← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

٥٥٤٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس بن القاسم، قال: ثنا أبي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ … مثله (١) ٥٥٥٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن حفص الأصبهاني، قال: ثنا سفيان، قال حدثني سعد بن إبراهيم، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله. قال والمحاقلة: الشرك في الزرع، والمزابنة: التمر بالتمر على رءوس النخل (٢). قالوا: فقد نهى النبي ﷺ عن المحاقلة، وهي: كراء الأرض بالثلث والربع، ونهى أيضًا عن المخابرة وهي أيضًا كذلك. قيل لهم: أما ما ذكرتم عن النبي ﷺ من نهيه عن المحاقلة فقد صدقتم، ونحن نوافقكم على صحة مجيء ذلك. وأما تأويلكم إياه على أنه المزارعة بالثلث والربع، فهذا تأويل منكم، وليس عندكم عن النبي ﷺ في ذلك دليل يدل على أن تأويله كما تأولتم، وقد يحتمل عندنا ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون كما قال مخالفكم أنه بيع الحنطة كيلا

стр. 3292

بحنطة هذا الحقل الذي لا يدري ما كيله. فهذا عندنا وعندكم فاسد، وهذا أشبه بذلك، لأنه مقرون بالمزابنة، والمزابنة: هي بيع التمر المكيل بما في رءوس النخل من التمر. فهذا الحديث يحتمل ما تأوله الفريقان جميعًا عليه، ولا حجة فيه لأحد الفريقين على الفريق الآخر. وقد جاءت آثار غير هذه الآثار فيها إباحة المزارعة بالثلث والربع، فمنها ما ٥٥٥١ - حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن أبي القاسم - وهو مقسم -، عن ابن عباس ﵄ قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بالشطر ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم (١). ٥٥٥٢ - حدثنا محمد بن عمرو بن يونس قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من الزرع (٢).

стр. 3293

٥٥٥٣ - حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: كانت المزارع تكرى على عهد رسول الله ﷺ على أن لرب الأرض ما على ربيع الساقي من الزرع، وطائفةً من التبن، لا أدري كم هو؟. قال نافع فجاء رافع بن خديج وأنا معه، فقال: إن رسول الله ﷺ أعطى خيبر يهودًا على أنهم يعملونها ويزرعونها بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (١). ٥٥٥٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي - وهو محمد بن عون، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير عن جابر ﵁، قال: أفاء الله خيبر، فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم (٢). ٥٥٥٥ - حدثنا أبو أمية، قال أخبرنا محمد بن سابق قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن

стр. 3294

أبي الزبير عن جابر ﵁ … مثله (١). ففي هذه الآثار دفع النبي ﷺ خيبر بالنصف من ثمرها وزرعها. فقد ثبت بذلك جواز المزارعة والمساقاة، ولم يضاد ذلك ما قد تقدم ذكرنا له من حديث جابر ورافع وثابت ﵃ لما ذكرنا من حقائقها. فاحتج محتج في ذلك فقال: قد عورضت هذه الآثار أيضًا بما روي عن النبي ﷺ من النهي عن بيع الثمار قبل أن يكون مما قد وصفنا ذلك في باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. قال: فإذا نهى النبي ﷺ عن الابتياع بالثمار قبل أن تكون دخل في ذلك الاستئجار بها قبل أن تكون، فكما كان البيع بها قبل كونها باطلًا كان الاستئجار بها قبل كونها أيضًا كذلك. ألا ترى أن النبي ﷺ قد نهى عن بيع ما ليس عندك؟ فكان الاستئجار بذلك غير جائز إذ كان الابتياع به غير جائز فكذلك لما كان الابتياع بما لم يكن غير جائز كان الاستئجار به أيضًا غير جائز. (١) إسناده صحيح كسابقه. وهو عند المصنف في شرح مشكل الآثار (٢٦٧٥) بإسناده ومتنه. وأخرجه أحمد (١٤٩٥٣)، وأبو داود (٣٤١٤)، والدارقطني ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، والبيهقي ٤/ ١٢٣ من طريق محمد بن سابق به.

стр. 3295

قيل له: إنه لو لم ترو في هذه الآثار التي ذكرنا في إجارة المزارعة بالثلث والربع لكان الأمر على ما ذكرت. ولكن لما روي عن النبي ﷺ إباحتها، وعمل بها المسلمون بعده، احتمل أن لا يكون الاستئجار بما لم يكن داخلا في الابتياع بما لم يكن، ويكون مستثنى من ذلك، وإن لم يبين في الحديث، كما قد أبيح السلم ولم يحرمه النهي عن بيع ما ليس عندك، وإنما وقع النهي في ذلك عن بيع ما ليس عندك غير السلم. فكذلك يحتمل أن يكون النهي عن بيع الثمار قبل أن تكون ذلك على ما سوى المزارعة بها والمساقاة. وقد عمل بالمزارعة والمساقاة أصحاب رسول الله ﷺ من بعده. ٥٥٥٦ - حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت أبي يذكر عن موسى بن طلحة، قال: أقطع عثمان ﵁ نفرًا من أصحاب النبي ﷺ : عبد الله بن مسعود، والزبير بن العوام، وسعد بن مالك، وأسامة ﵃ فكان جاري منهم سعد بن مالك وابن مسعود يدفعان أرضها بالثلث والربع (١).

