← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

٢ - باب: الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض ٥٤٣٩ - حدثنا يونس قال: ثنا سفيان، قال: ثنا، الزهري عن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن أخبراه، أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: نحلني أبي غلاما، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله ﷺ لا أشهده على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك أعطيته"، فقال: لا، قال: "فاردده" (١). ٥٤٤٠ - حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعن محمد بن النعمان بن بشير يحدثانه، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: إن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ "، فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "فارجعه" (٢).

стр. 3222

قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم (١) إلى أن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض أن ذلك باطل. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: قد كان النعمان في وقت ما نحله أبوه صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره عن القبض لنفسه، فلما قال له النبي ﷺ : اردده بعدما كان في حكم ما قبض، دل هذا أن النحلى من الوالد لبعض ولده دون بعض لا يملكه المنحول ولا ينعقد له عليه هبة. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده في العطية ليستووا في البر، ولا يفضل بعضهم على بعض، فيوقع ذلك له الوحشة في قلوب المفضول منهم. فإن نحل بعضهم شيئًا دون بعض وقبضه المنحول لنفسه إن كان كبيرا أو كان قبضه له أبوه من نفسه إن كان صغيرا بإعلامه إياه والإشهاد به فهو جائز. وكان من الحجة لهم في ذلك أن حديث النعمان الذي ذكرنا قد روي عنه على ما ذكروا، وليس فيه دليل على أنه كان حينئذ صغيرًا، ولعله كان كبيرا ولم يكن قبضه.

стр. 3223

وقد روي أيضًا على غير هذا المعنى الذي في الحديث الأول. ٥٤٤١ - فحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: انطلق بي أبي إلى النبي ﷺ ونحلني نحلا ليشهده على ذلك، فقال: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا. قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواءً؟ " قال: بلى، قال: "فأشهد على هذا غيري" (١). فكان الذي في هذا الحديث من قول النبي ﷺ لبشير فيما كان نحله النعمان "أشهد على هذا غيري". فهذا دليل أن الملك ثابت لأنه لو لم يثبت لا يصح قوله: "وأشهد". فهذا خلاف ما في الحديث الأول، لأن هذا القول لا يدل على فساد العقد الذي كان عقده النعمان، لأن النبي ﷺ قد يتوقى الشهادة على ماله أن يشهد عليه، وعلى الأمور التي قد كانت.

стр. 3224

فكذلك لمن بعده، لأن الشهادة إنما هي أمر يتضمنه الشاهد للمشهود له، فله أن لا يتضمن ذلك. وقد يحتمل غير هذا أيضًا، فيكون قوله: "أشهد على هذا غيري" أي: أني أنا الإمام، والإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم. وفي قوله: أشهد على هذا غيري" دليل على صحة العقد. ٥٤٤٢ - وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان ﵁ على منبرنا هذا، يقول: قال رسول الله ﷺ : "سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر" (١). فكان المقصود إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم في العطية ليستووا جميعا في البر، وليس فيه شيء من ذكر فساد العقد المعقود على التفضيل. ٥٤٤٣ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حصين عن الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁، يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله، فأتى رسول الله ﷺ

стр. 3225

فقال: إني قد أعطيت ابني من عمرة عطيةً، وإني أشهدك، قال: "أكل ولدك أعطيت مثل هذا؟ قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (١). فليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمره برد الشيء وإنما فيه الأمر بالتسوية بينهم. ٥٤٤٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجي، قال: ثنا داود، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! اشهد أني قد نحلت النعمان من مالي كذا وكذا، فقال له رسول الله ﷺ : أكل ولدك نحلته؟ "، قال: لا، قال: "أما يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ "، قال: بلى، قال: "فلا إذًا" (٢). فقد اختلف لفظ حديث داود هذا فيما روى عنه مرجي هاهنا، وفيما روى عنه وهيب فيما تقدم من هذا الباب. وهكذا رواه الشعبي عن النعمان وقد رواه أبو الضحى عن النعمان أيضًا.

