← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

٤ - باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل، هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا؟ ٥٧٠٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا إسرائيل قال: ثنا عبد الملك بن عمير، قال: ثنا جابر بن سمرة ﵄، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم اليوم، فقال: "أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم، ثم يفشوا الكذب، حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، وحتى يحلف الرجل على اليمين ولا يستحلف" (١). ٥٧٠٩ - حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: ثنا عبد الملك بن عمير … فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم، ثم يفشوا الكذب" (٢)

стр. 3397

٥٧١٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي … فذكر بإسناده مثله (١). ٥٧١١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن يزيد، قال: ثنا معاوية بن قرة المزني، قال: سمعت كهمسًا، يقول: سمعت عمر ﵁ يقول … فذكر نحو حديث أبي بكرة عن أبي أحمد (٢). قال أبو جعفر فذهب قوم (٣) إلى أن من شهد بالشهادة قبل أن يسألها أنه يكون مذموما، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٤) فقالوا: بل هو محمود مأجور على ما كان فيه من ذلك. وكان من الحجة لهم في دفع ما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى أن النبي ﷺ قال: ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، وحتى يحلف على

стр. 3398

اليمين لا يستحلف". فمعنى ذلك أن يشهد كاذباً، أو يحلف كاذبًا؛ لأنَّه قال: "حتى يفشو الكذب فيكون كذا وكذا. فلا يجوز أن يكون ذلك الذي يكون إذا فشى الكذب إلا كذبًا، وإلا فلا معنى لذكره: "فيفشو الكذب". واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما ٥٧١٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ أنه خطبهم بالجابية فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" (١). ٥٧١٣ - حدثنا عبد الله بن محمد المصري، قال: ثنا عارم، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال: والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ "ثم ينشأ قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون

стр. 3399

ويفشو فيهم السّمن" (١). ٥٧١٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن ثابت البزار، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب الجرمي، أنه سمع عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "خيركم قرني … " ثم ذكر مثله (٢). قالوا: فقد ذم النبي ﷺ في هذا الحديث الذي يشهد ولا يستشهد. قيل لهم هذا على الذي لا يستشهد في بدء الأمر، فيكون في شهادته عند الحاكم شاهدًا بما لم يشهد عليه ولا يعلمه. فعاد معنى هذا الحديث إلى معنى الحديث الأول. وذكروا في ذلك أيضًا ما ٥٧١٥ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سليم، عن مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، قال: حدثتني أم سلمة ﵂، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي على الناس زمان يكذب فيه الصادق ويصدق فيه الكاذب، ويخون فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخائن، ويشهد فيه المرء وإن لم

стр. 3400

يستشهد، ويحلف المرء وإن لم يستحلف" (١). ٥٧١٦ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، قالا جميعًا عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتى قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، ثم لا أدري أذكر الثالث أم لا؟، ثم تخلف بعدهم خلوف (٢) تعجبهم السمانة، ويشهدون ولا يستشهدون" (٣). ٥٧١٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مسهر، قال: ثنا صدقة بن خالد، قال: حدثني عمرو بن شراحيل، عن بلال بن سعد، عن أبيه قال: قلنا: يا رسول الله أي أمتك خير؟ قال: "أنا وقرني"، قال: قلنا ثم ماذا؟، قال: "ثم القرن الثاني" قال: قلنا ثم ماذا؟ قال: "ثم القرن الثالث"، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون،

стр. 3401

ويحلفون ولا يستحلفون، ويؤتمنون ولا يؤدون" (١). فالكلام في تأويل هذا هو الكلام الذي ذكرنا في تأويل الآثار التي في الفصل الذي قبل هذا الفصل. واحتجوا في ذلك أيضًا بما ٥٧١٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا شعبة، عن منصور، وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم" (٢). ٥٧١٩ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ … مثله (٣).

стр. 3402

٥٧٢٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن مَوَلَة القشيري، قال: كنت أسير مع بريدة الأسلمي ﵁ وهو يقول: اللهم ألحقني بقرني الذي أنا منه وأنا معه، فقلت: وأنا؟ فدعا لي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم، وأيمانهم شهاداتهم" (١). ٥٧٢١ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم عن خيثمة، عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم وأيمانهم شهاداتهم" (٢).