стр. 3296

٥٥٥٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، قال: سألت موسى بن طلحة عن المزارعة، فقال: أقطع عثمان ﵁ عبد الله أرضًا، وأقطع سعدًا أرضًا، وأقطع خبابًا أرضًا، وأقطع صهيبًا أرضًا فكلا جاري كانا يزارعان بالثلث والربع (١). ٥٥٥٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، أن يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرهم عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز، أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث يعلى بن أمية إلى اليمن، فأمره أن يعطيهم الأرض البيضاء على أنه إن كان البقر والبذر والحديد من عمر فله الثلثان ولهم الثلث، وإن كان البقر والبذر والحديد منهم فلعمر الشطر ولهم الشطر، وأمره أن يعطيهم النخل والكرم على أن لعمر الثلثين ولهم الثلث (٢). ٥٥٥٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، قال: أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر محمد بن علي، أنه قال: كان أبو بكر

стр. 3297

الصديق ﵁ يعطي الأرض على الشطر (١). ٥٥٦٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال أخبرنا حماد بن سلمة، أن الحجاج بن أرطاة، أخبرهم عن عثمان بن عبد الله بن موهب أنه قال: كان حذيفة بن اليمان ﵁ يكري الأرض على الثلث والربع (٢). ٥٥٦١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، أن معاذًا ﵁ قدم إلى اليمن وهم يخابرون فأقرهم على ذلك (٣). ٥٥٦٢ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، أن معاذًا ﵁ لما قدم اليمن كان يكري الأرض أو المزارع على الثلث أو الربع. وقال: قدم اليمن وهم يفعلون ذلك فأمضى لهم ذلك (٤).

стр. 3298

٥٥٦٣ - حدثنا محمد بن عمرو بن يونس قال: ثنا أسباط بن محمد، عن كليب بن وائل أنه قال: قلت لابن عمر ﵄: أتاني رجل له أرض وماء، وليس له بذر ولا بقر، أخذت أرضه بالنصف فزرعتها ببذري وبقري فناصفته؟ فقال: حسن (١). ثم إنه قد اختلف التابعون من بعدهم في ذلك. ٥٥٦٤ - فحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر قال: ثنا شعبة، عن حماد أنه قال: سألت سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله ومجاهدا عن كراء الأرض بالثلث والربع فكرهوا ذلك (٢). ٥٥٦٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: أخبرنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حماد، أنه قال: سألت مجاهدًا وسالمًا عن كراء الأرض بالثلث والربع فكرهاه، وسألت عن ذلك، طاوسًا فلم ير بذلك بأسًا، قال: فذكرت ذلك لمجاهد وقد كان يشرفه ويوقره فقال: إنه يزرع (٣). ٥٥٦٦ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن منصور، أنه قال:

стр. 3299

كان إبراهيم يكره كراء الأرض بالثلث والربع (١). ٥٥٦٧ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن … مثله (٢). ٥٥٦٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر قال أخبرنا أبو عوانة، عن منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جبير … مثله (٣). ٥٥٦٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر قال أخبرنا حماد، أن قيس بن سعد أخبرهم عن عطاء … بمثل ذلك (٤). ٥٥٧٠ - حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، ويونس بن عبيد، عن الحسن أنه كان يكره أن يكري الرجل الأرض من أخيه بالثلث والربع (٥). وأما وجه وجه هذا الباب من طريق النظر فإن ذلك كما قد قاله أهل المقالة الأولى: أن ذلك لا يجوز في المزارعة والمعاملة والمساقاة إلا بالدراهم والدنانير والعروض.

