← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

٥٦٦٨ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي بن كعب ﵁، أنه قال: كنت التقطت على عهد رسول الله ﷺ مائة دينار، فأتيت بها النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "عرّفها سنةً" فعرفتها سنةً، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقالت له: عرفتها سنةً فلم أجد من يعرفها، فقال لي: "عرفها سنةً"، فعرفتها سنةً فلم أجد أحدًا يعرفها، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت له: عرفتها سنةً فلم أجد من يعرفها، فقال لي: "عرفها سنةً" فعرفتها سنةً فلم أجد أحدًا يعرفها [فأتيته فقلت: قد عرفتها سنة فلم أجد أحدا يعرفها] (١) فقال لي: "اعلم عددها، ووكاءها، ثم استمتع بها" (٢). وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك أيضًا ما قد ٥٦٦٩ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، أنه قال: حدثني عمرو بن شعيب عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن

стр. 3362

عبد الله بن ربيعة أن أباهما سفيان بن عبد الله وجد عيبةً، فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، فقال: عرفها سنةً فإن عرفت فذاك، وإلا فهي لك، قال: فعرفها سنةً، فلم تعرف، فأتى عمر ﵁ العام المقبل أو القابل في الموسم فأخبره بذلك، فقال له عمر هي لك. وقال: إن رسول الله ﷺ ما أمرنا بذلك. فأبى سفيان أن يأخذها، فأخذها منه عمر بن الخطاب فجعلها في بيت مال المسلمين (١). ٥٦٧٠ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة فقال: "عرفها سنةً فإن جاء باغيها، فأدها إلى صاحبها وإلا فاعرف عفاصها ووِكَاءها ثم كُلْها فإن جاء باغيها فأدها إليه" (٢). أفلا ترى أن النبي ﷺ لم يعنف أبي بن كعب في أخذه تلك الدنانير حين أخذها

стр. 3363

وقد صوب أبي بن كعب سويدًا في أخذه السوط ليحفظه على صاحبه ولا يدعه للسباع، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في حديث سفيان بن عبد الله: هي لك أمرنا رسول الله ﷺ بذلك، فلما أبي سفيان ذلك جعلها عمر ﵁ في بيت المال، فقد أجاز رسول الله ﷺ أخذ اللقطة والضالة، لأن يحفظهما على صاحبهما. وقد روي عن أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك أيضًا ما قد ٥٦٧١ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، قال: ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرا، فقال له عمر ﵁: عرفه، فعرفه ذلك ثلاث مرات ثم جاء إلى عمر ﵁، فقال: قد شغلني عن صنعتي، فقال عمر: انزع خطامه، ثم أرسله حيث وجدته (١). ٥٦٧٢ - حدثنا يونس، أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد … ثم ذكر هذا الحديث بإسناده عن عمر بن الخطاب مثل ذلك أيضًا سواء. وزاد: أن ثابت بن الضحاك حدثه أنه قد وجد بعيرًا على عهد عمر بن الخطاب ﵁ (٢).

стр. 3364

٥٦٧٣ - حدثنا يونس قال: أنا أنس بن عياض، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سليمان بن يسار يحدث عن ثابت بن الضحاك أنه كان وجد بعيرا ثم ذكر هذا الحديث عن عمر بن الخطاب مثل ذلك أيضًا سواء (١). فهذا عمر بن الخطاب ﵁ قد حكم للضالة بحكم اللقطة. وكذلك روي عن عبد الله بن عمر ﵄ في ذلك أيضًا وهو كما قد ٥٦٧٤ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا العوام بن حوشب، قال: حدثني العلاء بن سهيل أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يسأل عن الضالة من القدح، والشيء يجده الإنسان، فقال: اتق خيرها بشرها وشرها بخيرها ولا تضمها فإن الضالة لا يضمها إلا ضال (٢). ٥٦٧٥ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، وبشر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عمر ﵄ عن الضالة، فقال له ادفعها إلى السلطان (٣).

стр. 3365

٥٦٧٦ - حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا الخصيب بن، ناصح، قال: ثنا همام، عن نافع وأنس بن سيرين، أن رجلا سأل عبد الله بن عمر ﵄ فقال له: إني قد أصبت ناقةً فقال: عرفها فقال: عرفتها فلم تعرف فقال: ادفعها إلى الوالي (١). ٥٦٧٧ - حدثنا سلمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، أنه قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄، وقد سئل عن الضالة، فقال: ادفعها إلى السلطان أو إلى الأمير (٢). وقد روي عن عائشة زوج النبي ﷺ في ذلك أيضًا ما قد ٥٦٧٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة العدوية، أن امرأةً سألت عائشة ﵂، فقالت: إني أصبت ضالةً في الحرم، وإني عرفتها، فلم أجد أحدًا يعرفها، فقالت لها عائشة: استنفعي بها (٣). وقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثل ذلك أيضًا ما قد ٥٦٧٩ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أنا شريك، عر عامر بن شقيق، عن أبي وائل، أنه قال: اشترى عبد الله خادمًا بسبعمائة درهم، فطلب