стр. 3226

٥٤٤٥ - حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن فطر (ح) وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فطر، قال: ثنا أبو الضحى، قال سمعت النعمان بن بشير ﵄، يقول: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على شيء أعطانيه. فقال: "ألك ولد غيره؟ قال: نعم، فقال بيده: "ألا سويت بينهم؟ " (١). فلم يخبر في هذا الحديث أنه أمره برده، وإنما قال: "ألا سويت بينهم؟ " على طريق المشورة، وأن ذلك لو فعله كان أفضل. وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ في قصة النعمان هذا خلاف كل مما روينا عن النعمان ﵁. ٥٤٤٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير لبشير انحل ابني غلامك، وأشهد لي رسول الله ﷺ قال: فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن بنت فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: وأشهد رسول الله ﷺ فقال: "أله إخوة؟ "، قال: نعم، قال: "أفكلهم أعطيت؟ "، قال: لا،

стр. 3227

قال: "فإن هذا لا يصلح، وإني لا أشهد إلا على حق" (١). ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ إنما كان أمره لبشير بالرد قبل إنفاذ بشير الصدقة فأشار النبي ﷺ عليه بما ذكرنا. وهذا خلاف جميع ما روي عن النعمان ﵁ لأن في تلك الأحاديث أنه نحله قبل أن يخبر به النبي ﷺ أنه قال للنبي ﷺ : إني نحلت ابني هذا كذا وكذا، فأخبر أنه قد كان فعل. وفي حديث جابر هذا إخباره للنبي ﷺ بسؤال امرأته إياه، فكان كلام النبي ﷺ إياه بما كلمه به على طريق المشورة وعلى ما ينبغي أن يفعل عليه الشيء إن آثر أن يفعله. وقد روى شعيب بن أبي حمزة هذا الحديث عن الزهري موافقًا لهذا المعنى. ٥٤٤٧ - حدثنا فهد قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب عن الزهري، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان أنهما سمعا النعمان بن بشير ﵄، يقول: نحلني أبي غلامًا، ثم مشى بي حتى أدخلني على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول

стр. 3228

الله! إني نحلت ابني غلامًا، فإن أذنت أن أجيزه له أجزته … ثم ذكر الحديث (١). فدل ما ذكرنا على أنه لم يكن النحلى كملت فيه من حين نحله إياه إلى أن أمره النبي ﷺ برده. وقد كان رسول الله ﷺ إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم جميعًا فأعطى المملوك منهم كما يعطى الحر. ٥٤٤٨ - حدثنا بذلك يونس، قال: ثنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن نِيار، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: أتي رسول الله ﷺ بظيبة (٢) فيها خرز، فقسمها بين الحرة، والأمة، قالت عائشة: وكذلك كان أبي يقسم للحر والعبد (٣). فكان هذا مما كان النبي ﷺ يفعله يعلم بعطاياه جميع أهله حرهم وعبدهم ليس على أن ذلك واجب ولكنه أحسن من غيره. فكذلك كانت مشورته في الولدان أن يسوي

стр. 3229

بينهم في العطية ليس على أنه واجب ولا على أن غيره إن فعل لم يثبت. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. وقد فضل بعض أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم بعض أولادهم على بعض في العطايا. ٥٤٤٩ - فحدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: إن أبا بكر الصديق نحلها جاد (١) عشرين وسقًا (٢) من ماله بالغابة (٣)، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من أحد من الناس أحب إلي غنًى بعدي منك ولا أعز الناس عليّ فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه وأحرزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقسموه على كتاب الله تعالى، فقالت عائشة: والله يا أبت لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى، قال: ذو بطن بنت خارجة أراها جاريةً (٤). ٥٤٥٠ - حدثنا فهد قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن

стр. 3230

شقيق، قال: ثنا مسروق، قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ قد أعطى عائشة نُحلى، فلما مرض قال لها: اجعليه في الميراث، وذكر القبض في الهبة والصدقة (١). ٥٤٥١ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، قال أخبره صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الرحمن فضّل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين وُلده (٢). فهذا أبو بكر ﵁ قد أعطى عائشة ﵂ دون سائر ولده ورأى ذلك جائزا، ورأته هي كذلك، ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم. وهذا عبد الرحمن بن عوف ﵁ قد فضَّل بعض أولاده أيضًا فيما أعطاهم على بعض، ولم ينكر ذلك عليه منكر. فكيف يجوز لأحد أن يحمل فعل هؤلاء على خلاف قول النبي ﷺ ، ولكن قول النبي ﷺ عندنا فيما ذكرنا من ذلك إنما كان على الاستحباب كاستحبابه التسوية بين أهله في العطية وترك التفضيل لحرهم على مملوكهم، ليس على أن ذلك مما لا يجوز غيره ولكن على استحبابه لذلك، وغيره في الحكم جائز كجوازه. وقد اختلف أصحابنا في عطية الولد التي يتبع فيها أمر النبي ﷺ لبشير كيف