стр. 3403

٥٧٢٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم … فذكر بإسناده مثله. وزاد: "ثم الذين يلونهم" مرةً أخرى: "ثم يأتي قوم … " (١). فكان من حجتنا على الذين احتجوا بهذه الآثار لأهل المقالة الأولى أن هذه الشهادة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان، وقد روي ما يدل على ذلك عن إبراهيم النخعي. ٥٧٢٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله ﵁ قال: قلنا يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" قال إبراهيم: كان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد (٢).

стр. 3404

فدلّ هذا من قول إبراهيم أن الشهادة التي ذم النبي ﷺ صاحبها هي قول الرجل: أشهد بالله بما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما يكره الحلف فإنه مكروه للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا. فنهى عن الشهادة التي هي حلف، كما نهى عن اليمين إلا أن يستحلف بها، فيكون حينئذ معذورًا ولعله أن يكون أراد بالشهادة التي ذكرنا الحلف بها على ما لم يكن لقوله: ثم يفشو الكذب فتكون تلك الشهادة شهادة كذب. وقد روي عن النبي ﷺ في تفضيل الشاهد المبتدئ بالشهادة ما ٥٧٢٤ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسأل عنها أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها" قال مالك: الذي يخبر بشهادته، ولا يعلم بها الذي هي له، أو يأتي بها الإمام (١).

стр. 3405

فهذا رسول الله ﷺ قد مدح الذي يخبر بشهادته من هي له، أو يأتي بها الإمام فيشهد بها عنده، وجعله خير الشهداء فأولى بنا أن نحمل الآثار الأول على ما وصفنا من تأويل كل أثر منها حتى لا تتضاد ولا تختلف ولا يدفع بعضها بعضًا. فتكون الآثار الأول على المعاني التي ذكرنا وتكون هذه الآثار الأخر على تفضيل المبتدئ بالشهادة من هي له أو المخبر بها الإمام. وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا الإمام، فشهدوا ابتداءً منهم: أبو بكرة، ومن كان معه حين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فرأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم عمر ﵁ على ابتدائهم إياه بذلك، بل سمع شهاداتهم. ولو كانوا في ذلك مذمومين لذمهم، وقال: من سألكم عن هذا؟ ألا قعدتم حتى تسألوا؟. فلما سمع منهم ولم ينكر ذلك عليهم عمر ﵁ ولا أحد ممن كان بحضرته من أصحاب رسول الله ﷺ دلّ ذلك أن فرضهم كذلك، وأن من فعل ذلك ابتداء لا عن مسألة محمود. فمما روي في ذلك ما ٥٧٢٥ - حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان بن مسلم وسعيد بن أبي مريم، قالا:

стр. 3406

حدثنا السري بن يحيى، قال: حدثني عبد الكريم بن رشيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فشهد على المغيرة بن شعبة، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر، فشهد فتغير لون عمر، ثم جاء آخر، فشهد، فتغير لون عمر، حتى عرفنا ذلك فيه، وأنكر لذلك، وجاء آخر يحرك بيديه فقال: "ما عندك يا سلح (١) العقاب؟ " وصاح أبو عثمان صيحةً يشبه بها صيحة عمر حتى كدت أن يغشى علي، قال: رأيت أمراً قبيحًا، فقال عمر ﵁: "الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد ﷺ فأمر بأولئك النفر فجلدوا" (٢). ٥٧٢٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: ثنا إبراهيم بن ميسرة عن سعيد بن المسيب، قال: شهد على المغيرة أربعة، فنكل زياد بن أبي سفيان، فجلد عمر بن الخطاب ﵁ الثلاثة، واستتابهم، فتاب الاثنان، وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان يقبل شهادتهما حين تابا، وكان أبو بكرة لا يقبل شهادته؛ لأنَّه أبى أن يتوب، وكان مثل النضو (٣) من العبادة (٤).