стр. 3300

وذلك أن الذين قد أجازوا المساقاة في ذلك قد زعموا أنهم قد شبهوها بالمضاربة وهي المال يدفعه الرجل إلى الرجل على أن يعمل بذلك على النصف، أو الثلث، أو الربع، فكل قد أجمع على جواز ذلك، وقام ذلك مقام الاستئجار بالمال المعلوم. قالوا: فكذلك المساقاة تقوم النخل المدفوعة مقام رأس المال في المضاربة ويكون الحادث عنها من التمر (١) مثل الحادث عن المال من الربح. فكانت حجتنا عليهم في ذلك أن المضاربة إنما يثبت فيها الربح بعد سلامة رأس المال ووصول ذلك إلى يدي رب المال ولم ير المزارعة ولا المساقاة فعل فيهما ذلك. ألا ترى أن المساقاة في قول من يجيزها لو أثمرت النخل فجد عنها الثمر ثم احترقت النخل وسلم الثمر كان ذلك الثمر بين رب النخل والمساقي على ما اشترطا فيها. ولم يمنع من ذلك عدم النخل المدفوعة كما يمنع عدم رأس المال في المضاربة من الربح. وقد كانت المساقاة والمزارعة إذا عقدتا لا إلى وقت معلوم كانتا فاسدتين ولا تجوزان إلا إلى وقت معلوم. وكانت المضاربة تجوز لا إلى وقت معلوم وكان المضارب له أن يمتنع بعد أخذه المال للمضاربة من العمل به متى أحب ولا يجبر على ذلك وقد كان لرب المال أيضًا أن يأخذ المال من يده متى أحب شاء ذلك المضارب أو أبى. وليست المساقاة ولا المزارعة كذلك، لأنا رأينا المساقي إذا أبى العمل بعد وقوع

стр. 3301

عقد المساقاة أجبر على ذلك وإن أراد رب النخل أخذها منه ونقض المساقاة بينه وبين المساقي لم يكن له ذلك له حتى تنقضي المدة التي قد تعاقدا عليها. فكان عقد المضاربة عقدًا لا يوجب إلزام واحد من رب المال، ولا من المضارب، وإنما يعمل المضارب بذلك المال ما كان هو ورب المال متفقين على ذلك، وكانت المساقاة تجبر على الوفاء بما يوجب عقدها كل واحد من رب النخل ومن المساقي. فأشبهت المضاربة الشركة فيما ذكرنا، وأشبهت المساقاة الإجارة فيما قد وصفنا. ثم إنا قد رجعنا إلى حكم الإجارات كيف هو؟ لنعلم بذلك كيف حكم المساقاة التي قد أشبهتها من حيث وصفنا. فرأينا الإجارات تقع على وجوه مختلفة. فمنها إجارات على بلوغ مساقاة معلومة بأجر معلوم، فهي جائزة فهذا وجه من الإجارات. ومنها ما يقع على عمل معلوم مثل خياطة هذا القميص وما أشبه ذلك بأجر معلوم فيكون ذلك أيضًا جائزا. ومنها ما يقع على مدة معلومة كالرجل يستأجر الرجل على أن يخدمه شهرًا بأجر معلوم فذلك جائز أيضًا. فاحتيج في الإجارات كلها إلى الوقوف على ما قد وقع عليها منها العقد فلم يجز في جميع ذلك إلا على شيء معلوم، إما مساقاة معلومة، وإما عمل معلوم، وإما أيام

стр. 3302

معلومة وقد كانت هذه الأشياء المعلومة في نفسها لا يجوز أن يكون أبدالها مجهولة، بل قد جعل حكم أبدالها كحكمها. فاحتيج إلى أن تكون معلومة كما أن الذي هو بدل من ذلك يحتاج أن يكون معلوماً وقد كانت المضاربة إنما تقع على عمل بالمال غير معلوم لا إلى وقت معلوم فكان العمل فيها مجهولا والبدل من ذلك مجهول أيضا. فقد ثبت في هذه الأشياء التي قد وصفنا من الإجارات والمضاربات أن حكم كل واحد منهما حكم بدله. فما كان بدل ذلك معلومًا فلا يجوز أن يكون ذلك في نفسه إلا معلوما، وما كان في نفسه غير معلوم، فجائز أن يكون بدله غير معلوم. ثم رأينا المساقاة والمزارعة لا تجوز واحدة منهما إلا إلى وقت معلوم في شيء معلوم. فالنظر على ذلك أن لا يجوز البدل منهما إلا معلوما وأن يكون حكمها كحكم البدل منها كما كان حكم الأشياء التي ذكرنا من الإجارات والمضاربات حكم أبدالها. فقد ثبت بالنظر الصحيح أن لا تجوز المزارعة ولا المساقاة إلا بالدراهم والدنانير وما أشبههما من العروض. وهذا كله قول أبي حنيفة ﵁ في هذا الباب. وأما أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله فإنهما قد ذهبا إلى جوازهما جميعًا

стр. 3303

وتركا النظر في ذلك واتبعا ما قد روينا في هذا الباب من الآثار عن رسول الله ﷺ . وعن أصحابه بعده وقلداها في ذلك، والله أعلم.