стр. 3366

صاحبها، فلم يجده فعرفها حولا، فلم يجد صاحبها، فجمع المساكين فجعل يعطيهم، ويقول: اللهم عن صاحبها، فإن أبى ذلك فمني ذلك وعلي الثمن، ثم قال: هكذا يفعل بالضوال (١). وقد روينا عن رسول الله ﷺ وعمن روينا من أصحابه ممن قد ذكرناهم في هذا الباب التسوية بين حكم اللقطة والضالة جميعا. فدل أن ما قد جاء من هذه الآثار مما في ذلك ذكر إحداهما فهو فيها وفي الأخرى، وأن حكمهما حكم واحد في جميع ذلك. فإن قال قائل: إن الضال ما ضل بنفسه واللقطة ما سوى ذلك من الأمتعة وما أشبهها. قيل له وما دليلك على ما ذكرت؟ بل قد رأينا اللغة في ذلك أباحت أن تسمى ما لا نفس له ضالا. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإفك: "إن أمكم قد ضلت قلادتها". وقد روي عن عائشة ﵂ في الضالة أن حكمها مثل حكم اللقطة.

стр. 3367

٥٦٨٠ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن العالية امرأة أبي إسحاق أنها قالت: كنت عند عائشة ﵂ فأتتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين إني وجدت ضالةً، فكيف تأمريني أن أصنع بها؟. فقالت: عرفيها واعلفي واحتلبي قالت: ثم عادت فسألتها فقالت عائشة: تريدين أن آمرك تبيعها أو تذبحيها؟ (١) ليس ذلك لك (٢). فقد ثبت بما ذكرنا التسوية بين حكم الضوال واللقطة، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى. وقد روي عن النبي لعل ﷺ في لقطة مكة شرفها الله ما قد ٥٦٨١ - حدثنا علي بن عبد الرحمن قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في وصف مكة: "ولا تلتقط ضالتها إلا لمنشد" (٣).

стр. 3368

٥٦٨٢ - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … مثله (١). ٥٦٨٣ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير … فذكر بإسناده مثله (٢). قال أبو جعفر: وكان النضر بن شميل يقول فيما بلغني عنه في ذلك، يقول: أن معنى ذلك أنه لا ينبغي أن تلتقط ضالة في الحرم إلا أن يسمع رجلًا يطلبها وينشدها فيرفعها إليه ليراها، ثم يردها من حيث أخذها.

стр. 3369

وقد روي هذا الحديث عن رسول الله ﷺ بغير هذا اللفظ ٥٦٨٤ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: أنا عمرو بن عون، قال: أنا أبو يوسف، عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ في وصف مكة: "ولا ترفع لقطتها إلا لمنشديها" (١). ٥٦٨٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال أبو محمد الأنماطي، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل البصري، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال في وصف مكة: "ولا يرفع لقطتها إلا منشد" (٢) فهذا الحديث يمنع من أخذها إلا للإنشاد بها. فقد أباح هذا الحديث أخذ لقطة الحرم لمعرف، فاحتمل أن يكون ذلك يراد به أن تنشد ثم ترد في مكانها. واحتمل أن يكون المراد أن تنشد كما تنشد اللقطة الموجودة في سائر الأماكن

стр. 3370

والبلدان. فوجدنا عن عائشة ﵂ ما قد رويناه عنها في هذا الباب أنها سئلت عن ضالة الحرم، وأن المرأة التي سألتها أخبرتها أنها قد عرفتها فلم تجد من يعرفها، فقالت لها: استنفعي بها. فدل ذلك على أن حكم اللقطة في الحرم كحكمها في غير الحرم. وقد روي عن رسول الله ﷺ في لقطة الحاج أيضًا ما قد ٥٦٨٦ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب الزهري، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أسامة بن زيد، عن بكير بن عبد الله، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن لقطة الحاج (١). فمعنى هذا عندنا - والله أعلم - على اللقطة التي لا تنشد بها ولا تعرف بها، لأن لقطة الحرم لما أبيحت للإنشاد. وقد تكون للحاج وغير الحاج كانت لقطة الحاج في غير الحرم أحرى أن تكون كذلك أيضًا والله أعلم.

