← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

منه بعد الاختلاط" (١). وأكبر اعتماد الأئمة في تمييز ذلك على تحديد زمن اختلاط الراوي، مقارنين ذلك بأعمار الراوة، ورحلاتهم، ولقيهم لمشايخهم، فقد وضعوا ضوابط كلية لتمييز السماع من بعض المختلطين. فمن ذلك أن عطاء بن السائب الثقفي الكوفي كان قد تغير وساء حفظه في آخر عمره، فذكر أحمد أن من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب (٢). وكذا قال أبو حاتم إن حديث البصريين عنه فيه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم في آخر عمره (٣). وقال كَهْمَس بن الحسن في سعيد بن إياس الجُرَيْري: "أنكرنا الجُرَيْري أيام الطاعون" (٤)، وفي رواية: "قبل الطاعون" (٥). والطاعون كان سنة إحدى وثلاثين ومئة (٦)، أو اثنتين وثلاثين ومئة (٧)، وقد قال أبو داود: "كل من أدرك أيوب فسماعه من جيد" (٨)، وكانت وفاة أيوب سنة إحدى وثلاثين ومئة (٩).

стр. 142

وقال أبو داود في تحديد زمن اختلاط سعيد بن أبي عروبة: "قال عبد الأعلى: تغير عند الهزيمة" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد يوقت فيمن سمع من سعيد بن أبي عروبة، قبل الهزيمة فسماعه صالح، والهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومئة، قال أبي: وهذه هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي كان خرج على أبي جعفر" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: من سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة -كأن أبي ضعفهم-، فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال: من سمع منه بالكوفة -مثل محمد بن بشر، وعبدة- فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة" (٣). وكذا قال غير واحد من الأئمة إنه اختلط بعد الهزيمة (٤). وقد قيل إنه قد اختلط قبل ذلك بمدة طويلة، وقيل بعد ذلك (٥). وقال أحمد أيضا: "سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديما، وأبو نُعَيْم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد" (٦)؛ وقال أيضا: "كل من سمع المسعودي بالكوفة فهو جيد، مثل وكيع، وأبي نُعَيْم، وأما يزيد بن هارون،

стр. 143

وحجاج، ومن سمع منه ببغداد، وهو في الاختلاط، إلا من سمع منه بالكوفة" (١). وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار: "المسعودي من قبل أن يختلط كان ثبتًا، ومن سمع منه ببغداد فسماعه ضعيف" (٢). وقال ابن معين: "من سمع من المسعودي في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع، ومن سمع منه في زمان المهدي فليس سماعه بشيء" (٣). وهذه الضوابط تفيد الباحث في الترجيح عند اختلاف الأئمة في سماع بعض الرواة من المختلط، وفي إلحاق من لم ينص عليه الأئمة إن أمكن ذلك، وكذلك تفيد فيما إذا لم ينص الأئمة على أحد ممن روى قبل الاختلاط أو بعده، كما في قريش بن أنس البصري، فإنه اختلط، وحددوا وقت اختلاطه بأنه قبل وفاته بست سنين، لكن لم يميزوا سماع الرواة منه (٤)، قال ابن حجر مستفيدًا من تحديد التاريخ: "سماع المتأخرين منه بعد اختلاطه، مثل ابن أبي العوام، ويزيد بن سنان البصري، وبكار القاضي، وأبي قلابة، والكديمي" (٥). وليس الأمر بالسهولة التي قد تبدو من العرض السابق، فهناك بعض العقبات لابد من تجاوزها لتمييز الراوين عن المختلط، من أهمها

стр. 144

أن الناقلين لوقت اختلاطه قد يختلفون، وهذا قد يكون مرجعه إلى ما تقدم آنفًا من أن الاختلاط يبدأ في الغالب شيئًا فشيئًا، فأول أمره النسيان، ويمكن التمثيل لهذا بتحديد اختلاط الجُرَيْري، فقد ذكر كَهْمَس بن الحسن كما تقدم آنفًا أنهم أنكروه أيام الطاعون، أو قبل الطاعون، وقد وقع سنة إحدى وثلاثين ومئة، أو اثنتين وثلاثين، فعلى هذا يكون الجُرَيْري قد اختلط نحوا من أربع عشرة سنة، لأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومئة (١)، وقد قيل إنه اختلط قبل موته بسبع سنوات (٢)، وقيل بثلاث سنوات (٣). ويؤيد هذا الجمع قول يزيد بن هارون: "سمعت من الجُرَيْري سنة اثنتين وأربعين ومئة، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم ننكر منه شيئا، وقد كان قيل لنا إنه قد اختلط" (٤)، وقال أيضا: "ربما ابتدأنا الجُرَيْري، وكان قد أُنْكِر" (٥). وبهذه الطريقة جمع ابن حجر بين الأقوال المختلفة في وقت اختلاط سعيد بن أبي عروبة (٦). ويمكن إرجاع كثير من اختلاف الأئمة في سماع بعض الرواة من المختلطين هل هو قبل الاختلاط أو بعده إلى هذا السبب، كما في اختلافهم في سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي

стр. 145

عَرُوبة (١). وبكل حال فالقاعدة العامة هنا أن من ذكر تاريخا متقدما فقوله المقدم، ويمثل لذلك بتحديد اختلاط محمد بن الفضل المعروف بعارِم، فقد ذكر أبو حاتم أنه كتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة -يعني ومئتين-، ولم يسمع منه بعد الاختلاط، لكنه قال: "فمن كتب عنه قبل سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين" (٢). هذا قول أبي حاتم، وأما أبو داود فقال: "بلغنا أنه أُنْكِر سنة ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، واستحكم الاختلاط سنة ست عشرة ومئتين" (٣). وروى العقيلي عن جده بعد أن ساق له حديثا رواه عن عارِم سنة ثمان ومئتين: "حججت سنة خمس عشرة، ورجعت إلى البصرة، وقد تغير عارِم، فلم أسمع منه بعد شيئا حتى مات" (٤). وذكر العقيلي أيضا قصة لعارِم، عن سعيد بن عثمان أبي أمية الأهوازي حدثت سنة سبع عشرة ومئتين، وعارِم قد تغير (٥). وذكر أيضا قصة لعفَّان بن مسلم أشار فيها إلى تغير

стр. 146

عارم (١)، وعفَّان مات سنة عشرين ومئتين، وقيل: سنة تسع عشرة (٢). فالظاهر أن أبا حاتم بنى تحديده على التقدير. ومما يزيد موضوع الاختلاط وعورة أن بعض الرواة قد لقي المختلط قبل وبعد الاختلاط، ثم منهم من كَفَّ عن الأخذ عنه بعد أن عرف اختلاطه، كما في قول ابن عُيَيْنة: "كنت سمعت من عطاء بن السائب قديما، ثم قدم علينا قدمة فسمعته يحدث بعض ما كنت سمعت فخلَّط فيه، فاتقيته واعتزلته" (٣). ومنهم من يأخذ عن الراوي بعد اختلاطه أيضا، ومنهم من يكون مترددا، كما في سماع ابن عُلَيَّة من سعيد بن أبي عَرُوبة، قال أحمد: "قلت لإسماعيل بن عُلَيَّة: متى سمعت من سعيد؟ قال: قبل الطاعون، وبعد الطاعون، قلنا له: فقبل الهزيمة أو بعد الهزيمة؟ قال: قبل الهزيمة وبعد الهزيمة، ثم قال: لا أدري، لا أدري -كأنه شك فيما سمع بعد الهزيمة-" (٤). ومن يجزم منهم بالسماع من المختلط في الحالين قد لا يميز ما سمع في كل منهما، كما في سماع عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف من سعيد أيضا، قال ابن معين: "قلت لعبد الوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز

стр. 147

بين هذا وهذا" (١). وقال محمد بن عبد الله بن نُمَيْر: "كان أصحاب الحديث يقولون: إنه سمع منه بآخره، كان شبه المتروك" (٢). وسماع أبي عَوَانة من عطاء بن السائب، فروى علي بن المديني قال: "حدثنا يحيى بن سعيد قال: سألت أبا عَوَانة عن عطاء بن السائب، قال: سمعت منه قبل وبعد -قال علي: قبل الاختلاط، وبعد-، قال: فقلت: تفصل بينهما؟ قال: لا" (٣). ومثله سماع حماد بن سلمة من عطاء بن السائب، فقد تقدم قول أحمد، وأبي حاتم، إن من سمع من عطاء بالبصرة فهو بعد الاختلاط، لكن قال أبو داود: "قال غير أحمد: قدم عطاء البصرة قدمتين، فالقدمة الأولى سماعهم صحيح، وسمع منه في القدمة الأولى حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وهشام الدَّسْتُوائي، والقدمة الثانية كان متغيرا فيها، سمع منه وهيب، وإسماعيل، وعبد الوارث، سماعهم منه فيه ضعيف" (٤). وكذا قال النسائي، والدارقطني، إنه قدم البصرة مرتين، قال النسائي بعد أن ساق حديثا من رواية جعفر بن سليمان، عن عطاء، واستنكره، واستظهر أنه سمعه منه بعد الاختلاط: "دخل عطاء بن السائب البصرة مرتين، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء، وحماد بن زيد حديثه عنه

