← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عن الشاميين فصحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح" (١). وقال ابن معين: "إسماعيل بن عَيَّاش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلَّط في حفظه عنهم" (٢)، وقال أيضا: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلَّط ما شئت" (٣). وقد توارد على هذا المعنى جماعة من الأئمة، كعلي بن المديني، ودحيم، وعمرو بن علي الفَلَّاس، والبخاري، وأبي زرعة، وابن عدي (٤). ومن هذا الضرب أيضا: بَقِيَّة بن الوليد الحمصي، قواه الأئمة فيما إذا روى عن الثقات، وصرح بالتحديث، لكن ذلك فيما يرويه عن أهل الشام، قال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: "بَقِيَّة صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما حديثه عن عبيد الله بن عمر وأهل الحجاز والعراق فضعفه فيها جدا" (٥). وقال ابن عدي: "صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عَيَّاش، إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة

стр. 107

منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وَهِم عليهم، وربما كان الوَهْم من الراوي عنه" (١). وقال أبو زرعة في حديث رواه بَقِيَّة بن الوليد عن المسعودي فأخطأ فيه: "إذا نقل بَقِيَّة حديث الكوفة إلى حمص يكون هكذا" (٢). وتلتقي هذه الصورة مع التي قبلها فيما إذا استثنى الأئمة بعض شيوخ الراوي في البلد الذي ضعف فيه أو وثق، أو كان تضعيفه أو توثيقه في ذلك البلد متفاوتا. فمن هؤلاء معمر بن راشد، فإنه ثقة ثبت، إلا في حديثه عن أهل الحجاز وأهل العراق، فإنه يَهِم فيه، واستثنوا من أهل الحجاز حديثه عن الزهري، وعبد الله بن طاوس، ثم إنه في بعض شيوخه من أهل العراق كثابت البناني، والأعمش، أضعف من روايته عن غيرهما. قال ابن أبي خَيْثَمَة: "سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخِفْه، إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النَّجُود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب، مضطرب كثير الأوهام" (٣). وقال ابن معين أيضا: "معمر، عن ثابت: ضعيف" (٤).

стр. 108

وكذا قال ابن المديني في رواية معمر، عن ثابت، إن فيها أحاديث غرائب ومنكرة، وأشار إلى أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عَيَّاش (١). وبمعنى كلام هذين الإمامين في رواية معمر، عن ثابت، جاء عن أحمد، والعقيلي (٢). وقال أحمد: "أحاديث معمر، عن الأعمش، التي يغلط فيها، ليس هو من عبد الرزاق، إنما هو من معمر -يعني الغلط-" (٣). وقال ابن رجب: "أما معمر في الأعمش فهو سيء الحفظ جدا، كذا ذكره ابن معين، والأثرم، والدارقطني" (٤). وقد اعتذر معمر عن ذلك بقوله: "سقطت مني صحيفة الأعمش، فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي" (٥). وفَرَج بن فَضَالة الحمصي، الجمهور على تضعيف حديثه، ومن قواه فذلك في حديثه عن الشاميين خاصة، وأما حديثه عن أهل الحجاز فلا، وخاصة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال عبد الرحمن بن مهدي: "حدث فَرَج بن فَضَالة عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة منكرة" (٦). وقال أحمد: "إذا حدث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه حدث

стр. 109

عن يحيى بن سعيد مناكير" (١). وقال أبو حاتم: "صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالا ... " (٢). وعباس بن الفضل الأنصاري البصري، متروك الحديث، لكن هو فيما حدث عن البصريين أحسن حالاً مما حدث به عن الكوفيين، قواه أحمد في حديثه عن البصريين، واستثنى من ذلك حديثا باطلا (٣)، وقال ابن حبان: "كان إذا حدث عن خالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وشعبة بن الحجاج، أتى عنهم بأشياء تشبه أحاديثهم المستقيمة، وإذا روى عن عنبسة بن عبد الرحمن، والقاسم بن عبد الرحمن، وأهل الكوفة، أتى بأشياء لا تشبه حديث الثقات، كأنه كان يحدث عن البصريين من كتابه، وعن الكوفيين من حفظه، فوقعت المناكير فيها من سوء حفظه، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج بخبره" (٤). الثالثة: توثيق الراوي أو تضعيفه في رواية أهل بلد معين عنه: قد يحدث بعض الرواة في بلد فيضبط حديثه، ويضبطه أهل ذلك البلد عنه، ثم يحدث في بلد آخر فيقع في حديثه أوهام، إما بسببه، أو بسبب الآخذين عنه.

стр. 110

فمن هؤلاء: زهير بن محمد الخراساني، حديث أهل العراق عنه مستقيم، وأما حديث أهل الشام عنه فضعيف جدا، حتى إن بعض الأئمة أبدى احتمالاً أن يكون غيره، قلب أهل الشام اسمه، ويساعد هذا انتشار تدليس الشيوخ في أهل الشام، لكن كأن الجمهور على أنه هو. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله -وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد- قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروي عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل موضوعة -أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله" (١). وذكر البخاري عن أحمد قوله: "كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقلب اسمه" (٢). وقال البخاري: "ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح" (٣). وذكر الترمذي حديثا من رواية الوليد بن مسلم -وهو شامي- عنه، وسأل عنه البخاري فقال: "أنا أتقي هذا الشيخ، كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي بزهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ، ويقول: ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه، أهل الشام يروون عن

стр. 111

زهير بن محمد هذا مناكير" (١). وقد توارد على تضعيف رواية أهل الشام عن زهير بن محمد أئمة آخرون، كالعجلي، وأبي حاتم، والنسائي، وابن عدي (٢). وأيوب بن عتبة اليمامي، قواه بعضهم فيما حدث به باليمامة، دون ما حدث به بالعراق، قال أبو حاتم: "فيه لين، قدم بغداد ولم يكن معه كتبه، فكان يحدث من حفظه على التوهم فيغلط، وأما كتبه في الأصل فهي صحيحة، عن يحيى بن أبي كثير، قال لي سليمان بن شعبة هذا الكلام -وكان عالما بأهل اليمامة-، وقال: أروى الناس عن يحيى بن أبي كثير، وأصح الناس كتابا عنه" (٣). وقال أبو زرعة: "قال لي: سليمان بن داود بن شعبة اليمامي: وقع أيوب بن عتبة إلى البصرة وليس معه كتب، فحدث من حفظه، وكان لا يحفظ، فأما حديث اليمامة ما حدث به ثمة فهو مستقيم" (٤). والجمهور على تضعيف أيوب بن عتبة مطلقا، لم يفصلوا هذا التفصيل، وكأن الغالب روايات أهل العراق عنه (٥). ومعمر بن راشد البصري ثم اليمني، في حديث أهل البصرة عنه أوهام وخطأ، كان أتى إلى البصرة لزيارة أمه، فحدث من حفظه