стр. 3371

٢٣ - كتاب القضاء والشهادات ١ - باب: القضاء بين أهل الذمة ٥٦٨٧ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ رجم يهوديا ويهوديةً حين تحاكموا إليه (١). قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم (٢) إلى أن أهل الذمة إذا أصابوا شيئًا من حدود الله تعالى لم يحكم عليهم بحكم المسلمين حتى يتحاكموا إليهم، ويرضوا بحكمهم، فإذا تحاكموا إليهم كان الإمام مخيرا إن شاء أعرض عنهم، فلم ينظر فيما بينهم وإن شاء حكم. واحتجوا في ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: على الإمام أن يحكم بينهم بأحكام المسلمين،

стр. 3372

وكل ما وجب على الإمام أن يقيمه على المسلمين فيما أصابوا من الحدود وجب عليه أن يقيمه على أهل الذمة غير ما يستحلونه في دينهم كشربهم الخمر وما أشبهه، فإن ذلك يختلف حالهم فيه وحال المسلمين، لأن المسلمين يعاقبون على ذلك، وأهل الذمة لا يعاقبون عليه، وما خلا الرجم في الزنا، فإنه لا يقام عندهم على أهل الذمة، لأن الأسباب التي يجب بها الإحصان في قولهم: أحدها الإسلام. فأما ما سوى ذلك من العقوبات الواجبات في انتهاك الحرمات فإن أهل الذمة فيه كأهل الإسلام، ويجب على الإمام أن يقيمه عليهم، وإن لم يتحاكموا إليه كما يجب عليه أن يقيمه على أهل الإسلام وإن لم يتحاكموا إليه. وكان من الحجة لهم في حديث ابن عمر ﵄ الذي ذكرنا أنه إنما أخبر فيه ابن عمر أن رسول الله ﷺ رجم يهودية ويهوديا حين تحاكموا إليه، ولم يقل: إن رسول الله ﷺ قال: إنما رجمتهم لأنهم تحاكموا إلي. ولو كان قال ذلك لعلم أن الحكم منه إنما يكون إليه بعد أن يتحاكموا إليه، وأنهم إذا لم يتحاكموا إليه لم ينظر في أمورهم، ولكنه لم يجئ هكذا إنما جاء عنه أنه رجمهم حين تحاكموا إليه. فإنما أخبر عن فعل النبي ﷺ وحكمه إذا تحاكموا إليه، ولم يخبر عن حكمهم عنده قبل أن يتحاكموا إليه هل يجب عليهم فيه إقامة الحد عليهم أم لا؟. فبطل أن يكون في هذا الحديث دلالة في ذلك عن رسول الله ﷺ ولا عن ابن

стр. 3373

عمر ﵄ من رأيه. ثم نظرنا فيما سوى ذلك من الآثار هل نجد فيها ما يدل على شيء من ذلك؟ ٥٦٨٨ - فإذا أحمد بن أبي عمران قد حدثنا، قال: ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: ثنا حفص بن غياث عن مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ برجل وامرأة منهم زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : "إيتوني بأربعة منكم يشهدون" (١). فثبت بهذا أن رسول الله ﷺ قد كان نظر بينهم قبل أن يحكمه الرجل والمرأة المدعى عليهما الزنا، لأنهما جميعًا جاحدان، ولو كانا مقرين لما احتاج مع إقرارهما إلى أربعة يشهدون وقد روي عن البراء بن عازب ﵁ عن رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك أيضًا. ٥٦٨٩ - حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء ﵁ قال: مر على رسول الله بيهودي قد حمم وجهه، وقد ضرب يطاف به. فقال رسول الله ﷺ : "ما شأن هذا؟ "، فقالوا: زنى

стр. 3374

قال: "فما تجدون في كتابكم؟ "، قالوا: يحمم وجهه ويعزر ويطاف به، فقال: "أنشدكم بالله ما تجدون حدّه في كتابكم؟ "، فأشاروا إلى رجل منهم، فسأله رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: نجد في التوراة الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا، وندع أشرافنا فاصطلحنا على شيء، فوضعنا هذا، فرجمه رسول الله ﷺ وقال: "أنا أولى من أحيا ما أماتوا من أمر الله " (١). ففي هذا ما قد دل أن النبي ﷺ قد كان له أن يحكم بينهم، وإن لم يحكموه، لأن في هذا الحديث أنهم مروا به عليه وهو محمم. فذكر باقي الحديث ثم رجمه رسول الله ﷺ . فلما دعاهم رسول الله ﷺ إنكارا لما فعلوه من قبل أن يأتوه، فرد أمرهم إلى حكم الله الذي قد عطلوه وغيروه، ثبت بذلك أنه قد كان له أن يحكم فيما بينهم حكموه أو لم يحكموه. فهذا ما في هذه الآثار من الدليل على ما تكلمنا فيه وأما قول الله ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فإن الذين ذهبوا إلى تثبيت الحكم يقولون: هي منسوخة.

