← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يقع اختلاف بينها وبين كتب الراوي التي نقل إليها، وهي المرجع حين يشك الراوي في شيء من حديثه، أو يرتاب الناقد في أمر الراوي فيطالبه بإحضار أصوله. وكثيرا ما يردد البخاري في كتبه رجوعه إلى أصوله فيقول: "كذا في العتيق"، أو "ليس في العتيق"، ونحو ذلك (١). ومن النصوص في تمييزهم بين النوعين -وهي نصوص تبرز بوضوح دقتهم المتناهية في النقد والتمحيص- قول عبد الله بن أحمد: "سئل أبي عن بَقِيَّة، وإسماعيل بن عَيَّاش، فقال: بَقِيَّة أحب إلي، نظرت في كتابه عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح، وفي "المصنف" أحاديث مضطربة، وإذا حدث بَقِيَّة عن قوم ليس بمعروفين فلا -يعني تقبلون-" (٢). وقال ابن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع من حماد بن سلمة نسخا فهو صحيح" (٣). وقال الحسين بن حِبَّان: "قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فال: لا يكون صدوقا أبدا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ، والشيء، فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه على أحد

стр. 72

فلا، فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابا عتيقا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شُبِّه له وأخطأ كما يخطئ الناس، فيرجع عنها، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل، وهي في النسخ؟ قال: لا يقبل ذلك منه، قلت: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة وليس أجدها؟ فقال: هو كذاب أبدا حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين، لا يحل فيه غير هذا" (١). وقال زكريا بن يحيى الحُلْواني: "رأيت أبا داود السِّجِسْتاني صاحب أحمد بن حنبل قد ظاهر بحديث ابن كاسِب، وجعله وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في "مسنده" أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مُغَيَّرة بخط طَرِي، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها" (٢). ونقل يعقوب الفَسَوي عن عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحَيْم قوله: "كان سليمان -يعني ابن عبد الرحمن، ابن بنت شُرَحْبِيْل- صحيح الكتاب، إلا أنه كان يُحَوِّل، فإن وقع فيه شيء فمن النقل" (٣). وكان لسفيان بن وكيع بن الجراح وَرَّاق يدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصحه أبو حاتم الرازي في جماعة من أهل الحديث، قال أبو حاتم: " ... قلت: ترمي بالمخَرَّجات، وتقتصر على الأصول، ولا تقرأ إلا من أصولك، وتنحي هذا الوراق عن نفسك، وتدعو بابن كَرَامة

стр. 73

وتوليه أصولك، فإنه يوثق به، فقال: مقبول منك، وبلغني أن وراقه كان قد أدخلوه بيتا يتسمع علينا الحديث، فما فعل شيئا مما قاله، فبطل الشيخ، وكان يحدث بتلك الأحاديث التي أدخلت بين حديثه، وقد سرق من حديث المحدثين" (١). ومن طريف ما يذكر هنا ما رواه الخطيب من طريق أبي بكر بن شاذان قال: "سمعت أبا بكر عبد الله بن سليمان (ولد أبي داود صاحب "السنن") يقول -وكان ربما غلّطه أبو محمد بن صاعد، فيخرج أبو بكر أصله فيطرحه إلى الحاضرين ويقول والأبيات له-: على الكذاب لعنة من تعالى ... وخزي دائم أبدا يزيد فإن قال المزور: ما كذبنا ... فهات الأصل رمّا لا جديد ففيه إن أتيت به بيان ... وإلا أنت كذاب عنيد وقلت لصاحبي: اهجره مليا ... فعن رسم ابن حنبل لا محيد إذا ما كان سلكك حنبليا ... فبورك نظم سلكك يا سعيد" (٢) ومن قوله أيضا: إذا تشاجر أهل العلم في خبر ... فليطلب البعض من بعض أصولهم إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن ... لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم فاصدع بحق ولا تأبى نصيحتهم ... واخرج أصولك إن الفرع متهم (٣)

стр. 74

والراوي متى أخرج أصوله العتيقة برئ من العهدة، وتبين أنه قد سمع تلك الأحاديث، ما لم تقم قرينة أقوى تدل على أن الراوي قد استعد للكذب منذ صباه، وعمل أصولا روى منها فيما بعد، أو ألحق خطه في السماع بأصول عتيقة، قال ابن حبان في -أحمد بن محمد بن الأزهر السِّجِسْتاني- بعد أن ذكر أنه يغرب عن الثقات بما لا يتابع عليه: "فقلت له: يا أبا العباس أحب أن تريني أصلك، فأخرج إليَّ كتابه بخط عتيق ... ، فكأنه كان يعملها في صباه" (١). خامسًا: النظر في أحاديث الراوي ومروياته: من الوسائل المهمة جدا لمعرفة عدالة الراوي وضبطه أن يتأمل الناقد أحاديثه ورواياته، ويقلبها، ويعرضها على ما تحصل لديه من معلومات تتعلق بأمور كثيرة لا حصر لها، مثل شيوخ الراوي، وهل يمكن سماعه منهم؟ وماذا عند هؤلاء الشيوخ من الأحاديث؟ وكيف رواها أصحابهم الآخرون عنهم؟ وماذا في الباب المعين من الأحاديث؟ ثم أحاديث الراوي نفسها وسلامة متونها واستقامتها؟ ونحو ذلك. فمن ذلك قول المروذي: "قلت (يعني لأحمد): جابر الجُعْفي؟ قال لي: كان يرى التشيع، قلت: يتهم في حديثه بالكذب؟ فقال لي: من طعن فيه فإنما يطعن بما يخاف من الكذب، قلت: الكذب؟ فقال: إي والله، وذاك في حديثه بين" (٢).

стр. 75

وكان عبد الله بن وهب المصري يتساهل قليلا في السماع، ويصرح بالتحديث في الإجازة، وقد قيل لأحمد بعد أن أثنى عليه وبين صحة حديثه: أليس كان سيء الأخذ؟ قال: "قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحا" (١). ولا شك أن هذه مهمة شاقة جدا، سهلها عليهم استعدادهم المسبّق للنقد والتمحيص؛ إذ يمضي الناقد قدرا كبيرا من عمره في الجمع والتحصيل، ليتمكن من المقارنة والموازنة والنظر، فالسنة أو غالبها بين ناظريه. وهناك عدة محاور يدور حولها النظر في أحاديث الراوي ومروياته تكشف حاله، وهي: ١ - اعتداله أو مجازفته في الرواية: مما يستدل به على صدق الراوي وثبته أن يروي أشياء يمكن تصديقه فيها، فيروي عمن يحتمل سنه إدراكهم، ويروي أحاديث مستقيمة المتون، ولا يعرف عنه رواية ما لا يقبله العقل. ومن هذا الباب أن يستدل الأئمة على صدق الراوي بروايته عن شخص مباشرة، وروايته عنه بواسطة واحد أو أكثر، ولو كان مجازفا لحدث عنه بالجميع دون واسطة، كما في قول ابن معين وسئل عن روح بن عبادة: "ليس به بأس، صدوق، حديثه يدل على صدقه، يحدث عن ابن عون، ثم يحدث عن حماد بن زيد، عن ابن عون" (٢).