стр. 112

فغلط (١)، قال أبو داود: "قلت لأحمد: ما حدث معمر بالبصرة؟ قال: أخطأ بالبصرة في أحاديث" (٢)، وقال أحمد أيضا: "حديث عبد الرزاق، عن معمر، أحب إلى من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر -يعني باليمن-، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة" (٣). وقال يعقوب بن شيبة: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه" (٤). وقال أبو حاتم: "ما حدث بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث" (٥). وعبد الرحمن بن أبي الزناد الفقيه المدني، مختلف فيه، لكن حديثه بالمدينة أصح وأقوى مما حدَّث به في بغداد، هكذا قاله جماعة من الأئمة، قال يعقوب بن شيبة: "في حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة حديث مقارب، وما حدَّث به بالعراق فهو مضطرب" (٦)، وقال ابن المديني أيضا: "ما حدث عبد الرحمن بن أبي الزناد بالمدينة فهو صحيح، وما حدّث به ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) خط على أحاديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، وكان يقول في حديث: عن مشيختهم، ولقنه البغداديون: عن فقهائهم، وعدّهم، فلان وفلان وفلان" (٧).

стр. 113

وقال عمرو بن علي الفلَّاس: "عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فيه ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد" (١). وكذا قال الساجي (٢). وشَرِيْك بن عبد الله القاضي، مختلف فيه أيضا، وذكر أحمد أن حديث شَرِيْك بواسط أصح من غيره، قال أبو داود، "سمعت أحمد يقول: عَبَّاد بن العوام، وإسحاق -يعني الأزرق-، ويزيد، كتبوا عن شَرِيْك بواسط من كتابه، قدم عليهم في حفر نهر، قال أحمد: سماع هؤلاء أصح عنه -يعني سماع أهل واسط-، سمعت أحمد يقول: كأن حديث أهل واسط عن شَرِيْك لا يشبه حديث شَرِيْك " (٣). وقال ابن المديني: "كان عسرا في الحديث، وإنما كان حديث شَرِيْك وقع بواسط، قدم عليهم في حفر نهر، فحمل عنه إسحاق الأزرق وغيره" (٤). وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار، لكنه قصر ذلك على إسحاق الأزرق، قال: " شَرِيْك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح، ولم يسمع من شَرِيْك من كتابه إلا إسحاق الأزرق" (٥). وجرير بن حازم البصري، ذهب إلى مصر فحدث من حفظه أحاديث وقع فيها وَهْم وغلط، قاله أحمد، والساجي،

стр. 114

وغيرهما (١). ويزيد بن هارون الواسطي، ثقة ثبت، وحديثه بواسط أقوى من حديثه ببغداد، قال أحمد: "يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع ببغداد، لأنه كان بواسط يُلَقَّن فرجع إلى ما في الكتب" (٢). ومحمد بن عبد الرحمن المدني الفقيه، المعروف بابن أبي ذئب، ثقة ثبت، إلا أن حديثه بالحجاز أصح من حديثه بالعراق، ففي حديثه بالعراق أغلاط، ذكر مسلم أن سماع الحجازيين منه صحيح، قال: "وفي حديث العراقيين وَهْم كبير، ولعله كان يُلَقَّن فيتلقَّن -يعني بالعراق-" (٣). وشَبِيْب بن سعيد الحَبَطي البصري، ثقة، وحدث بمصر أحاديث مناكير، قال ابن المديني: "ثقة، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح، وقد كتبتها عن ابنه أحمد" (٤). وقال ابن عدي: "كأن شَبِيْبا إذا روى عنه ابنه أحمد بن شَبِيْب نسخة يونس، عن الزهري -إذ هي أحاديث مستقيمة- ليس هو شَبِيْب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شَبِيْبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه، فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شَبِيْب هذا الكذب" (٥).

стр. 115

والوليد بن مسلم الدمشقي، قال ابن رجب: "ظاهر كلام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء، قال أبو داود، سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث الأوزاعي عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "عليكم بالباءة ... "، قال: هذا من الوليد، يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحمص، ليس هو عند أهل دمشق، وتكلم أحمد أيضا فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة" (١). ومحمد بن إبراهيم أبو أمية الطَّرْسُوسي، ما حدث به في مصر فيه أوهام، قال ابن حبان: "دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها، فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا ما حدث من كتابه" (٢). الرابعة: توثيق الراوي أو تضعيفه في صفة معينة في الرواية: هناك صفة في الرواية تحتاج إلى درجة عالية من الحفظ والتثبت، وربما فعلها من في حفظه شيء فلم يحكم الرواية، وهذه الصفة هي أن يجمع الراوي عددا من شيوخه فيروي عنهم جميعا، وكثيرا ما يكون بينهم اختلاف في الإسناد أو المتن، فيحمل حديث بعضهم على بعض دون تمييز، ويستدل الأئمة بهذا على أن هذا الراوي في حفظه شيء، ويتأكد هذا في حال جمعه لعدد من شيوخه.

стр. 116

ومن هؤلاء: حماد بن سلمة، قال أحمد عن حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخُشَني، عن النبي ﷺ (في آنية المشركين): "هذا من قبل حماد (يعني ذكر أبي أسماء الرَّحْبي في طريق أيوب، وأن الصواب فيه: عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة)، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال، ثم يجعله إسنادا واحدا، وهم يختلفون" (١). وقال أبو يعلي الخليلي: "ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لم لم يدخل البخاري حماد بن سلمة في "الصحيح"؟ قال لأنه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ" (٢). ومثله محمد بن إسحاق، قال أحمد في رواية إسحاق بن هانئ: "إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثا عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين -يقول: حدثني فلان وفلان- لم يحكمه" (٣). وقال المروذي: "سألته عن محمد بن إسحاق كيف هو؟ فقال: هو

стр. 117

حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا" (١). وسأله أيوب بن إسحاق بن سَافِرِي عن ابن إسحاق هل يقبله إذا تفرد بحديث، فقال: "لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا" (٢). وربما كان الراوي ضعيفا في نفسه، ويزداد ضعفا إذا صنع ذلك، مثل ليث بن أبي سُلَيم، قال ابن معين فيه: "ضعيف الحديث عن طاوس، وإذا جمع طاوس وغيره زيادة هو ضعيف" (٣). الخامسة: تقوية الراوي إذا حدث من كتابه، وتضعيفه إذا حدث من حفظه: ضبط الرواية له طريقان، أحدهما: حفظها في الصدور، والآخر: تقييدها بكتاب، ولكل واحد منهما ما يميزه، فأما حفظ الصدر فأهم ميزاته أنه لا يدخله التحريف والتبديل، إذ هو علم في صدر صاحبه، وأما الكتب فهي عرضة لذلك، فتحتاج إلى مزيد صيانة وحفظ، وإلا حُرِّفت وأدخل فيها ما ليس منها، وكانت الكتب تمثل عبئا على صاحبها حين يريد السفر، فيبحث عن شخص كفؤ ليودعها إياه (٤).

