← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

٥٣٨٢ - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: حدثني عقبة بن عبد الغافر، قال: حدثني أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا صاع تمر بصاعين، ولا صاع حنطة بصاعين، ولا درهم بدرهمين" (١). ٥٣٨٣ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال ﵁ قال: كان عندي مد تمر للنبي ﷺ فوجدت أطيب منه صاعًا بصاعين، فاشتريته، فأتيت به النبي ﷺ فقال: "من أين لك هذا يا بلال؟ " فقلت اشتريته صاعًا بصاعين، فقال: "رده، ورد علينا تمرنا" (٢).

стр. 3187

٥٣٨٤ - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة، عن عامر بن يحيى، وخالد بن أبي عمران عن حنش بن عبد الله السبائي عن فضالة بن عبيد ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، نبايع اليهود أوقية الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن" (١). ٥٣٨٥ - حدثنا علي بن معبد قال: ثنا المعلى بن منصور، قال: أخبرنا عباد، وعبد العزيز بن المختار، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: نهانا النبي ﷺ أن نبيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، وأمرنا أن نبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئنا (٢).

стр. 3188

٥٣٨٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنا ربيعة بن سليم مولى عبد الرحمن بن حسان التجيبي، أنه سمع حنشًا الصنعاني يحدث، عن رويفع بن ثابت ﵁ في غزوة أناس قبل المغرب، يقول: إن رسول الله ﷺ قال في غزوة خيبر: "بلغني أنكم تتبايعون المثقال بالنصف والثلثين، وأنه لا يصلح إلا المثقال بالمثقال، والوزن بالوزن" (١). ٥٣٨٧ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: حدثني موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" (٢). ٥٣٨٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا زهير بن محمد، عن موسى بن أبي تميم … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 3189

قال أبو جعفر فثبت بهذه الآثار المتواترة عن رسول الله ﷺ النهي عن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلًا، وكذلك سائر الأشياء المكيلات التي قد ذكرت في هذه الآثار التي رويناها. فالعمل بها أولى بنا من العمل بحديث أسامة الذي قد يجوز أن يكون تأويله على ما قد ذكرنا في هذا الباب. ثم هذا أصحاب رسول الله ﷺ من بعده قد ذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الروايات عن رسول الله ﷺ أيضًا. ٥٣٨٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن جبلة بن سحيم، قال: سمعت ابن عمر ﵄، يقول: خطب عمر فقال: لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين، ولا درهمًا بدرهمين، ولا قفيزًا بقفيزين، إني أخشى عليكم الرماء (١)، وإني لا أوتى بأحد فعله إلا قد أوجعته عقوبةً في نفسه وماله (٢). ٥٣٩٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب عن شعبة عن الأشعث، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵄: لا يأخذ أحدكم درهمًا بدرهمين، فإني أخشى عليكم

стр. 3190

الرماء (١). ٥٣٩١ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب قال: ثنا أبي، قال: سمعت نافعًا، قال: حدثني ابن عمر قال خطب عمر ﵄ فقال: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، فإني أخاف عليكم الرماء (٢). ٥٣٩٢ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄ … مثله (٣). قال أبو جعفر: فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخطب بهذا على منبر رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه ﵃ فلا ينكره عليه منهم منكر، فدل ذلك على موافقتهم له عليه. ثم قد روي في ذلك أيضًا، عن أبي بكر، وعلي، وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ ما يوافق ذلك أيضًا. ٥٣٩٣ - حدثنا بحر بن نصر، عن شعيب بن الليث، عن موسى بن عُلي حدثه، عن أبيه،

стр. 3191

عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، قال: كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام أما بعد! فإنكم قد هبطتم أرض الربا، فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن، ولا الطعام بالطعام إلا كيلًا بكيل قال أبو قيس: قرأت كتابه (١). ٥٣٩٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن المغيرة بن مقسم عن أبيه، عن أبي صالح السمان، قال: كنت جالسًا عند علي بن أبي طالب ﵁، فأتاه رجل فقال: يكون عندي الدراهم، فلا تنفق عني في حاجتي، أفأشتري بها دراهم تجوز عني، وأهضم (٢) فيها. قال: فقال علي ﵁: اشتر بدراهمك ذهبًا، ثم اشتر بذهبك ورقا، ثم أنفقها فيما شئت (٣). ٥٣٩٥ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن أبي صالح، عن شريح، عن عمر ﵁ قال: الدرهم بالدرهم فضل ما بينهما ربًا. قال أبو نعيم قال بعض أصحابنا، عن سفيان: الدرهم بالدرهم، قال حسين قال لي أحمد بن صالح أبو صالح إمام مسجد حماد (٤).