стр. 3304

٢ - باب الرجل يزرع في أرض قوم بغير إذنهم كيف حكمهم في ذلك؟ وما يروى عن رسول الله ﷺ في ذلك ٥٥٧١ - حدثنا فهد بن سليمان: قال ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا شريك عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ :"من زرع زرعا في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء وترد عليه نفقته" (١). فذهب قوم (٢) إلى أن من زرع في أرض قوم زرعاً بغير أمرهم كان ذلك الزرع

стр. 3305

لأرباب الأرض، وغرموا للزارع ما أنفق في ذلك، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون (١) فقالوا: أصحاب الأرض بالخيار إن شاءوا خلوا بين الزارع وبين أخذ زرعه ذلك، وضمنو نقصان أرضهم إن كان زرعه ذلك قد نقص الأرض شيئًا وإن شاءوا منعوا الزارع من ذلك وغرموا له قيمة زرعه ذلك مقلوعًا. وقد كان لهم من الحجة في ذلك أن هذا الحديث قد روي عن رسول الله ﷺ على غير ما ذكروه في ذلك. وهو كما قد ٥٥٧٢ - حدثنا أحمد بن أبي، عمران، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته، وليس له من الزرع شيء" (٢). وقد روى هذا الحديث أيضًا يحيى بن آدم عن شريك وقيس جميعا عن أبي إسحاق وقد ذكر ذلك عنهما في كتاب الخراج كما قد حدثنا أحمد بن أبي عمران أيضًا لا كما قد حدثنا فهد بن سليمان.

стр. 3306

فمعنى هذا الحديث عندنا غير معنى ما قد روى الحماني، لأن ما روى الحماني هو قوله فليس له من الزرع شيء وترد عليه نفقته في ذلك. فوجه ذلك أن غيره يعطيه النفقة التي أنفقها في ذلك، فيكون له الزرع لا بما يعطى من ذلك. وهذا محال عندنا، لأن النفقة التي قد أخرجت في ذلك الزرع ليست بقائمة، ولا لها بدل قائم، وذلك أنها إنما دفعت في أجر عمال وغير ذلك مما قد فعله المزارع له لنفسه، فاستحال أن يجب له ذلك على رب الأرض لا بعوض يتعوضه منه رب الأرض في ذلك. ولكن أصل الحديث عندنا - والله أعلم - إنما هو على ما قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة لا على ما قد رواه الحماني في ذلك. ووجه ذلك عندنا على أن الزارع لا شيء له في الزرع بأخذه لنفسه، فيملكه كما يملك الزرع الذي يزرعه في أرض نفسه، أو في أرض غيره ممن قد أباحه الزرع فيها، ولكنه يأخذ نفقته وبذره ويتصدق بما بقي، هكذا وجه هذا الحديث عندنا في ذلك والله أعلم. وقد حكى ذلك يحيى بن آدم عن حفص بن غياث أيضًا. ومن الدليل على صحة ذلك أيضًا ما قد روى عن رسول الله ﷺ ٥٥٧٣ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو يوسف عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن عروة بن الزبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن

стр. 3307

رسول الله ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس لعرق (١) ظالم حق". قال عروة: فلقد حدثني هذا الرجل الذي قد حدثني بهذا الحديث أنه رأى نخلا تقطع أصولها بالفؤوس (٢) (٣). ٥٥٧٤ - وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن رجل من بني بياضة، أن رسول الله ﷺ قد أمر بقطع النخل المغروس في غير حق بعدما قد نبت في الأرض ولم يجعله لأرباب الأرض فيوجب عليهم غرم ما أنفق فيه (٤). فدل ذلك على أن الزرع المزروع في الأرض أحرى أن يكون كذلك، وأن يقلع ذلك فيدفع إلى صاحب الزرع كالنخل التي قد ذكرناها إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يمنع ذلك ويغرم له قيمة الزرع والنخل منزوعين مقلوعين فيكون ذلك له. وقد دل على ما ذكرناه من ذلك أيضًا ما ٥٥٧٥ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد، قال: اشترك أربعة نفر على عهد رسول الله ﷺ فقال أحدهم: علّي

стр. 3308

البذر، وقال الآخر: علّي العمل، وقال الآخر: علّي الأرض، وقال الآخر: علي الفَدَّان (١) فزرعوا، ثم حصدوا، ثم أتوا النبي ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ الزرع لصاحب البذر، وجعل لصاحب العمل أجرًا معلوما، وجعل لصاحب الفدان درهمًا في كل يوم وألغى الأرض في ذلك (٢). أفلا ترى أن رسول الله لما أفسد هذه المزارعة لم يجعل الزرع لصاحب الأرض بل قد جعله لصاحب البذر. وقد دل على ذلك أيضًا ما قد حكم به أصحاب رسول الله ﷺ وتابعوهم من بعدهم فيمن بنى في أرض قوم بغير أمرهم بناءً، فروى عنهم في ذلك ما قد ٥٥٧٦ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، أن عامر الأحول أخبرهم، عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: في رجل بني في دار بناءً ثم جاء أهلها فاستحقوها، قال: إن كان بني بأمرهم فله نفقته، وإن كان بني بغير إذنهم فله نقضه (٣). ٥٥٧٧ - وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة، عن جابر الجعفي، عن