стр. 118

ولهذا السبب -وهو الخوف من التلاعب بها- عمد بعض الرواة إلى كتبه فدفنها أو أحرقها، أو غسلها، خشية أن تقع في يد من لا يعرف قيمتها أو يزورها، ومنهم من كان يوصي بذلك بعد موته (١)، قال الذهبي بعد أن ذكر عن شعبة بن الحجاج أنه أوصى بغسلها: "هذا قد فعله غير واحد، بالغسل، وبالحرق، وبالدفن، خوفا من أن تقع في يد إنسان واهٍ يزيد فيها أو يغيرها" (٢). وقد يقع ذلك -وهو التغيير في الكتاب- بسبب حادث، كما في قصة أحمد بن عمر الوادي، انهدمت داره، وتقطعت الكتب، واختلطت عليه، فصار يخطئ من كتابه (٣). وحفظ الصدر لا يعتريه حين التحديث به والنقل منه ما يعتري التحديث والنقل من الكتاب، ولاسيما حين الكبر وضعف البصر، إذ يعتري التحديث من الكتاب أو النقل منه الخطأ في قراءة بعض الكلمات، وانتقال البصر من إسناد حديث أو متنه إلى إسناد أو متن حديث آخر، وهو ما يعرف بسبق النظر، وقد تقدم شيء من ذلك في الكلام على الفرق بين أصول الرواة العتيقة وبين كتبهم الجديدة ومصنفاتهم في المبحث الأول من هذا الفصل. روى معاوية بن صالح قال: "قال يحيى (يعني ابن معين) يومًا لرجل ذاكره بحديث من حديث سفيان، عن الزبير بن عدي، عن أنس، عن النبي ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها ... "، فقال: من حدث بذا؟

стр. 119

قال: أبو عصام (يعني رَوَّاد بن الجَرَّاح)، قال يحيى: نعم رَوَّاد، نعم ذاك حدث عن سفيان، تخايل له سفيان، لم يحدثه سفيان بذا قط، إنما حدثه عن الزبير: "أتينا أنسا نشكو الحجاج ... "، وينبغي أن يكون إلى جانب سفيان: عن الربيع بن صُبَيْح، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس، عن النبي ﷺ " (١). ثم إن الحفظ في الصدر قريب التناول، يرتحل وينزل مع صاحبه حيث حَلَّ وارتحل، ولا يتهيأ ذلك في الكتاب دائما. وقد كان الاعتماد في الصدر الأول على حفظ الصدر قبل انتشار الكتابة، واتساع الرواية، بل كان بعضهم ينهى عن الكتابة، وربما عيروا من اعتمد عليها، كما قال الأوزاعي: "كان هذا العلم كريما، يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله" (٢). ثم لما اتسعت الرواية وطالت الأسانيد، وانتشرت الكتابة، وذلك في نهاية القرن الأول وما بعده، صار الاعتماد على ضبط الكتاب، إلى جانب حفظ الصدر، كما قال ابن المبارك: "لولا الكتاب ما حفظنا" (٣)، وقال أيضا: "الحبر في الثوب خلوق العلماء" (٤)، حتى خشي بعض الأئمة أن يعتمد الطلبة على الكتاب ويدعو الحفظ، قال عبد الله بن

стр. 120

إدريس: "كان أبي يقول لي: احفظ، وإياك والكتاب، فإذا جئت فاكتب، فإن احتجت يوما، أو شغلك قلبك وجدت كتابك" (١). وليس معنى ذلك أن الاعتماد على الحفظ وحده قد انقرض، فقد استقر العمل على الاكتفاء بأحد الأمرين للحفظ، حفظ الصدر، أو ضبط الكتاب، كما قال الشافعي في شروط المحدث الذي تقبل روايته: "حافظا إن حدث من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه" (٢). وقال محمد بن أبي الحوَاري: "سمعت مروان -يعني ابن محمد- يقول: ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنها غِنَى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأ واحدة وكانت فيه ثنتان لم يضره، إن أخطأ الحفظ ورجع إلى الصدق، وصحة كتب- لم يضره، قال مروان: طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب" (٣). والأمر كما قال مروان، فالاعتماد على الحفظ وحده قد قل جدا، ولذا نرى الأئمة ينصون على من ليس له كتب، فالحفظ وحده لا يقوم به إلا قوي الحافظة، وإلا وقع في أوهام، فقد سئل أحمد عن الحكم بن عطية البصري فقال: "لا أعلم إلا خيرًا"، فذكر له حديث يرويه فتعجب، ثم استدرك قائلا: "هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم

стр. 121

فيه" (١). وكذا قال أبو حاتم حين ذكر جماعة من الرواة وأنه لا يحتج بحديثهم، فقيل له: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ فقال: "كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابا ما شئت" (٢). ومن هو قوي الحافظة موصوف بذلك ربما لم يسلم من الوقوع في الخطأ إذا لم يكن له كتاب، كما في قصة أيوب السَّخْتِيَاني أحد الحفاظ الكبار، فقد سئل ابن معين عن أحاديث أيوب: اختلاف ابن عُلَيَّة، وحماد بن زيد، فقال: "إن أيوب كان يحفظ، وربما نسي الشيء"، وروى ابن معين عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب، أنه كان إذا قدم البصرة يقول: "خذوها رطبة قبل أن تتغير -ولم يكن يَكتب، ولا يُكتب-"، وقيل ليحيى: كان شعبة هَمَّ أن يترك حديث أيوب؟ قال: "كان أيوب خيرا من شعبة، ولكن لحال أنه كان يحفظ ولم يكن يكتب" (٣). ويشار هنا إلى أن انتشار الكتابة لم يحل مشكلة الخطأ في الرواية تماما، وذلك لأسباب عديدة، منها ما تقدمت الإشارة إليه من وقوع التحريف والتبديل فيها، ومنها أن كثيرا ممن كان يكتب إنما يكتب من حفظه بعد سماعه من شيخه بمدة تطول أو تقصر، وذلك لأمر يقوم في