стр. 3192

٥٣٩٦ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: كان عمر وعبد الله بن عمر ﵄ ينهيان عن بيع الدرهمين بالدرهم يدًا بيد، ويقولان: الدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار (١). ٥٣٩٧ - حدثنا بحر بن نصر، قال قرأ علي شعيب حدثك موسى بن عُلي، عن يزيد بن أبي منصور، عن أبي رافع، قال: مر بي عمر بن الخطاب ﵁ ومعه ورق، فقال: اصنع لنا أوضاحًا لصبي لنا. قلت: يا أمير المؤمنين عندي أوضاح معمولة، فإن شئت أخذت الورق، وأخذت الأوضاح. فقال عمر ﵁ مثلا بمثل، فقلت: نعم قال: فوضع الورق في كفة الميزان والأوضاح في الكفة الأخرى، فلما استوى الميزان، أخذ بإحدى يديه، وأعطى بالأخرى (٢). ٥٣٩٨ - حدثنا إبراهيم بن منقذ قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ عن قباث بن رزين، قال: حدثني علي بن رباح اللخمي، قال: كنا في غزاة مع فضالة بن عبيد ﵁، فسألته عن بيع الذهب بالذهب، فقال: مثلا بمثل ليس بينهما فضل (٣). ومما روي عن ابن عباس ﵄ في رجوعه عن الصرف.

стр. 3193

٥٣٩٩ - ما حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي الصهباء أن ابن عباس ﵄ نزع عن الصرف (١). فهذا ابن عباس ﵄، وهو الذي روى عن أسامة بن زيد ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة"، وتأول ذلك على إجازة الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلين بمثل، وأكثر من ذلك، فقد رجع عن قوله ذلك. فإما أن يكون رجوعه لعلمه أن ما كان أسامة ﵁ حدثه إنما هو ربا القرآن، وعلم أن ربا النسيئة بغير ذلك، أو يكون ثبت عنده ما خالف حديث أسامة ﵁ مما لم يثبت منه حديث أسامة من كثرة من نقله له عن رسول الله ﷺ حتى قامت عليه به الحجة ولم يكن ذلك في حديث أسامة ﵁ لأنه خبر واحد، فرجع إلى ما جاءت به الجماعة الذين تقوم بنقلهم الحجة، وترك ما جاء به الواحد الذي قد يجوز عليه السهو والغلط والغفلة. وهذا الذي بينا في الصرف هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.

стр. 3194

٢ - باب القلادة تباع بذهب وفيها خرز وذهب ٥٤٠٠ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون الواسطي، قال: ثنا هشيم عن الليث بن سعد، عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: أصبت يوم خيبر قلادةً فيها ذهب وخرز، فأردت أن أبيعها. فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "افصل بعضها من بعض، ثم بعها كيف شئت" (١). ٥٤٠١ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدثني أبو شجاع سعيد بن يزيد الحميري، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ قال: اشتريت يوم خيبر قلادة، فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارا، ففصلتها فإذا الذهب أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا تباع حتى تفصل" (٢).

стр. 3195

٥٤٠٢ - حدثنا فهد قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد قال سمعت خالد بن أبي عمران يحدث عن حنش، عن فضالة بن عبيد ﵁، قال: أتي النبي ﷺ يوم خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب، ابتاعها رجل بسبع أو بتسع. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "لا، حتى تميز ما بينهما". فقال: إنما أردت الحجارة فقال: "لا، حتى تميز ما بينهما"، فرده (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن القلادة إذا كانت كما ذكرنا لم يجز أن تباع بالذهب، لأن ذلك الثمن وهو ذهب يقسم على قيمة الخرز، وعلى الذهب، فيكون كل واحد منهما مبيعًا بما أصابه من الثمن، كالعرضين تباعان بذهب، فكل واحد منهما مبيع بما أصاب قيمته من ذلك الذهب. قالوا: فلما كان ما يصيب الذهب الذي في القلادة، إنما يصيبه بالحرز والظن وكان الذهب لا يجوز أن يباع بالذهب إلا مثلا بمثل لم يجز البيع إلا أن يعلم أن ثمن

