← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن هذا الحديث الذي احتجوا به حديث مجمل لم يبين فيه من الذي يركب ويشرب اللبن فمن أين جاز لهم أن يجعلوه الراهن دون أن يجعلوه المرتهن هذا لا يكون لأحد إلا بدليل يدله على ذلك إما من كتاب، أو سنة، أو إجماع. ومع ذلك فقد روى هذا الحديث، هشيم فبين فيه ما لم يبين يزيد بن هارون. ٥٤٨٦ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم الصائغ، قال: أنا هشيم عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة ﵁، ذكر أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت الدابة مرهونةً فعلى المرتهن، علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب" (١). فدل هذا الحديث أن المعني بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول: هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له، وجعلت النفقة عليه بدلا مما يتعوض منه مما ذكرنا. وكان هذا عندنا - والله أعلم، في وقت ما كان الربا مباحًا، ولم ينه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعةً، ولا عن أخذ الشيء بالشيء، وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك، وحرم كل قرض جر منفعة، وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن

стр. 3257

لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن. فمما روي في نسخ الربا ما ٥٤٨٧ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا شعبة، عن منصور، والأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت الآيات التي في آخر سورة البقرة قام رسول الله ﷺ ، فقرأهن على الناس، ثم حرم التجارة في بيع الخمر (١). ٥٤٨٨ - حدثنا أحمد بن داود، قال ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني منصور، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة ﵂ … مثله (٢). فلما حرم الربا حرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضرع، وتلك النفقة فغير موقوف على مقدارها واللبن كذلك أيضًا.

стр. 3258

فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضا منها وباللبن الذي يحتلبه فيشربه، ويقال لمن صرف ذلك إلى الراهن فجعل له استعمال الرهن أيجوز للراهن أن يرهن رجلا دابة هو راكبها فلا يجد بدا من أن يقول: لا. فيقال له: فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مخلى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يده دون يد الراهن كما وصف الله الرهن بقوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فيقول: نعم. فيقال له: فلما لم يجز أن يستعمل الرهن على ما الراهن راكبه، لم يجز ثبوته في يده بعد ذلك رهنا بحقه إلا كذلك أيضًا، لأن دوام القبض لا بد منه في الرهن إذا كان الرهن إنما هو احتباس المرتهن للشيء المرهون بالدين، وفي ذلك أيضًا ما يمنع المرتهن من استخدام الأمة الرهن، لأنها ترجع بذلك إلى حال لا يجوز عليها استعمال الرهن. وحجة أخرى أنهم قد أجمعوا أن الأمة الرهن ليس للراهن أن يطأها وللمرتهن منعه من ذلك. فلما كان المرتهن يمنع الراهن بحق الرهن من وطئها كان له أيضًا أن يمنعه بحق الرهن من استخدامها. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ٥٤٨٩ - وقد حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن إسماعيل بن أبي

стр. 3259

خالد، عن الشعبي قال: لا ينتفع من الرهن بشيء (١). فهذا الشعبي يقول هذا، وقد روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ما ذكرنا. أفيجوز عليه أن يكون أبو هريرة ﵁ يحدثه عن النبي ﷺ بذلك ثم يقول هو بخلافه ولم يثبت النسخ عنده؟ فلئن كان ذلك كذلك فلقد صار متهمًا في رأيه، وإذا كان متهما في رأيه كان متهمًا في روايته، وإذا ثبتت له العدالة في روايته ثبتت له العدالة في ترك خلافها، وإن وجب سقوط أحد الأمرين وجب سقوط الآخر. والمحتج علينا بحديث أبي هريرة ﵁ هذا يقول: من روى حديثًا عن النبي ﷺ فهو أعلم بتأويله. فكان يجيء على أصله ويلزمه في قوله: أن يقول لم قال الشعبي على ما ذكرنا مما يخالف ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ كان ذلك دليلا على نسخه.

стр. 3260

٢ - باب الرهن يهلك في يد المرتهن كيف حكمه؟ ٥٤٩٠ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أنه سمع مالكًا، ويونس، وابن أبي ذئب يحدثون عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن". قال يونس بن يزيد قال ابن شهاب وكان ابن المسيب يقول: الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه (١). ٥٤٩١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج عن عطاء، وسليمان بن موسى قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق (٢) الرهن" (٣). قال أبو جعفر فقال قائل: لما قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه"، وعليه غرمه ثبت بذلك أن الرهن لا يضيع بالدين، وأن لصاحبه غنمه، وهو سلامته وعليه غرمه وهو غرم الدين بعد ضياع الرهن. وهذا تأويل قد أنكره أهل العلم جميعًا باللغة، وزعموا أن لا وجه له عندهم.