стр. 3407

٥٧٢٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثني أبو الطفيل، قال: أقبل رهط معهم امرأة حتى نزلوا، فتفرقوا في حوائجهم، فتخلف رجل مع امرأة، فرجعوا وهو بين رجليها، فشهد ثلاثة أنهم رأوه يهب كما يهب المرود في المكحلة، وقال الرابع: أحمي سمعي وبصري لم أره يهب فيها، رأيت سخنتيه يعني خصيتيه، تضربان استها، ورجليها مثل أذني حمار. وعلى مكة يومئذ نافع بن عبد الحارث الخزاعي، فكتب إلى عمر. فكتب إليه عمر: إن شهد الرابع بمثل ما شهد الثلاثة فقدمهما فاجلدهما، وإن كانا محصنين فارجمهما، وإن لم يشهد إلا بما كتبت به إليّ فاجلد الثلاثة، وخلّ سبيل الرجل والمرأة، قال: فجلد الثلاثة وخلّى سبيل الرجل والمرأة (١). فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بعضهم ابتداءً، وقبلها بعضهم، وحضر ذلك أكثرهم، فلم ينكره. فدل ذلك على اتفاقهم جميعًا على هذا المعنى، وثبت أن معاني الآثار الأول على ما ذكرنا من معانيها التي وصفناها في مواضعها. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 3408

٥ - باب الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه (١) في الظاهر ٥٧٢٨ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة ﵂ قالت: سمع النبي ﷺ جلبة (٢) خصام (٣) عند بابه، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر مثلكم وإنه يأتي الخصم، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأقضي له بذلك، وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي من قطعة النار، فليأخذها أو ليدعها" (٤). ٥٧٢٩ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب … فذكر بإسناده مثله (٥).

стр. 3409

٥٧٣٠ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة ﵂، عن رسول الله … مثله (١). ٥٧٣١ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن (٢) بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فإنها أقطع له قطعةً من النار فلا يأخذه" (٣). ٥٧٣٢ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن رسول الله … مثله (٤).

стр. 3410

٥٧٣٣ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا وكيع عن أسامة بن زيد، سمعه من عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂، قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى النبي ﷺ في مواريث بينهما قد درست (١)، وليست بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأقضي له بذلك، وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها"، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي الآخر، فقال رسول الله ﷺ : "أما إذ فعلتما هذا فاذهبا فاقتسما وتوخيا (٢) الحق ثم استهما (٣)، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" (٤). ٥٧٣٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال أنا أسامة بن زيد … فذكر بإسناده مثله (٥).

стр. 3411

٥٧٣٥ - حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع الصائغ، قال: حدثني أسامة … فذكر بإسناده مثله (١). قال أبو جعفر فذهب قوم (٢) إلى أن كل قضاء قضى به الحاكم من تمليك مال أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو من حله بطلاق، أو بما أشبهه أن ذلك كله على حكم الباطن فإن كان ذلك كله في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما حكم به. وإن كان ذلك في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان أو على خلاف ما حكم به بشهادتهما على الحكم الظاهر، لم يكن قضاء القاضي موجبًا شيئًا من تمليك، ولا تحريم، ولا تحليل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وممن قال ذلك أبو يوسف ﵀. وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن، كما قال رسول الله ﷺ : "من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار". وما كان ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة، وباطنهم

стр. 3412

الجرحة، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم الذي تعبد الله أن يحكم بشهادة مثلهم معه، فذلك تحريم في الباطن كحرمته في الظاهر. والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ في المتلاعنين. ٥٧٣٦ - حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان وقال لهما: "حسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها"، قال: يا رسول الله! صداقي الذي أصدقتها؟ قال: "لا مال لك إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منه" (١). ٥٧٣٧ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، سمع سهل بن سعد الساعدي يقول: شهدت النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين، فقال: يا رسول الله كذبت عليها إن أمسكتها (٢).

стр. 3413

٥٧٣٨ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي، أخبره أن عويمرًا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت يا عاصم لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله؟. فقال عاصم لعويمر لم تأتني بخير، فقد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها"، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ . فلما فرغا، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ بطلاقها قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين (١). ٥٧٣٩ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن عاصم بن عدي قال: جاءني عويمر … ثم ذكر مثله (٢).