стр. 148

صحيح" (١). وقال الدراقطني: "دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب، وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى، صحيح" (٢). وقال ابن المديني: "قلت ليحيى (يعني القطان): وكان أبو عَوَانة حمل عن عطاء بن السائب قبل أن يختلط؟ فقال: كان لا يفصل هذا من هذا، وكذلك حماد بن سلمة" (٣). فقول يحيى القطان هذا مقدم على من ذكر أن حمادا سمع من عطاء في القدمة الأولى فقط؛ لأن معه زيادة علم. ومقدم كذلك على ما ورد عن بعض الأئمة مثل يحيى بن معين، ويعقوب بن شيبة، وابن الجارود، والطحاوي، من تقوية رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، أو كونه سمع منه قديما (٤)، ويمكن حمل كلامهم على أن ذلك بالنسبة لمن لم يسمع منه إلا بعد الاختلاط، فقد قال ابن معين أيضا: "جميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط، إلا شعبة، وسفيان" (٥)، وقال في رواية أخرى: "كل شيء من حديث عطاء بن السائب ضعيف، إلا ما كان عن شعبة، وسفيان" (٦).

стр. 149

والقاعدة أنه إذا لم يتميز ما سمع منه الراوي قبل اختلاطه عما سمع منه بعد اختلاطه فيجعل كله كأنه سمعه بعد الاختلاط. ومن أمثلة ما تميز به السماعان: رواية شعبة، عن عطاء بن السائب، قال يحيى القطان: "ما حدث سفيان، وشعبة، عن عطاء بن السائب، صحيح، إلا حديثين -كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة- عن زاذان" (١). وعليه فيتوقف في رواية شعبة، عن عطاء، عن زاذان، وما عداها فهو مما سمعه قبل الاختلاط، ولم أقف على تعيين هذين الحديثين، ولا وقفت على شيء مما يرويه شعبة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، إلا على حديث واحد (٢). وكذلك إذا لم يعرف سماع الراوي هل هو بعد الاختلاط أو قبله فيحمل على أنه سمع منه بعد الاختلاط، ويتأكد ذلك إذا لاحت قرينة في الراوي أو مروياته، كما في سماع عَبَّاد بن العَوَّام، من سعيد بن أبي عروبة، قال أحمد عنه: "مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عَرُوبة" (٣)، وذكر له مرة أحاديث خطأ عن سعيد، وقال: "عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخره أم لا" (٤).

стр. 150

ويبقى في موضوع الاختلاط ثلاثة أمور هامة: الأمر الأول: أن بعض المختلطين مع نص الأئمة على اختلاطهم لا يقف الباحث على كلام للأئمة في تمييز من سمع منهم قبل الاختلاط أو بعده، وقد يقف على كلام لهم في تحديد وقت الاختلاط، وقد لا يقف أيضًا، فهؤلاء على ضربين: الضرب الأول: قوم ثقات، وثقهم الأئمة، مثل أَبَان بن صَمْعَة الأنصاري، اختلط جدا، ولم يحددوا وقت اختلاطه (١)، وعمرو بن عيسى بن سُوَيْد أبي نَعَامة العَدَوي، ذكر أحمد أنه اختلط قبل موته، ولم يحدد ذلك (٢). فهذان وأمثالهما الحكم فيهم أنهم على الثقة، والأمر محمول على أنعم لم يحدثوا حال اختلاطهم، أو حدثوا ولم يستنكر عليهم شيء مما حدثوا به، ويبقى هذا الحكم حتى يتبين في حديث بعينه أنه خطأ، قال ابن عدي في أَبَان بن صَمْعَة: "له من الروايات قليل، وإنما عيب عليه اختلاطه لما كبر، ولم ينسب إلى الضعف؛ لأن مقدار ما يرويه مستقيم، وقد روى عنه البصريون ... وغيرهم أحاديث، وكلها مستقيمة غير منكرة، إلا أن يدخل في حديثه شيء بعد ما تغير واختلط" (٣). ويتأكد ذلك جدا إذا كان ثبوت الاختلاط فيه شيء، كما في اختلاط أبي وائل شقيق بن سلمة، قال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى وقلت له: شعبة حدث عن الحسن قال: كان أبو وائل مختلطا، من