стр. 3196

الذهب الذي في القلادة مثل وزنه من الذهب الذي اشتريت به القلادة. ولا يعلم بقسمة الثمن، إنما يعلم بأن يكون على حدة بعد الوقوف على وزنه، وذلك غير موقوف عليه إلا بعد أن يفصل من القلادة. قالوا: فلا يجوز بيع هذه القلادة بالذهب إلا بعد أن يفصل ذهبها منها لما قد ذكرناه عن رسول الله ﷺ ولما احتججنا به من النظر. وخالفهم في ذلك آخرون (١) فقالوا: إن كانت هذه القلادة لا يعلم مقدار ذهبها أهو مثل وزن جميع الثمن أو أقل من ذلك أو أكثر، إلا بأن تفصل القلادة، فيوزن ذلك الذهب الذي فيها، فيوقف على وزنه لم يجز بيعها بذهب إلا بعد ما يفصل ذهبها منها، فيعلم أنه أقل من ذلك الثمن. وإن كانت القلادة يحيط العلم بوزن ما فيها من الذهب، ويعلم أنه أقل من الذهب الذي بيعت به أو لا يحيط العلم بوزنه إلا أنه يعلم في الحقيقة أنه أقل من الثمن الذي بيعت به القلادة، وهو ذهب، فالبيع جائز. وذلك أنه يكون ذهبها بمثل وزنه من الذهب الثمن، ويكون ما فيها من الخرز بما بقي من الثمن، ولا يحتاج في ذلك إلى قسمة الثمن على القيمة كما يحتاج إليه في العروض المبيعة بالثمن الواحد.

стр. 3197

والدليل على ذلك أنا رأينا الذهب لا يجوز أن يباع بذهب إلا مثلًا بمثل، ورأيناهم لا يختلفون في دينارين أحدهما في الجودة أفضل من الآخر بيعا صفقةً واحدةً بدينارين متساويين في الجودة، أو بذهب غير مضروب جيد أن البيع جائز. فلو كان ذلك مردودًا إلى حكم القيمة كما ترد العروض من غير الذهب والفضة إذا بيعت بثمن واحد، إذًا لفسد البيع، لأن الدينار الرديء، يُصيبه أقل من وزنه إذا كانت قيمته أقل من قيمة الدينار الآخر. فلما أجمع على صحة ذلك البيع، وكانت السنة قد ثبتت عن رسول الله ﷺ بأن الذهب تبره وعينه سواء، ثبت بذلك أن حكم الذهب في البيع إذا كان بذهب على غير القسمة على القيم، وأنه مخصوص في ذلك بحكم دون حكم سائر العروض المبيعة صفقةً واحدةً، وأن ما يصيبه من الثمن هو وزنه لا ما يصيب قيمته. فهذا هو ما يشهد لهذا القول من النظر. وقد اضطرب علينا حديث فضالة، الذي ذكرنا، فرواه قوم على ما ذكرنا في أول هذا الباب، ورواه آخرون على غير ذلك. ٥٤٠٣ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: ثنا أبو هانئ أنه سمع عُليّ بن رباح اللخمي، يقول: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁، يقول: أتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز -وهي من المغانم تباع-. فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة، فنزع وحده، ثم قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، وزنًا

стр. 3198

بوزن" (١). ٥٤٠٤ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا حميد بن هانئ، عن عُلي، عن فضالة ﵁، عن رسول الله ﷺ … مثله، غير أنه لم يقل بخيبر (٢). ٥٤٠٥ - حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا المقرئ قال: ثنا حيوة، عن أبي هانئ … فذكر بإسناده مثله (٣). ففى هذا الحديث غير ما في الحديث الأول في هذا أن رسول الله ﷺ نزع الذهب فجعله على حدة، ثم قال: الذهب بالذهب وزنًا بوزن ليعلم الناس كيف حكم الذهب بالذهب. فقد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ فصل الذهب لأن صلاح المسلمين كان في

стр. 3199

ذلك، ففعل ما فيه صلاحهم، لا لأن بيع الذهب قبل أن ينزع مع غيره في صفقة واحدة غير جائز. وهذا خلاف ما روى مَنْ روى أن رسول الله ﷺ قال: لا تباع حتى تفصل. وقد رواه آخرون على خلاف ذلك أيضًا. ٥٤٠٦ - فحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا خالد بن أبي عمران، قال: حدثني حنش بن عبد الله الصنعاني، أنه كان في البحر مع فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁، قال حنش فاشتريت قلادة فيها تبر وياقوت، وزبرجد، فأتيت فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁، فذكرت له ذلك، فقال: لا تأخذ التبر بالتبر إلا مثلا بمثل فإني كنت مع رسول الله ﷺ بخيبر، فاشتريت قلادة بسبعة دنانير فيها تبر وجوهر، فسألت رسول الله ﷺ عنها، فقال رسول الله ﷺ : "لا تأخذ التبر بالذهب إلا مثلا بمثل" (١). ففي هذا الحديث، غير ما تقدمه من الأحاديث وذلك أن ما حكى فضالة في هذا الحديث، عن رسول الله ﷺ هو في التبر بالذهب مثلا بمثل، ولم يذكر فساد البيع في القلادة المبيعة بذهب إذ كان فيها ذهب وغيره. فهذا خلاف الأحاديث الأول. وقد رواه آخرون أيضًا على خلاف ذلك ٥٤٠٧ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب قال أخبرني قرة بن عبد الرحمن، وعمرو بن الحارث، أن عامر بن يحيى المعافري أخبرهما، عن حنش أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد

стр. 3200

﵁ في غزوة، فصارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب، وورق، وجوهر فأردت أن أشتريها. فسألت فضالة، فقال: انزع ذهبها، واجعله في الكفة، واجعل ذهبا في الكفة الأخرى، ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل" (١). فهذا خلاف لما تقدم من الأحاديث، لأن فيه أمر فضالة بنزع الذهب وبيعه وحده، ولم يذكر ذلك عن النبي ﷺ الذي ذكره عن النبي إلا هو نهيه عن بيع الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن. فهذا ما لا اختلاف فيه، والأمر بالتفصيل من قول فضالة ﵁. فقد يجوز أن يكون أمر بذلك أن البيع عنده لا يجوز فيها بالذهب حتى يفصل. وقد يجوز أن يكون أمر بذلك لإحاطة علمه أن تلك القلادة لا يوصل إلى علم ما فيها من الذهب ولا إلى مقداره إلا بعد تفصيله منها. فقد اضطرب هذا الحديث، فلم يوقف على ما أريد منه. فليس لأحد أن يحتج بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا ما احتج مخالفه عليه بالمعاني الآخر. وقد قدمنا في هذا الباب كيف وجه النظر في ذلك، وأنه على ما ذهب إليه الذين

стр. 3201

جعلوا حكم الذهب المبيع مع غيره بالذهب، لا على قسم الثمن على القيم، ولكن على أن الذهب مبيع بوزنه من الذهب الثمن، وما بقي مبيع بما بقي من الثمن. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏. ٥٤٠٨ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبائي، عن أبي تميم الجيشاني، قال: اشترى معاوية بن أبي سفيان قلادة فيها تبر وزبرجد، ولؤلؤ، وياقوت بستمائة دينار، فقام عبادة بن الصامت ﵁ حين طلع معاوية المنبر أو حين صلى الظهر، فقال: ألا إن معاوية اشترى الربا وأكله، ألا وإنه في النار إلى حلقه (١). فقد يجوز أن تكون تلك القلادة كان فيها من الذهب أكثر مما اشتريت به فكان من عبادة ما كان لذلك. ويجوز أن تكون بيعت بنسيئة، فإنه قد روي عن معاوية أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا. وقد روي في ذلك وفي السبب الذي من أجله أنكر عبادة ﵁ أنكر على معاوية في ذلك ما أنكر. ٥٤٠٩ - ما حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث قال: كنا في غزاة علينا معاوية، فأصبنا ذهبا وفضةً، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها الناس في

стр. 3202

أعطياتهم. قال: فتنازع الناس فيها، فقام عبادة، فنهاهم، فردوها، فأتى الرجل معاوية فشكا إليه. فقام معاوية خطيبًا فقال: ما بال رجال يحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث، يكذبون فيها عليه، لم نسمعها، فقام عبادة فقال: والله لأحدثن عن رسول الله ﷺ وإن كره معاوية، قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء يدا بيد، عينًا بعين" (١). ٥٤١٠ - حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا عبد الوهاب عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، أنه قال: قدم أناس في إمارة معاوية، يبيعون آنية الذهب والفضة إلى العطاء. فقام عبادة بن الصامت ﵁، فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح إلا مثلا بمثل، سواء بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى (٢).

стр. 3203

فدل ذلك أن ما كان من إنكار عبادة ﵁ على معاوية، وهو بيع الذهب بالذهب إلى أجل لا غير ذلك. فأما القلادة التي فيها الذهب المبيعة بالذهب، أو القلادة التي فيها الفضة المبيعة بالفضة، فلا دلالة فيما روينا عنه على حكم ذلك إذا بيع بأكثر من وزن ذهبه أو فضته من الذهب أو الفضة. ٥٤١١ - وقد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "اشتر السيف المحلى بالفضة" (١). فهذا ابن عباس ﵄ قد أجاز بيع السيف الذي حليته فضة بفضة. وقد روي في مثل ذلك أيضًا عن جماعة من التابعين اختلاف. ٥٤١٢ - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني حيوة، وابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، أنه سأل القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، عن اشتراء الثوب المنسوج بالذهب بالذهب، فقالا: "لا يصلح اشتراؤه بالذهب" (٢). ٥٤١٣ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، أنه كان لا يرى بأسا أن يشتري ذهبا بذهب وفضة، أو

стр. 3204

فضةً بفضة وذهب (١). ٥٤١٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسا أن يباع السيف المفضض بالدراهم بأكثر مما فيه من الفضة، فتكون الفضة بالفضة، والسيف بالفضل (٢). ٥٤١٥ - حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أنه قال في بيع السيف المحلى: إذا كانت الفضة التي فيه أقل من الثمن، فلا بأس بذلك (٣). ٥٤١٦ - حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه، عن محمد، عن أبي يوسف، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، قال: لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم؛ لأن فيه حمائله وجفنه ونصله (٤).