стр. 3414

فقد علمنا أن النبي ﷺ لو علم الكاذب منهما بعينه لم يفرق بينهما، ولم يلاعن، ولو علم أن المرأة صادقة لحد الزوج لها بقذفه إياها. ولو علم أن الزوج صادق لحد المرأة للزنا الذي كان منها. فلما خفي الصادق منهما على الحاكم وجب حكم آخر، فحرم الفرج على الزوج في الباطن والظاهر، ولم يرد ذلك إلى حكم الباطن. فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن كذلك الفرق كلها، والقضاء بما ليس فيه تمليك أموال أنه على حكم الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يحدث في ذلك التحريم والتحليل في الظاهر والباطن جميعا، وأنَّه خلاف الأموال التي تقضى بها على حكم الظاهر، وهي في الباطن على خلاف ذلك. فتكون الآثار الأول هي على القضاء بالأموال والآثار الآخر هي على القضاء بغير الأموال من إثبات العقود وحلها حتى تتفق معاني وجوه الآثار والأحكام ولا تتضاد. وقد حكم رسول الله ﷺ في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع، ويحل له فرجها، ويحرم على المشتري. ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى بما يقول الصادق، ولم يقض بفسخ بيع

стр. 3415

ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري. فلما كان ذلك كذلك على ما وصفنا كان كذلك كل قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في الظاهر لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله.

стр. 3416

٦ - باب الحُر يجب عليه دين، ولا يكون له مال كيف حكمه؟ ٥٧٤٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، قال: كنت بمصر فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقلت: بلى، فأشار إلى رجل فجئته، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا سرّق فقلت: سبحان الله ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم، وأنت رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال إن رسول الله ﷺ سماني بسرق فلن أدع ذلك الاسم أبدًا، قلت: ولم سماك سرقًا؟ قال: لقيت رجلًا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما، فابتعتهما منه، فقلت له: انطلق معي حتى أعطيك، فدخلت بيتي، ثم خرجت من خلف لي، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي، وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج، فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني وقدمني إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "ما حملك على ما صنعت؟ " قلت: قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله! قال: "فاقضه"، قال: قلت: ليس عندي قال: "أنت سرق اذهب به يا أعرابي، فبعه حتى تستوفي حقك". قال: فجعل الناس يسومونه (١) بي، ويلتفت إليهم، فيقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نبتاعه منك، قال: فوالله إن منكم أحد أحوج إليه مني، اذهب فقد أعتقتك (٢).

стр. 3417

٥٧٤١ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال: لقيت رجلًا بالإسكندرية، يقال له: سرق، فقلت: ما هذا الاسم؟ فقال: سمانيه رسول الله ﷺ ، قدمت المدينة، فأخبرتهم أنه يقدم لي مال فبايعوني، فاستهلكت أموالهم، فأتوا بي النبي ﷺ فقال: "أنت سرق" فباعني بأربعة أبعرة، فقال له غرماؤه: ما يصنع به؟ قال: "أعتقه"، قالوا: ما نحن بأزهد في الأخر منك، قال: فأعتقوني (١). قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث بيع الحرّ في الدين، وقد كان ذلك في أول الإسلام يباع مَن عليه دين فيما عليه من الدين، إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه، حتى نسخ الله ذلك فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].

стр. 3418

وقضى رسول الله ﷺ بذلك في الذي ابتاع الثمار، فأصيب فيها فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه"، فتصدق عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا. ففي قول رسول الله ﷺ لغرمائه: "ليس لكم إلا ذلك" دليل على أن لا حق لهم في بيعه، ولولا ذلك لباعه لهم كما باع سرقًا في دينه لغرمائه، وهذا قول أهل العلم جميعًا ﵏.