стр. 151

حسن؟ قال: ابن عمرو -يعني الفُقَيْمي-، فقلت: هذا محفوظ من حديث شعبة؟ قال: ما ذكره عنه أحد إلا علي بن الجعد" (١). وما قرره ابن عدي في حق أَبَان بن صَمْعَة أولى مما قاله ابن حبان في أَصَبَغ مولى عمرو بن حُرَيْث المخزومي، فأَصْبَغ قد اختلط، وقد وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم: "شيخ" (٢). قال ابن حبان: "تغير بآخره حتى كُبِّل بالحديد، ولا يجوز الاحتجاج بخبره إلا بعد التخليص، وعلم الوقت الذي حدث فيه، والسبب الذي يؤدي إلى هذا العلم معدوم فيه" (٣). كذا قال ابن حبان، وهو إن كان يقرره في حق أَصْبَغ فقط، لكونه قليل الحديث غير مشهور-فالأمر قريب، وأما إن كان قاعدة عامة فما ذهب إليه ابن عدي أولى كما تقدم آنفا، والله أعلم. الضرب الثاني: جماعة من الضعفاء والمتروكين اختلطوا وتغيروا، ولم ينقل عن الأئمة تمييز السماعين، فيحمل الجميع على الأدنى، وأنه كله بعد الاختلاط، كما قال ابن حجر في ليث بن أبي سُلَيْم: "صدوق، اختلط جدا، ولم يتميز حديثه فترك" (٤). ومثله عثمان بن عمير البَجَلي الكوفي (٥)، وإبراهيم بن خُثَيْم بن

стр. 152

عراك الغفاري (١)، وأبو بكر بن أبي مريم الشامي (٢)، ويحيى بن اليمان (٣)، وغيرهم. الأمر الثاني: تجتمع هذه الصورة -وهي اختلاط الراوي- مع بعض الصور الخمس قبلها، وقد يشتهر الراوي بالاختلاط فيسهو الباحث عن ملاحظة ما عداه، فمن ذلك أن سعيد بن أبي عَرُوبة مشهور بالاختلاط، وحديثه بالكوفة من جيد حديثه، قدم إليها مرتين، وقد قيل لأحمد: روى الكوفيون عن سعيد غير شيء خلاف ما روى عنه البصريون، فقال: "هذا من حفظ سعيد، كان يحدث من حفظه" (٤). ومعنى هذا ترجيح ما رواه البصريون الذين سمعوا منه قبل الاختلاط على ما رواه الكوفيون عنه، وذلك عند الاختلاف، لكونه يحدث بالكوفة من حفظه، وهذا شيء دقيق جدا. ومن ذلك أيضا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، اختلط أيضا، لكن حديثه قبل الاختلاط متفاوت أيضا، فما يرويه عن شيوخه الصغار مثل عاصم بن بَهْدَلة، والأعمش، وسلمة بن كُهَيْل، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، يغلط فيه، وما رواه عن شيوخه الكبار كالقاسم بن عبد الرحمن، ومَعْن بن عبد الرحمن، فهو من صحيح حديثه، قاله ابن معين (٥)، ونحوه لابن المديني (٦).

стр. 153

الأمر الثالث: استخدم الأئمة وصف الراوي بالاختلاط والتخليط على معنى اضطراب الحديث، أو تداخل بعض حديث الراوي عليه، فلا يقصدون بذلك المعنى الاصطلاحي المشهور، وقد رأيت بعض الأئمة والباحثين ربما عدوا من وصفهم الأئمة بشيء من ذلك في المختلطين، فيتنبه لذلك، وسبيله الوقوف على نصوص النقاد ما أمكن. فمن ذلك سعيد بن أبي هلال، قال فيه ابن حجر: "صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفا، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط" (١). كذا قال ابن حجر، ولفظ الساجي: "صدوق، كان أحمد يقول: ما أدري أي شيء حديثه، يخلط في الأحاديث" (٢). وظاهر جدا أن أحمد لم يقصد الاختلاط المعروف، وإنما أراد عدم إتقانه واضطرابه. وذكر برهان الدين الحلبي في كتابه: "الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط"، ثم ابن الكيال في كتابه: "الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات" أبا جعفر عيسى بن أبي عيسى الرازي، أحد المختلف فيهم، ونقلا فيه قول ابن المديني: "ثقة، كان يخلط"، ونقل فيه ابن الكيال قول ابن المديني أيضا: "هو نحو موسى بن عبيدة، وهو يخلط" (٣).