стр. 122

الراوي نفسه كأن يكون بطيء الكتابة، فلا يمكنه ذلك في وقت السماع، أو يكتب في المجلس كتابة مبدئية، ثم ينقلها إلى الكتاب بعد، أو يقوم في شيخه، فكان بعضهم يأبى أن يكتب عنه شيء، وهذا يفسر لنا جانبا من وقوع الأخطاء في أصول الرواة وكتبهم. قال الترمذي: "أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون، ومن كتب منهم إنما كان يكتب لهم بعد السماع" (١). ومن الأسباب أيضا -وهو موضع الشاهد هنا- أن بعض من ضبط أصوله وكتبه لم يلتزم حين التحديث أن يحدث منها، بل ربما حدث من حفظه، ونحن نعرف أن من أهم مميزات ضبط الكتاب أن التحديث منه -إذا ضبط الكتاب وحرر، وصين عن الزيادة والنقص- أبعد عن الغلط والسهو، إذ حفظ الصدر مهما كانت قوة الحافظة عرضة لذلك، كما قال أحمد: "كان ابن المبارك يحدث من الكتاب، فلم يكن له سقط كثير، وكان وكيع يحدث من حفظه، فكان يكون له سقط، كم يكون حفظ الرجل؟ " (٢). وقال الذهبي: "لا ريب أن الأخذ من الصحف، وبالإجازة، يقع فيه خلل، ولاسيما في ذلك العصر، حيث لم يكن بعد نقط ولا

стр. 123

شكل، فتتصحف الكلمة بما يحيل المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال، وكذلك التحديث من الحفظ يقع فيه الوهم، بخلاف الرواية من كتاب مُحَرَّر" (١). وقد دفع هاجس الخوف من الخطأ والسهو حين التحديث من الحفظ جماعة من الرواة إلى التزام التحديث من الكتب، مع قوة حافظتهم، قال أبو بكر الخلال: "عن عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فقلت له: أوصني، فقال: لا تحدث المسند إلا من كتاب، قال: وكذلك قال علي بن المديني: قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدث إلا من كتاب" (٢). وقال ابن المديني أيضا: "ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة" (٣). وقال ابن حبان في محمد بن المثنى أبي موسى المعروف بالزَّمِن: "كان صاحب كتاب، لا يحدث إلا من كتابه" (٤). ومن طريف ما يذكر هنا قصة أبي بكر بن أبي شيبة حين ورد بغداد، فقد روى الخطيب من طريق محمد بن إبراهيم الأنماطي المعروف بمُرَبَّع قال: "قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة، فانقلبت به

стр. 124

بغداد، ونصب له المنبر في مسجد الرُّصَافة، فجلس عليه، فقال من حفظه: حدثنا شَرِيْك، ثم قال: هي بغداد، وأخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها، يا أبا شيبة (يعني ابنه إبراهيم) هات الكتاب" (١). ودفع هذا السبب بعض الأئمة إلى التزام عدم السماع من بعض الرواة الذين يخشى من خطئهم إذا حدثوا من حفظهم إلا من كتبهم، قال أحمد: "كان حفظ المقرئ (يعني عبد الله بن يزيد) رديئا، وكنت لا أسمع منه إلا من كتاب" (٢). وقال أحمد أيضا: "كل ما سمعنا من غندر من أصل كتابه -قرأه علينا-، إلا حديثا واحدا عن عبد الرحمن بن القاسم، طويل، من حديث شعبة، في بيعة أبي بكر" (٣). وقال يحيى بن معين: "قال لي عبد الرزاق: اكتب عني ولو حديثا واحدا من غير كتاب، فقلت: لا، ولا حرفا" (٤). ولا شك أن التزام الرواة التحديث من كتبهم لو تم أضبط للرواية وأحكم، كما قال الذهبي: "الورع أن المحدث لا يحدث إلا من كتاب، كما كان يفعل ويوصي به إمام المحدثين أحمد بن حنبل" (٥). غير أن الواقع بخلاف ذلك، فقد حدث الكثير من الرواة من

стр. 125

حفظهم، مع أن لهم كتبا صحيحة، ومن هؤلاء من قيل فيهم إنهم لا يحدثون إلا من كتاب، أي أنهم ربما حدثوا من الحفظ أيضا، كما قال أبو زرعة الرازي في إبراهيم بن موسى الرازي: "أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة، وأصح حديثا منه، لا يحدث إلا من كتابه، لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه" (١). وللتحديث من الحفظ أسباب عديدة، أحدها العامل النفسي، فإن القوم أصحاب حفظ، يتفاخرون بذلك، وليس من السهل على أحدهم أن يلتزم التحديث من الكتاب، ففيه غضاضة عليه، لاسيما حين يشعر أنه مقصود بذلك لخوف خطئه، كما تقدم آنفا في كلام عبد الرزاق مع يحيى بن معين. ومن ذلك قصة همام بن يحيى البصري، كان يحدث من حفظه فيخطئ أحيانا، ويخالَف فيما يروي فلا يرجع إلى كتابه، ثم إنه رجع بعد فعرف أنه يخطئ، قال عفان: "كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالَف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرا، فنستغفر الله تعالى" (٢). وقد اضطره إلى الرجوع إلى كتبه أخيرا أنه أصابته مثل الزمانة (الزمانة: المرض الدائم) فكان يحدثهم من كتبه، قاله أحمد (٣). وقد توارد جماعة من الأئمة على أن هماما يخطئ إذا حدث من