стр. 3419

٧ - باب: الوالد هل يملك مال ولده أم لا؟ ٥٧٤٢ - حدثنا ربيع الجيزي، وابن أبي داود: قالا حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني عيسى بن يونس، قال: ثنا يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا، وإنه يريد أن يأخذ مالي إلى ماله، فقال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (١). ٥٧٤٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رجل: يا رسول الله!: إن لي مالًا وإن لي والدًا يريد أن يجتاح مالي، فقال رسول الله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم" (٢).

стр. 3420

قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم (١) إلى أن ما كسبه الابن من مال فهو لأبيه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: ما كسب الابن من شيء فهو له خاصةً دون أبيه. وقالوا: قول النبي ﷺ هذا ليس على التمليك منه للأب كسب الابن وإنما هو على أنه لا ينبغي للابن أن يخالف الأب في شيء من ذلك، وأن يجعل أمره فيه نافذًا كأمره فيما يملك. ألا تراه يقول: "أنت ومالك لأبيك" فلم يكن الابن مملوكًا لأبيه بإضافة النبي ﷺ إياه إليه، فكذلك لا يكون مالكًا لماله بإضافة النبي ﷺ إياه إليه. ٥٧٤٤ - وقد حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نفعني مال قط

стр. 3421

ما نفعني مال أبي بكر"، فقال أبو بكر ﵁: إنما أنا ومالي لك يا رسول الله (١). فلم يرد أبو بكر بذلك أن ماله ملكًا للنبي ﷺ دونه، ولكنه أراد أن أمره ينفذ فيه وفي نفسه، كما ينفذ أمر ذي المال في ماله بإيجابة ذلك له. فكذلك قوله: "أنت ومالك لأبيك" هو على هذا المعنى أيضًا والله أعلم. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه حرم أموال المسلمين كما حرم دماؤهم ولم يستثن في ذلك والدا ولا غيره. فمما روي عنه في ذلك ما. ٥٧٤٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، قالوا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة بن شراحيل، قال حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ وأحسبه قال: في غرفتي هذه، قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "هل تدرون أيّ يوم هذا؟ " قالوا: نعم! يوم النحر، قال: "صدقتم يوم الحج الأكبر". قال: "هل تدرون

стр. 3422

أي شهر هذا؟ قالوا: نعم! ذو الحجة، قال: "صدقتم شهر الله الأصم"، قال: "هل تدرون أيّ بلد هذا؟ "، قالوا: نعم! المشعر الحرام، قال: "صدقتم". فقال رسول الله ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا (١). ٥٧٤٦ - حدثنا علي بن معبد قال: ثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة البكراوي، قال: ثنا عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ قال في خطبة يوم النحر يوم حجة الوداع: "إن أموالكم، وأعراضكم، ودماءكم حرام بينكم في مثل يومكم هذا، في مثل شهركم هذا، في مثل بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب" (٢). ٥٧٤٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يحدث، عن أبي سعيد الخدري، أو عن أبي هريرة، وأراه أبا سعيد

стр. 3423

الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "إن أعظم الأيام حرمةً هذا اليوم، وإن أعظم الشهور حرمةً هذا الشهر، وإن أعظم البلدان حرمةً هذا البلد، وإن دماءكم، وأموالكم حرام عليكم كحرمة هذا اليوم، وهذا الشهر، وهذا البلد، هل بلغت؟ "، قالوا: نعم قال: "اللهم اشهد" (١). ٥٧٤٨ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن عن أبيه، أبيه، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ خطبهم في حجة الوداع فقال: "ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (٢). ٥٧٤٩ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال ثنا هشام بن الغاز الجرشي، قال: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄، قال: خطبنا رسول الله ﷺ … ثم ذكر مثله (٣).

