول الله ﷺ عليا ﵁ في إرادته قتلهما قبل جوار أم هانئ إياهما، فدل ذلك أنه لولا جوارها إياهما لصح قتلهما، ومحال أن يكون له قتلهما وثمة أمان قائم وصلح متقدم لها، وهذا دخول رسول الله ﷺ مكة، فأي شيء أبين من هذا؟. ثم قد روى أبو هريرة ﵁ في هذا الباب ما هو أبين من هذا. ٥٠٨٦ - حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، قال: وفدنا إلى معاوية، وفينا أبو هريرة فقال: ألا أخبركم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ثم ذكر فتح مكة، فقال: أقبل النبي ﷺ حتى قدم مكة فبعث الزبير بن العوام على إحدى المجنتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسّر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة، فنظر فرآني فقال: "يا أبا هريرة" فقلت: لبيك يا نبي الله قال: "اهتف لي بالأنصار ولا يأتني إلا أنصاري"، قال: فهتفت بهم حتى إذا طافوا به وقد وبشت قريش أوباشها وأتباعها، فقالوا: تقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا، فقال النبي ﷺ للأنصار، حين طافوا به انظروا إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى احصدوهم حصادًا حتى توافوني بالصفا، فانطلقوا فما يشاء أحد منا أن يقتل ما شاء إلا قتل، وما توجه إلينا أحد منهم، فقال أبو سفيان: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش ولا قريش بعد اليوم، فقال النبي ﷺ : من أغلق بابه فهو آمن، ومن

стр. 3007

دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فأغلق الناس أبوابهم، وأقبل النبي ﷺ حتى أتى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت فأتى على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، وفي يده قوس فهو آخذ بسية القوس، فلما أن أتى على الصنم جعل يطعن في عينيه، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ حتى إذا فرغ من طوافه أتى الصفا فصعد عليها حتى نظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يحمد الله ويدعوه بما شاء الله، والأنصار تحته، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فقد أدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته، فقال أبو هريرة وجاءه الوحي، به، وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع رأسه إلى النبي ﷺ حتى يقضى الوحي، قال النبي ﷺ : "يا معشر الأنصار"، قالوا: لبيك، قال: "أقلتم: أما الرجل فقد أدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قد كان ذاك، قال: "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات ماتكم فأقبلوا يبكون إليه ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا ضنًّا بالله ورسوله، قال: "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" (١). فهذا أبو هريرة ﵁ يخبر أن قريشًا عند دخول رسول الله ﷺ مكة وبست أوباشها وأتباعها فقالوا: تقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا

стр. 3008

أعطينا الذي سألنا، وأن رسول الله ﷺ وقف على ذلك منهم، فقال للأنصار: انظروا إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى: احصدوهم حصادًا حتى توافوني بالصفا، فما يشاء أحد منا أن يقتل من شاء إلا قتل وما توجه إلينا أحد منهم فيكون من هذا دخولا على أمان، ثم كان من رسول الله ﷺ بعد ذلك المن عليهم، والصفح. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث زيادة على ما في حديث سليمان بن المغيرة. ٥٠٨٧ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا القاسم بن سلام بن مسكين، قال: حدثني أبي قال: ثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ حين سار إلى مكة ليستفتحها، فسرح أبا عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام وخالد بن الوليد ﵃، فلما بعثهم قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة ﵁: "اهتف بالأنصار فنادى يا معشر الأنصار! أجيبوا رسول الله ﷺ فجاءوا كما كانوا على معتاد (١)، ثم قال: "اسلكوا هذا الطريق ولا يشرفن أحد إلا أنميتموه أي: قتلتموه"، وسار رسول الله ﷺ وفتح الله عليهم من قتل يومئذ الأربعة، قال: ثم دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، ثم طاف وصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب، فقال: "ما تقولون وما تظنون؟ "، فقالوا:

стр. 3009

نقول: أخ وابن عم حليم رحيم، فقال رسول الله ﷺ : "أقول كما قال يوسف ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، قال: فخرجوا كأنما نُشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام، فخرج رسول الله ﷺ من الباب الذي يلي الصفا، فخطب والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه، وأدركته الرغبة في قرابته، قال: فأنزل الله عليه الوحي فقال: "يا معشر الأنصار أقلتم أخذته الرأفة بقومه، وأدركته الرغبة في قرابته فما نبي أنا إذًا، كلا والله إني لرسول الله حقا، إن المحيا لمحياكم وإن الممات لمماتكم"، قالوا: والله يا رسول الله! ما قلناه إلا مخافة أن تفارقنا إلا ضنًّا بك، فقال رسول الله ﷺ : "أنتم صادقون عند الله ورسوله، قال: فوالله ما بقي منهم رجل إلا بل نحره بدموع عينيه (١). أولا ترى أن قريشًا بعد دخول رسول الله ﷺ مكة قد كانوا يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، أفتراهم كانوا يخافون ذلك من رسول الله ﷺ وقد أمنهم قبل ذلك؟، هذا والله غير مخوف منه ﷺ ولكنهم علموا أن إليه قتلهم إن شاء وأن إليه المنّ عليهم إن شاء وإن الله قد أظهره عليهم، وصيّرهم في يده يحكم فيهم بما أراد الله تعالى من قبل، ومن بعد ذلك عليهم وعفا عنهم، ثم قال لهم يومئذ لا تغزى مكة بعد هذا اليوم أبدا. ٥٠٨٨ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن

стр. 3010

زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن الحارث بن البَرْصَاء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يقول: "لا تُغْزى مكة بعد هذا اليوم أبدا" (١). قال أبو سفيان: تفسير هذا الحديث لأنهم لا يكفرون أبدًا فلا يغزون على الكفر، هذا لا يكون إلا ودخوله إياها دخول غزو، ثم قال ﷺ "لا يقتل قرشي بعد هذا اليوم صبرًا". ٥٠٨٩ - حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي مريم، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا، قال: ثنا أبي، عن الشعبي، قال: قال عبد الله بن مطيع: سمعت مطيعا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يقول: لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة (٢).

стр. 3011

قال: فدل ذلك أن دماء قريش إنما حرمت بعد ذلك اليوم لما كان من رسول الله ﷺ حرمته (١) يومئذ عليهم، ثم خطب رسول الله ﷺ يومئذ خطبةً بين فيها حكم مكة دخوله إياها، وحكمها وقت دخوله إياها وحكمها بعد ذلك. ٥٠٩٠ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، عن أبي يوسف، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة يوم خلق الله السماوات والأرض والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخْشَبين، ثم لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها ولا يرفع لقطتها إلا منشدها"، فقال العباس ﵁: إلا الإذخر (٢). ٥٠٩١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب (٣)، قال: ثنا سعيد المقبري، قال: سمعت أبا شُريح الكعبي، يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة ولم يحرِّمها الناس، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دمًا،

стр. 3012

ولا يعضدنَّ فيها شجرًا، فإن ترخص (١) مترخّصٌ فقال: قد أحلت لرسول الله ﷺ فإن الله أحلها لي، ولم يحلها للناس، وإنما أحلها لي ساعةً" (٢). ٥٠٩٢ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي قال: لما بعث عمرو بن سعيد البعثَ إلى مكة لغزو ابن الزبير أتاه أبو شريح الخزاعي فكلمه بما سمع من رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلى نادي قومه، فجلس فقمتُ إليه فجلستُ معه، فحدث عما حدث عمرو بن سعيد، عن رسول الله ﷺ ، وعما أجابه عمرو بن سعيد، قال قلت له إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عَدَتْ خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه بمكة، وهو مشرك، قال: فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا، فقال: "أيها الناس: إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا، ألا! ثم عادت كحرمتها (٣)، ألا! فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قد أحلها

стр. 3013

فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك، يا معشر خزاعة كفُّوا أيديكم، فقد قتلتم قتيلًا لأدينَّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فهو بخير نظرين إن أحب قدم قاتله، وإن أحب فعقله"، قال: انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم ولا مانع حرمة ولا خالع طاعة، قال: قلت وقد كنت شاهدًا وكنتَ غائبًا وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد أبلغتك (١). ٥٠٩٣ - حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، عن أبي سعيد المقبري، أنه قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول لعمرو بن سعيد - وهو على المنبر حين قطع بعثًا إلى مكة لقتال ابن الزبير -، يا هذا! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مكة حرام حرمها الله، ولم يحرمها الناس، وإن الله إنما أحل لي القتال بها ساعةً من النهار، ولعله أن يكون بعدي رجال يستحلون القتال بها، فمن فعل ذلك منهم فقولوا: إن الله أحلها لرسوله ولم يحلها لك، وليبلغ الشاهد الغائب" ولولا أن رسول الله ﷺ قال ليبلغ الشاهد الغائب ما حدثتك بهذا الحديث، قال عمرو: إنك شيخ قد خَرفتَ وقد هممتُ بك، قال: أما والله لأتكلمن بالحق وإن شددت رقابنا (٢).

стр. 3014

٥٠٩٤ - حدثنا بحر بن نصر، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي ﵁ عن النبي ﷺ … بمثل معنى حديث فهد الذي قبل هذا الحديث (١). ٥٠٩٥ - حدثنا علي بن عبد الرحمن قال: ثنا ابن أبي مريم، قال أخبرنا الدراوردي، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على الحجون، ثم قال: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وما أحلت لي إلا ساعةً من النهار، وهي بعد ساعتها هذه حرام إلى يوم القيامة" (٢). ٥٠٩٦ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، وأبو سلمة قالا: ثنا حماد

стр. 3015

بن سلمة، عن محمد بن عمرو … فذكر بإسناده مثله (١). ٥٠٩٧ - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية، قال: فقام النبي الله ﷺ فقال: "إن الله حبس عن أهل مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يُعضد شجرها، ولا يختلى شوكها، ولا يلتقط ساقطتها إلا لمنشدها" (٢) ٥٠٩٨ - حدثنا بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير … فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: إن الله حبس عن أهل مكة الفيل" وقال: "لا يلتقط ضالتها إلا لمنشد" (٣).
следующие страницы →