стр. 76

وقال أبو داود في الليث بن سعد: "روى الليث بن سعد عن الزهري، وروى عن خمسة عن الزهري، حدث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري" (١)، وقال أيضا: "روى أحاديث عن رجل، ورواها عن الرجل، عن الرجل، كان يكتب على الوجه ... ، ليس أحد ينزل نزوله" (٢). ومما يستدل به على صدق الراوي وتثبته اعترافه بالخطأ إذا نبه عليه، وعدم إصراره، قال الميموني: "أكبر ظني أن أبا عبد الله ذكر عبد الله بن رجاء فوثقه وفَضَّله، قلت: فما قصته؟ قال: كان ثَمَّ غلط ووهم، وقد حدَّث يوما بحديث، فقيل له: غلطت فيه، فقال: الله المستعان على غلطنا في غيره أيضا -أو قد غلطنا-، قال لي أبو عبد الله: فإذا كان الشيخ يقر بهذا تعلم أنه سليم، وربما خرج الشيء من الإنسان فيشهد له القلب بالصدق" (٣). وكذلك مما يستدل به على تثبت الراوي تقصيره بالأحاديث، كأن يقفها على شخص، وغيره يرفعها عن آخر فوقه، كما في قول أبي حاتم عن عمر بن الوليد الشَّنِّي: "ما أرى بحديثه بأسا، ومن تثبت عمر أن عامة حديثه عن عكرمة فقط، ما أقل ما يجوز به إلى ابن عباس، لا شبه شبيب بن بشر الذي جعل عامة حديثه عن عكرمة، عن ابن عباس" (٤).

стр. 77

وبضد ذلك إذا جازف في الرواية، وادعى السماع من أناس لا يحتمله سنهم، أو حكى حكايات يبعد وقوعها، أو نسب إلى رسول الله ﷺ ما يترفع عن مثله آحاد الناس، أو روى ما فيه مبالغة في الثواب والعقاب، أو روى أحاديث مشهورة عن إمام، ثم قلبها عن إمام آخر، أو لزم إسنادا واحدا كلما عنَّ له شيء رواه بهذا الإسناد، ونحو ذلك، فإن هذا يستدل به العلماء على كذب الراوي أو شدة غفلته. قيل لشعبة: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: "إذا روى عن النبي ﷺ : "لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها"- علمت أنه يكذب" (١). وحدث عبد الله بن زياد بن سَمْعان، عن مجاهد، وعنده ابن إسحاق، فقال ابن إسحاق: "تالله ما رأيت كاليوم قط، أنا أكبر منك، ما سمعت من مجاهد ولا رأيته" (٢). وروى عبد الله بن أحمد قال: "حدثني أبي، عن أبي بكر بن عَيَّاش، قال: قلت للأحوص بن حكيم في حديث، قلت له: عن النبي ﷺ ؟ قال: أوليس الحديث كله عن النبي ﷺ " (٣). وقال عبد الرزاق: "سالت وكيعا عن يحيى بن العلاء: ما تقول فيه؟ قال: ما رأيت فصاحته؟ قلت: على ذلك ما تنكرون منه؟ قال: يكفي أنه روى عشرين حديثا في خلع النعل على

стр. 78

الطعام" (١). وقال يحيى بن سعيد القطان: "قلت لحرام بن عثمان: عبد الرحمن بن جابر، ومحمد بن جابر، وأبو عتيك بن جابر - هم واحد؟ قال: إن شئت جعلتهم عشرة"، فسأله علي بن المديني: أي شيء يريد هذا؟ قال: "كأنه لا يبالي" (٢). وقال أحمد: "أبو بكر بن أبي سَبْرة كان يضع الحديث، قال حجاج: قال لي أبو بكر السَّبْري: عندي سبعون ألف حديث في الحلال والحرام" (٣). وقال أحمد أيضا: "كان يقدم علينا من البصرة رجل يقال له: الهيثم بن عبد الغفار الطائي، يحدثنا عن همام، عن قتادة رأيه، وعن رجل يقال له: الربيع بن حبيب، عن ضِمَام، عن جابر بن زيد، وعن رجاء بن أبي سلمة- أحاديث، وعن سعيد بن عبد العزيز، وكنا معجبين به، فحدثنا بشيء أنكرته وارتبت به، ثم لقيته بعد فقال لي: ذاك الحديث اتركه -أو دعه-، فقدمت على عبد الرحمن بن مهدي فعرضت عليه بعض حديثه، فقال: هذا رجل كذاب -أو قال: غير ثقة-، ولقيت الأقرع بمكة فذكرت له بعض هذه الأحاديث، فقال: هذا حديث البُرِّي، عن قتادة -يعني أحاديث همام- قلبها، فَخَرَّقت حديثه، وتركناه

стр. 79

بعد" (١). وقال أبو طالب: "قال أحمد بن حنبل: عباد بن كثير أسوأ حالا من الحسن بن عمارة، وأبي شيبة إبراهيم بن عثمان، روى أحاديث كاذبة لم يسمعها، وكان من أهل مكة، وكان صالحا، قلت: فكيف كان يروي ما لم يسمع؟ قال: البلاء الغفلة" (٢). وسئل أبو داود عن بَزِيْع بن عبد الله صاحب الضحاك بن مُزاحِم فقال: "ليس بشيء، سمعت يحيى بن معين قال: كان كلما قيل له في شيء قال: سمعت الضحاك" (٣). وسئل أبو داود أيضا عن الحسن بن علي اللؤلؤي فقال: "كذاب، غير ثقة ولا مأمون، قال لي أبو ثور: ما رأيت أكذب من اللؤلؤي، كان على طرف لسانه: ابن جريج، عن عطاء" (٤). وسأل البَرْذَعي أبا زرعة عن حُمَيْد المكي مولى علقمة فضعفه، ثم سأل أبا حاتم عنه فقال: "إنه قد لزم عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ " (٥). وقال أبو حاتم أيضا في ناصح بن عبد الله الكوفي: "ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عن سماك، عن جابر بن سَمُرة، مسندات في الفضائل، كلها منكرات، كأنه لا يعرف غير سماك، عن