стр. 3424

٥٧٥٠ - حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا غادية الجهني ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ … ثم ذكر مثله (١). ٥٧٥١ - حدثنا علي بن معبد قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا حسين بن عازب عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه عمرو قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع … فذكر مثله (٢). فجعل رسول الله ﷺ حرمة الأموال كحرمة الأبدان. فكما لا يحل أبدان الأبناء للآباء إلا بالحقوق الواجبة، فكذلك لا تحل أموالهم إلا بالحقوق الواجبة. فإن قال قائل: نريد أن يوجد ما ذكرت في الأب منصوصا عليه عن النبي ﷺ . قلت:

стр. 3425

٥٧٥٢ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال الرجل: أمرت بيوم الأضحى عيدًا جعله الله لهذه الأمة". فقال الرجل: أفرأيت إن لم أجد إلا منيحة (١) ابني أفأضحي بها. قال: "لا، ولكنك تأخذ من شعرك، وأظفارك، وتقص من شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله" (٢). قال أبو جعفر: فلما قال هذا الرجل: يا رسول الله أضحي بمنيحة ابني؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا". وقد أمره أن يضحي من ماله وحضه عليه، دلّ ذلك على أن حكم مال ابنه خلاف حكم ماله. مع أن أولى الأشياء بنا حمل هذه الآثار على هذا المعنى؛ لأن كتاب الله يدل على ذلك، قال الله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾

стр. 3426

[النساء: ١١] ثم قال ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]. فورث الله غير الولد مع الوالد من مال الابن فاستحال أن يكون المال للأب في حياة الابن ثم يصير بعضه لغير الأب في حياة الأب. ثم قال الله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فجعل الله المواريث للوالدين وغيرهم بعد قضاء الدين إن كان على الميت وبعد إنفاذ وصاياه من ثلث ماله. وقد أجمعوا أن الأب لا يقضي من ماله دين ابنه، ولا ينفذ وصايا ابنه من ماله. ففي ذلك ما قد دل على ما ذكرنا. وقد أجمع المسلمون أن الابن إذا ملك مملوكةً حل له أن يطأها، وهي ممن أباح الله له وطئها بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] فلو كان ماله لأبيه إذا الحرم عليه وطء ما كسب من الجواري كحرمة وطء جواري أبيه عليه. فدلّ ذلك أيضًا على انتفاء ملك الأب لمال الابن، وأن ملك الأب لمال الابن فيه ثابت دون أبيه. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 3427

٨ - باب الولد يدعيه الرجلان كيف حكمه فيه؟ ٥٧٥٣ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: دخل مجزز المدلجي، على رسول الله ﷺ فرأى أسامة وزيدًا، وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما، فقال: إن هذه الأقدام، بعضها من بعض، فدخل عليّ رسول الله ﷺ مسرورا (١). ٥٧٥٤ - حدثنا يونس، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري (٢) أن مجززًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام عن بعض" (٣).

стр. 3428

قال أبو جعفر: فاحتج قوم (١) بهذا الحديث، فزعموا أن فيه ما قد دلهم أن القافة يحكم بقولهم وتثبت بها الأنساب. قالوا: ولولا ذلك لأنكر النبي ﷺ على مجزز، ولقال له: وما يدريك؟. فلما سكت ولم ينكر عليه دل أن ذلك القول مما يؤدي إلى حقيقة يجب بها الحكم. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: لا يجوز أن يحكم بقول القافة في نسب ولا غيره. وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن سرور النبي ﷺ بقول مجزز المدلجي الذي ذكروا في حديث عائشة ﵂، ليس فيه دليل على ما توهموا من وجوب الحكم بقول القافة؛ لأن أسامة قد كان نسبه ثبت من زيد قبل ذلك. ولم يحتج النبي ﷺ في ذلك إلى قول أحد، ولولا ذلك لما كان دعي أسامة فيما تقدم إلى زيد. وإنما تعجب النبي ﷺ من إصابة مجزز كما تعجب من ظن الرجل الذي.

стр. 3429

بظنه حقيقة الشيء الذي ظنه، ولا يجب الحكم بذلك. وترك رسول الله ﷺ الإنكار عليه؛ لأنَّه لم يتعاطى بقوله ذلك إثبات ما لم يكن ثابتًا فيما تقدم، فهذا ما يحتمله هذا الحديث. وقد روي في أمر القافة، عن عائشة ﵂ ما يدل على غير هذا. ٥٧٥٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء: فمنه أن يجتمع الرجال العدد على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، وكن ينصبن على أبوابهن رايات، فيطؤها كل من دخل عليها، فإذا حملت ووضعت حملها جمع لهم القافة، فأيهم ألحقوه به، صار أباه، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالحق، هدم نكاح أهل الجاهلية، وأقر نكاح أهل الإسلام (١). ففي هذا الحديث أن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية، وأن رسول الله ﷺ هدم ذلك النكاح الذي كان يكون فيه ذلك الحكم، وأقر الناس على