стр. 3375

٥٦٩٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال: نسختها هذه الآية ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] (١). وقال الآخرون تأويلها ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إن حكمت، فلما اختلف في تأويل هذه الآية، وكانت الآثار قد دلت على ما ذكرنا ثبت أن الحكم عليهم على إمام المسلمين ولم يكن له تركه، لأن في حكمه النجاة في قول جميعهم، لأن من يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد فعل ما هو عليه أن يفعله. ومن يقول: هو مخير، يقول: قد فعل ما له أن يفعله، وإذا ترك الحكم فمن يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد ترك ما كان عليه أن يفعله، ومن يقول له أن لا يحكم، يقول: قد ترك ما كان له تركه فإذا حكم شهد له الفريقان جميعا بالنجاة، وإذا لم يحكم لم يشهدا له بذلك. فأولى الأشياء به أن يفعل ما فيه النجاة بالاتفاق دون ما فيه ضد النجاة بالاختلاف.

стр. 3376

وهذا الذي ذكرناه من وجوب الحكم عليهم قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. فإن قال قائل: فأنتم لا ترجمون اليهود إذا زنوا، فقد تركتم بعض ما في الحديث الذي به احتججتم. قيل له: إن الحكم كان في الزناة في عهد موسى ﵇ هو الرجم على المحصن وغير المحصن. وكذلك كان جواب اليهودي الذي سأله رسول الله ﷺ عن حد الزنا في كتابهم، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله ﷺ فكان على النبي ﷺ اتباع ذلك والعمل به، لأن على كل نبي اتباع شريعة النبي الذي كان قبله حتى يحدث الله له شريعةً تنسخ شريعته، قال الله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فرجم رسول الله ﷺ اليهوديين (١) على ذلك الحكم، ولا فرق حينئذ في ذلك بين المحصن وغير المحصن. ثم أحدث الله لنبيه ﷺ الشريعة نسخت هذه الشريعة، فقال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] فكان هذا ناسخًا لما كان قبله، ولم يفرق في ذلك أيضا بين المحصن وغير المحصن.

стр. 3377

ثم نسخ الله تعالى ذلك الحد، فجعل الحد هو الأذى بالآية التي بعدها، ولم يفرق في ذلك أيضًا بين المحصن وغير المحصن. ثم جعل الله لهن سبيلا، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ففرق حينئذ بين حد المحصن وغير المحصن فجعل حد المحصن الرجم، وحد غير المحصن الجلد، ثم اختلف الناس من بعده في الإحصان، فقال قوم (١): لا يكون الرجل محصنًا بامرأته، ولا المرأة محصنة بزوجها حتى يكونا حرين مسلمين بالغين قد جامعها وهما بالغان في نكاح صحيح. وممن قال بذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. وقال آخرون (٢): يحصن أهل الكتاب بعضُهم بعضًا، ويحصن المسلم النصرانية ولا تحصن النصرانية المسلم، وقد كان أبو يوسف قال بهذا القول في الإملاء فيما حدثني به سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف ﵀. فاحتمل قول رسول الله ﷺ : "الثيب بالثيب الرجم" أن يكون هذا على كل ثيب،

стр. 3378

واحتمل أن يكون على خاص من الثيب. فنظرنا في ذلك، فوجدناهم مجمعين أن العبيد غير داخلين في ذلك، وأن العبد لا يكون محصنًا، ثيباً كان أو بكرا، ولا يحصن زوجته، حرةً كانت أو أمةً. وكذلك الأمة لا تكون محصنةً بزوجها، حرا كان أو عبدًا، ولا تحصن زوجها حرا كان أو عبدا. فثبت بما ذكرنا أن قول النبي ﷺ : "الثيب بالثيب الرجم" إنما وقع على خاص من الثيب، لا على كل الثيب فلم يدخل فيها قد أجمعوا أنه وقع على خاص إلا ما قد أجمعوا أنه فيه داخل. وقد أجمعوا أن الحرين المسلمين البالغين الزوجين اللذين قد كان منها جماع محصنين واختلفوا فيمن سواهما. فقد أحاط علمنا أن ذلك قد دخل في قول رسول الله ﷺ : "الثيب بالثيب الرجم". فأدخلناه فيه، ولم يحط علمنا بما سوى ذلك، فأخرجناه منه. وقد كان يجيء في القياس لما كانت الأمة لا تحصن الحر، ولا يحصنها الحر، وكانت هي في عدم إحصانها إياه كهو في عدم إحصانه إياها أن تكون كذلك النصرانية لما كانت هي لا تحصن زوجها المسلم كان هو أيضًا كذلك لا يحصنها. وقد رأينا الأمة أيضًا لما بطل أن تكون تحصن الحر، بطل أن تكون تحصن العبد،

стр. 3379

فكذلك يجيء في النظر أيضا أن تكون النصرانية لما بطل أن تحصن المسلم، بطل أن تحصن الكافر قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا والله تعالى أعلم.