стр. 3205

١٨ - كتاب الهبة والصدقة (١) ١ - باب: الرجوع في الهبة ٥٤١٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، وهشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" (٢). قال أبو جعفر فذهب قوم (٣) إلى أن الواهب ليس له أن يرجع فيما وهب واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وقالوا: لما كان رسول الله ﷺ قد جعل الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء وكان رجوع الرجل في قيئه حرامًا عليه كان كذلك رجوعه في هبته. وخالفهم في ذلك آخرون (٤) فقالوا: للواهب أن يرجع في هبته إذا كانت قائمةً

стр. 3206

على حالها لم تستهلك، ولم يزد في بدنها بعد أن يكون الموهوب له ليس بذي رحم محرم من الواهب وبعد أن يكون لم يثبه منها ثوابا فإن كان أثابه منها ثوابا، وقبل ذلك الثواب منه أو كان الموهوب له ذا رحم محرم من الواهب فليس للواهب أن يرجع فيها، فإن لم يكن الواهب ذا رحم محرم للموهوب له، ولكنها امرأة وهبت لزوجها أو زوج وهب لامرأته، فهما في ذلك كذي الرحم المحرم، وليس لواحد منهما أن يرجع فيما وهب لصاحبه. وكان من الحجة لهم في ذلك أن رسول الله ﷺ جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه ولم يبين لنا من العائد في قيئه؟ فقد يجوز أن يكون أراد الرجل العائد في قيئه، فيكون قد جعل العائد في هبته كالعائد فيما هو حرام عليه. فثبت بذلك ما قال أهل المقالة الأولى. وقد يجوز أن يكون أراد الكلب العائد في قيئه والكلب غير متعبد بتحريم ولا تحليل، فيكون العائد في هبته عائدًا في قذر كالقذر الذي يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الواهب من الرجوع في الهبة. فنظرنا في ذلك هل نجد في الآثار ما يدلنا على مراد رسول الله ﷺ في الحديث الأول ما هو؟ ٥٤١٨ - فإذا فهد بن سليمان قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ

стр. 3207

قال: "ليس لنا مثل السوء، الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه" (١). ٥٤١٩ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" (٢). فدل هذا الحديث أن رسول الله ﷺ إنما أراد بما قد ذكرنا في الحديث الأول تنزيه أمته عن أمثال الكلاب، لا أنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم. وقد روي هذا الكلام أيضًا الذي رويناه عن ابن عباس عن أبي هريرة ﵃ عن النبي ﷺ . ٥٤٢٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن أبي

стр. 3208

هريرة، عن النبي ﷺ (ح) (١). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا عوف، عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مثل الذي يعود في عطائه كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه فأكله" (٢). وقد روي عن رسول الله ﷺ مثل هذا الكلام في معنى غير هذا المعنى. ٥٤٢١ - حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يحدث أن عمر ﵁ تصدق بفرس في سبيل الله، فوجده يباع بعد ذلك، فأراد أن يشتريه، فأتى رسول الله ﷺ فاستأمره في ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تعد في صدقتك فلذلك كان ابن عمر لا يرى أن يبتاع مالا جعله صدقةً" (٣).

стр. 3209

٥٤٢٢ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أبتاعه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم واحد، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (١). ٥٤٢٣ - حدثنا إسماعيل بن يحيى قال: ثنا محمد بن إدريس قال: ثنا سفيان عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ أنه أبصر فرسًا يباع في السوق، وكان تصدق به، فسأل رسول الله ﷺ أن أشتريه؟، فقال رسول الله ﷺ : "لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه" (٢).

стр. 3210

فمنع رسول الله ﷺ عمر ﵁ أن يبتاع ما كان تصدق به أو شيئًا من نتاجه، وجعله - إن فعل ذلك - كالكلب يعود في قيئه فلم يكن ذلك بموجب حرمة ابتياع الصدقة على المتصدق بها، ولكن ترك ذلك أفضل له. فكذلك ما ذكرنا قبل هذا لما ذكرنا عن رسول الله ﷺ في الرجوع في الهبة ليس على تحريم ذلك ولكنه لأن تركه أفضل. ٥٤٢٤ - وقد حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده" (١). فقال قائل: فقد دل هذا الحديث على تحريم الرجوع في الهبة من الرجل لغير ولده. قيل له: ما دل ذلك على شيء مما ذكرت، فقد يجوز أن يكون النبي ﷺ وصف ذلك الرجوع، بأنه لا يحل لتغليظه إياه لكراهية أن يكون أحد من أمته له مثل السوء.