стр. 126

حفظه، وأنه قوي إذا حدث من كتابه، منهم يزيد بن زُرَيْع، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن المديني، وأبو حاتم، والساجي (١). ومن الأسباب أيضا: رحلة الراوي إلى غير بلده، فيضطر إلى التحديث من حفظه، حيث لا كتب معه، كما تقدم في الصورة الثالثة في قصة معمر، وتحديثه بالبصرة من حفظه، وشَبِيْب بن سعيد الحَبَطي، وأبي أمية الطَّرْسُوسي، وتحديثهما بمصر من حفظهما. وقال أبو حاتم في معرض كلامه عن حديث أخطأ فيه جعفر بن بُرْقَان: "قدم جعفر الكوفة وليس معه كتب، فكان يحدث من حفظه فيغلط" (٢). ومنها: أن يحال بين الراوي وبين كتابه، فقد يضيع منه، كما تقدم في الصورة الثانية في قصة معمر مع شيخه الأعمش، حيث سقطت منه صحيفته. ومثله حماد بن سلمة مع شيخه قيس بن سعد، ضاع منه كتابه في طريق مكة، فكان يحدث عنه من حفظه فيخطئ عليه (٣)، وقد قيل إنه كتبه على باب، ثم محاه (٤). وكان هُشَيْم يضعف في الزهري، فيقال إنه ضاع منه كتابه، فكان

стр. 127

يحدث بما علق في ذهنه (١). وكذلك أبو عَوَانة في قتادة، قال ابن المديني: "كان أبو عَوَانة في قتادة ضعيفا، لأنه كان ذهب كتابه ... " (٢). وذكر أحمد حديثا استنكره على شيخه محمد بن عبد الله الأنصاري، فقال: "كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر، فكان بعد يحدث من كتب غلامه، وكان هذا من تلك" (٣). أو تسرق كتبه، كما تقدم في الصورة الأولى في قصة عبد الرزاق بن عمر الدمشقي، حيث سرق كتابه عن الزهري. أو يُتلف الراوي كتبه بالدفن وغيره كما تقدم الحديث عنه في أول هذه الصورة، وكما في حال يوسف بن أسباط، قال البخاري: "قال صدقة: دفن يوسف بن أسباط كتبه، فكان بعد يقلب عليه فلا يجيء كما ينبغي، يضطرب في حديثه" (٤)، وقال البخاري أيضا في يوسف: "دفن كتبه، فكان لا يجيء حديثه بعد كما ينبغي" (٥). ومثله مُؤَمَّل بن إسماعيل العدوي، دفن كتبه فكان يحدث من حفظه، فكثر خطؤه (٦). أو يصاب بالعمى فلا يتمكن من قراءة كتابه، قال عبد الله بن علي بن المديني: "سئل أبي عن سُوَيْد بن سعيد الأنباري فحرك رأسه،

стр. 128

وقال: ليس بشيء، وقال: الضرير إذا كانت عنده كتب فهو عيب شديد، وقال: هذا أحد رجلين: إما رجل يحدث من كتابه، أو من حفظه ... " (١). ومن هؤلاء: علي بن مُسْهِر، ثقة، قال فيه العجلي: "صاحب سنة، ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب ... " (٢)، لكنه عمي في آخر عمره فصار يحدث من حفظه فيخطئ، قال أحمد لما سئل عنه: "لا أدري كيف أقول، كان قد ذهب بصره، وكان يحدثهم من حفظه" (٣). وقد قيل إنه دفن كتبه قبل ذلك، قاله عبد الله بن نُمَيْر (٤)، وأشار إليه أحمد أيضا، قال ابن رجب: "ذكر الأثرم عن أحمد أنه أنكر حديثا، قيل له: رواه علي بن مُسْهِر، فقال: إن علي بن مُسْهِر كانت كتبه قد ذهبت، فكتب بعد، فإن كان روى هذا غيره وإلا فليس بشيء يعتمد" (٥). ومحمد بن ميمون أبو حمزة السُّكَّري، ثقة صحيح الكتاب، كما قال ابن المبارك (٦)، لكنه عمي في آخر عمره، قال أحمد: "من سمع من أبي حمزة السُّكَّري -وهو مروزي- قبل أن يذهب بصره فهو

стр. 129

صالح، سمع منه علي بن الحسن قبل أن يذهب بصره، وسمع عتاب بن زياد منه بعدما ذهب بصره" (١). وقال النسائي: "لا بأس به، إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد" (٢). وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ثقة إمام مشهور، لكن الذي يظهر أن في حفظه شيئا، فكان الأئمة يأخذون عنه من كتابه وهو صحيح البصر، كما تقدم آنفا عن ابن معين، ومثله عن أحمد أيضا وغيره، وقد خطأه الأئمة في أحاديث، وذكروا أنه كان يحدث بها من حفظه (٣)، وذلك أنه لما عمي صار يحدث من حفظه، وربما لُقِّن ما ليس في كتابه، فجاءت عنه أحاديث مناكير، قال أحمد: "حديث عبد الرزاق حديث أبي هريرة: "النار جبار"، إنما هو: "البئر جبار"، وإنما كتبنا كتبه على الوجه، وهؤلاء الذين كتبوا عنه سنة ست ومئتين إنما ذهبوا إليه وهو أعمى، فلُقِّن فقَبِلَه ومَرَّ فيه" (٤)، وقال أحمد أيضا: "أتينا عبد الرزاق قبل المئتين، وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع" (٥). فهذه أسباب للتحديث من الحفظ دون الكتاب، وقد يكون هناك

стр. 130

غيرها. والحاصل أن التحديث من الحفظ ووقوع الخطأ من الراوي مع صحة كتابه كثير في الرواة، وقد أكثر الأئمة من النص عليه، كما في الأمثلة السابقة. ومن أمثلته أيضا: جرير بن حازم، ثقة، لكنه يخطئ ويهم، وعزا الأئمة ذلك إلى تحديثه من حفظه، فإن كتابه صحيح، قال ابن معين: "جرير بن حازم أمثل من أبي هلال، وكان صاحب كتاب" (١). وقال البخاري: "هو صحيح الكتاب، إلا أنه ربما وهم في الشيء" (٢). وقال ابن حبان: "كان يخطئ؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه" (٣). ويونس بن يزيد الأيلي، وثقه الجمهور، لكن وصفه وكيع بسوء الحفظ (٤)، وقال ابن المبارك: "يونس ما حدث من كتابه فهو ثقة"، عقب عليه ابن المديني بقوله: "هو بمنزلة همام، إذا حدث من كتابه عن قتادة فهو ثقة" (٥). وقال ابن المبارك أيضا: "كتابه صحيح" (٦).