стр. 3261

والذي حملنا على أن نأتي بهذا الحديث وإن كان منقطعًا احتجاج الذي يقول بالمسند به علينا، ودعواه أنا خالفناه. وقد كان يلزمه على أصله لو أنصف خصمه أن لا يحتج بمثل هذا إذا كان منقطعًا، وهو لا تقوم الحجة عنده بالمنقطع. فإن قال: إنما قبلته وإن كان منقطعًا، لأنه عن سعيد بن المسيب ومنقطع سعيد بن المسيب يقوم مقام المتصل. قيل له: ومن جعل لك أن تخص سعيدًا بهذا وتمنع منه مثله من أهل المدينة، مثل أبي سلمة، والقاسم، وسالم، وعروة، وسليمان بن يسار رحمة الله عليهم وأمثالهم من أهل المدينة، والشعبي وإبراهيم النخعي وأمثالهما رحمة الله عليهم من أهل الكوفة، والحسن وابن سيرين وأمثالهما رحمة الله عليهم من أهل البصرة، وكذلك من كان في عصر من ذكرنا من سائر فقهاء الأمصار رحمة الله عليهم، ومن كان فوقهم من الطبقة الأولى من التابعين، مثل علقمة، والأسود، وعمرو بن شرحبيل، وعبيدة، وشريح ﵏؟ لئن كان هذا لك مطلقًا في سعيد بن المسيب، فإنه مطلق لغيرك فيمن ذكرنا. وإن كان غيرك ممنوعًا من ذلك، فإنك ممنوع من مثله، لأن هذا تحكم، وليس لأحد أن يحكم في دين الله بالتحكم. وقد قال أهل العلم في تأويل قول رسول الله ﷺ غير ما ذكرت. ٥٤٩٢ - حدثنا علي بن عبد العزيز - فيما أعلم - فإن لم يكن فقد دخل فيما كان أجازه لي، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة عن إبراهيم في رجل دفع إلى رجل رهنا

стр. 3262

وأخذ منه دراهم وقال: إن جئتك بحقك إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بحقك، فقال إبراهيم: لا يغلق الرهن، قال أبو عبيد: فجعله جوابًا لمسألته؟ (١). وقد روي عن طاوس نحو من هذا بلغني ذلك عن ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، قال أبو عبيد: وأخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، وسفيان بن سعيد أنهما كان يفسرانه على هذا التفسير. ٥٤٩٣ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن مالك بن أنس بذلك أيضًا (٢). ٥٤٩٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال أخبرنا شعيب (٣)، عن الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن" (٤) فبذلك يمنع صاحب الرهن من أن يبتاعه من الذي رهنه عنده حتى يباع من ذكرنا. فذهب الزهري أيضًا في ذلك الغلق إلى أنه في البيع لا في الضياع فهؤلاء المتقدمون يقولون بما ذكرنا. وقد روي عن النبي ﷺ في هذا أيضًا ما قد

стр. 3263

٥٤٩٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن محمد التيمي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا ارتهن فرسًا، فمات الفرس في يد المرتهن، فقال رسول الله ﷺ : "ذهب حقك" (١). فدل هذا من قول رسول الله ﷺ لا على بطلان الدين بضياع الرهن. فإن قال: هذا أيضا منقطع، قيل له والذي تأولته أيضًا منقطع، فإن كان المنقطع حجةً لك علينا، فالمنقطع أيضًا حجة لنا عليك. وقد روي عن رسول الله ﷺ من جهة أخرى ما يوافق ذلك أيضًا. ٥٤٩٦ - حدثنا أبو العوام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا خالد بن نزار الأيلي، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله في مشيخة من نظرائهم أهل فقه، وصلاح، وفضل، فذكر جميع ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة أنهم قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك وعميت قيمته، ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي ﷺ (٢). فهؤلاء أئمة المدينة وفقهاؤها، يقولون: إن الرهن يهلك بما فيه، ويرفعه الثقة

стр. 3264

منهم إلى النبي ﷺ فأيهم حكاه فهو حجة لأنه فقيه إمام، ثم قولهم جميعا بذلك وإجماعهم عليه، قد ثبت به صحة ذلك أيضًا ثم سعيد بن المسيب وهو المأخوذ عنه قول رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن". وقد زعم هذا المخالف لنا أن من روى حديثًا عن رسول الله ﷺ فهو أعلم بتأويله، حتى قال في حديث ابن عباس ﵄: الذي رواه سيف عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، قال عمرو: في الأموال فجعل هو قول عمرو بن دينار في هذا حجة ودليلا له أن ذلك الحكم في الأموال دون سائر الأشياء. فلئن كان قول عمرو بن دينار: هذا وتأويله تجب به حجة، فإن قول سعيد بن المسيب الذي ذكرنا وتأويله فيما روى أحرى أن يكون حجة، وهذا المخالف لنا فقد زعم أنه يقول بالاتباع، فعمن أخذ قوله هذا ومن إمامه فيه. وقد روينا عن رسول الله ﷺ خلافه، وعن تابعي أصحابه خلافه أيضًا. وقد روي عن أئمة أصحابه خلاف ذلك أيضًا. ٥٤٩٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي العوام - يعني عمران بن داور، عن مطر، عن عطاء، عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: في الرجل يرتهن الرهن فيضيع قال: إن كان بأقل ردوا عليه وإن كان بأفضل فهو