стр. 3380

٢ - باب القضاء باليمين مع الشاهد ٥٦٩١ - حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: ثنا زيد بن الحباب قال: أخبرني سيف بن سليمان المكي، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قضي باليمين مع الشاهد (١). ٥٦٩٢ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب قال أخبرني سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢). ٥٦٩٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، وابن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن … فذكر بإسناده مثله. قال عبد العزيز ونسيه سهيل فقال: حدثني ربيعة عني (٣).

стр. 3381

٥٦٩٤ - حدثنا فهد قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد - يعني الحماني - قال: ثنا سليمان بن بلال والدراوردي … فذكر بإسناده مثله. قال عبد العزيز فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه (١). ٥٦٩٥ - حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: حدثني عثمان بن الحكم عن زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيد بن ثابت ﵁، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢). ٥٦٩٦ - حدثنا وهبان بن عثمان، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄، عن رسول الله ﷺ … مثله (٣). ٥٦٩٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان عن جعفر، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ … مثله، ولم يذكر جابرا (٤).

стр. 3382

٥٦٩٨ - حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن رسول الله ﷺ … مثله (١). ٥٦٩٩ - حدثنا بحر، قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: حدثني عمر بن محمد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢). ٥٧٠٠ - حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني عمر بن محمد، ومالك بن أنس، ويحيى بن أيوب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ … مثله (٣). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٤) إلى القضاء باليمين مع الشاهد الواحد في خاص من الأشياء في الأموال خاصةً، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٥)، فقالوا: لا يجب أن يقضى في شيء من الأشياء إلا

стр. 3383

برجلين أو برجل وامرأتين ولا يقضى بشاهد ويمين في شيء من الأشياء وقالوا: أما ما رويتموه عن رسول الله ﷺ مما ذكر فيه أنه قضى باليمين مع الشاهد، فقد دخله الضعف الذي لا يقوم به معه حجة. فأما حديث ربيعة عن سهيل فقد سأل الدراوردي سهيلًا عنه، فلم يعرفه، ولو كان ذلك من السنن المشهورة والأمور المعروفة إذًا لما ذهب عليه (١)، وأنتم قد تضعفون من الأحاديث ما هو أقوى من هذا الحديث بأقل من هذا. وأما حديث عثمان بن الحكم عن زهير بن محمد، عن سهيل، عن أبيه، عن زيد بن ثابت ﵁ فمنكر أيضًا، لأن أبا صالح لا تعرف له رواية عن زيد. ولو كان عند سهيل من ذلك شيء ما أنكر على الدراوردي ما ذكره له عن ربيعة ويقول له: لم يحدثني به أبي، عن أبي هريرة ﵁ ولكن حدثني به، عن زيد بن ثابت ﵁، مع أن عثمان بن الحكم ليس بالذي يثبت مثل هذا بروايته. وأما حديث ابن عباس ﵄ فمنكر، لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء، فكيف تحتجون به في مثل هذا؟، وأما حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ فإن عبد الوهاب رواه كما ذكرتم. وأما الحفاظ: مالك وسفيان الثوري وأمثالهما، فرووه عن جعفر، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه جابرًا وأنتم لا تحتجون بعبد الوهاب فيما يخالف فيه الثوريَّ

стр. 3384

ومالكًا. ثم لو لم ينازع في طرق هذا الحديث وسلمت لكم على هذه الألفاظ التي قد رويت عليها لكانت محتملة للتأويل الذي لا يقوم لكم بمثلها معه الحجة، وذلكم أنكم إنما رويتم أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد، ولم يبين في هذا الحديث كيف كان ذلك السبب، ولا المستحلف من هو؟ فقد يجوز أن يكون ذلك على ما ذكرتم، ويجوز أن يكون أريد به يمين المدعى عليه وإذا ادعى المدعي، ولم يقم على دعواه إلا شاهدًا واحدا، فاستحلف له النبي ﷺ المدعى عليه، فروى ذلك ليعلم الناس أن المدعي يجب له اليمين على المدعى عليه لا بحجة أخرى غير الدعوى لا يجب له اليمين إلا بها. كما قال قوم: إن المدعي لا يجب له اليمين فيما ادعى، إلا أن يقيم البينة أنه قد كانت بينه وبين المدعى عليه خلطة ولبس، فإن أقام على ذلك بينةً استحلف له، وإلا لم يستحلف. فأراد الذي روى هذا الحديث أن ينفي هذا القول، ويثبت اليمين بالدعوى وإن لم يكن مع الدعوى غيرها فهذا وجه. وقد يجوز أن يكون ذلك أريد به يمين المدعي مع شاهده الواحد، لأن شاهده الواحد كان ممن يحكم بشهادته وحده، وهو خزيمة بن ثابت ﵁ فإن رسول الله ﷺ لقد كان عدل شهادته بشهادة رجلين