стр. 3430

النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة، وجعل الولد لأبيه الذي يدعيه، فثبت نسبه بذلك، ونسخ الحكم المتقدم الذي كان يحكم فيه بقول القافة. وقد كان أولاد البغايا الذين ولدوا في الجاهلية من ادعى أحدًا منهم في الإسلام ألحق به. ٥٧٥٦ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد وحدثنا يونس، قال: أنا أنس، عن يحيى بن سعيد، قال: مالك في حديثه: عن سليمان بن يسار، وقال أنس: أخبرني سليمان بن يسار، أن عمر ﵁ كان يليط (١) أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام (٢). فدل ذلك أنهم لم يكونوا يلحقون بهم بقول القافة، فيكون قولهم كالبينة التي تشهد على ذلك. فلو كان قولهم مستعملًا في الإسلام كما كان مستعملًا في الجاهلية إذًا لما قالت عائشة ﵂: إن ذلك مما هدم إذا كان يجب به علم أن الصبي ممن وطئ أمة من الرجال ففي نسخ ذلك دليل على أن قولهم: لا يجب به حكم بثبوت النسب.

стр. 3431

واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما ٥٧٥٧ - حدثنا يونس، قال: أنا أنس، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن رجلين أتيا عمر ﵁، كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا لهما رجلًا من بني كعب قائفًا، فنظر إليهما، فقال لعمر: قد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة، ثم دعا المرأة، فقال: أخبريني بخبرك، فقالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيها، وهي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يطأها يظن أن قد استمر بها حمل، ثم ينصرف عنها، فأهراقت عنه دمًا، ثم خلفها ذا، تعني الآخر، فلا يفارقها حتى استمر بها حمل، فلا تدري ممن هو، فكبر الكعبي، فقال عمر ﵁ للغلام: "والِ أيهما شئت" (١). ٥٧٥٨ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان … مثله (٢). ٥٧٥٩ - حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن حاطب، عن أبيه، قال: أتى رجلان إلى عمر بن الخطاب ﵁ يختصمان في غلام من ولادة الجاهلية، يقول هذا: هو ابني، ويقول هذا: هو ابني. فدعا لهما عمر ﵁ قائفًا من بني المصطلق، فسأله عن الغلام، فنظر إليه

стр. 3432

المصطلقي ثم نظر، ثم قال لعمر: والذي أكرمك ليس لأحدهما، قد اشتركا فيه جميعًا. فقام إليه عمر فضربه بالدرة حتى اضطجع ثم قال: والله لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب ثم دعا أم الغلام فسألها، فقالت: إن هذا لأحد الرجلين قد كان غلب عليّ الناس، حتى ولدت له أولادًا، ثم وقع بي على نحو ما كان يفعل فحملت فيما أرى، فأصابني هراقة من دم حتى وقع في نفسي أن لا شيء في بطني، ثم إن هذا الآخر وقع بي، فوالله ما أدري من أيهما هو؟. فقال عمر للغلام: اتبع أيهما شئت، فاتبع أحدهما. قال عبد الرحمن بن حاطب: فكأني أنظر إليه متبعًا لأحدهما، فذهب به. وقال عمر ﵁: قاتل الله أخا بني المصطلق (١). قالوا ففي هذا الحديث أن عمر ﵁ حكم بالقافة، فقد وافق ما تأولنا في حديث مجزز المدلجي. فكان من الحجة عليهم للآخرين أن في هذا الحديث ما يدل على بطلان ما قالوا، وذلك أن فيه أن القائف قال: هو منهما جميعًا. فلم يجعله عمر عمر ﵁ كذلك، وقال له: وَال أيهما شئتَ على ما يجب في