стр. 3265

أمين في الفضل (١). ٥٤٩٨ - حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى التغلبي، عن محمد بن الحنفية، أن عليا ﵁ قال: إذا رهن الرجل الرجل رهنًا، فقال له المعطى: لا أقبله إلا بأكثر مما أعطيك، فضاع، رد عليه الفضل، وإن رهنه وهو أكثر مما أعطى بطيب نفس من الراهن، فضاع، فهو بما فيه (٢). ٥٤٩٩ - حدثنا نصر، قال: ثنا الخصيب قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس هو ابن عمرو، أن عليا ﵁ قال: إذا كان في الرهن فضل فأصابته جائحة فهو بما فيه، وإن لم تصبه جائحة واتهم فإنه يرد الفضل (٣). ٥٥٠٠ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، عن قتادة عن الحسن وخلاس بن عمرو، أن عليا ﵁ قال في الرهن: يترادان الزيادة

стр. 3266

والنقصان، فإن أصابته جائحة بريء (١). فهذا عمر وعلي ﵄ قد أجمعا أن الرهن الذي قيمته مقدار الدين يضيع بالدين، وإنما اختلافهما فيما زاد من قيمة الرهن على مقدار الدين. الله فقال عمر رضي عنه: هو أمانة. وقال علي ﵁: ما قد روينا عنه في حديث نصر بن مرزوق وأحمد بن داود. وقد روي أيضًا عن الحسن وشريح في ذلك ما قد ٥٥٠١ - حدثنا نصر، قال: ثنا الخصيب قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة أن الحسن وشريحا قالا: الرهن بما فيه (٢). ٥٥٠٢ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: سمعت شريحًا يقول: ذهبت الرهان بما فيها (٣). ٥٥٠٣ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن أبي

стр. 3267

زياد، عن عيسى بن جابان، قال: رهنت حليا وكان أكثر مما فيه، فضاع، فاختصمنا إلى شريح فقال الرهن بما فيه (١). فهذا الحسن وشريح قد رأيا: الرهن يبطل ذهابه بالدين وقد روي ذلك أيضًا عن إبراهيم النخعي. ٥٥٠٤ - حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال في الرهن: يهلك في يد المرتهن إن كانت قيمته والدين سواءً، ضاع بالدين، وإن كانت قيمته أقل من الدين رد عليه الفضل، وإن كانت قيمته أكثر من الدين فهو أمين في الفضل (٢). وروي في ذلك أيضا عن عطاء بن أبي رباح ما قد ٥٥٠٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء في رجل رهن رجلًا جاريةً فهلكت، قال: هي بحق المرتهن (٣). فهذا عطاء يقول بهذا، وقد روينا عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يغلق الرهن.

стр. 3268

فهذا أيضًا حجة على مخالفنا إذ كان من أصله أن من روى حديثًا عن رسول الله ﷺ فتأويله فيه حجة. فقد خالف هذا كله في هذا الباب، وخالف ما قد رويناه عن رسول الله ﷺ ، وعن عمر وعلي ﵄، وعمن ذكرنا من التابعين رحمة الله عليهم فمن إمامه في هذا وبمن اقتدى؟ ثم النظر في هذا أيضًا يدفع ما قال، وما ذهب إليه إذ جعل الرهن أمانة يضيع بغير شيء. وقد أجمعوا أن الأمانات لربها أن يأخذها، وحرام على المرتهن منعه منها. والرهن مخالف لذلك إذا كان للمرتهن حبسه ومنع مالكه منه حتى يستوفي دينه فخرج بذلك حكمه من حكم الأمانات. ورأينا الأشياء المغصوبة حرام على الغاصبين حبسها، وحلال للمغصوبين منهم أخذها والرهن ليس كذلك لأن المرتهن حلال له حبس الرهن، ومنع الراهن منه حتى يستوفي منه دينه. ورأينا العواري للمستعير الانتفاع بها وللمعير أخذها منه متى أحب، والرهن ليس كذلك، لأن المرتهن حرام عليه استعمال الرهن وليس للراهن أخذه منه حتى يوفيه دينه، فبان حكم الرهن عن حكم الودائع والغصوب والعواري، وثبت أن حكمه بخلاف حكم ذلك كله. وقد أجمعوا أن للمرتهن حبسه حتى يستوفي الدين، وحلال للراهن أخذه إذا برئ من الدين. فلما كان حبس الرهن مضمنًا بحبس الدين، وسقوط حبسه مضمنًا بسقوط