стр. 3211

وقد قال رسول الله ﷺ "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" فلم يكن ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الأغنياء ولكنها على معنى (١) لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة والزمانة. فكذلك ما ذكرنا من قول رسول الله ﷺ أيضًا: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته، إنما هو على أنه لا يحل له ذلك كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله لعباده، ولم يجعل لمن فعلها مثلا كالمثل الذي جعله رسول الله ﷺ للعائد في هبته. وقد دخل في ذلك العود فيها بالرجوع والابتياع وغيره، ثم استثنى من ذلك ما وهبه الوالد لولده. فذلك عندنا - والله أعلم - على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت حاجته إلى ذلك وفقره إليه، لأن ما يجب للوالد من ذلك ليس بفعل فعله، فيكون ذلك رجوعا منه يكون مثله فيه كمثل الكلب الراجع في قيئه، ولكنه شيء أوجبه الله له لفقره، فلم يضيق ذلك عليه، كما قد روي عن رسول الله ﷺ في غير هذا الحديث. ٥٤٢٥ - حدثنا يونس قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أعطيت أمي حديقةً، وإنها ماتت، ولم تترك وارثًا غيري،

стр. 3212

فقال رسول الله ﷺ : "وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك" (١). أفلا ترى أن رسول الله قد أباح للمتصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث ومنع عمر بن الخطاب ﵁ من ابتياع صدقته. فثبت بهذين الحديثين إباحة الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله، وكراهيته الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه. فكذلك وجوب النفقة للأب في مال الابن لحاجته وفقره، وجبت له بإيجاب الله تعالى إياها له. فأباح له النبي ﷺ بذلك ارتجاع هبته، وإنفاقها على نفسه، وجعل ذلك كما رجع إليه بالميراث لا كما رجع إليه بالابتياع والارتجاع. فإن قال قائل: فقد خص النبي ﷺ في هذا الحديث الوالد الواهب دون سائر الواهبين أفيكون حكم الولد فيهما وهب لأبيه خلاف حكم الوالد فيما وهب لولده؟. قيل له: بل حكمهما في هذا سواء وذكر رسول الله ﷺ أحدهما على المعنى الذي ذكرنا يجزئ من ذكره إياهما ومن ذكر غيرهما ممن حكمه في هذا مثل حكمهما. وقد قال الله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ

стр. 3213

وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]. فحرم هؤلاء جميعا بالأنساب. ثم قال ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يذكر في التحريم بالرضاعة غير هاتين. فكان ذكره ذلك دليلا على أن سائر من حرم بالنسب في حكم الرضاع سواء، وأغناه ذكر هاتين بالتحريم بالرضاع عن ذكر من سواهما في ذلك إذ كان قد جمع بينهن جميعا في التحريم بالأنساب فجعل حكمهن حكمًا واحدًا. فدل تحريمه بعضهن أيضًا بالرضاع أن حكمهن في ذلك حكم واحد. فكذلك رسول الله ﷺ لما: قال: "لا يحل لأحد أن يرجع في هبته فعم بذلك الناس جميعًا. ثم قال: إلا الوالد لولده على المعنى الذي ذكرنا، دل ذلك على أن من سوى الوالد من الواهبين في رجوع الهبات إليهم برد الله إياها كذلك وأغناه ذكر بعضهم عن ذكر سائرهم. فلم يكن في شيء من هذه الآثار ما يدلنا على أن للواهب أن يرجع في هبته بنقضه إياها حتى يأخذها من الموهوب له، ويردها إلى ملكه المتقدم الذي أخرجها منه بالهبة. فنظرنا هل نجد فيما روي عن أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا؟. ٥٤٢٦ - فإذا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا حنظلة

стр. 3214

عن سالم، قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵄ يقول: من وهب هبةً فهو أحق بها حتى يثاب منها بما يرضى (١). ٥٤٢٧ - وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، عن مروان بن الحكم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من وهب هبةً لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها (٢). فهذا عمر ﵁ قد فرق بين الهبات والصدقات فجعل الصدقات لا يرجع فيها، وجعل الهبات على ضربين. فضرب منها صلة الأرحام، فرد ذلك إلى حكم الصدقات، ومنع الواهب من الرجوع فيها، وضرب منها بخلاف ذلك، فجعل للواهب أن يرجع فيها ما لم يرض منه.