стр. 3231

هي؟. فقال أبو يوسف ﵀: يسوي بين الأنثى فيها وبين الذكر، وقال محمد بن الحسن رحمة الله عليه بل يجعلها بينهم على قدر المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين. قال أبو جعفر: في قول النبي ﷺ : "سووا بينهم في العطية كما تحبون أن يسووا لكم في البر" دليل على أنه أراد التسوية بين الإناث والذكور، لأنه لا يراد من البنت شيء من البر إلا والذي يراد من الابن مثله. فلما كان النبي ﷺ أراد من الأب لولده ما يريد من ولده له، وكان ما يريد من الأنثى من البر مثل ما يريد من الذكر، كان ما أراد منه لهم من العطية للأنثى مثل ما أراد للذكر. وفي حديث أبي الضحى فقال النبي ﷺ : "ألك ولد غيره؟ "، فقال: نعم، فقال: "ألا سويت بينهم؟ ولم يقل: ألك ولد غيره ذكر أو أنثى، فذلك لا يكون وإلا وحكم الأنثى فيه كحكم الذكر، ولولا ذلك لما ذكر التسوية إلا بعد علمه أنهم ذكور كلهم، فلما أمسك عن البحث عن ذلك ثبت استواء حكمهم في ذلك عنده، فهذا أحسن عندنا مما قال محمد ﵀. وقد روي عن رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك أيضًا. ٥٤٥٢ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد الله بن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁، قال: كان مع رسول الله ﷺ رجل فجاء ابن له، فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت بنت له، فأجلسها إلى جنبه فقال:

стр. 3232

"فهلا عدلت بينهما" (١). أفلا ترى أن رسول الله ﷺ قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا في العطية أيضًا، والله أعلم.

стр. 3233

٣ - باب العمري ٥٤٥٣ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "المسلمون عند شروطهم" (١). قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم (٢) إلى إجازة العمري، وجعلوها راجعة إلى المعمر بعد موت المعمَر له، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: إنما وقع قول رسول الله ﷺ هذا على الشروط التي قد أباح الكتاب اشتراطها وجاءت بها السنة، وأجمع عليها المسلمون فأما

стр. 3234

ما نهى عنه الكتاب أو نهت عنه السنة فهو غير داخل في ذلك. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال في حديث بريرة ﵂ "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط". وما في كتاب الله هو ما كان منصوصًا فيه أو ما قاله رسول الله ﷺ ، ولأنه إنما وجب قبوله بكتاب الله إذ يقول فيه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وليس كل شرط يشرطه المسلمون يدخل في قول النبي ﷺ "المسلمون عند شروطهم" لأنه لو كان ذلك كذلك لجاز الشرطان في البيع اللذان قد نهى عنهما النبي ﷺ ، ولكان هذا الحديث معارضًا لذلك، ولقوله: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط". فلما لم يجعل ذلك على هذا المعنى وإنما جعل على خاص من الشروط فقد وقفنا عليها وعرفناها، فأعلمنا رسول الله ﷺ بقوله: "المسلمون عند شروطهم" أنهم عند تلك الشروط التي قد أجاز لهم اشتراطها حتى لا تجب لمن هي لهم عليه نقضها. وقد روي عن النبي ﷺ ما قد دل على ذلك أيضًا. ٥٤٥٤ - حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: ثنا عبد الله بن نافع الصائغ، قال: ثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 3235

"المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (١). فدل هذا أن الشروط التي المسلمون عندها هي بخلاف هذه الشروط المستثناة. وكانت الشروط في العمرى قد وَقَفَنا رسول الله ﷺ على بطلانها في آثار قد جاءت عنه مجيئًا متواترا. فمنها ما ٥٤٥٥ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو عن سليمان بن يسار أن أميرا كان على المدينة يقال له: طارق، قضى بالعمرى للوارث عن قول جابر، عن النبي ﷺ (٢). ٥٤٥٦ - حدثنا يونس قال: ثنا سفيان عن عمرو عن طاوس، عن حجر عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قضى بالعمرى للوارث (٣). فجعل رسول الله ﷺ في هذا العمرى للوارث، فقطع بذلك شرط المعمر.