стр. 3269

حبس الدين كان كذلك أيضًا ثبوت الدين مضمنًا بثبوت الرهن، فما كان الرهن ثابتًا فالدين ثابت، وما كان الرهن غير ثابت فالدين غير ثابت. وكذلك رأينا المبيع في قولنا وقول هذا المخالف لنا للبائع حبسه بالثمن، ومتى ضاع في يده ضاع بالثمن. فالنظر على ما اجتمعنا عليه نحن وهو من هذا أن يكون الرهن كذلك، وأن يكون ضياعه يبطل الدين كما كان ضياع المبيع يبطل الثمن. فهذا هو النظر في هذا الباب غير أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏ ذهبوا في الرهن إلى ما قد رويناه في هذا الباب عن عمر بن الخطاب ﵁ وإبراهيم النخعي. واحتجوا في ذلك بما قد أجمعوا عليه في الغصب فقالوا: رأينا الأشياء المغصوبة لا يوجب ضياعها على من غصبها أكثر من ضمان قيمتها، وغصبها حرام، وقالوا: فالأشياء المرهونة التي قد ثبت أنها مضمونة أحرى أن لا يجب بضمانها على من قد ضمنها أكثر من مقدار قيمتها. وكانوا يذهبون في تفسير قول سعيد بن المسيب: "له غنمه وعليه غرمه إلى أن ذلك في البيع، يريدون إذا بيع الرهن بثمن وفيه نقص عن الدين غرم المرتهن ذلك النقص، وهو غرمه المذكور في الحديث، وإذا بيع بفضل عن الدين أخذ الراهن ذلك الفضل وهو غنمه المذكور في الحديث.

стр. 3270

٢٠ - كتاب المزارعة والمساقاة ٥٥٠٦ - حدثنا علي بن شيبة، وفهد بن سليمان قالا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثني سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رافع بن خديج ﵃ يقول: نهى رسول الله ﷺ عن المزارعة (١). ٥٥٠٧ - حدثنا أبو بكرة، قال ثنا إبراهيم بن بشار، قال ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵄، يقول: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا حتى زعم رسول رافع بن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها (٢). ٥٥٠٨ - حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أن أباه - يعني عبد الله بن عمر -، كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري

стр. 3271

﵁ كان ينهي عن كراء الأرض، فلقيه فقال: يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله ﷺ في كراء الأرض؟. فقال: سمعت عمّيّ وكانا قد شهدا بدرًا يحدثان أهل الدار أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض، قال عبد الله: لقد كنت أعلم أن الأرض كانت تكرى على عهد رسول الله ﷺ ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله أحدث في ذلك شيئًا، لم يكن علمه فترك كراء الأرض (١). ٥٥٠٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الحقل، قال شعبة: فقلت للحكم ما الحقل؟ قال: أن تكرى الأرض (٢). أراه أنا قال بالثلث أو الربع. ٥٥١٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن مجاهد، عن رافع بن خديج ﵁، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا،

стр. 3272

وأمر نبي الله أنفع لنا، قال: "من كانت له أرض فليَزْرعها أو ليُزرعها" (١). ٥٥١١ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عيسى بن إبراهيم قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي، قال سمعت مجاهدًا يقول: حدثني أسيد بن أخي رافع بن خديج قال قال رافع بن خديج … فذكر مثله غير أنه قال: "فليَزْرعها فإن عجز عنها فليُزرعها أخاه" (٢). ٥٥١٢ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد قال: أخذت بيد طاوس حتى أدخلته على ابن رافع بن خديج فحدثه عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن كراء الأرض، فأبى طاوس وقال: سمعت ابن عباس ﵄ أنه لا يرى بذلك بأسًا (٣). ٥٥١٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو

стр. 3273

الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة، وقال: "إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أخاه أرضًا فهو يزرع ما منح منها، ورجل اكترى أرضا بذهب أو فضة" (١). ٥٥١٤ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم، والمعلى بن منصور، قالا: ثنا أبو الأحوص … ثم ذكر بإسناده مثله (٢). ٥٥١٥ - حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليُزرعها أخاه، ولا يكريها بالثلث، ولا بالربع، ولا بطعام مسمى" (٣).