стр. 3215

٥٤٢٨ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود، عن عمر ﵁ قال: من وهب هبةً لذي رحم جازت ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرم له فهو أحق بها ما لم يثب منها (١). ٥٤٢٩ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن جابر الجعفي، قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن يحدث، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن علي ﵁ قال: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها (٢). فهذا علي ﵁ قد جعل للواهب الرجوع في هبته ما لم يثب منها، فذلك عندنا على الواهب الذي جعل له عمر ﵁ الرجوع في هبته على ما ذكرنا في الحديث الذي رويناه عنه قبل هذا حتى لا يتضاد قولهما ﵄ في ذلك. ٥٤٣٠ - وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن جابر، عن

стр. 3216

القاسم … فذكر بإسناده مثله على ما روينا عن سليمان (١). وقد روي عن فضالة بن عبيد نحو من هذا. ٥٤٣١ - حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: كنت عند فضالة بن عبيد ﵁، فأتاه رجلان يختصمان إليه، فقال أحدهما: إني وهبت لهذا بازيًا على أن يثيبني فلم يفعل، فقال الآخر: وهب لي، ولم يذكر شيئًا. فقال له فضالة: اردد إليه هبته، فإنما يرجع في الهبة النساء وسُقَّاط الرجال (٢). ٥٤٣٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر اليحصبي، أنه قال: كنت عند فضالة بن عبيد ﵁ إذ جاءه رجلان يختصمان إليه في باز، فقال أحدهما وهبت له بازيًا وأنا أرجو أن يثيبني منه. وقال الآخر: نعم قد وهب لي بازيًا وما سألته وما تعرضت له، فقال له فضالة: واردد إليه هبته، فإنما يرجع في الهبات النساء وشرار الأقوام (٣).

стр. 3217

وقد روي عن أبي الدرداء ﵁ في ذلك أيضًا. ٥٤٣٣ - ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد عن أبي الدرداء ﵁ قال: المواهب ثلاثة رجل وهب من غير أن يَسْتَوهب فهي كسبيل الصدقة، فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثواب، فإن قبل على موهبته ثوابا فليس له إلا ذلك، وله أن يرجع في هبته ما لم يثب، ورجل وهب واشترط الثواب، فهو دين على صاحبه في حياته وبعد موته (١). فهذا أبو الدرداء ﵁ قد جعل ما كان من الهبات مخرجه مخرج الصدقات في حكم الصدقات، ومنع الواهب من الرجوع في ذلك كما يمنع المتصدق من الرجوع في صدقته، وجعل ما كان منها بغير هذا الوجه مما لم يشترط ثواب مما يرجع فيه ما لم يثب الواهب عليه. وجعل ما اشترط فيه العوض في حكم المبيع، فجعل العوض لواهبه واجبًا على الموهوب له في حياته وبعد وفاته، فهذا حكم الهبات عندنا، فأما ما ذكرنا من انقطاع رجوع الواهب في هبته لموت الموهوب له أو باستهلاكه الهبة، فلما روي عن عمر ﵁ أيضًا في ذلك.

стр. 3218

٥٤٣٤ - حدثنا صالح، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا يحيى، عن الحجاج، عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود، عن عمر ﵁ … مثله يعني: مثل حديثه الذي ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا الفصل، وزاد ويستهلكها أو يموت أحدهما (١). فجعل عمر ﵁ استهلاك الهبة يمنع واهبها من الرجوع فيها وجعل موت أحدهما يقطع ما للواهب فيها من الرجوع أيضًا فكذلك نقول. وقد روي عن شريح في الهبة نظير ما قد روي عن عمر ﵁. ٥٤٣٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: سمعت محمدًا يحدث أن شريحًا قال: من أعطى في قرابة أو معروف أو صلة فعطيته جائزة، والجانب المستغرب يثاب من هبته أو يرد عليه (٢). ٥٤٣٦ - حدثنا يونس قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن شريح … مثله (٣).

стр. 3219

قال أبو جعفر: وأما هبة كل واحد من الزوجين لصاحبه. ٥٤٣٦ م - فإن أبا بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد: أن امرأة وهبت لزوجها هبة، ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح فقال للزوج: شاهداك أنهما رأياها أنها وهبت لك من غير كره، ولا هوان، وإلا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان (١). فهذا شريح ﵀ قد سأل الزوج البينة أنها قد وهبت له لا عن كره بعد ارتجاعها في الهبة. فدل ذلك أن البينة لو ثبتت عنده على ذلك لرد الهبة إليه ولم يجز لها الرجوع فيها. وقد كان من رأيه أن للواهب الرجوع في هبته إلا من ذي الرحم المحرم فجعل المرأة في هذا كذي الرحم المحرم، فهكذا نقول. وأما هبة الزوج لامرأته. ٥٤٣٧ - فإن أبا بكرة حدثنا، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة عن منصور، قال: قال إبراهيم إذا وهبت المرأة لزوجها أو وهب الرجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته (٢).