стр. 3236

فقال الأولون: فلم يبين رسول الله ﷺ في هذا الحديث ذلك الوارث وارث من هو؟ فقد يجوز أن يكون أراد وارث المعمر. قيل له: هذا عندنا محال لأنه إنما كان الذكر على شيء قد جعل للمعمر حياته على أن يعود بعد موته إلى المعمر، فجعل رسول الله ﷺ ذلك للوارث، أي: جعل لوارث المعمر ما كان اشترط فيه المعمر أن لا يكون ميراثًا والدليل على ذلك. ٥٤٥٧ - أن محمد بن بحر بن مطر حدثنا، قال: ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من أعمر شيئًا حياته فهو له ولوارثه" (١). فدل قول رسول الله ﷺ هذا على الوارث المحكوم بها له في هذا الحديث الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا أنه وارث المعمر. ٥٤٥٨ - وقد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار عن طاوس أن حجر بن قيس أخبره، أن زيد بن ثابت ﵁ أخبره أن

стр. 3237

رسول الله ﷺ قال: "العمرى ميراث" (١). ٥٤٥٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار عن طاوس، عن حجر المدري عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سبيل العمرى سبيل الميراث" (٢). فهذا أيضًا معناه مثل معنى ما قبله. ٥٤٦٠ - وقد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن معاوية، عن النبي ﷺ قال: "العمرى جائزة لأهلها" (٣).

стр. 3238

فقال أهل المقالة الأولى: أهلها هم الذين أعمروها، فكان من الحجة عليهم في ذلك أن ٥٤٦١ - فهدًا حدثنا، قال: ثنا عبيد بن يعيش، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية، قال: قال لي معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعمر عمرى فهي له، يرثها من عقبه من ورثه" (١). فدل هذا الحديث على أن أهلها الذين جازت لهم هم المعمرون لا المعمرون. ٥٤٦٢ - وقد حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العمرى لمن وهبت له" (٢). ٥٤٦٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى عن هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 3239

٥٤٦٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا أبو معاوية عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ … مثله (١). ٥٤٦٥ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها، فمن أعمر شيئًا فهو له" (٢). ٥٤٦٦ - حدثنا فهد قال: ثنا علي بن معبد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "لا عمرى، فمن أعمر شيئًا فهو له" (٣).

стр. 3240

فقال أهل المقالة الأولى: فنحن لا ننكر أن يكون العمرى لمن أعمرها وإنما قلنا: إنها ترجع إلى المعمر بعد موت المعمر. فكان من حجتنا عليهم في ذلك أن رسول الله ﷺ نهى فيما ذكرنا من الآثار عن العمري، فاستحال أن يكون نهى عنها وهي تجري كما عقدت، ولكنه نهى عنها لأنها تجري على خلاف ذلك. ثم قال: من أعمر شيئًا فهو له، فأرسل ذلك ولم يقل: فهو له ما دام حيا. فدل ذلك على أنها له كسائر ماله في حياته وبعد موته. وهذا معنى ما روي عن رسول الله أنه جعلها جائزةً، للمعمر لا حق للمعمر فيها بعد ذلك أبدًا. فمما روي عن رسول الله ﷺ أنه جعلها جائزةً ما ٥٤٦٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العمرى جائزة" (١). والدليل على ذلك أيضًا

стр. 3241

٥٤٦٨ - أن ابن أبي داود وأحمد بن داود قد حدثانا، قالا: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة قال: قال لي سليمان بن هشام ما تقول في العمرى؟، فقلت له: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرى جائزة". قال الزهري: إنها لا تكون عمرى حتى تجعل له ولعقبه. فقال لعطاء بن أبي رباح ما تقول؟ فقال: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "العمرى ميراث" (١). فهذا عطاء وقتادة جميعًا قد جعلاها جائزة للمعمر موروثة عنه، ولم ينكر ذلك عليهما الزهري، وإنما قال: لا تكون عمرى فيكون هذا حكمها حتى تجعل للمعمر ولعقبه، فتكون كماله وتكون موروثةً عنه، كما يورث سائر أمواله عنه وإن كان من يرثها عنه فيهم خلاف عقبه على ما حدثه أبو سلمة.

стр. 3242

وسنذكر ذلك في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى. ومما يدل أيضًا على صحة ما ذكرنا ٥٤٦٩ - أن يونس قد حدثنا، قال: ثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعمروا، ولا ترقبوا (١)، فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو للوارث إذا مات" (٢). ٥٤٧٠ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الزبير عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم، لا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي له حيا وميتا ولعقبه" (٣). ٥٤٧١ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعمر عمرى حياته فهي له في حياته، ولورثته

стр. 3243

بعد موته (١). ٥٤٧٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حميد، عن جابر ﵁، قال: نحل رجل منا أمه نحلًا لها حياتها، فلما ماتت قال: أنا أحق بنحلي، فقضى النبي ﷺ أنها ميراث، قال ابن أبي شيبة: حميد هذا رجل من كندة (٢). قال أبو جعفر: فقد كشفت لنا هذه الآثار مراد رسول الله ﷺ في الآثار التي قبلها، وأنها على ما وصفنا من التأويل الذي ذكرنا، وقد رويت في العمرى أيضًا آثار بغير هذا اللفظ. فمنها ما ٥٤٧٣ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أيها رجل أعمر

стр. 3244

عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يُعطاها، لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث" (١). ٥٤٧٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب (ح) وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمرها ولعقبه" (٢). ٥٤٧٥ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قضى رسول الله ﷺ من أعمر عمرى فهي له ولعقبه بته، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا (٣).