стр. 3274

٥٥١٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بكير بن عامر، عن ابن أبي نعم، قال: حدثني رافع بن خديج، أنه زرع أرضًا، فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها، فسأله: لمن الزرع ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي لي الشطر، ولبني فلان الشطر، فقال: "أربيت، فرد الأرض على أهلها، وخذ نفقتك" (١). ٥٥١٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا بكير، عن الشعبي، عن رافع … مثله (٢). ٥٥١٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني أبو النجاشي مولى رافع بن خديج قال قلت لرافع إن لي أرضًا أكريها، فنهاني رافع وأراه قال لي: إن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض، قال: "إذا كانت لأحدكم أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، فإن لم يفعل فليدعها، ولا يكريها بشيء". فقلت: أرأيت إن تركتها ولم أزرعها، ولم أكرها بشيء، فزرعها قوم فوهبوا لي من نباتها شيئًا آخذه؟ قال: لا (٣).

стр. 3275

٥٥١٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حِبَّان بن هلال (ح) وحدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان بن مسلم، قالا: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: حدثني عبد الله بن السائب، قال: سألت عبد الله بن مغفل عن المزارعة، فقال: أخبرني ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة (١). ٥٥٢٠ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، قال: أخبرنا عبد الله بن السائب … فذكر بإسناده مثله (٢). ٥٥٢١ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان لرجال منا فضول أرضين على عهد رسول الله ﷺ ، فكانوا يؤاجرونها على النصف، والثلث والربع، فقال رسول الله

стр. 3276

ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنح أخاه، فإن أبى فليمسك" (١). ٥٥٢٢ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: ثنا عطاء، عن جابر … مثله (٢). ٥٥٢٣ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، قال: قيل لعطاء: هل حدثك جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له أرض فليَزْرعها، أو ليُزْرعها أخاه، ولا يؤاجرها"؟ فقال عطاء: نعم (٣). ٥٥٢٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا همام، قال: سأل سليمان بن موسى عطاءً وأنا شاهد … ثم ذكر بإسناده مثله (٤). ٥٥٢٥ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان الفوزي، قال: ثنا ضمرة،

стр. 3277

عن ابن شوذب، عن مطر، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ … ثم ذكر مثله (١). ٥٥٢٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال ابن خشيم: حدثني عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله " (٢). ٥٥٢٧ - حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد قال أخبرنا يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم … فذكر بإسناده مثله، وزاد من الله ورسوله (٣). ٥٥٢٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال ثنا أبو داود، عن سَليم بن حيّان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان له فضل ماء أو فضل أرض فليزرعها، أو ليُزرعها ولا تبيعوها". قال سليم: فقلت له: يعني الكراء؟

стр. 3278

فقال نعم (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى هذه الآثار، وكرهوا بها إجارة أرض بجزء مما يخرج منها، وهذه الآثار فقد جاءت على معان مختلفة. فأما ثابت بن الضحاك ﵁ فروى عن النبي ﷺ أنه نهى عن المزارعة ولم يبين أي مزارعة هي؟ فإن كانت هي المزارعة على جزء معلوم مما تخرج من الأرض فهذا الذي يختلف فيه هؤلاء المحتجون بهذه الآثار ومخالفوهم. وإن كانت تلك المزارعة التي نهى عنها هي المزارعة على الثلث والربع وشيء غير ذلك مثل مما تخرج مما يزرع في موضع من الأرض بعينه، فهذا مما يجتمع الفريقان جميعا على فساد المزارعة عليه. وليس في حديث ثابت هذا ما ينفي أن يكون النبي ﷺ أراد معنى من هذين المعنيين بعينه دون المعنى الآخر. وأما حديث جابر بن عبد الله ﵄ فإنه قال فيه: كان لرجال منا فضول أرضين فكانوا يؤاجرونها على النصف والثلث والربع. فقال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبي فليمسك".

стр. 3279

ففي هذا الحديث أنه لم يجز لهم إلا أن يزرعوها بأنفسهم أو يمنحوها من أحبوا ولم يبح لهم في هذا الحديث غير ذلك. فقد يحتمل أن يكون ذلك النهي كان على أن لا تؤاجر بثلث ولا بربع ولا بدراهم ولا بدنانير ولا بغير ذلك، فيكون المقصود إليه بذلك النهي وهو إجارة الأرض. وقد ذهب قوم (١) إلى كراهة إجارة الأرض بالذهب والفضة. ٥٥٢٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر قال: ثنا حماد بن زيد، قال: أخبرنا عمرو بن دينار قال: كان طاوس يكره كراء الأرض بالذهب والفضة (٢). فهذا طاوس يكره كراء الأرض بالذهب والفضة، ولا يرى بأسًا بدفعها ببعض ما يخرج وسنخبر بذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. فإن كان النهي الذي في حديث جابر ﵁ وقع على الكراء أصلا بشيء مما تخرج وبغير ذلك، فهذا معنًى يخالفه الفريقان جميعًا. وقد يحتمل أن يكون النهي وقع لمعنى غير ذلك. فنظرنا هل روى أحد عن جابر ﵁ في ذلك شيئًا يدل على المعنى الذي من أجله كان النهي؟

стр. 3280

٥٥٣٠ - فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن نافع المدني، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ بلغه: أن رجالا يكرون مزارعهم بنصف ما يخرج منها، وبثلثه وبالماذيانات، فقال في ذلك رسول الله ﷺ : من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يفعل فليمسكها" (١). ٥٥٣١ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب قال أخبرني هشام بن سعد، أن أبا الزبير المكي حدثه، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كنا في زمن رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات (٢) فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك (٣). ٥٥٣٢ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ بنصف من كذا فقال: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه، وإلا فليدعها" (٤).