стр. 3220

٥٤٣٨ - حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال: الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم المحرم، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع (١). فجعل الزوجان في هذه الأحاديث كذي الرحم المحرم، فمنع كل واحد منهما من الرجوع فيها وهب لصاحبه فهكذا نقول. وقد وصفنا في هذا ما ذهبنا إليه في الهبات، وما قلدنا في هذه الآثار إذ لم نعلم عن أحد مثل من رويناها عنه خلافًا لها. فتركنا النظر من أجلها وقلدناها. وقد كان النظر لو خلينا وإياه خلاف ذلك وهو أن لا يرجع الواهب في الهبة لغير ذي الرحم المحرم؛ كما لا يرجع في الهبة لذي الرحم المحرم، لأن ملكه قد زال عنها بهبته إياها، وصار للموهوب له دونه، فليس له نقض ما قد ملك عليه إلا برضاء مالكه، ولكن اتباع الآثار وتقليد أئمة أهل العلم أولى، فلذلك قلدناها واقتدينا بها. وجميع ما بينا في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 3221

٢ - باب: الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض ٥٤٣٩ - حدثنا يونس قال: ثنا سفيان، قال: ثنا، الزهري عن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن أخبراه، أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: نحلني أبي غلاما، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله ﷺ لا أشهده على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك أعطيته"، فقال: لا، قال: "فاردده" (١). ٥٤٤٠ - حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعن محمد بن النعمان بن بشير يحدثانه، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: إن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ "، فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "فارجعه" (٢).

стр. 3222

قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم (١) إلى أن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض أن ذلك باطل. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: قد كان النعمان في وقت ما نحله أبوه صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره عن القبض لنفسه، فلما قال له النبي ﷺ : اردده بعدما كان في حكم ما قبض، دل هذا أن النحلى من الوالد لبعض ولده دون بعض لا يملكه المنحول ولا ينعقد له عليه هبة. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده في العطية ليستووا في البر، ولا يفضل بعضهم على بعض، فيوقع ذلك له الوحشة في قلوب المفضول منهم. فإن نحل بعضهم شيئًا دون بعض وقبضه المنحول لنفسه إن كان كبيرا أو كان قبضه له أبوه من نفسه إن كان صغيرا بإعلامه إياه والإشهاد به فهو جائز. وكان من الحجة لهم في ذلك أن حديث النعمان الذي ذكرنا قد روي عنه على ما ذكروا، وليس فيه دليل على أنه كان حينئذ صغيرًا، ولعله كان كبيرا ولم يكن قبضه.

стр. 3223

وقد روي أيضًا على غير هذا المعنى الذي في الحديث الأول. ٥٤٤١ - فحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: انطلق بي أبي إلى النبي ﷺ ونحلني نحلا ليشهده على ذلك، فقال: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا. قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواءً؟ " قال: بلى، قال: "فأشهد على هذا غيري" (١). فكان الذي في هذا الحديث من قول النبي ﷺ لبشير فيما كان نحله النعمان "أشهد على هذا غيري". فهذا دليل أن الملك ثابت لأنه لو لم يثبت لا يصح قوله: "وأشهد". فهذا خلاف ما في الحديث الأول، لأن هذا القول لا يدل على فساد العقد الذي كان عقده النعمان، لأن النبي ﷺ قد يتوقى الشهادة على ماله أن يشهد عليه، وعلى الأمور التي قد كانت.

стр. 3224

فكذلك لمن بعده، لأن الشهادة إنما هي أمر يتضمنه الشاهد للمشهود له، فله أن لا يتضمن ذلك. وقد يحتمل غير هذا أيضًا، فيكون قوله: "أشهد على هذا غيري" أي: أني أنا الإمام، والإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم. وفي قوله: أشهد على هذا غيري" دليل على صحة العقد. ٥٤٤٢ - وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان ﵁ على منبرنا هذا، يقول: قال رسول الله ﷺ : "سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر" (١). فكان المقصود إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم في العطية ليستووا جميعا في البر، وليس فيه شيء من ذكر فساد العقد المعقود على التفضيل. ٥٤٤٣ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حصين عن الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁، يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله، فأتى رسول الله ﷺ

стр. 3225

فقال: إني قد أعطيت ابني من عمرة عطيةً، وإني أشهدك، قال: "أكل ولدك أعطيت مثل هذا؟ قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (١). فليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمره برد الشيء وإنما فيه الأمر بالتسوية بينهم. ٥٤٤٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجي، قال: ثنا داود، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! اشهد أني قد نحلت النعمان من مالي كذا وكذا، فقال له رسول الله ﷺ : أكل ولدك نحلته؟ "، قال: لا، قال: "أما يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ "، قال: بلى، قال: "فلا إذًا" (٢). فقد اختلف لفظ حديث داود هذا فيما روى عنه مرجي هاهنا، وفيما روى عنه وهيب فيما تقدم من هذا الباب. وهكذا رواه الشعبي عن النعمان وقد رواه أبو الضحى عن النعمان أيضًا.
следующие страницы →