стр. 80

جابر ... " (١). وقال البَرْذَعي: "سألت أبا زرعة عن معاوية بن أبي العباس، فقال: نظرت بدمشق في كتاب لمروان بن معاوية، عن معاوية هذا، فرأيت أحاديث عن شيوخ الثوري، وأحاديث يعرف بها الثوري، وأبوابا للثوري، فاستربته وتركته، قال أبو زرعة: فذكرت ذلك لابن نُمَيْر، فقال: كان هذا جار الثوري، أخذ كتب الثوري فرواها عن شيوخه" (٢). وقال البَرْذَعي أيضا: "قلت: عبد الله بن محمد بن عجلان؟ قال: قد سمعت به ولم أكتب من حديثه شيئا ... ، قلت: فمحله عندك محل أهل الصدق؟ قال: لا أدري حتى يُعرض عليَّ من حديثه شيئا، ثم قال لي: هل تحفظ من حديثه شيئا؟ قلت: كتبت من حديثه حديثا شبه الباطل، عن إبراهيم بن حمزة عنه، قال: ما هو؟ قلت: يحدث عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن أهل لا إله إلا الله"، فقال: سبحان الله، ما أعظم ما قال، ما أعرف هذا عن النبي ﷺ إلا عن أبي سهيل بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ ، ثم قال لي: ينبغي أن يُتَّقَى حديث هذا الشيح" (٣). وذكر علي بن المديني أبا داود سليمان بن عمرو النخعي فقال: "أخبرني سهل بن حسان قال: كان في حجر أبي داود كتاب فيه مصنف ابن أبي عروبة، وهو يركب عليه الأسانيد يقول: حدثنا خُصَيْف، وحدثنا حصين، وحدث عن مشيخة حسبت مولده وموتهم فإذا موتهم

стр. 81

قبل مولده، منهم مَعْبَد بن خالد، ومهاجر أبو الحسن" (١). وقال الآجُرِّي: سألت أبا داود عن إسماعيل بن رافع المدني ثم البصري، فقال: "ليس بشيء، سمع من الزهري، فذهبت كتبه، فكان إذا رأى كتابا قال: هذا قد سمعته" (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه عبد الكريم بن الناجي، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف ليبيع من يهودي أو نصراني كان له من الله مَقْت"- قال أبي: هذا حديث كذب باطل، قلت: تعرف عبد الكريم هذا؟ قال: لا، قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب" (٣). وقال أبو جعفر الشَّعِيْري: "لما حدث غلام خليل عن بكر بن عيسى، عن أبي عَوَانة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، قلت: يا أبا عبد الله فإن هذا الرجل حدث عنه إبراهيم بن عَرْعَرة، وأحمد بن حنبل، وهو قديم الوفاة، ولم تلحقه أنت ولا من في سنك، ففكر في هذا، قال: ثم خفته فقلت له: أحسبك سمعت من رجل يقال له: بكر بن عيسى، حدثك عن بكر بن عيسى هذا، قال: فسكت، وافترقنا، فلما كان من الغد قال لي: يا أبا جعفر علمت أني نظرت البارحة فيمن سمعت منه بالبصرة يقال له: بكر بن عيسى- فوجدتهم ستين رجلا" (٤).

стр. 82

وترجم ابن حبان، وابن عدي، لأحمد بن طاهر بن حرملة أبي طاهر المصري، وذكرا عنه حكايات تدل على كذبه ومجازفته، منها ما ذكره ابن حبان عنه أنه كان على سطح، فمر به حمام فقال: يشبه أن يكون حمامنا الفلاني الذي طار، فقال له إنسان: هذا في الهواء كيف تعرفه؟ فذرق الطير فإذا هو مكتوب: "صدق" على الأرض بذرقه، وقال فيه ابن عدي: "ضعيف جدا، يكذب في حديث رسول الله ﷺ إذا روى، ويكذب في حديث الناس إذا حدث عنهم" (١). وقال ابن حبان في أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي: "يروي عن العراقيين، كان يضع الحديث عليهم، كان في أيامنا ببغداد باق، فراودني أصحابنا على أن أذهب إليه، فأخذت جزءا لأسمع منه بعضها، فرأيته حدث عن يحيى بن سليمان بن نَضْلَة، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لرد دانق من حرام أفضل عند الله من سبعين حجة مبرورة" ... ، فعلمت أنه يضع الحديث، فلم أذهب إليه، ورأيته يروي عن أبي عبيد، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، وعن مُسَدَّد، وما أحسبه رآهم" (٢). وقال ابن عدي في أحمد هذا: "رأيته في سنة سبع وتسعين ومئتين، يحدث عن ثابت الزاهد، وعبد الصمد بن النعمان، وغيرهما من قدماء الشيوخ، قوم قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، وما رأيت في الكذابين أقل حياء منه ... " (٣).

стр. 83

٢ - مشاركته لغيره أو تفرده: أولى الأئمة في حكمهم على الراوي تفرده بالرواية عناية خاصة، فإذا كان الراوي قد وافقه غيره فيما يرويه دل ذلك على صدقه وتثبته، وإذا تفرد عن غيره فيما يرويه أو في بعض ذلك أوجد في نفوسهم ريبة أن يكون غير صادق، أو غير ضابط، مع مراعاة أمور أخرى في الراوي، وزمنه، وشيخه الذي يروي عنه. وهذه أمور تحتها تفاصيل، يأتي الحديث عنها -إن شاء الله تعالى- في (مقارنة المرويات) في مبحث (تفرد الراوي بالحديث)، والمقصود هنا بيان أن تفرد الراوي ببعض ما يرويه له أثر كبير في الحكم عليه، كما قال شعبة لما سئل: من الذي يترك حديثه؟ قال: "إذا حدث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون ... طرح حديثه" (١)، وفي رواية عنه: "إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر ترك حديثه ... " (٢). وقال أحمد في هشام بن حسان موضحا أثر المتابعة على درجة