стр. 3245

ففي هذه الآثار من أعمر عمرى له ولعقبه فهي للذي أعمرها، لا يرجع إلى المعطي شرط ولا ثنيا، لأنه أعطى عطاء، وقعت فيه المواريث. فقال الذين أجازوا الشرط في العمرى بهذا نقول: إذا وقعت العمرى على هذا لم ترجع إلى المعطي أبدا، وإذا لم يكن فيها ذكر العقب فهي راجعة إلى المعطي بعد زوال المعمر، قالوا: وهذا أولى مما روى عطاء، وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله لأن هذا قد زاد عليهما قوله "ولعقبه" وليس هو بدونهما والزيادة أولى. وكان من حجتنا للآخرين في ذلك أنه لو لم يكن روي عن النبي ﷺ في العمرى حديث غير حديث أبي سلمة هذا لكان فيه أكبر الحجة للذين يقولون: إن العمرى لا ترجع إلى المعمر أبدا، ولا يجوز شرطه. وذلك أن العمرى لا تخلو من أحد وجهين إما أن تكون داخلة في قول النبي ﷺ "المسلمون عند شروطهم" فينفذ للمعمر فيها الشرط على ما شرطه، لا يبطل من ذلك شيء كما تنفذ الشروط من الموقف فيما يوقف أو تكون خارجة من ملك المعمر داخلةً في ملك المعمر فتصير بذلك في سائر ماله ويبطل ما شرط عليه فيها. فنظرنا في ذلك، فإذا العمرى إذا أوقعت على أنها للمعمر ولعقبه، فمات وله عقب، وزوجة أو أوصى بوصايا، أو كان عليه دين أن تلك الأشياء تنفذ فيها كما تنفذ في ماله، ولا يمنعها الشرط الذي كان من المعمر في جعله إياها له ولعقبه وزوجته ليست من عقبه، ولا غرماؤه ولا أهل وصاياه.

стр. 3246

وكذلك لو مات المعمر ولا عقب له لم يرجع شيء من ذلك إلى المعمر. فلما كان ما وصفنا كذلك كانت كذلك أبدًا تجوز على ما جعلها عليه المعمر ويبطل شرطه الذي اشترطه فيها فلا ينفذ منه قليل ولا كثير، وتخرج من قول النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم" فتكون شروطها ليست من الشروط التي عناها النبي ﷺ . وهذا القول الذي صححناه هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. وقد روي أيضًا عن ابن عمر ﵄ مثل ذلك. ٥٤٧٦ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت قال سمعت ابن عمر وسأله رجل عن رجل وهب لرجل ناقة حياته فنتجت فقال: هي له وأولادها، فسألته بعد ذلك، فقال: هي له حيا وميتا (١).

стр. 3247

٤ - باب الصدقات الموقوفات ٥٤٧٧ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم وسعيد بن سفيان الجحدري، قالا: ثنا ابن عون، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره، فقال: إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالا قط أحسن منها، فكيف تأمرني؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، لا تباع ولا توهب" قال أبو عاصم! وأراه قال: ولا تورث". قال: فتصدق بها في الفقراء والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها غير متمول، قال: فذكرت (١) ذلك لمحمد (٢) فقال: غير متأثل (٣) (٤). ٥٤٧٨ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثني عمي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن عبد العزيز بن المطلب، عن يحيى بن سعيد، عن نافع مولى ابن عمر، عن

стр. 3248

ابن عمر، أن عمر ﵄ استشار رسول الله ﷺ في أن يتصدق بماله بثمغ (١) رسول الله ﷺ : "تصدق به، يقسم تمره ويحبس أصله لا يباع ولا يوهب" (٢). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٣) إلى أن الرجل إذا أوقف داره على ولده وولد ولده، ثم من بعدهم في سبيل الله أن ذلك جائز، وأنها قد خرجت بذلك من ملكه إلى الله ، ولا سبيل له بعد ذلك إلى بيعها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن قال ذلك أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وهو قول أهل المدينة وأهل البصرة. وخالفهم في ذلك آخرون (٤) منهم: أبو حنيفة وزفر بن الهذيل رحمها الله فقالوا: هذا كله ميراث لا يخرج من ملك الذي أوقفه بهذا السبب. وكان من الحجة لهم في ذلك أن رسول الله ﷺ لما شاوره عمر ﵁ في ذلك قال له: حبّس أصلها وسبّل الثمرة.