стр. 131

وقال عبد الرحمن بن مهدي: "لم أكتب حديث يونس بن يزيد إلا عن ابن المبارك، فإنه أخبرني أنه كتبها عنه من كتابه" (١). وقال أحمد: "إذا حدث من حفظه يخطئ" (٢). وقال أبو زرعة: "كان صاحب كتاب، فإذا حدث من حفظه لم يكن عنده شيء" (٣). وعبد العزيز الداروردي، قال فيه أحمد: "كتابه أصح من حفظه" (٤)، وقال أيضا: "إذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ" (٥). وقال ابن معين: "الداروردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه" (٦). وقال أبو زرعة: "سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ" (٧). وعبد الله بن نافع الصائغ المدني، مختلف فيه، قال فيه البخاري: "في حفظه شيء" (٨)، وقال أيضًا: "تعرف حفظه وتنكر، وكتابه

стр. 132

أصح" (١). وقال أبو حاتم: "ليس بالحافظ، هو لين، تعرف حفظه وتنكر، وكتابه أصح" (٢). وقال ابن حبان: "كان صحيح الكتاب، وإذا حدث من حفظه ربما أخطأ" (٣). ومن دقائق هذه المسألة أن يوثق الشخص في كتابه، ويُلَيَّن في حفظه، ويستثنى من حفظه حديثه عن شيخ معين له، قال أحمد في عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري: "ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما كان من كتاب فلا بأس به، وكان يحفظ حديث يونس (يعني ابن عبيد) مثل سورة من القرآن" (٤). وغير خاف أن الفائدة من التفريق بين تحديث الراوي من حفظه وبين تحديثه من كتابه إنما تتم إذا نص الأئمة على علامة تميزهما، وقد فعلوا ذلك في كثير من الرواة، والعلامة قد تكون بعض شيوخ الراوي، أو بعض البلاد التي حدث عن أهلها، أو بعض البلاد التي حدث بها، فتلتقي هذه الصورة إذن مع الصور السابقة، وتكون سببا لها في بعض

стр. 133

الأمثلة. وقد تكون العلامة زمانية، كما تقدم آنفا في كلام أحمد في عبد الرزاق (١)، ومثله علي بن مُسْهِر، فإنه أصيب بالعمى بعيد توليه قضاء أرمينية، فترك القضاء ورجع إلى الكوفة (٢). وقد تكون بالنص على من سمع منه في الحالتين، كما تقدم آنفا أيضا عن أحمد في السماع من أبي حمزة السُّكَّري. ومثله السماع من همام بن يحيى، فقد كان أولا يحدث من حفظه، ثم صار يراجع كتابه، كما سبقت الإشارة إليه، فحالته نادرة، وقد نص أحمد على بعض من سمع منه في الحالتين، قال: "سماع من سمع من همام بأخرة هو أصح، وذلك أنه أصابته مثل الزمانة، فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان، وحَبَّان، وبَهْز، أجود من سماع عبد الرحمن، لأنه كان يحدثهم -يعني لعبد الرحمن، أي أيامهم- من حفظه" (٣). وإذا لم يوقف على نص للأئمة في تمييز التحديث من الحفظ والتحديث من الكتاب فيمكن معرفة ذلك في الحديث المعين، كأن يكون خالف فيه من هو أوثق منه، أو تفرد تفردا استنكره الأئمة، كما تقدم آنفا في كلام أحمد على علي بن مُسْهِر، وبحث هذا سيأتي موسعا في (مقارنة المرويات) إن شاء الله تعالى. وفي ختام الكلام على هذه الصورة أنبه إلى أن تقوية الأئمة لراو في كتابه -إذا لم ينصوا على خطئه إذا حدث من حفظه- لا يلزم منه

стр. 134

القدح فيه إذا حدث من حفظه، إذ قد يكون مرادهم الثناء عليه في الحالين، قال أحمد في أبي أسامة حماد بن أسامة: "كان ثبتا، صحيح الكتاب" (١)، وقد قال فيه أيضا: "كان ثبتا، لا يكاد يخطئ، ما كان أثبته" (٢). السادسة: تضعيف الراوي في آخر عمره، وتقويته قبل ذلك: يعرض لبعض الرواة ما يعرض لغيرهم من البشر، فتتناقص قواه الذهنية، وتضعف حافظته بمرور الزمن، وقد تصل في آخر مراحلها إلى الاضمحلال والعدم. وربما حدث هذا للراوي بعوامل أخرى غير الكبر، كأن يمرض، أو تصيبه مصيبة، من احتراق كتب، أو موت ولد أو أخ، أو سرقة متاع. ويعبر الأئمة عن هذه الحالة التي تحدث للراوي بالاختلاط، كما يعبرون عنها أحيانا بالتغير، أو بسوء الحفظ، مع تقييد سوء الحفظ بكونه طارئا، ويقولون أيضا: أنكر عقله، أو بعض عقله، أو أنكرناه، أو أنكر في آخر أمره، ونحو هذه العبارات. ثم قد يستمر الراوي في التحديث مع تغير حافظته، وهذا هو الغالب، وقد يرزق من يقوم عليه، ويحول دون تحديثه، كما حصل لجرير بن حازم، وعبد الوهاب الثقفي، فقد اختلط الأول قبل موته

стр. 135

بسنة، كما حدده أبو حاتم (١)، واختلط الثاني قبل موته بثلاث سنين، أو أربع، كما حدده عقبة بن مكرم (٢)، وكلاهما لم يحدث في حال اختلاطه. قال عبد الرحمن بن مهدي: "جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في اختلاطه شيئا" (٣). وقال أبو داود: "عبد الوهاب اختلط حتى حُجب الناس عنه، واختلط جرير بن حازم حتى حجبه ولده" (٤)، وقال أيضًا: "جرير بن حازم، وعبد الوهاب الثقفي، تغيرا، فحُجب الناس عنهم" (٥). ومثلهما سعيد بن عبد العزيز الشامي، قال أبو مُسْهِر: "كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه قبل أن يموت، وكان يقول: لا أجيزها" (٦). وكذلك إبراهيم بن أبي العباس الكوفي، قال ابن سعد: "اختلط في آخر عمره، فحجبه أهله في منزله حتى مات" (٧). ثم من حدث في حال اختلاطه يختلف الآخذون عنه بعد الاختلاط، فمنهم من لم يحدث بما سمعه منه بعد أن عرف أنه اختلط،

стр. 136

كما قال يحيى القطان: "أتيت الجُرَيْري فسمعته يقول: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن عمر قال: "بين كل أذانين صلاة"، فلما خرجت قال لي رجل: إنما هو عن عبد الله بن مغفل، فرجعت إليه فقلت له، فقال: عن عبد الله بن مغفل" (١). ولم يحدث القطان عنه بشيء، بل قد نهى عيسى بن يونس أن يحدث عنه، فانتهى، قال ابن معين: "سمعت عيسى بن يونس وسألوه عن حديث الجُرَيْري فقال: لست أحدث عنه، نهاني عنه فتى من أهل البصرة يقال له: يحيى بن سعيد أن أحدث عنه، لست أحدث عنه" (٢). وقال أبو نُعَيْم: "دخلت البصرة بعدما خرج الثوري من عندنا، ودخل وكيع قبلي، فأتيت سعيد بن أبي عَرُوبة فوجدته قد تغير، فلا أحدث عنه، وسمعت من الثوري عن ابن أبي عَرُوبة، فأخذت عن الثوري، عنه، ولا أحدث عنه" (٣). ومثله عبد الرحمن بن مهدي مع سعيد أيضا (٤). وقال أبو داود في إسحاق بن راهويه: "تغير قبل أن يموت بستة أشهر، فرميت بما سمعت منه في تلك الأيام" (٥).