стр. 3385

٥٧٠١ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه الفرس لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي ﷺ ، فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا لهذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، فقال: "أوليس قد ابتعته منك؟ "، فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعته منك". فطفق الناس يلوذون (١) بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، وطفق الأعرابي يقول: هلم شاهداً يشهد لك أني قد بايعتك فمن جاء من المسلمين قال: يا أعرابي ويلك إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقا، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي وهو يقول: هلم شاهدًا يشهد لك أني قد بايعتك. فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: "بم تشهد؟ " فقال بتصديقك يا رسول الله! فجعل رسول الله شهادة خزيمة بشهادة رجلين (٢).

стр. 3386

فلما كان ذلك الشاهد الذي ذكرنا قد يجوز أن يكون هو خزيمة بن ثابت فيكون المشهود له شهادة واحده مستحقا لما شهد له به كما يستحق غيره بالشاهدين ما شهدا له به، فادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إلى المدعي، فاستحلفه به النبي ﷺ على ذلك، وأريد بنقل هذا الحديث ليعلم أن المدعي إذا أقام البيئة على دعواه، وادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إليه أن عليه اليمين مع بيئته. فهذه وجوه تحتملها ما جاء عن النبي ﷺ من قضائه باليمين مع الشاهد. فلا ينبغي لأحد أن يأتي إلى خبر قد احتمل هذه التأويلات، فيعطفه على أحدها بلا دليل يدله على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع، ثم يزعم أن من خالف ذلك مخالف لما روي عن رسول الله ﷺ . وكيف يكون مخالفًا لما قد روي عن رسول الله ﷺ وقد تأول ذلك على معنًى يحتمل ما قال. بل ما خالف إلا تأويل مخالفه لحديث رسول الله ﷺ ، ولم يخالف شيئًا من حديث رسول الله ﷺ . وقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما

стр. 3387

٥٧٠٢ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري قال: ثنا مسعر، عن عمرو بن مرة،، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: إذا بلغكم عن رسول الله ﷺ الحديث فظنوا به الذي هو أهنأ، والذي هو أهدى، والذي هو أتقى والذي هو خير (١). ٥٧٠٣ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وأبو الوليد قالا: ثنا شعبة، عن عمرو … فذكر بإسناده مثله غير أنه لم يقل: والذي هو خير (٢). فهكذا ينبغي للناس أن يفعلوا وأن يحسنوا تحقيق ظنونهم، ولا يقولوا على رسول الله ﷺ إلا بما قد علموه فإنهم منهيون عن ذلك معاقبون عليه. وكيف يجوز لأحد أن يحمل حديث رسول الله ﷺ على ما حمله عليه هذا المخالف وقد وجدنا كتاب الله يدفعه، ثم السنة المجمع عليها تدفعه أيضًا. فأما كتاب الله فإن الله تعالى يقول ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].

стр. 3388

وقد كانوا قبل نزول هاتين الآيتين لا ينبغي لهم أن يقضوا بشهادة ألف رجل، ولا أكثر منهم ولا أقل، لأنه لا يوصل بشهادتهم إلى حقيقة صدقهم. فلما أنزل الله ما ذكرنا فقطع بذلك العذر، وحكم ما أمر به على ما تعبد به خلقه ولم يحكم بما هو أقل من ذلك، لأنه لم يدخل فيما تعبدوا به. أما السنة المتفق عليها فهي أنه لا يحكم بشهادة جار إلى نفسه معنا ولا دافع عنها مغرمًا. فالحكم باليمين مع الشاهد الواحد على ما حمل عليه هذا المخالف لنا حديث رسول الله ﷺ فيه حكم المدعي يمينه، فذلك حكم لجار إلى نفسه بيمينه. فهذه سنة متفق عليها تدفع الحكم باليمين مع الشاهد مع ما قد دفعه مما قد ذكرنا من كتاب الله تعالى. فأولى الأشياء بنا أن نصرف وجه حديث رسول الله ﷺ إلى ما يوافق كتاب الله تعالى والسنة المتفق عليها لا إلى ما يخالفهما أو يخالف أحدهما. ولقد روي عن رسول الله ﷺ ما يدفع القضاء باليمين مع الشاهد على ما ادعى هذا المخالف لنا ٥٧٠٤ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، ومحمد بن خزيمة، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر ﵁،