стр. 3433

صبي ادعاه رجلان فإن أقر لأحدهما كان ابنه، فلما ردّ عمر حكم ذلك الصبي إلى حكم الصبي المدعي إذا ادعاه، رجلان، ولم يكن بحضرة الإمام قائف لا إلى قول القائف دل ذلك على أن القافة لا يجب بقولهم ثبوت نسب من أحد. وقد روي عن عمر ﵁ أيضًا من وجوه صحاح أنه جعله بين الرجلين جميعا. ٥٧٦٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن توبة العنبري، عن الشعبي، عن ابن عمر ﵄ أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت فدعا عمر ﵁ القافة، فقالوا: أخذ الشِبه منهما جميعًا، فجعله بينهما (١). ٥٧٦١ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁ … نحوه، قال: فقال لي: سعيد لمن ترى ميراثه؟ قال هو لآخرهما موتًا (٢). ٥٧٦٢ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا عوف بن أبي جميلة، عن أبي المهلب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في رجل ادعاه رجلان كلاهما يزعم أنه

стр. 3434

ابنه، وذلك في الجاهلية، فدعا عمر ﵁ أم الغلام المدعى، فقال: أذكرك بالذي هداك للإسلام، لأيهما هو؟. قالت: لا والذي هداني للإسلام، ما أدري لأيهما هو؟ أتاني هذا أول الليل، وأتاني هذا آخر الليل، فما أدري لأيهما هو؟. قال: فدعا عمر من القافة أربعةً، ودعا ببطحاء (١) فنثرها، فأمر الرجلين المدعيين فوطئ كل واحد منهما بقدم، وأمر المدعى، فوطئ بقدم، ثم أراه القافة، فقال: انظروا، فإذا أتيتم فلا تتكلموا حتى أسألكم، قال: فنظر القافة، فقالوا: قد أثبتنا، ثم فرق بينهم، ثم سألهم رجلًا رجلًا قال: فتقادعوا يعني فتتابعوا أربعتهم، كلهم يشهد أن هذا لمن هذين. قال: فقال عمر ﵁: يا عجبًا لما يقول هؤلاء، قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد، ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا، إني لأرى ما ترون، اذهب فهما أبواك (٢). ٥٧٦٣ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن رجلين اشتركا في طهر امرأة، فولدت لهما ولدًا، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب ﵁، فدعا لهما ثلاثةً من القافة، فدعا بتراب، فوطئ فيه الرجلان والغلام، ثم قال لأحدهم: انظر، فنظر، فاستقبل واستعرض، واستدبر، ثم قال: أسرّ أو أعلن؟ فقال عمر: بل أسّر. فقال: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا، فما أدري لأيهما هو؟

стр. 3435

فأجلسه، ثم قال للآخر أيضًا: انظر، فنظر، واستقبل، واستعرض، واستدبر، ثم قال: أسر أو أعلن؟ قال: بل أسر، قال: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا، فلا أدري لأيهما هو؟ فأجلسه، ثم أمر الثالث فنظر، فاستقبل، واستعرض واستدبر، ثم قال: أسر أم أعلن؟. قال: لقد أخذ الشبه منهما جميعًا، فلا أدري لأيهما هو؟. فقال عمر: إنا نقوف (١) الآثار ثلاثًا بقولها، وكان عمر، قائفا، فجعله لهما يرثانه ويرثهما. فقال لي سعيد: أتدري من عصبته؟ قلت: لا، قال: الباقي منهما (٢). قال أبو جعفر: فليس يخلو حكمه في هذه الآثار التي ذكرنا من أحد الوجهين: إما أن يكون بالدعوى؛ لأن الرجلين ادعيا الصبي وهو في أيديهما، فألحقه بهما بدعواهما، أو يكون فعل ذلك بقول القافة. وكان الذين يحكمون بقول القافة لا يحكمون بقولهم إذا قالوا: هو ابن هذين. فلما كان قولهم كذلك ثبت على قولهم أن يكون قضاء عمر ﵁ بالولد للرجلين كان بغير قول القافة. وفي حديث سعيد بن المسيب ما يدل على ذلك، وذلك أنه قال: فقال القافة: لا
следующие страницы →