стр. 137

ومنهم من يحدث بما سمعه من المختلط بعد اختلاطه، إلا أن بعضهم يلتزم ألا يحدث إلا بما هو من صحيح حديث المختلط لمعرفته به، إذ من المعلوم أن المختلط في حال اختلاطه إذا حدث يكون في حديثه ما هو من صحيح حديثه، وما ليس كذلك، كما قال يعقوب بن سفيان في الجُرَيْري: "هو ثقة، أخذوا عنه، من سمع منه في الصحة، لأنه كان عمل فيه السن فتغير، وكان أهل العلم يسمعون، وسماع هؤلاء الذين بأخرة فيه وفيه" (١). وقال يحيى بن معين لوكيع: "تحدث عن سعيد بن أبي عَرُوبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ ! ! فقال: رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مُسْتَوٍ" (٢). غير أن هذا لم يكن منهجا عاما للرواة عن المختلطين بعد اختلاطهم، فلذا احتاج الأئمة إلى الاشتغال بهؤلاء المختلطين، أولا من جهة درجة اختلاطهم، وثانيا لتحديد من سمع منهم قبل الاختلاط، ومن سمع منهم بعد الاختلاط. ولا شك أن هذا قد اقتضى من الأئمة جهدا مضاعفا، يدرك المتتبع له بسهولة عناءهم في سبيل ذلك، ودقتهم، ومبلغ علمهم في فنهم. فأما الأمر الأول -وهو تحديد درجة الاختلاط- فسببه تفاوت المختلطين في درجته، كما قال ابن رجب: "هم متفاوتون في تخليطهم، فمنهم من خلط تخليطا فاحشا، ومنهم من خلط تخليطا

стр. 138

يسيرا" (١)، فاحتاج الأئمة إلى بيان ذلك، ومن مجموع كلامهم يعرف الباحث درجة اختلاط الراوي، وإن اختلفت العبارة. فممن كان اختلاطه فاحشا: سعيد بن أبي عَرُوبة، قال أبو عمر الحَوْضي: "دخلت على سعيد بن أبي عَرُوبة وأنا أريد أن أسمع منه، فلما رآني قال: الأزد عريضة، ذبحوا شاة مريضة، أطعموني فأبيت، ضربوني فبكيت، فعلمت أنه مختلط، فلم أسمع منه شيئا" (٢). وقال أبو داود: "كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة، عن أنس، أو أنس، عن قتادة" (٣)، يعني أنه اختلط اختلاطا فاحشا، ولذا قال الأزدي: "اختلط اختلاطا قبيحا" (٤). ومثله عبد الرحمن بن عبد الله بن عُتْبة المسعودي، قال أبو قُتَيْبة سَلْم بن قُتَيْبة: "رأيته سنة سبع وخمسين والذَّرُّ يدخل في أذنه" (٥). وقال ابن حبان: "كان المسعودي صدوقا، إلا أنه اختلط اختلاطا شديدا حتى ذهب عقله" (٦). وعلى هذا فما يرد في حق هذين وأمثالهما من عبارات أخرى كالتغير وسوء الحفظ- فيراد به الاختلاط الشديد، وهو من تنوع العبارة، كما في قول العجلي في المسعودي: "ثقة، إلا أنه تغير

стр. 139

بآخره" (١)، وقول يعقوب بن شيبة: "كان ثقة صدوقا، إلا أنه تغير بآخره" (٢). وبضد حالهما اختلاط حصين بن عبد الرحمن أبي الهذيل الكوفي، فقد قال يزيد بن هارون: "طلبت الحديث وحصين حي، كان يقرأ عليه، وكان قد نسي" (٣)، وفي رواية أخرى عنه قال فيه: "اختلط" (٤). وكذا قال ابن معين إنه اختلط (٥)، وقال مرة: "أُنْكِر بأخرة" (٦). والظاهر أن المراد بالاختلاط هنا سوء الحفظ، وليس الاختلاط الفاحش، فقد قال الحسن بن علي الحُلْواني: "قلت لعلي (يعني ابن المديني): حصين؟ قال: حصين حديثه واحد، وهو صحيح، قلت: فاختلط؟ قال: لا، ساء حفظه، وهو على ذاك ثقة" (٧). وكذا قال أبو حاتم إنه ساء حفظه في الآخر (٨)، وقال النسائي: "تغير" (٩). ومثله سعيد بن إياس الجُرَيْري، أحد الثقات، وقد تغير حفظه في الآخر، وصار يقبل التلقين، وقد وصفه غير واحد بالاختلاط، منهم محمد بن أبي عدي، ويزيد بن هارون، وهما من الآخذين عنه، وابن سعد، وابن

стр. 140

معين، والعجلي، وغيرهم (١). وقال أحمد: "سألت ابن عُلَيَّة عن الجُرَيْري فقلت له: يا أبا بشر أكان الجُرَيْري اختلط؟ قال: لا، كبر الشيخ فَرَقَّ" (٢). وقال أبو حاتم: "تغير حفظه قبل موته" (٣). وقال ابن حبان: "لم يكن اختلاطه اختلاطا فاحشا" (٤). وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما يرد من اختلاف عن الأئمة في إثبات اختلاط راو أو نفيه. وأما الأمر الثاني -وهو تمييز من سمع قبل أو بعد الاختلاط- فقد حرص الأئمة على تتبع من سمع من الراوي قبل اختلاطه، ومن سمع منه بعد اختلاطه، والنص على ذلك، وأعلاه أن يأتي ذلك عن الراوي عن المختلط، كما في قول محمد بن أبي عدي: "كنا نأتي الجُرَيْري وهو مختلط -لا نكذب الله- فنلقنه الحديث مثل ما هو عندنا، فيجيء به مثل ما عندنا" (٥). وقال أبو حاتم في محمد بن الفضل السَّدُوسي المعروف بعارم: "اختلط في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتبت عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم أسمع