стр. 3389

قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا يا رسول الله ابتزى (١) على أرضه في الجاهلية وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عيدان. فقال له: "بينتك" فقال: ليس لي بينة، قال: "لك يمينه" قال: إذًا تذهب بها قال: "ليس لك منه إلا ذلك". فلما قام ليحلف، قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع أرضًا ظالما لقي الله وهو عليه غضبان" (٢). ٥٧٠٥ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى رسول الله ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا قد غلبني على أرض كانت لي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟»، فقال: لا. فقال النبي ﷺ : "فأحلفه؟ "، فقال: إنه ليس له يمين. فقال رسول الله ﷺ : "ليس لك منه إلا ذلك". فانطلق ليحلفه، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنه إن حلف على مالك ظالما ليأكله لقي الله وهو عنه معرض" (٣).

стр. 3390

٥٧٠٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا جندل بن والق، قال: ثنا أبو الأحوص … فذكر بإسناده مثله. غير أنه قال: فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي (١). قال أبو جعفر ﵀: فلما قال رسول الله ﷺ : "بينتك أو يمينه ليس لك منه إلا ذلك" دل على أنه لا يستحق شيئاً بغير، البينة، فهذا ينفي القضاء باليمين مع الشاهد. والذي هو أولى بنا أن نحمل وجه ما اختلف في تأويله من الحديث الأول على ما يوافق هذا لا على ما يخالفه. وقد قال رسول الله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه". فدل ذلك أن اليمين لا يكون أبدًا إلا على المدعى عليه، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم من هذا الكتاب. وأما النظر في هذا فإنه يغنينا عن ذكر - أكثره فساد قول الذين ذهبوا إلى القضاء باليمين مع الشاهد، فجعلوا ذلك في الأموال خاصةً دون سائر الأشياء. فلما ثبت أنه لا يقضى بيمين وشاهد في غير الأموال كان حكم الأموال في النظر

стр. 3391

كذلك. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. وقد ٥٧٠٧ - حدثنا وهبان، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: أن معاوية ﵁ أول من قضى باليمين مع الشاهد، وكان الأمر على غير ذلك (١).

стр. 3392

٣ - باب رد اليمين قال أبو جعفر ﵀: اختلف الناس في المدعى عليه يرد اليمين على المدعي. فقال قوم: (١) لا يستحلف المدعي. وقال آخرون (٢): بل يستحلف، فإن حلف استحق ما ادعى بحلفه، وإن لم يحلف لم يكن له شيء. واحتجوا في ذلك بما قد روينا في غير هذا الموضع عن سهل بن أبي حثمة في القسامة أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: "أتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ " فقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فقال رسول الله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون؟ ". قالوا: فقد رد رسول الله ﷺ الأيمان التي جعلها في البدء على المدعى عليهم، فجعلها على المدعين [بعد أن جعلها على المدعى عليهم، فدل على جواز رد اليمين على المدى] (٣). فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى أن رسول الله ﷺ لما قال: "أتبرئكم

стр. 3393

يهود بخمسين يمينا" لم يكن من اليهود رد الأيمان على الأنصار، فيردها النبي ﷺ عليهم فيكون ذلك حجة لمن يرى رد اليمين في الحقوق إنما قال: "أتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ " فقالت الأنصار: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟. فقال النبي ﷺ أتحلفون وتستحقون؟. فقد يجوز أن يكون كذلك حكم القسامة، ويجوز أن يكون على النكير منه عليهم، إذ قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فقال لهم: أتحلفون وتستحقون؟ كما قال: أتدعون وتستحقون. فلما احتمل الحديث هذين الوجهين لم يكن لأحد أن يحمله على أحدهما دون الآخر إلا ببرهان يدله على ذلك. فنظرنا فيما سوى هذا الحديث من الآثار المروية في هذا فإذا ابن عباس ﵁ قد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". فثبت بذلك أن المدعي لا يستحق بدعواه دمًا ولا مالاً، وإنما يستحق بها يمين المدعى عليه خاصةً. هذا حديث ظاهر المعنى وأولى بنا أن نحمل ما خفي علينا معناه من الحديث الأول على ذلك. وأما وجه ذلك من طريق النظر، فإنا رأينا المدعى الذي عليه أن يقيم الحجة على