стр. 3281

فأخبر أبو الزبير في هذا عن جابر ﵁ بالمعنى الذي وقع النهي من أجله وأنه إنما هو لشيء كانوا يصيبونه في الإجارة، فكأن النهي من قبل ذلك جاء. وقد يحتمل أن يكون معنى حديث ثابت بن الضحاك ﵁ الذي ذكرنا كذلك. وأما حديث رافع بن خديج ﵁ فقد جاء بألفاظ مختلفة اضطرب علينا من أجلها. فأما حديث ابن عمر ﵄ فهو مثل حديث ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة، فهو يحتمل أيضا ما وصفنا من معاني حديث ثابت على ما ذكرنا وبينا. وأما ما رواه علي مثل ما روى جابر ﵁ فيحتمل أيضًا ما وصفنا مما يحتمله حديث جابر ﵁. ثم نظرنا بعد ذلك هل نجد عن رافع معنى يدلنا على وجه النهي عن ذلك لم كان؟ ٥٥٣٣ - فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر قال أخبرنا حماد بن سلمة، أن يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرهم عن حنظلة بن قيس الزرقي، عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا بني حارثة أكثر أهل المدينة حقلًا، وكنا نكري الأرض على أن ما سقى الماذيانات والربيع فلنا، وما سقت الجداول فلهم، فربما سلم هذا، وهلك هذا، وربما

стр. 3282

هلك هذا، وسلم هذا، ولم يكن عندنا يومئذ ذهب ولا فضة، فنعلم ذلك، فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فنهانا (١). ٥٥٣٤ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: ثنا حنظلة بن قيس الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكنا نقول للذي نخابره: لك هذه القطعة، ولنا هذه القطعة تزرعها لنا، فربما أخرجت هذه القطعة، ولم تخرج هذه شيئًا، وربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه شيئًا، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأما بالورق فلم ينهنا عنه (٢). ٥٥٣٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا ابن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا نحاقل على عهد رسول الله ﷺ والمحاقلة: أن يكري الرجل أرضه

стр. 3283

بالثلث أو الربع، أو طعام مسمى -. فبينا أنا ذات يوم إذ أتاني بعض عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، فطاعة رسول الله ﷺ أنفع، قال: "من كانت له أرض فليمنحها أخاه، ولا يكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام مسمى" (١). فبين رافع ﵁ في هذا الحديث كيف كانوا يزارعون، فرجع معنى حديثه إلى معنى حديث جابر ﵁، وثبت أن النهي في الحديثين جميعا إنما كان، لأن كل فريق من أرباب الأرضين والمزارعين كان يختص بطائفة من الأرض، فيكون ما يخرج منها من زرع إن سلم فله، وإن عطب فعليه، وهذا مما أجمع على فساده. فهذا قد خرج معنى حديث رافع ﵁ على أن النهي المذكور فيه كان للمعنى الذي وصفنا لا لإجارة الأرض بجزء مما يخرج منها. وقد أنكر آخرون على رافع ما روى من ذلك، وأخبروا أنه لم يحفظ أول الحديث. ٥٥٣٦ - فحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله كنت أعلم بالحديث منه، إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله ﷺ قد اقتتلا،

стр. 3284

فقال: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع: فسمع قوله: لا تكروا المزارع (١). فهذا زيد بن ثابت ﵁ يخبر أن قول النبي ﷺ : "لا تكروا المزارع" النهي الذي قد سمعه رافع لم يكن من النبي ﷺ على وجه التحريم، إنما كان لكراهية وقوع الشر بينهم. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أيضًا من ذلك شيء. ٥٥٣٧ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس، قال: قلت له: يا أبا عبد الرحمن لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عنها، فقال: أخبرني أعلمهم يعني ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم ينه عنها، ولكنه قال: "الآن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلوما" (٢).