стр. 84

الراوي: "عندي لا بأس به، وما تكاد تنكر عليه شيئا إلا وجدت غيره قد رواه، إما أيوب، وإما عوف" (١). وقال أحمد أيضا: "في حديث ابن وهب، عن ابن جريج شيء"، نقل هذا أبو عوانة الإسفرائيني، ثم قال: "صدق، لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره" (٢). ويتردد كثيرا في كلام الأئمة على الرواة هذه العبارات وما يشبهها: "روى أحاديث لا يتابع عليها"، "لا يتابع فيما يرويه، "لا يتابع في كثير من حديثه"، "يغرب عن الثقات"، "يغرب في حديثه"، "أحاديثه غرائب وأفراد" "أحاديثه مناكير"، "له ما ينكر"، "منكر الحديث". ومن نصوصهم في ذلك قول الثوري في عبد الرحمن بن زياد الأفريقي: "جاءنا عبد الرحمن بستة أحاديث يرفعها إلى النبي ﷺ ، لم أسمع أحدا من أهل العلم يرفعها ... "، ذكر هذا أبو العرب القيرواني ثم قال: "فلهذه الغرائب ضعف ابن معين حديثه" (٣)، وقيل لأحمد: "يروى عن الإفريقي؟ قال: لا، هو منكر الحديث ... " (٤)، وقال ابن عدي: "عامة حديثه وما يرويه لا يتابع عليه" (٥). وقال أحمد: "النعمان بن سعد الذي يحدث عن علي مقارب الحديث، لا بأس به، ولكن الشأن في عبد الرحمن بن إسحاق، له أحاديث مناكير" (٦).

стр. 85

وعبد الرحمن هذا هو أبو شيبة الواسطي، وهناك عبد الرحمن بن إسحاق المدني، أحسن حالا بكثير من الواسطي، وقد تكلم فيه أحمد أيضا لتفرده بأحاديث، قال المرْوَذي: "قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فصحيح، فقد حدث عن الزهري بأحاديث -كأنه أراد: تفرد بها-، ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحلف، حلف المطيبين، فأنكره أبو عبد الله، وقال: ما رواه غيره" (١). وقال أبو طالب: "سألت أحمد عن عبد الرحمن بن إسحاق المديني فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة، وكان يحيى لا يعجبه، قلت: كيف هو؟ قال: صالح الحديث" (٢). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: لأي شيء تُرِك حديث يحيى بن عبيد الله؟ قال: أحاديثه مناكير، وأبوه لا يعرف" (٣). وقال أحمد أيضا في حَنْظلة السَّدُوسي: "له أشياء مناكير، روى حديثين كلاهما عن النبي ﷺ ، منكرين، عن أنس: "أن النبي ﷺ قنت في الوتر"، والآخر: "أمرنا إذا التقينا أن يصافح أحدنا صاحبه ... "، كلاهما منكران" (٤).

стр. 86

وقال ابن معين: "محمد بن الحجاج المخزومي كان يحدث عن شعبة بأحاديث منكرة، أنا رأيت كتابه، وكتبت عنه ما كان في كتابه، وليس هو بشيء" (١). وسئل أبو زرعة عن سعيد بن داود الزبيري، فقال: "ضعيف الحديث، حدث عن مالك، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، بحديث باطل، ويحدث بأحاديث مناكير عن مالك" (٢). وسئل أيضا عن جعفر بن أبي جعفر الأشجعي فقال: "واهي الحديث، يحدث عن أبيه، عن ابن عمر، أحاديث ليست لها أصول" (٣). وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن محمد بن مصعب القَرْقَساني فقال: صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحاديث منكرة، قلت: فليس هذا مما يضعفه؟ قال: نظن أنه غلط فيها، وسألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث، قلت له: إن أبا زرعة قال كذا -وحكيت له كلامه- فقال: ليس هو عندي كذا، ضعف لما حدث بهذه المناكير" (٤). وسئل أبو حاتم عن محمد بن معاوية النيسابوري فقال: "روى أحاديث لم يتابع عليها، أحاديث منكرة، فتغير حاله عند أهل الحديث" (٥).

стр. 87

وساق العقيلي لأشعث بن سعيد السَمَّان حديثين ثم قال: "وله غير حديث من هذا النحو، لا يتابع على شيء منها" (١). وقال ابن عدي في أحمد بن عبد الله المعروف باللَّجْلَاج: "حدث بأحاديث مناكير لأبي حنيفة، وهذه الأحاديث لم يحدث بها إلا أحمد بن عبد الله هذا، وهي بواطيل، ولا يعرف أحمد بن عبد الله هذا إلا بهذه الأحاديث" (٢). وقال ابن عدي أيضا في أحمد بن حفص السَّعْدي وساق أحاديث يرويها أحمد بأسانيده إلى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "تردد إلى العراق مرارا كثيرة، وكتب فأكثر، حدث بأحاديث منكرة لم يتابع عليها، وهذه الأحاديث لهشام بن عروة مناكير كلها بهذا الإسناد، ما أعلم حدث بها غير أحمد بن حفص هذا، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو ممن يشبه عليه فيغلط، فيحدث به من حفظه" (٣).

стр. 88

٣ - ثباته أو اضطرابه فيما يرويه: مما يستدل به الأئمة على صدق الراوي وضبطه: ثباته على صفة واحدة في روايته، وبضد ذلك إذا كان الراوي يَتَلَوَّن فيما يرويه، فالحديث الواحد يرويه تارة موصولا، وتارة مرسلا، وتارة يقفه على صحابيه، أو يرويه مرة عن أحد شيوخه، ثم يرويه مرة أخرى عن شيخ آخر، وثالثة عن شيخ ثالث، فإن هذا يستدل به الأئمة إما على كذب الراوي، أو على ضعف حفظه، بحسب ما يحتف به من قرائن. وقد استخدم الأئمة هذه الوسيلة بكثرة في حكمهم على الراوي، فيقولون في الراوي إذا تَلَوَّن في حديثه: "مضطرب الحديث"، أو "مضطرب الحديث جدا"، أو"يضطرب في حديثه"، أو "يختلف عنه"، أو "في حديثه اختلاف"، ونحو هذه العبارات. فمن ذلك: قول حماد بن زياد في أبي هارون العبدي: "كان كذابا، يروي بالغداة شيئا، وبالعشي شيئا" (١). وسئل يحيى القطان عن إسماعيل بن مسلم المكي كيف كان في أول أمره، قال: "لم يزل مختلطا، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب" (٢). وذكر الترمذي قول يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "روى شعبة، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه

стр. 89

عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ (في العطاس)، قال يحيى: ثم لقيت ابن أبي ليلى فحدثنا عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي ﷺ "، ثم قال الترمذي: "ويروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا غير شيء، كان يروي الشيء مرة هكذا، ومرة هكذا -يعني الإسناد-، وإنما جاء هذا من قبل حفظه" (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي في عبد الأعلى بن عامر الثعلبي: "لا أدري كيف أحدث عن عبد الأعلى؟ واحد يقول: عن ابن الحنفية، وآخر يقول: عن أبي عبد الرحمن، وآخر يقول: عن سعيد بن جبير" (٢). وسئل أحمد عن يزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، أيهما أحب إليك، فقال: "يزيد عنه اختلاف، مرة طاوس، مرة مُقْسِم، مرة مجاهد" (٣). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: يزيد -يعني ابن أبي زياد- أحب إليك عن مُقْسِم، أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء، قلت لأحمد: ذكرت أن الحكم في مُقْسِم أحب إليك منه -أعني من يزيد-والحكم سمع من مُقْسِم أحاديث؟ قال: أربعة سمع منه، قلت: وكيف تختار الحكم عليه؟ فقال: الحكم لا يقاس إليه، يزيد يختلف عنه جدا" (٤). وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن أسامة بن زيد الليثي،

стр. 90

فقال: نظرة في حديثه يتبين لك اضطراب حديثه" (١). وقال أحمد في محمد بن عمرو بن علقمة: "يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" (٢). وكذا قال ابن معين في محمد بن عمرو: "ما زال الناس يتقون حديثه" قيل له: وما علة ذلك؟ قال: "كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة" (٣). وذكر ابن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة حديثا اضطرب فيه ليث بن أبي سليم، فقال أبو زرعة: "ليث لا يشتغل به، في حديثه مثل ذا كثير، هو مضطرب الحديث" (٤). وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، قريب بعضهم من بعض، محلُّهم عندنا محلُّ الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج به، قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ قال: كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابا ما شئت" (٥).

стр. 91

وذكر ابن أبي حاتم حديثا اضطرب فيه عبد الله بن محمد بن عَقِيل جدا، فرواه على عدة أوجه، ثم قال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء، قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عَقِيل لا يضبط حديثه، قلت: فأيها أشبه عندك؟ قال: الله أعلم، وقال أبو زرعة: هذا من ابن عَقِيل، الذين رووا عن ابن عَقِيل كلهم ثقات" (١)، وفي موضع آخر قال أبو حاتم: "هذا من تخليط ابن عَقِيل" (٢). ومما ينبغي التنبه له هنا أنه ليس كل اختلاف يرد عن الراوي يضعف به، فالراوي إذا كان من الحفاظ الكبار واسعي الرواية كأبي إسحاق السَّبِيعي، والزهري، حمل الأئمة ما يصح عنهم من اختلاف على سعة الرواية، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد بيان لذلك بأمثلته في قسم (مقارنة المرويات). وأهم من ذلك أن يكون الاختلاف من الرواي نفسه وليس من الرواة عنه، فقد ميز الأئمة ما كان من الراوي نفسه، وما كان من أصحابه الذين يروون عنه، وهذه مسألة دقيقة جدا. قال عبد الرحمن بن مهدي: "أربعة من أهل الكوفة لا يُختلَف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم، منهم أبو

стр. 92

حصين" (١). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: اختلاف أحاديث الزهري؟ قال: منها ما روى عن رجلين، ومنها ما جاء عن أصحابه -يعني الوهم-" (٢). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين وقيل له: اختلاف يحيى بن أبي كثير هو منه؟ قال: من أصحابه" (٣). وفي قصة يحيى بن معين مع عفان بن مسلم، وأبي سلمة التَّبُوذكي، ما يبرز الجهد الذي قام به الأئمة في هذا الصدد، فقد روى محمد بن إبراهيم الملَطي قال: "جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسا عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدثتك، فقال: إنما هو درهم وأنحدر إلى البصرة وأسمع من التَّبُوذكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب من أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسا، وأنت الثامن عشر، فقال: وماذا تصنع بهذا؟ قال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافه، علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أخطئ

стр. 93

عليه" (١). ٤ - موافقته أو مخالفته لغيره: مما يستدل به الأئمة كثيرا على حال الراوي موافقته أو مخالفته لمن شاركوه في الرواية عن شيوخه، فإن كان الراوي يوافق أقرانه فيما يرويه دل ذلك على ضبطه وصدقه، وإن كان يخالفهم، فما يقفونه يرفعه، وما يرسلونه يصله، وما هو في روايتهم عن صحابي يجعله عن صحابي آخر، وما يروونه مختصرا يرويه مطولا، ونحو ذلك من المخالفات- دل ذلك على كذبه، أو على سوء حفظه وضعفه، بحسب ما يحتف به من قرائن. ومن هذا الباب ما ذكره ابن إسحاق قال: "قال الأعرج -أو أبو صالح-: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة إلا عرفناه: صادق هو أو كاذب" (٢). ويكثر من الأئمة التعبير عن نتيجة المقارنة بألفاظ صريحة، كأن يقولوا: "ما أقل الخطأ في حديثه"، أو "لا يكاد يخطئ"، أو "يخطئ في حديثه" أو "يخطئ كثيرًا"، أو "خطؤه كثير"، أو "يخالف في حديثه"، ونحو ذلك. وإذا لاحظنا كثرة الرواة من جهة، وكثرة شيوخ الراوي وأقرانه في أحيان كثيرة من جهة أخرى- أمكننا بسهولة أن ندرك مدى الجهد العظيم الذي قام به أئمة النقد في هذا السبيل.

стр. 94

فمن نصوصهم في ذلك قول عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن عاصم بن علي، فقال: قد عرض علي حديثه، فرأيت حديثا صحيحا" (١)، وقال فيه أحمد أيضا: "حديثه حديث مقارب، حديث أهل الصدق، ما أقل الخطأ فيه" (٢). وقال المروذي: "سألته عن عُقَيْل، فقال: صالح الحديث، روايته مثل رواية أصحابه، لا بأس به" (٣). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: عامر الأحول؟ قال: شيخ قد احتمله الناس، وليس حديثه بذاك، روى حديث عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، وإنما يرويه عطاء، عن عثمان" (٤). وقال أبو طالب: "سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: كان الحجاج (يعني ابن أرطاة) من الحفاظ، قلت: فلم هو عند الناس ليس بذلك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة" (٥). وسئل مرة عن الحجاج ما شأنه؟ فقال: "شأنه أنه يزيد في الأحاديث" (٦).