стр. 3249

فقد يجوز أن يكون ما أمره به من ذلك يخرج به من ملكه، ويجوز أن يكون ذلك لا يخرجها من ملكه، ولكنها تكون جاريةً على ما أجراها عليه من ذلك ما تركها، ويكون له فسخ ذلك متى شاء. كرجل جعل الله عليه أن يتصدق بثمرة نخله ما عاش فيقال له: أنفذ ذلك ولا يجبر عليه، ولا يؤخذ به إن شاء وإن أبى، ولكن إن أنفذ ذلك فحسن، وإن منعه لم يجبر عليه، وكذلك ورثته من بعده إن أنفذوا ذلك على ما كان أبوهم أجراه ذلك فحسن، وإن منعوه ذلك كان ذلك لهم، وليس في بقاء حبس عمر ﵁ إلى غايتنا هذه ما يدل على أنه لم يكن لأحد من أهله نقضه. وإنما الذي يدل على أنه ليس لهم نقضه لو كانوا خاصموا فيه بعد موته، فمنعوا من ذلك. فلو كان جاز ذلك لكان فيه لعمرى ما يدل على أن الأوقاف لا تباع، ولكن إنما جاءنا تركهم لوقف عمر ﵁ يجري على ما كان عمر ﵁ أجراه عليه في حياته ولم يبلغنا أن أحدا منهم عرض فيه بشيء. وقد روي عن عمر ﵁ ما يدل على أنه قد كان له نقضه. ٥٤٧٩ - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكًا أخبره، عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ أو نحو هذا لرددتها (١).

стр. 3250

فلما قال عمر ﵁ هذا دل أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وأنه إنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ﷺ أمره فيها بشيء، وفارقه على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك كما كره عبد الله بن عمر أن يرجع بعد موت رسول الله ﷺ عن الصوم الذي كان فارقه عليه أن يفعله وقد كان له أن لا يصوم. ثم هذا شريح وهو قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين المهديين ﵃. قد روي عنه في ذلك أيضًا ما ٥٤٨٠ - حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن عطاء بن السائب، قال: سألت شريحا عن رجل جعل داره حبسًا على الآخر، فالآخر من ولده، فقال: إنما أقضي ولست أفتي قال فناشدته، فقال: لا حبس عن فرائض الله، وهذا لا يسع القضاة جهله، ولا يسع الأئمة تقليد من يجهل مثله، ثم لا ينكر ذلك عليه منكر من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من تابعيهم رحمة الله عليهم (١). ثم قد روي عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ في ذلك أيضًا ما ٥٤٨١ - حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أخي عيسى،

стр. 3251

عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض نهى عن الحبس (١). ٥٤٨٢ - حدثنا روح بن الفرج، قال: أخبرنا يحيى بن عبد الله بن بكير، وعمرو بن خالد، قالا: ثنا عبد الله بن لهيعة … فذكر بإسناده مثله (٢). ٥٤٨٣ - حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا ابن أبي، مريم، قال: حدثني ابن لهيعة … فذكر بإسناده مثله (٣). ٥٤٨٤ - حدثنا روح، ومحمد بن خزيمة، قالا: قال لنا أحمد بن صالح: هذا حديث صحيح وبه أقول. قال روح: قال لي أحمد بن صالح قد حدثنيه الدمشقي يعني: عبد الله بن يوسف عن ابن لهيعة (٤).