стр. 3285

٥٥٣٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو … فذكر بإسناده مثله (١). فبين ابن عباس ﵄ أن ما كان من النبي في ذلك لم يكن للنهي وإنما أراد الرفق بهم. وقد يحتمل أيضًا أن يكون كره لهم أخذ الخراج لما وقع بين الرجلين في حديث زيد ﵁ فقال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ منه خراجًا معلومًا، لأن ما كان وقع بين ذينك الرجلين من الشر إنما كان في الخراج الواجب لأحدهما على صاحبه فرأى أن المنيحة التي لا تجري بينهم فيها من ذلك خير لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك. وقد جاء بعضهم بحديث رافع على لفظ حديث ابن عباس هذا ٥٥٣٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن

стр. 3286

ميسرة، قال: سمعت مجاهدًا، عن رافع بن خديج ﵁، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وأمرنا بخير منه فقال: "من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها". قال: فذكرت ذلك لطاوس فقال: قال ابن عباس إنما قال رسول الله ﷺ : "ليمنحها أخاه خير له، أو يمنحها خير" (١). فيحتمل أن يكون وجه هذا الحديث على ذلك أيضًا، فيكون قوله: "نهانا عن أمر كان لنا نافعًا" يريد ما ذكر زيد بن ثابت ﵁ أن رافعًا سمعه، وأمرنا بكذا، أما ما حكاه ابن عباس ﵄، فلم يكن بجميع ما سمع في الحقيقة نهي لكراء الأرض بالثلث والربع. وقد روي عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر ﵃ أيضًا في النهي عن ذلك أنه إنما كان لبعض المعاني التي تقدم ذكرنا لها. ٥٥٤٠ - حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثني محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة. عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: كان الناس

стр. 3287

يكرون المزارع بما يكون على الساقي (١) وبما يسعد (٢) بالماء مما حول البئر، فنهى رسول الله الله ﷺ عن ذلك، وقال: "اكروها بالذهب والورق" (٣). ٥٥٤١ - حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا حسان بن غالب، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة عن نافع، أن رافع بن خديج أخبر عبد الله بن عمر رضي عنهم وهو متكئ على بدني أن عمومته جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، ثم رجعوا فقالوا: إن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع، فقال ابن عمر ﵄: قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة يكريها على عهد رسول الله ﷺ على أن له ما في ربيع الساقي الذي يتفجر منه الماء وطائفة من التبن ولا أدري ما هو؟ (٤)

стр. 3288

فبين سعد ﵁ في هذا الحديث نهى النبي ﷺ لم كان؟ وأنه كان لأنهم كانوا يشترطون ما على ربيع الساقي، وذلك فاسد في قول الناس جميعًا. وحمل ابن عمر ﵄ النهي على أنه قد يجوز أن يكون على ذلك المعنى أيضًا. وزاد حديث سعد على غيره من هذه الأحاديث إباحة النبي ﷺ إجارة الأرض بالذهب والورق، فقد بان بنهي رسول الله ﷺ عن المزارعة في الآثار المتقدمة لِمَ كَان، وما الذي نهى عنه من ذلك؟ ولم يثبت في شيء منها النهي عن إجارة الأرض ببعض ما يخرج إذا كان ثلثا أو ربعا أو ما أشبه ذلك. وقد احتج قوم في ذلك لأهل المقالة الأولى بما ٥٥٤٢ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن هرمز، عن أسيد بن رافع بن خديج سمعه يذكر أنهم منعوا من المحاقلة وهي: أن تكري أرضًا على بعض ما فيها (١).

стр. 3289

٥٥٤٣ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا، حامد قال: ثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن دينار، يقول: سمعت ابن عمر ﵄، يقول: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها، فتركناها من أجل قوله (١). ٥٥٤٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة والمزابنة والمحاقلة. فالمخابرة على الثلث والربع والنصف من بياض الأرض، والمزابنة: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر، وبيع العنب في الشجر بالزبيب والمحاقلة: بيع الزرع قائما على أصوله بالطعام (٢). ٥٥٤٥ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود عن سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ منهي عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة (٣).

стр. 3290

٥٥٤٦ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا سعيد بن عفير قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء، وأبي الزبير عن جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ … مثله (١). ٥٥٤٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة (٢). ٥٥٤٨ - حدثنا علي بن شيبة، قال ثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت ﵃، عن رسول الله ﷺ … مثله (٣).