стр. 3309

القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود ﵁ … مثله (١). ٥٥٧٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا أبو عوانة، عن جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن شريح … بمثل ذلك أيضا سواء (٢). ٥٥٧٩ - وقد حدثنا أبو بكرة، قال ثنا أبو عمر الضرير قال: ثنا حماد بن سلمة: عن حميد الطويل، أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد كتب بمثل ذلك فيمن بنى في دار قوم، وفيمن غرس في أرض قوم بمثل ذلك أيضًا سواءً (٣). أفلا ترى أنهم جميعًا قد جعلوا النقض لصاحب البناء ولم يجعلوا ذلك لصاحب الأرض، فالزرع في النظر أيضًا كذلك. والذي قد حملنا عليه معنى حديث رافع بن خديج ﵁ الذي رويناه في هذا الباب أولى مما حمله عليه من قد خالفنا ليتفق ذلك، وما رواه الرجل البياضي عن رسول الله ﷺ ولا يتضادان في ذلك. وقد روينا عن رافع بن خديج ﵁ في باب المزارعة الذي قبل هذا

стр. 3310

الباب أن رسول الله ﷺ قد مر برجل يزرع له، فسأله عنه، فقال: هو زرعي، والأرض لآل فلان، والبذر من قبلي بنصف ما يخرج، فقال رسول الله ﷺ : "القد أربيت خذ نفقتك". فلم يكن ذلك على معنى خذ نفقتك من رب الأرض، لأن رب الأرض لم يأمره بالإنفاق لنفسه، ولكن معنى ذلك: خذ نفقتك مما خرج من الزرع وتصدق بما بقي. فما قد رويناه عن رافع عن رسول الله ﷺ فيمن قد زرع في أرض غيره، في جعله له نفقته كذلك أيضًا. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.

стр. 3311

٢١ - كتاب الشفعة باب الشفعة بالجوار ٥٥٨٠ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة في كل شرك (١) بأرض، أو رَبع (٢)، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ، أو يدع" (٣). قال أبو جعفر فذهب قوم (٤) إلى أن الشفعة لا تكون إلا بالشركة في الأرض، أو الحائط، أو الربع، ولا تجب بالجوار، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

стр. 3312

وخالفهم في ذلك آخرون (١) فقالوا: الشفعة فيما وصفتم واجبة للشريك الذي لم يقاسم، ثم هي لمن بعده واجبة للشريك الذي قاسم بالطريق الذي قد بقي له فيه الشرك ثم هي من بعده للجار الملازق. وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذا الأثر إنما فيه أن رسول الله ﷺ قال: "الشفعة في كل شرك بأرض، أو رَبع، أو حائط". ولم يقل: إن الشفعة لا تكون إلا في كل شرك فلو قال ذلك نفى أن الشفعة واجبة لغير الشريك. ولكنه إنما أخبر في هذا الحديث أنها واجبة في كل شرك، ولم ينف أن تكون واجبةً في غيره، وقد جاء عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ ما قد زاد على معنى هذا الحديث. ٥٥٨١ - حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره، فإن كان غائبًا انتظر إذا كان طريقهما واحدًا" (٢).

стр. 3313

٥٥٨٢ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، قال: ثنا عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ … فذكر مثله (١). ٥٥٨٣ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر ﵁، عن النبي … مثله " (٢). ففي هذا الحديث إيجاب الشفعة في المبيع الذي لا شرك فيه بالشرك في الطريق، فلا يجعل واحد من هذين الحديثين مضادا للحديث الآخر، ولكن يثبتان جميعًا، ويعمل بهما، فيكون حديث أبي الزبير فيه إخبار عن حكم الشفعة للشريك في الذي بيع منه ما بيع. وحديث عطاء فيه إخبار عن حكم الشفعة في المبيع الذي لا شركة لأحد فيه بالطريق.

стр. 3314

فقال أصحاب المقالة الأولى: فإنه قد روي عن النبي لا ما ينفي ما ادعيتم. فذكروا في ذلك ما ٥٥٨٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (١). ٥٥٨٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … مثله (٢). ٥٥٨٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي قتيلة المدني، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة … مثله (٣). ٥٥٨٧ - حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، قال: ثنا مالك … فذكر بإسناده مثله (٤)