стр. 95

وقال أحمد في محمد بن عمرو بن علقمة: "قد روى عنه يحيى، وربما رفع أحاديث يوقفها غيره، وهذا من قِبَله" (١). وقال يحيى بن معين: "قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يوما: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث، فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، فقال: الحمد لله، فلم يزل يقول: الحمد لله ويحمد ربه حتى دخل دار بشر بن معروف -أو قال: دار أبي البَخْتَري- وأنا معه" (٢). وقال يحيى أيضا: "ربما عارضت أحاديث يحيى بن يَمَان بأحاديث الناس، فما خالف ضربت عليه، وقد أتيت بحديثه وكيعا، فقال وكيع: ليس هذا سفيان الذي سمعنا نحن منه، أنكرها جدا" (٣). وقال ابن المديني وهو يقارن بين أصحاب ابن سيرين: " ... وما قال يزيد بن إبراهيم التستري: سمعت محمد بن سيرين- أثبت عندي من خالد الحذاء، ألفاظ عاصم الأحول، وخالد الحذاء، في محمد واحدة، لا تشبه ألفاظهما ألفاظ أصحابهم" (٤). وسئل أبو زرعة عن عمر بن سعيد الشامي أو المديني، فقال: "ضعيف الحديث، يروي عن الزهري أحاديث مقلوبة" (٥)، وقال فيه ابن عدي: "أحاديثه عن الزهري ليست مستقيمة، ... وفي بعض رواياته

стр. 96

يخالف الثقات" (١). وذكر أبو زرعة حديثا لعبد الله بن نافع يرويه عن أبيه نافع مولى ابن عمر، خالف فيه أصحاب أبيه، ثم قال أبو زرعة: "وبمثل هذا يستدل على الرجل إذا روى مثل هذا، وأسنده رجل واحد -يعني أن عبد الله بن نافع في رفعه هذا الحديث يستدل به على سوء حفظه وضعفه-" (٢). وقال الدارقطني في إبراهيم بن أبي عَبْلة: "الطرقات إليه ليست بصفو، وهو بنفسه ثقة، لا يخالف الثقات إذا روى عنه ثقة" (٣).

стр. 97

المبحث الثاني: اختلاف حال الراوي قد يتطلب الحكم على الراوي تفصيل القول فيه، بسبب اختلاف حاله في الزمان أو المكان، أو الشيوخ، أو غير ذلك، فيعطي الناقد -بعد دراسة وافية لجميع حالات الراوي- حكمه عليه، مفصلاً القول فيه، فما هو فيها قوي يصفه بذلك، وما هو فيها بضده يصفه بذلك أيضا، فكأن الراوي راويان أو أكثر، ولا شك أن هذا يتطلب في حال كون الراوي معاصرا للناقد أن يراقبه طيلة حياته. ولاختلاف حال الراوي صور عديدة، أذكرها الآن، مع التنبيه على أنها قد تتداخل، فقد تكون صورة منها سببا لغيرها، ثم إنها قد تزيد عما أذكره، بأن يتولد عن صورتين منها صورة مستقلة. الأولى: توثيق الراوي أو تضعيفه في شيخ معين، أو في شيوخ معينين: فالراوي قد يكون ضعيفا سيء الحفظ، لكنه يرزق في بعض شيوخه طول ملازمة، فيكون قويا فيه، وقد يكون ثقة لكنه في بعض شيوخه يعرض له ما يضعف فيه بسببه، كأن يكون أخذ عنه وهو صغير، أو لقيه مرة واحدة فأخذ عنه ولم يحكم ذلك، أو ضاع منه ما كتب عنه. والمسألة في هذا نسبية، أي يمكن أن يكون الراوي ضعيفا ولكنه في بعض شيوخه أشد ضعفا، أو ثقة لكنه في بعض شيوخه أقوى منه في غيره، مع ثقته في الكل. وقد يوجد في الرواة من يكون قويا في بعض شيوخه، ضعيفا في بعضهم، وسطا في الباقين.

стр. 98

وتطلب هذا كله من النقاد تتبع أحوال الرواة، وإعطاء الراوي ما يستحقه في جميع شيوخه على التفصيل. وهذه الصورة أكثر صور اختلاف حال الراوي وجودا، فقل راو من الرواة المعروفين إلا ويجري فيه استثناء، وقد خصص الباحث صالح بن حامد الرفاعي رسالته الماجستير للثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم، وأصلهم فصل في "شرح علل الترمذي لابن رجب" (١)، إلا أن الباحث اقتصر في رسالته على من ضعف في ثلاثة من شيوخه فأقل، مع تقييدات أخرى، ومع هذا فلم يستوفهم (٢). ومن أمثلة هذه الصورة: حماد بن سلمة، وهو قوي جدا في بعض شيوخه كثابت البناني، وحميد الطويل، وعلي بن زيد، وعمار بن أبي عمار، وقد لازم هؤلاء وحفظ عنهم، وهو دون ذلك في أكثر شيوخه، كقتادة، وأيوب السَّخْتِيَاني، وعمرو بن دينار، والجُرَيْري، وداود بن أبي هند، وقيس بن سعد، يخطئ عليهم كثيرا، على تفاوت بينهم (٣). وجرير بن حازم الأزدي البصري، هو ثقة إلا في قتادة فهو فيه ضعيف، كذا قاله جماعة من الأئمة، قال عبد الرحمن بن مهدي: "يضعف في حديثه عن قتادة" (٤). وقال أحمد: "أشياء يسندها عن قتادة بواطيل" (٥)، وقال الميموني:

стр. 99

"ذكر أبو عبد الله حديثه عن قتادة فقال: كَأَنَّ حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء ويسند أشياء" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "سألت يحيى بن معين عن جرير بن حازم، فقال: ليس به بأس، فقلت له: إنه حدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير، فقال: ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف" (٢). وجعفر بن بُرْقان الجَزَري، ثقة إلا في حديثه عن الزهري فهو فيه ضعيف، قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن جعفر بن بُرْقان، فقال: إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس، في حديث الزهري يخطئ" (٣). وقال ابن معين: "جعفر بن بُرْقان ثقة فيما روى عن غير الزهري، وأما ما روى عن الزهري فهو فيه ضعيف، وكان أميا لا يكتب، وليس هو مستقيم الحديث عن الزهري، وهو في غير الزهري أصح حديثا" (٤). وقال النسائي: "جعفر بن بُرْقان في الزهري ضعيف، وفي غيره لا بأس به" (٥).