стр. 3291

٥٥٤٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس بن القاسم، قال: ثنا أبي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ … مثله (١) ٥٥٥٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن حفص الأصبهاني، قال: ثنا سفيان، قال حدثني سعد بن إبراهيم، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله. قال والمحاقلة: الشرك في الزرع، والمزابنة: التمر بالتمر على رءوس النخل (٢). قالوا: فقد نهى النبي ﷺ عن المحاقلة، وهي: كراء الأرض بالثلث والربع، ونهى أيضًا عن المخابرة وهي أيضًا كذلك. قيل لهم: أما ما ذكرتم عن النبي ﷺ من نهيه عن المحاقلة فقد صدقتم، ونحن نوافقكم على صحة مجيء ذلك. وأما تأويلكم إياه على أنه المزارعة بالثلث والربع، فهذا تأويل منكم، وليس عندكم عن النبي ﷺ في ذلك دليل يدل على أن تأويله كما تأولتم، وقد يحتمل عندنا ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون كما قال مخالفكم أنه بيع الحنطة كيلا

стр. 3292

بحنطة هذا الحقل الذي لا يدري ما كيله. فهذا عندنا وعندكم فاسد، وهذا أشبه بذلك، لأنه مقرون بالمزابنة، والمزابنة: هي بيع التمر المكيل بما في رءوس النخل من التمر. فهذا الحديث يحتمل ما تأوله الفريقان جميعًا عليه، ولا حجة فيه لأحد الفريقين على الفريق الآخر. وقد جاءت آثار غير هذه الآثار فيها إباحة المزارعة بالثلث والربع، فمنها ما ٥٥٥١ - حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن أبي القاسم - وهو مقسم -، عن ابن عباس ﵄ قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بالشطر ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم (١). ٥٥٥٢ - حدثنا محمد بن عمرو بن يونس قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من الزرع (٢).

стр. 3293

٥٥٥٣ - حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: كانت المزارع تكرى على عهد رسول الله ﷺ على أن لرب الأرض ما على ربيع الساقي من الزرع، وطائفةً من التبن، لا أدري كم هو؟. قال نافع فجاء رافع بن خديج وأنا معه، فقال: إن رسول الله ﷺ أعطى خيبر يهودًا على أنهم يعملونها ويزرعونها بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (١). ٥٥٥٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي - وهو محمد بن عون، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير عن جابر ﵁، قال: أفاء الله خيبر، فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم (٢). ٥٥٥٥ - حدثنا أبو أمية، قال أخبرنا محمد بن سابق قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن

стр. 3294

أبي الزبير عن جابر ﵁ … مثله (١). ففي هذه الآثار دفع النبي ﷺ خيبر بالنصف من ثمرها وزرعها. فقد ثبت بذلك جواز المزارعة والمساقاة، ولم يضاد ذلك ما قد تقدم ذكرنا له من حديث جابر ورافع وثابت ﵃ لما ذكرنا من حقائقها. فاحتج محتج في ذلك فقال: قد عورضت هذه الآثار أيضًا بما روي عن النبي ﷺ من النهي عن بيع الثمار قبل أن يكون مما قد وصفنا ذلك في باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. قال: فإذا نهى النبي ﷺ عن الابتياع بالثمار قبل أن تكون دخل في ذلك الاستئجار بها قبل أن تكون، فكما كان البيع بها قبل كونها باطلًا كان الاستئجار بها قبل كونها أيضًا كذلك. ألا ترى أن النبي ﷺ قد نهى عن بيع ما ليس عندك؟ فكان الاستئجار بذلك غير جائز إذ كان الابتياع به غير جائز فكذلك لما كان الابتياع بما لم يكن غير جائز كان الاستئجار به أيضًا غير جائز. (١) إسناده صحيح كسابقه. وهو عند المصنف في شرح مشكل الآثار (٢٦٧٥) بإسناده ومتنه. وأخرجه أحمد (١٤٩٥٣)، وأبو داود (٣٤١٤)، والدارقطني ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، والبيهقي ٤/ ١٢٣ من طريق محمد بن سابق به.

стр. 3295

قيل له: إنه لو لم ترو في هذه الآثار التي ذكرنا في إجارة المزارعة بالثلث والربع لكان الأمر على ما ذكرت. ولكن لما روي عن النبي ﷺ إباحتها، وعمل بها المسلمون بعده، احتمل أن لا يكون الاستئجار بما لم يكن داخلا في الابتياع بما لم يكن، ويكون مستثنى من ذلك، وإن لم يبين في الحديث، كما قد أبيح السلم ولم يحرمه النهي عن بيع ما ليس عندك، وإنما وقع النهي في ذلك عن بيع ما ليس عندك غير السلم. فكذلك يحتمل أن يكون النهي عن بيع الثمار قبل أن تكون ذلك على ما سوى المزارعة بها والمساقاة. وقد عمل بالمزارعة والمساقاة أصحاب رسول الله ﷺ من بعده. ٥٥٥٦ - حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت أبي يذكر عن موسى بن طلحة، قال: أقطع عثمان ﵁ نفرًا من أصحاب النبي ﷺ : عبد الله بن مسعود، والزبير بن العوام، وسعد بن مالك، وأسامة ﵃ فكان جاري منهم سعد بن مالك وابن مسعود يدفعان أرضها بالثلث والربع (١).
следующие страницы →