стр. 3315

قالوا: فنفى هذا الحديث أن تكون الشفعة تجب إذا حددت الحدود. فكان من الحجة عليهم أن هذا الحديث على أصل المحتج به علينا، لا تجب به حجة، لأن الأثبات من أصحاب مالك إنما رووه عن مالك منقطعا لم يرفعوه إلى أبي هريرة ﵁. ٥٥٨٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، والقعنبي، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب قال: قضى رسول الله ﷺ و بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (١). ٥٥٨٩ - حدثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة … مثله (٢). فكان هذا الحديث منقطعًا والمنقطع لا تقوم به حجة. ثم لو ثبت هذا الحديث واتصل إسناده لم يكن فيه عندنا ما يخالف الحديث الذي ذكرناه عن عطاء، عن جابر ﵁. لأن الذي في هذا الحديث إنما هو قول أبي هريرة ﵁ قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم. فكان بذلك مخبراً عما قضى

стр. 3316

به رسول الله ﷺ بالشفعة. ثم قال بعد ذلك: فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فكان ذلك قولاً من رأيه، لم يحكه عن رسول الله ﷺ . وإنما يكون هذا الحديث حجةً على من ذهب إلى وجوب الشفعة بالجوار، لو كان رسول الله ﷺ قال: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فيكون ذلك نفياً من رسول الله ﷺ لما قد قسم أن تكون فيه الشفعة. ولكن أبا هريرة ﵁ إنما أخبر في ذلك عن رسول الله ﷺ بما علمه من قضائه ثم نفى الشفعة برأيه بما لم يعلم من رسول الله ﷺ فيه حكمًا وعلمه غيره. ثم قد روى معمر هذا الحديث عن الزهري، فخالف مالكا في متنه وفي إسناده. ٥٥٩٠ - حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قضي رسول الله ﷺ في كل ما لم يقسم بالشفعة فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة (١). ٥٥٩١ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا عبد الرزاق، عن

стр. 3317

معمر … فذكر بإسناده مثله (١). ففي هذا الحديث نفي الشفعة بعد وقوع الحدود، وصرف الطرق، فذلك دليل على ثبوتها قبل صرف الطرق وإن حدت الحدود. فقد وافق هذا الحديث حديث عبد الملك عن عطاء، وزاد على ما روى مالك فهو أولى منه. وقد يحتمل أيضًا حديث مالك أن يكون عني بوقوع الحدود التي نفيت بوقوعها الشفعة في الدور والطرق، فيكون المبيع لا شرك لأحد فيه ولا في طريقه. فيكون معنى هذا الحديث مثل معنى حديث معمر، وهو أولى ما حمل عليه حتى لا يتضاد هو وحديث معمر. وقد روى ابن جريج عن الزهري ما يوافق ما روى معمر. ٥٥٩٢ - حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا ابن أبي رواد عن ابن جريج عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن النبي ﷺ قال: "إذا حدت الطرق فلا شفعة" (٢).

стр. 3318

فإن قال قائل: فقد ثبت بما ذكرت وجوب الشفعة بالشرك في الدور والأرضين وبالشرك في الطريق إلى ذلك، فمن أين أوجبت الشفعة بالجوار؟. قيل له: أوجبتها بما ٥٥٩٣ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا علي بن بحر القطان، وأحمد بن جناب، قالا: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "جار الدار أحق بالدار" (١). ٥٥٩٤ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا علي وأحمد، قالا: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: "جار الدار أحق بشفعة الدار" (٢). ٥٥٩٥ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة … فذكر

стр. 3319

بإسناده مثله (١). ٥٥٩٦ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، وأحمد بن داود، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة … فذكر بإسناده مثله (٢). ٥٥٩٧ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا حميد، وقتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ … مثله، ولم يذكر سمرة (٣). ٥٥٩٨ - حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا أحمد بن جناب (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن بحر وأحمد بن جناب، قالا: ثنا عيسى بن يونس عن شعبة، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ … مثله (٤).

стр. 3320

٥٥٩٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان - هو الثوري، عن منصور، عن الحكم، عمن سمع عليا، وعبد الله ﵄ يقولان قضى رسول الله ﷺ بالجوار (١). ٥٦٠٠ - حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا سفيان، عن أبي حيان عن أبيه، عن عمرو بن حريث … مثله (٢) ففي هذه الآثار وجوب الشفعة بالجوار. فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون هذا الجار شريكا، فإنه قد يقال للشريك جار قيل له: ما في الحديث ما قد يدل على شيء مما ذكرت، ولكنه قد روي عن أبي رافع ما قد دل على أن ذلك الجار هو الذي لا شركة له. ٥٦٠١ - حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد، قال: أتاني المسور بن مخرمة فوضع يده على أحد منكبي فقال: انطلق بنا إلى سعد، فأتينا سعد بن أبي وقاص في داره، فجاء أبو رافع فقال