стр. 100

وبمعنى هذا قال محمد بن عبد الله بن نُمَيْر، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم (١). ومثله في الزهري: إسحاق بن راشد الجَزَري، وسفيان بن حسين الواسطي، وهُشَيْم بن بَشِيْر الواسطي، فهؤلاء في الزهري ضعفاء (٢). وعبد الرزاق بن عمر الدمشقي الكبير، ضعيف الحديث، وهو في الزهري أشد ضعفا، فهو متروك الحديث، قال هُشَيْم: "ذهبت كتبه، خرج إلى بيت المقدس، فجعل كتبه في خرج جديد، وثيابه في خُرْج خَلَق، فجاء اللصوص فأخذوا الخُرْج الجديد، فذهبت كتبه، وكان بعد ذلك إذا سمع حديثا من حديث الزهري قال: هذا مما سمعت" (٣). وعبد العزيز بن محمد الداروردي، صدوق، لكن هو في عبيد الله بن عمر العمري ضعيف، كان قد سمع من عبد الله بن عمر العمري -وهو ضعيف- أحاديث، فجعلها عن أخيه عبيد الله بن عمر وهو ثقة ثبت، قال أبو داود: "سمعت أحمد غير مرة يقول: عامة أحاديث الداروردي عن عبيد الله أحاديث عبد الله العمري، مقلوبة، -وربما لم يذكر: مقلوبة، ولا عامة -، وسمعته يقول: عبد العزيز الدارودي عنده عن عبيد الله مناكير" (٤).

стр. 101

وقال النسائي: "ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر" (١). ويحيى بن سُلَيْم الطائفي، صدوق سيء الحفظ، لكن حديثه عن عبيد الله بن عمر العمري أشد ضعفا من غيره، قال أحمد: "يحيى بن سليم مضطرب الحديث، روى عن عبيد الله مناكير" (٢). وقال النسائي: "ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر" (٣). وقال الساجي: "صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر، لم يحمده أحمد" (٤). وهو بضد ذلك في حديثه عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، فقد أتقن حديثه عنه، وله عنه كتاب كان لا يعطيه لأحد إلا برهن، قال أحمد: "كان قد أتقن حديث ابن خُثَيْم، كانت عنده في كتاب، فقلنا له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني مصحفا رَهْنا، قلنا: من أين لنا مصحف ونحن غرباء؟ " (٥). وقال ابن معين: "أتيت يحيى بن سُلَيْم الطائفي، وكان يعطي نسخته ويأخذ رَهْنا مصحفا، فقلت له، فقال: إن شئتَ قرأتَ عليَّ كما قرأتُ أنا على ابن خُثَيْم" (٦).

стр. 102

وقال البخاري: "رجل صالح ... ، يَهِم الكثير في حديثه، إلا أحاديث كان يُسْأل عنها، فأما غير ذلك فَيَهِم الكثير، روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث يَهِم فيها ... " (١). والظاهر أن البخاري يعني بالأحاديث التي يُسْأل عنها حديثه عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، كما تقدم عن أحمد، وابن معين. وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، لازم الأعمش، فأتقن عنه جدا، وكان من المقدمين في أصحابه، وأما في غير الأعمش فيخطئ، وخاصة فيما يرويه عن عبيد الله بن عمر العمري، وهشام بن عروة، قال أحمد: "أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظا جيدا" (٢)، وقال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ " (٣)، وقال أبو داود أيضا: "سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله ... " (٤). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى، وسألته عن أبي معاوية قلت: كيف هو في غير حديث الأعمش؟ فقال: ثقة، ولكنه يخطئ" (٥). والضَّحَّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النَّبِيْل، ثقة ثبت، لكنه يخطئ في حديث سفيان الثوري، قال إبراهيم الحربي: "كان أبو عاصم إذا حدث

стр. 103

عن ابن جريج وغيره من أصحابه جاء مستويا، وإذا حدث عن سفيان أخطأ؛ لأنه لم يضبط عنه، فكان إذا أخرج المجلس وَجَّهَ به إلى علي بن المديني لينظر فيه، ويصلح خطأه، فقال له بعض من قال له: أيش توجه بكتابك إلى هذا؟ حدِّث كما سمعت، قال: ففعل، وكان يخطئ كل مجلس في اثنين، ثلاثة، من حديث سفيان" (١). وقال النسائي في شيخه الحسن بن أحمد بن حبيب: "لا بأس به، إلا في حديث مُسَدَّد"، وكذا قال مسلمة بن قاسم: "لا بأس به، يخطئ في حديث مُسَدَّد". وكان الحسن هذا يروي عن مُسَدَّد "مسنده" (٢). والأمثلة على التوثيق والتضعيف المقيد في شيخ معين أو أكثر كثيرة جدًا. ويدخل في هذه الصورة -وهو من دقيقها- ما إذا كان التوثيق أو التضعيف في الشيخ المعين مخصوصا بشيء، مثل سماعه منه في بلد معين، أو روايته كتابا لشيخه. مثال ذلك إسماعيل بن مسلم المكي، ضعيف الحديث، واستثنى أحمد من ذلك ما يرويه عن الحسن البصري في القراءات، قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: إسماعيل بن مسلم المكي ما روى عن الحسن في القراءات، فأما إذا جاء إلى المسندة التي مثل حديث عمرو بن دينار، يسند عنه أحاديث مناكير، ليس -أراه- بشيء، وكأنه ضعفه،

стр. 104

ويسند عن الحسن، عن سَمُرَة، أحاديث مناكير" (١). وعبد الرزاق الصنعاني، حافظ ثقة، وقد سمع من سفيان الثوري بمكة، وباليمن، فضعف أحمد سماعه منه بمكة، وقوى سماعه منه باليمن، قال أحمد: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدا، روى عنه عن عبيد الله أحاديث مناكير، هي من حديث العمري، وأما سماعه باليمن فأحاديث صحاح" (٢). وزياد بن عبد الله البَّكَّائي، مختلف فيه، ليّن الحديث، سوى حديثه عن محمد بن إسحاق فهو ثبت فيه، وذلك في "السيرة" لابن إسحاق خاصة، قال عبد الله بن إدريس: "ما أحد أثبت في ابن إسحاق منه، لأنه أملى عليه إملاء مرتين ... " (٣). وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به، زعم عبد الله بن إدريس أن زيادا البَكَّائي باع بعض داره وكتب المغازي" (٤). وقال أبو داود، عن ابن معين: "زياد البَكَّائي في ابن إسحاق ثقة -كأنه يضعفه في غير ابن إسحاق-" (٥). وقال الدارمي، عن ابن معين: "لا بأس به في المغازي، وأما في غيره فلا، وسألته: عمن أكتب المغازي، ممن يروي عن يونس بن بُكَيْر، أو غيره؟ قال: اكتبه عن أصحاب