стр. 3252

فأخبر ابن عباس ﵄ أن الإحباس منهي عنها غير جائزة، وأنها قد كانت قبل نزول الفرائض، بخلاف ما صارت عليه بعد نزول الفرائض، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر ﵏ وجميع المخالفين لهم والموافقين قد اتفقوا على أن الرجل إذا وقف داره في مرضه على الفقراء والمساكين ثم توفي في مرضه ذلك أن ذلك جائز من ثلثه وأنها غير موروثة عنه. فاعتبرنا ذلك هل يدل على أحد القولين؟ وكان الرجل إذا جعل شيئًا من ماله من دنانير أو دراهم صدقةً، فلم ينفذ ذلك حتى مات أنه ميراث وسواء جعل ذلك في مرضه أو في صحته إلا أن يجعل ذلك وصيةً بعد موته، فينفذ ذلك بعد موته من ثلث ماله كما تنفذ الوصايا. فأما إذا جعله في مرضه، ولم ينفذه للمساكين بدفعه إياه لهم، فهو كما جعله في صحته، وكان جميع ما يفعله في صحته فينفذ من جميع ماله ولا يكون له عليه بعد ذلك ملك مثل العتاق والهبات والصدقات، هو الذي ينفذ إذا فعله في مرضه من ثلث ماله، وكان الواقف إذا وقف في مرضه داره أو أرضه، وجعل آخرها في سبيل الله كان ذلك جائزا باتفاقهم من ثلث ماله بعد وفاته لا سبيل لوارثه عليه. وليس ذلك بداخل في قول النبي ﷺ : "لا حبس عن فرائض الله". وكان النظر على ذلك أن يكون كذلك سبيله إذا وقف في الصحة، فيكون نافذًا من جميع المال، ولا يكون له عليه سبيل بعد ذلك قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا.

стр. 3253

وإلى هذا أذهب وبه أقول من طريق النظر، لا من طريق الآثار، لأن الآثار في ذلك قد تقدم وصفي لها، وبيان معانيها، وكشف وجوهها. فإن قال قائل: أفتخرج الأرض بالوقوف من ملك ربها بوقفه إياها لا إلى ملك مالك؟ قيل له: وما تنكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدًا للمسلمين، ويخلي بينهم وبينها أنها قد خرجت بذلك من ملكه لا إلى ملك مالك، ولكن إلى الله . فالذي يلزم محالفك فيما احتججت عليه بما وصفنا يلزمك في هذا مثله. فإن قال قائل: فما معنى نهي رسول الله ﷺ عن الحبس الذي رويته عنه في حديث ابن عباس ﵄؟ قيل له: قد قال الناس في ذلك قولين: أحدهما: القول الأول الذي ذكرناه عند روايتنا إياه. والآخر أن ذلك أريد به ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فكانوا يحبسون ما يجعلونه كذلك فلا يورثونه أحدًا، فلما أنزلت سورة النساء وبين الله فيها المواريث، وقسم الأموال عليها، قال رسول الله ﷺ : "لا حبس". ثم تكلم الذين أجازوا الصدقات الموقوفات فيها بعد تثبيتهم إياها على ما ذكرنا فقال بعضهم: هي جائزة، قبضت من المتصدق بها أو لم تقبض. وممن قال بذلك أبو

стр. 3254

يوسف ﵀. وقال بعضهم: لا تنفذ حتى يخرجها من يده ويقبضها منه غيره، وممن قال بهذا القول ابن أبي ليلى، ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن ﵏. فاحتجنا أن ننظر في ذلك لنستخرج من القولين قولا صحيحا فرأينا أشياء يفعلها العباد على ضروب فمنها: العتاق ينفذ بالقول، لأن العبد إنما يزول ملك مولاه عنه إلى الله . ومنها: الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حتى يكون معه القبض من الذي ملكها له. فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه. فرأينا الرجل إذا وقف أرضه أو داره، فإنها ملك الذي أوقفها عليه منافعها، ولم يملكه من رقبتها شيئًا إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله ، فثبت أن ذلك نظير ما أخرجه من ملكه إلى الله ، فلما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى القبض مع القول كان كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى القبض مع القول. وحجة أخرى أن القبض لو أو جبناه فإنما كان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف، فقبضه إياه وغير قبضه إياه سواء. فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو يوسف ﵀.

стр. 3255

١٩ - كتاب الرهن ١ - باب: ركوب الرهن واستعماله وشرب لبنه ٥٤٨٥ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا (١)، ولبن الدر (٢) يشرب بنفقته إذا كان مرهونا" (٣). قال أبو جعفر فذهب قوم (٤) إلى أن للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته عليه، ويشرب لبنه أيضًا بحق نفقته عليه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون (٥) فقالوا: ليس للراهن أن يركب الرهن، ولا يشرب لبنه، وهو رهن معه، وليس له أن ينتفع بشيء منه.