стр. 141

منه بعد الاختلاط" (١). وأكبر اعتماد الأئمة في تمييز ذلك على تحديد زمن اختلاط الراوي، مقارنين ذلك بأعمار الراوة، ورحلاتهم، ولقيهم لمشايخهم، فقد وضعوا ضوابط كلية لتمييز السماع من بعض المختلطين. فمن ذلك أن عطاء بن السائب الثقفي الكوفي كان قد تغير وساء حفظه في آخر عمره، فذكر أحمد أن من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب (٢). وكذا قال أبو حاتم إن حديث البصريين عنه فيه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم في آخر عمره (٣). وقال كَهْمَس بن الحسن في سعيد بن إياس الجُرَيْري: "أنكرنا الجُرَيْري أيام الطاعون" (٤)، وفي رواية: "قبل الطاعون" (٥). والطاعون كان سنة إحدى وثلاثين ومئة (٦)، أو اثنتين وثلاثين ومئة (٧)، وقد قال أبو داود: "كل من أدرك أيوب فسماعه من جيد" (٨)، وكانت وفاة أيوب سنة إحدى وثلاثين ومئة (٩).

стр. 142

وقال أبو داود في تحديد زمن اختلاط سعيد بن أبي عروبة: "قال عبد الأعلى: تغير عند الهزيمة" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد يوقت فيمن سمع من سعيد بن أبي عروبة، قبل الهزيمة فسماعه صالح، والهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومئة، قال أبي: وهذه هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي كان خرج على أبي جعفر" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: من سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة -كأن أبي ضعفهم-، فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال: من سمع منه بالكوفة -مثل محمد بن بشر، وعبدة- فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة" (٣). وكذا قال غير واحد من الأئمة إنه اختلط بعد الهزيمة (٤). وقد قيل إنه قد اختلط قبل ذلك بمدة طويلة، وقيل بعد ذلك (٥). وقال أحمد أيضا: "سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديما، وأبو نُعَيْم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد" (٦)؛ وقال أيضا: "كل من سمع المسعودي بالكوفة فهو جيد، مثل وكيع، وأبي نُعَيْم، وأما يزيد بن هارون،

стр. 143

وحجاج، ومن سمع منه ببغداد، وهو في الاختلاط، إلا من سمع منه بالكوفة" (١). وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار: "المسعودي من قبل أن يختلط كان ثبتًا، ومن سمع منه ببغداد فسماعه ضعيف" (٢). وقال ابن معين: "من سمع من المسعودي في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع، ومن سمع منه في زمان المهدي فليس سماعه بشيء" (٣). وهذه الضوابط تفيد الباحث في الترجيح عند اختلاف الأئمة في سماع بعض الرواة من المختلط، وفي إلحاق من لم ينص عليه الأئمة إن أمكن ذلك، وكذلك تفيد فيما إذا لم ينص الأئمة على أحد ممن روى قبل الاختلاط أو بعده، كما في قريش بن أنس البصري، فإنه اختلط، وحددوا وقت اختلاطه بأنه قبل وفاته بست سنين، لكن لم يميزوا سماع الرواة منه (٤)، قال ابن حجر مستفيدًا من تحديد التاريخ: "سماع المتأخرين منه بعد اختلاطه، مثل ابن أبي العوام، ويزيد بن سنان البصري، وبكار القاضي، وأبي قلابة، والكديمي" (٥). وليس الأمر بالسهولة التي قد تبدو من العرض السابق، فهناك بعض العقبات لابد من تجاوزها لتمييز الراوين عن المختلط، من أهمها

стр. 144

أن الناقلين لوقت اختلاطه قد يختلفون، وهذا قد يكون مرجعه إلى ما تقدم آنفًا من أن الاختلاط يبدأ في الغالب شيئًا فشيئًا، فأول أمره النسيان، ويمكن التمثيل لهذا بتحديد اختلاط الجُرَيْري، فقد ذكر كَهْمَس بن الحسن كما تقدم آنفًا أنهم أنكروه أيام الطاعون، أو قبل الطاعون، وقد وقع سنة إحدى وثلاثين ومئة، أو اثنتين وثلاثين، فعلى هذا يكون الجُرَيْري قد اختلط نحوا من أربع عشرة سنة، لأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومئة (١)، وقد قيل إنه اختلط قبل موته بسبع سنوات (٢)، وقيل بثلاث سنوات (٣). ويؤيد هذا الجمع قول يزيد بن هارون: "سمعت من الجُرَيْري سنة اثنتين وأربعين ومئة، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم ننكر منه شيئا، وقد كان قيل لنا إنه قد اختلط" (٤)، وقال أيضا: "ربما ابتدأنا الجُرَيْري، وكان قد أُنْكِر" (٥). وبهذه الطريقة جمع ابن حجر بين الأقوال المختلفة في وقت اختلاط سعيد بن أبي عروبة (٦). ويمكن إرجاع كثير من اختلاف الأئمة في سماع بعض الرواة من المختلطين هل هو قبل الاختلاط أو بعده إلى هذا السبب، كما في اختلافهم في سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي

стр. 145

عَرُوبة (١). وبكل حال فالقاعدة العامة هنا أن من ذكر تاريخا متقدما فقوله المقدم، ويمثل لذلك بتحديد اختلاط محمد بن الفضل المعروف بعارِم، فقد ذكر أبو حاتم أنه كتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة -يعني ومئتين-، ولم يسمع منه بعد الاختلاط، لكنه قال: "فمن كتب عنه قبل سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين" (٢). هذا قول أبي حاتم، وأما أبو داود فقال: "بلغنا أنه أُنْكِر سنة ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، واستحكم الاختلاط سنة ست عشرة ومئتين" (٣). وروى العقيلي عن جده بعد أن ساق له حديثا رواه عن عارِم سنة ثمان ومئتين: "حججت سنة خمس عشرة، ورجعت إلى البصرة، وقد تغير عارِم، فلم أسمع منه بعد شيئا حتى مات" (٤). وذكر العقيلي أيضا قصة لعارِم، عن سعيد بن عثمان أبي أمية الأهوازي حدثت سنة سبع عشرة ومئتين، وعارِم قد تغير (٥). وذكر أيضا قصة لعفَّان بن مسلم أشار فيها إلى تغير
следующие страницы →