стр. 3394

دعواه، لا تكون حجته تلك جارةً إلى نفسه مغنا، ولا دافعةً عنها مغرمًا. فلما وجبت اليمين على المدعى عليه فردها على المدعي، فإن استحلفنا المدعي جعلنا يمينه حجةً له، فحكمنا له بحجة كانت منه هو بها جار إلى نفسه مغنمًا، وهذا خلاف ما تعبد به العباد فبطل ذلك. فإن قال قائل: إنما نحكم له بيمينه وإن كان بها جارا إلى نفسه، لأن المدعى عليه قد رضي بذلك. قيل له: وهل يوجب رضا المدعى عليه زوال الحكم عن جهته؟. أرأيت لو أن رجلا قال: ما ادعى علّي فلان من شيء فهو مصدق، فادعى عليه درهمًا فما فوقه، هل يقبل ذلك منه؟ أرأيت لو قال: قد رضيت بما يشهد به زيد علّي لرجل فاسق أو لرجل جار إلى نفسه بتلك الشهادة مغنمًا، فشهد زيد عليه بشيء هل يحكم بذلك عليه؟ فلما كانوا قد اتفقوا أنه لا يحكم عليه بشيء من ذلك وإن رضي به، وأن رضاه في ذلك وغير رضاه سواء، وأن الحكم لا يجب في ذلك، وإن رضي بذلك إلا بما كان يجب لو لم يرض كان كذلك أيضًا يمين المدعي لا يجب له بها حق على المدعى عليه، وإن رضي المدعى عليه بذلك. والحكم بيمينه بعد رضاه بها كحكمها قبل ذلك.

стр. 3395

فثبت بما ذكرنا بطلان رد اليمين على المدعى عليه وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 3396

٤ - باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل، هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا؟ ٥٧٠٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا إسرائيل قال: ثنا عبد الملك بن عمير، قال: ثنا جابر بن سمرة ﵄، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم اليوم، فقال: "أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم، ثم يفشوا الكذب، حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، وحتى يحلف الرجل على اليمين ولا يستحلف" (١). ٥٧٠٩ - حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: ثنا عبد الملك بن عمير … فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم، ثم يفشوا الكذب" (٢)

стр. 3397

٥٧١٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي … فذكر بإسناده مثله (١). ٥٧١١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن يزيد، قال: ثنا معاوية بن قرة المزني، قال: سمعت كهمسًا، يقول: سمعت عمر ﵁ يقول … فذكر نحو حديث أبي بكرة عن أبي أحمد (٢). قال أبو جعفر فذهب قوم (٣) إلى أن من شهد بالشهادة قبل أن يسألها أنه يكون مذموما، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٤) فقالوا: بل هو محمود مأجور على ما كان فيه من ذلك. وكان من الحجة لهم في دفع ما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى أن النبي ﷺ قال: ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، وحتى يحلف على

стр. 3398

اليمين لا يستحلف". فمعنى ذلك أن يشهد كاذباً، أو يحلف كاذبًا؛ لأنَّه قال: "حتى يفشو الكذب فيكون كذا وكذا. فلا يجوز أن يكون ذلك الذي يكون إذا فشى الكذب إلا كذبًا، وإلا فلا معنى لذكره: "فيفشو الكذب". واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما ٥٧١٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ أنه خطبهم بالجابية فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" (١). ٥٧١٣ - حدثنا عبد الله بن محمد المصري، قال: ثنا عارم، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال: والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ "ثم ينشأ قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون

стр. 3399

ويفشو فيهم السّمن" (١). ٥٧١٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن ثابت البزار، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب الجرمي، أنه سمع عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "خيركم قرني … " ثم ذكر مثله (٢). قالوا: فقد ذم النبي ﷺ في هذا الحديث الذي يشهد ولا يستشهد. قيل لهم هذا على الذي لا يستشهد في بدء الأمر، فيكون في شهادته عند الحاكم شاهدًا بما لم يشهد عليه ولا يعلمه. فعاد معنى هذا الحديث إلى معنى الحديث الأول. وذكروا في ذلك أيضًا ما ٥٧١٥ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سليم، عن مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، قال: حدثتني أم سلمة ﵂، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي على الناس زمان يكذب فيه الصادق ويصدق فيه الكاذب، ويخون فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخائن، ويشهد فيه المرء وإن لم

стр. 3400

يستشهد، ويحلف المرء وإن لم يستحلف" (١). ٥٧١٦ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، قالا جميعًا عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتى قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، ثم لا أدري أذكر الثالث أم لا؟، ثم تخلف بعدهم خلوف (٢) تعجبهم السمانة، ويشهدون ولا يستشهدون" (٣). ٥٧١٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مسهر، قال: ثنا صدقة بن خالد، قال: حدثني عمرو بن شراحيل، عن بلال بن سعد، عن أبيه قال: قلنا: يا رسول الله أي أمتك خير؟ قال: "أنا وقرني"، قال: قلنا ثم ماذا؟، قال: "ثم القرن الثاني" قال: قلنا ثم ماذا؟ قال: "ثم القرن الثالث"، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون،
следующие страницы →