стр. 3321

للمسور: ألا تأمر هذا؟ يعني: سعدًا أن يشتري مني بيتين في داره، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربع مائة دينار مقطعة (١) أو منجمة. فقال: سبحان الله لقد أعطيت به خمس مائة دينار نقدًا، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بسقبه (٢) ما بعتك" (٣). فدل ما ذكرنا أن ذلك الجار الذي عناه رسول الله ﷺ هو الجار الذي تعرفه العامة، ومن أعطاك أن الشريك يقال له جار، وأين وجدت هذا في لغات العرب؟ فإن قال: لأني قد رأيت المرأة تسمى جارة زوجها. قيل له: صدقت قد سميت المرأة جارة زوجها، ليس لأن لحمها مخالط للحمه، ولا دمها مخالط لدمه، ولكن لقربها منه فكذلك الجار سمي جارًا لقربه من جاره لا لمخالطته إياه فيما جاوره به وأنت فقد زعمت أن الآثار على ظاهرها، فكيف تركت الظاهر في هذا ومعه الدلائل وتعلقت بغيره مما لا دلالة معه؟.

стр. 3322

ثم قد روي عن رسول الله أيضًا من إيجاب الشفعة بالجوار، وتفسير ذلك الجوار ٥٦٠٢ - ما حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد قال: قلت يا رسول الله! أرضي ليس فيها لأحد قسم ولا شرك إلا الجوار بيعت، قال: "الجار أحق بسقبه" (١). فكان قول رسول الله ﷺ : "الجار أحق بسقبه" جوابًا لسؤال الشريد إياه عن أرض منفردة لا حق لأحد فيها ولا طريق. فدلّ ما ذكرنا أن الجار الملازق تجب له الشفعة بحق جواره. فقد ثبت بما روينا من الآثار في هذا الباب وجوب الشفعة بكل واحد من معان ثلاثة: بالشرك في المبيع بيع منه ما بيع، وبالشرك في الطريق إليه، وبالمجاورة له. فليس ينبغي ترك شيء منها ولا حمل بعضها على التضاد لبعض، إذا كانت قد خرجت على الاتفاق من الوجوه التي ذكرنا على ما شرحنا وبينا في هذا الباب. فإن قال قائل: فقد جعلت هؤلاء الثلاثة شفعاء بالأسباب التي ذكرت، فَلِم

стр. 3323

أوجبت الشفعة لبعضهم دون بعض إذا حضروا وطالبوا بها، وقدمت حق بعضهم فيها على حق بعض، ولم تجعلها لهم جميعا إذ كانوا كلهم شفعاء؟. قيل له: لأن الشريك في الشيء المبيع خليط فيه، وفي الطريق إليه فمعه من الحق في الطريق مثل الذي مع الشريك في الطريق. ومعه اختلاط ملكه بالشيء المبيع، وليس ذلك مع الشريك في الطريق فهو أولى منه ومن الجار الملازق. ومع الشريك في الطريق شركة في الطريق، وملازقة للشيء المبيع، فمعه من أسباب الشفعة مثل الذي مع الجار الملازق، ومعه أيضًا ما ليس مع الجار الملازق من اختلاط حق ملكه في الطريق بملكه فيه، فلذلك كان عندنا أولى بالشفعة منه. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. وقد روي ذلك عن شريح. ٥٦٠٣ - حدثنا أحمد بن داود: قال ثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن هشام، عن محمد عن شريح، وأشعث أظنه عن الشعبي، عن شريح قال: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق ممن سواه (١). ٥٦٠٤ - حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثني إسماعيل بن سالم، قال: أخبرنا هشيم عن يونس، وهشام، عن محمد، (ح)

стр. 3324

وحدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن هشام، عن محمد، عن شريح … مثله (١). ٥٦٠٥ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن شريح، قال: الشفعة شفعتان شفعة للجار، وشفعة للشريك (٢). فإن قال قائل: فقد روي عن عثمان ﵁ خلاف هذا فذكر ما ٥٦٠٦ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم قال: ثنا هشيم عن محمد بن إسحاق، عن منظور بن أبي ثعلبة، عن أبان بن عثمان، قال: قال عثمان ﵁: لا مكابلة (٣) إذا وقعت الحدود فلا شفعة (٤). قيل له: قد روي هذا عن عثمان ﵁ كما ذكرت، وليس فيه عندنا حجة لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك إذا حدت الحدود من الحقوق كلها، وأدخل الطريق في

стр. 3325

ذلك، فيكون ذلك موافقًا لما قد رويناه عن جابر ﵁ في هذا الباب: إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. ولو كان على ما تأولتموه عليه لكان قد خالفه في ذلك سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة وأبو رافع فيما قد رويناه عنهم فيما مضى من هذا الباب. وقد روي عن عمر ﵁ أيضًا في ذلك ما قد ٥٦٠٧ - حدثنا أحمد بن داود: قال ثنا يزيد بن خالد بن موهب قال: ثنا ابن إدريس عن يحيى بن سعيد، عن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر ﵁ إذا وقعت الحدود وعرف الناس حقوقهم فلا شفعة (١). فقد وافق هذا ما رويناه عن عثمان ﵁ واحتمل ما احتمله حديث عثمان ﵁. وقد روي عن عمر ﵁ خلاف ذلك أيضًا. ٥٦٠٨ - حدثنا أحمد قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن حفص، أن عمر ﵁ كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار

стр. 3326

الملازق (١). وقد روي أيضًا عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن الشفعة تجب بالشرك في الطريق. ٥٦٠٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم قال: ثنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السكري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله رسول الله ﷺ : "الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء" (٢). ٥٦١٠ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا ابن إدريس ابن جريج عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء (٣). فلما كان الشريك في الطريق يسمى شريكًا كان داخلا في ذلك. فإن قال قائل: فأنت لا تقول بهذا الحديث، لأنه يوجب الشفعة في كل شيء من

стр. 3327

حيوان وغيره وأنت لا توجب الشفعة في الحيوان. قيل له: ليس هذا على ما ذكرت إنما معنى قضى بالشفعة في كل شيء أي: في الدور والعقار والأرضين. والدليل على ذلك ما قد روي عن ابن عباس ﵄. ٥٦١١ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا معن بن عيسى محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: لا شفعة في الحيوان (١).

стр. 3328

٢٢ - كتاب الإجارات ١ - باب الاستئجار على تعليم القرآن هل يجوز ذلك أم لا؟ ٥٦١٢ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن عامر الشعبي عن خارجة بن الصلت، عن عمه أنه قال: أقبلنا من عند رسول الله ﷺ فأتينا على حي من أحياء العرب، فقالوا لنا: إنكم قد جئتم من عند هذا الحَبْر (١) بخير، فهل عندكم دواء أو رقية أو شيء؟، فإن عندنا معتوهًا (٢) في القيود. قال: فقلنا: نعم. فجاءوا به فجعلت أقرأ عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوةً وعشيةً أجمع بزاقي ثم أتفل، فكأنها نشط من عقال، فأعطوني جعلًا، فقلت: لا حتى أسأل رسول الله ﷺ فسألته، فقال: "كل فلعمري لمن أكل برقية باطلة لقد أكلت برقية حق" (٣). ٥٦١٣ - وقد حدثنا أبو العوام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا هشيم عن أبي بشر، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن أصحاب رسول الله ﷺ قد كانوا في غزاة، فمروا بحي من أحياء

стр. 3329

العرب، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له شيء، قال: فرقاه رجل بفاتحة الكتاب، فبرأ فأعطي قطيعًا من الغنم فأبى أن يقبله، فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال له: "بم رقيته؟ " فقال: بفاتحة الكتاب. قال: "وما يدريك أنها رقية؟ " قال: ثم قال رسول الله ﷺ : "خذوها واضربوا لي معكم بسهم فيها" (١). فاحتج قوم (٢) بهذه الآثار فقالوا: لا بأس بالجعل على تعليم القرآن. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فكرهوا الجعل على تعليم القرآن كما قد يكره الجعل على تعليم الصلاة. وقد كان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في ذلك أن الآثار الأول لم يكن الجعل المذكور فيها على تعليم القرآن، وإنما كان على الرقى التي لم تقصد بالاستئجار

стр. 3330

عليها إلى القرآن. فكذلك نقول نحن أيضًا: لا بأس بالاستئجار على الرقى والعلاجات كلها، وإن كنا نعلم أن المستأجر على ذلك قد يدخل فيما يرقي به بعض القرآن، لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا، فإذا استؤجروا على أن يعملوا ما ليس عليهم أن يعملوه جاز ذلك. وتعليم القرآن على الناس واجب أن يعلمه بعضهم بعضًا، لأن في ذلك التبليغ عن الله تعالى إلا أن من علم ذلك منهم فقد أجزأ ذلك عن بقيتهم، كالصلاة على الجنائز هي فرض على الناس جميعًا إلا أن من فعل ذلك منهم أجزأ عن بقيتهم. ولو أن رجلاً أستأجر رجلاً ليصلي على ولي له مات لم يجز ذلك، لأنه إنما استأجره على أن يفعل ما عليه أن يفعل ذلك. فكذلك تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا هو عليهم فرض، إلا أن من فعله منهم ذلك فقد أجزأ فعله ذلك عن بقيتهم. فإذا استأجر بعضهم بعضًا على تعليم ذلك كانت إجارته تلك واستئجاره إياه باطلًا لأنه إنما استأجره على أن يؤدي فرضًا هو عليه الله تعالى وفيما يفعله لنفسه، لأنه يسقط عنه الفرض بفعله إياه، والإجارات إنما تجوز وتملك بها الأبدال فيما يفعله المستأجرون للمستأجرين. فإن قال قائل: فهل روي عن النبي ﷺ شيء يدل على ما ذكرت في المنع من
следующие страницы →