стр. 105

البَكَّائي" (١). وقال صالح بن محمد: "ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه عند زياد البَكَّائي، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت الناس في هذا الكتاب، وذلك أنه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق حتى سمع منه الكتاب" (٢). وابن هشام روى "سيرة ابن إسحاق" عن زياد البَكَّائي، عن ابن إسحاق، ثم هذبها، واشتهرت عنه، وهي المعروفة بـ"سيرة ابن هشام" (٣). الثانية: توثيق الراوي في روايته عن أهل بلد معين، وتضعيفه في روايته عن أهل بلد آخر: قد يوثق الراوي في روايته عن أهل بلد، لكونه حفظ عنهم، ويضعف في روايته عن أهل بلد آخر، لكونه لم يحفظ عنهم، إما لقلة مكثه عندهم، أو لكونه سمع منهم بعدما كبر، أو لأسباب أخرى، وربما استثنوا من التوثيق أو التضعيف بعض شيوخه. ومن أشهر من عرف بذلك إسماعيل بن عَيَّاش، قواه الجمهور في روايته عن أهل بلده أهل الشام، وضعفوه في غيرهم، كأهل الحجاز وأهل العراق، قال أبو داود: "سألت أحمد عن إسماعيل بن عَيَّاش فقال: ما حدث عن مشايخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما حديث غيرهم عنده مناكير" (٤)، وقال أبو طالب عن أحمد: "ما روى

стр. 106

عن الشاميين فصحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح" (١). وقال ابن معين: "إسماعيل بن عَيَّاش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلَّط في حفظه عنهم" (٢)، وقال أيضا: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلَّط ما شئت" (٣). وقد توارد على هذا المعنى جماعة من الأئمة، كعلي بن المديني، ودحيم، وعمرو بن علي الفَلَّاس، والبخاري، وأبي زرعة، وابن عدي (٤). ومن هذا الضرب أيضا: بَقِيَّة بن الوليد الحمصي، قواه الأئمة فيما إذا روى عن الثقات، وصرح بالتحديث، لكن ذلك فيما يرويه عن أهل الشام، قال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: "بَقِيَّة صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما حديثه عن عبيد الله بن عمر وأهل الحجاز والعراق فضعفه فيها جدا" (٥). وقال ابن عدي: "صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عَيَّاش، إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة

стр. 107

منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وَهِم عليهم، وربما كان الوَهْم من الراوي عنه" (١). وقال أبو زرعة في حديث رواه بَقِيَّة بن الوليد عن المسعودي فأخطأ فيه: "إذا نقل بَقِيَّة حديث الكوفة إلى حمص يكون هكذا" (٢). وتلتقي هذه الصورة مع التي قبلها فيما إذا استثنى الأئمة بعض شيوخ الراوي في البلد الذي ضعف فيه أو وثق، أو كان تضعيفه أو توثيقه في ذلك البلد متفاوتا. فمن هؤلاء معمر بن راشد، فإنه ثقة ثبت، إلا في حديثه عن أهل الحجاز وأهل العراق، فإنه يَهِم فيه، واستثنوا من أهل الحجاز حديثه عن الزهري، وعبد الله بن طاوس، ثم إنه في بعض شيوخه من أهل العراق كثابت البناني، والأعمش، أضعف من روايته عن غيرهما. قال ابن أبي خَيْثَمَة: "سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخِفْه، إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النَّجُود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب، مضطرب كثير الأوهام" (٣). وقال ابن معين أيضا: "معمر، عن ثابت: ضعيف" (٤).

стр. 108

وكذا قال ابن المديني في رواية معمر، عن ثابت، إن فيها أحاديث غرائب ومنكرة، وأشار إلى أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عَيَّاش (١). وبمعنى كلام هذين الإمامين في رواية معمر، عن ثابت، جاء عن أحمد، والعقيلي (٢). وقال أحمد: "أحاديث معمر، عن الأعمش، التي يغلط فيها، ليس هو من عبد الرزاق، إنما هو من معمر -يعني الغلط-" (٣). وقال ابن رجب: "أما معمر في الأعمش فهو سيء الحفظ جدا، كذا ذكره ابن معين، والأثرم، والدارقطني" (٤). وقد اعتذر معمر عن ذلك بقوله: "سقطت مني صحيفة الأعمش، فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي" (٥). وفَرَج بن فَضَالة الحمصي، الجمهور على تضعيف حديثه، ومن قواه فذلك في حديثه عن الشاميين خاصة، وأما حديثه عن أهل الحجاز فلا، وخاصة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال عبد الرحمن بن مهدي: "حدث فَرَج بن فَضَالة عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة منكرة" (٦). وقال أحمد: "إذا حدث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه حدث

стр. 109

عن يحيى بن سعيد مناكير" (١). وقال أبو حاتم: "صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالا ... " (٢). وعباس بن الفضل الأنصاري البصري، متروك الحديث، لكن هو فيما حدث عن البصريين أحسن حالاً مما حدث به عن الكوفيين، قواه أحمد في حديثه عن البصريين، واستثنى من ذلك حديثا باطلا (٣)، وقال ابن حبان: "كان إذا حدث عن خالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وشعبة بن الحجاج، أتى عنهم بأشياء تشبه أحاديثهم المستقيمة، وإذا روى عن عنبسة بن عبد الرحمن، والقاسم بن عبد الرحمن، وأهل الكوفة، أتى بأشياء لا تشبه حديث الثقات، كأنه كان يحدث عن البصريين من كتابه، وعن الكوفيين من حفظه، فوقعت المناكير فيها من سوء حفظه، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج بخبره" (٤). الثالثة: توثيق الراوي أو تضعيفه في رواية أهل بلد معين عنه: قد يحدث بعض الرواة في بلد فيضبط حديثه، ويضبطه أهل ذلك البلد عنه، ثم يحدث في بلد آخر فيقع في حديثه أوهام، إما بسببه، أو بسبب الآخذين عنه.

стр. 110

فمن هؤلاء: زهير بن محمد الخراساني، حديث أهل العراق عنه مستقيم، وأما حديث أهل الشام عنه فضعيف جدا، حتى إن بعض الأئمة أبدى احتمالاً أن يكون غيره، قلب أهل الشام اسمه، ويساعد هذا انتشار تدليس الشيوخ في أهل الشام، لكن كأن الجمهور على أنه هو. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله -وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد- قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروي عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل موضوعة -أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله" (١). وذكر البخاري عن أحمد قوله: "كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقلب اسمه" (٢). وقال البخاري: "ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح" (٣). وذكر الترمذي حديثا من رواية الوليد بن مسلم -وهو شامي- عنه، وسأل عنه البخاري فقال: "أنا أتقي هذا الشيخ، كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي بزهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ، ويقول: ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه، أهل الشام يروون عن
следующие страницы →