стр. 3256

وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن هذا الحديث الذي احتجوا به حديث مجمل لم يبين فيه من الذي يركب ويشرب اللبن فمن أين جاز لهم أن يجعلوه الراهن دون أن يجعلوه المرتهن هذا لا يكون لأحد إلا بدليل يدله على ذلك إما من كتاب، أو سنة، أو إجماع. ومع ذلك فقد روى هذا الحديث، هشيم فبين فيه ما لم يبين يزيد بن هارون. ٥٤٨٦ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم الصائغ، قال: أنا هشيم عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة ﵁، ذكر أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت الدابة مرهونةً فعلى المرتهن، علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب" (١). فدل هذا الحديث أن المعني بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول: هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له، وجعلت النفقة عليه بدلا مما يتعوض منه مما ذكرنا. وكان هذا عندنا - والله أعلم، في وقت ما كان الربا مباحًا، ولم ينه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعةً، ولا عن أخذ الشيء بالشيء، وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك، وحرم كل قرض جر منفعة، وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن

стр. 3257

لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن. فمما روي في نسخ الربا ما ٥٤٨٧ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا شعبة، عن منصور، والأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت الآيات التي في آخر سورة البقرة قام رسول الله ﷺ ، فقرأهن على الناس، ثم حرم التجارة في بيع الخمر (١). ٥٤٨٨ - حدثنا أحمد بن داود، قال ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني منصور، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة ﵂ … مثله (٢). فلما حرم الربا حرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضرع، وتلك النفقة فغير موقوف على مقدارها واللبن كذلك أيضًا.

стр. 3258

فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضا منها وباللبن الذي يحتلبه فيشربه، ويقال لمن صرف ذلك إلى الراهن فجعل له استعمال الرهن أيجوز للراهن أن يرهن رجلا دابة هو راكبها فلا يجد بدا من أن يقول: لا. فيقال له: فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مخلى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يده دون يد الراهن كما وصف الله الرهن بقوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فيقول: نعم. فيقال له: فلما لم يجز أن يستعمل الرهن على ما الراهن راكبه، لم يجز ثبوته في يده بعد ذلك رهنا بحقه إلا كذلك أيضًا، لأن دوام القبض لا بد منه في الرهن إذا كان الرهن إنما هو احتباس المرتهن للشيء المرهون بالدين، وفي ذلك أيضًا ما يمنع المرتهن من استخدام الأمة الرهن، لأنها ترجع بذلك إلى حال لا يجوز عليها استعمال الرهن. وحجة أخرى أنهم قد أجمعوا أن الأمة الرهن ليس للراهن أن يطأها وللمرتهن منعه من ذلك. فلما كان المرتهن يمنع الراهن بحق الرهن من وطئها كان له أيضًا أن يمنعه بحق الرهن من استخدامها. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ٥٤٨٩ - وقد حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن إسماعيل بن أبي

стр. 3259

خالد، عن الشعبي قال: لا ينتفع من الرهن بشيء (١). فهذا الشعبي يقول هذا، وقد روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ما ذكرنا. أفيجوز عليه أن يكون أبو هريرة ﵁ يحدثه عن النبي ﷺ بذلك ثم يقول هو بخلافه ولم يثبت النسخ عنده؟ فلئن كان ذلك كذلك فلقد صار متهمًا في رأيه، وإذا كان متهما في رأيه كان متهمًا في روايته، وإذا ثبتت له العدالة في روايته ثبتت له العدالة في ترك خلافها، وإن وجب سقوط أحد الأمرين وجب سقوط الآخر. والمحتج علينا بحديث أبي هريرة ﵁ هذا يقول: من روى حديثًا عن النبي ﷺ فهو أعلم بتأويله. فكان يجيء على أصله ويلزمه في قوله: أن يقول لم قال الشعبي على ما ذكرنا مما يخالف ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ كان ذلك دليلا على نسخه.

стр. 3260

٢ - باب الرهن يهلك في يد المرتهن كيف حكمه؟ ٥٤٩٠ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أنه سمع مالكًا، ويونس، وابن أبي ذئب يحدثون عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن". قال يونس بن يزيد قال ابن شهاب وكان ابن المسيب يقول: الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه (١). ٥٤٩١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج عن عطاء، وسليمان بن موسى قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق (٢) الرهن" (٣). قال أبو جعفر فقال قائل: لما قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه"، وعليه غرمه ثبت بذلك أن الرهن لا يضيع بالدين، وأن لصاحبه غنمه، وهو سلامته وعليه غرمه وهو غرم الدين بعد ضياع الرهن. وهذا تأويل قد أنكره أهل العلم جميعًا باللغة، وزعموا أن لا وجه له عندهم.
следующие страницы →