стр. 154

والذي يظهر أن مراده الغلط في الرواية، لا الاختلاط المعروف، ونص عبارته: "هو نحو موسى بن عبيدة، وهو يخلط فيما روى عن مغيرة ونحوه" (١)، وقد قال فيه ابن معين: "ثقة، وهو يغلط فيما روى عن مغيرة" (٢). ومثل ذلك إسماعيل بن مسلم المكي، ضعيف الحديث، لم يصفه أحد بالاختلاط، وقد ذكره أحد الباحثين ممن تصدى لجمع المختلطين من أجل قول القطان فيه حين سئل عنه كيف كان أول أمره؟ فقال: "لم يزل مختلطا، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب" (٣). ومراد القطان أن سوء حفظه ليس طارئا، فهو نفي للاختلاط لا إثبات له. ومثله يحيى بن محمد بن عباد المدني، ضعيف الحديث، ذكره الباحث من أجل قول العقيلي فيه: "في حديثه مناكير وأغاليط، وكان ضريرا، فيما بلغني أنه يُلَقَّن" (٤). وقد أطلت شيئا في موضوع الاختلاط، لما رأيت من الحاجة إلى التنبيه على بعض قواعده، مع أنه بتفاصيله يحتاج إلى كتابة مستقلة موسعة، والله أعلم.

стр. 155

المبحث الثالث: مقارنة الراوي بغيره إلى جانب الحكم على الراوي مفردا سلك الأئمة النقاد نهجا آخر موازيا له، لا يقل أهمية عنه، أعني بذلك مقارنة الراوي برواة آخرين، بغرض معرفة درجته لكونه غير معروف عند السائل، أو غير مشهور، فيقصد الإمام بمقارنته بغيره وصف حاله وبيان درجته. وقد يكون الجميع معروفين مشهورين، فالغرض إذن بيان منزلة كل منهم بالنسبة للآخر، بعد معرفة منزلة كل واحد منهم مفردا، إذ قد يجتمعون في وصف معين، أو في درجة معينة ولكنهم يتفاوتون فيها، فيستفاد من ذلك الترجيح عند الاختلاف -وما أكثره- بين الرواة، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. واستخدم الأئمة في سبيل ذلك كله ما تقدم في المبحث الأول من وسائل للحكم على الراوي بمفرده، ثم بعد ذلك عرض حاله على حال رواة آخرين تم الفراغ من الحكم عليهم بتلك الوسائل مفردين أيضا، ولا شك أن هذا يحتاج إلى حافظة قوية، واطلاع واسع، واستحضار سريع، وذهن وَقَّاد، توافر لأولئك الأئمة. وإنما أولى الأئمة النقاد هذا الأمر اهتمامهم لما له من أثر بالغ على نقد السنة، كما إذا اختلف أصحاب راو عليه، أو تفرد بعضهم بشيء عنه، فسهَّل الأئمة النقاد على من بعدهم ال ٦ غ ٧ فلب \ زوةةى نظر في أحاديث الرواة، وصار من بعدهم يوازن ويحكم بناء على تصنيف الأئمة النقاد لأصحاب الراوي، فأمكن لمن بعدهم -بمصاحبة أمور أخرى- مشاركة النقاد في

стр. 156

هذا العلم، وفهم كلامهم، والسير على خطاهم. وأما الأئمة النقاد أنفسهم فالأمر على القلب بالنسبة لهم، أي أنهم قاموا بهذا التصنيف بناء على دراسة تلك الأحاديث والنظر فيها. وليس هذا خاصا بهذه القضية، فهو شامل لكافة قضايا الجرح والتعديل، فإنها مبنية في الغالب على دراسة أحاديث الرواة، كما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذه السلسلة، ويأتي زيادة بسط لهذه القضية في باب مقارنة المرويات، لكنني أشير إليها في مثل هذه المناسبة لأهميتها وضرورة فهمها واستيعابها بالنسبة لمن يتصدى لنقد السنة. والمقارنة بين الرواة شغلت حيزا واسعا من كتب الجرح والتعديل، وبذل أئمته والسائلون لهم من أجله جهدا كبيرا، ويمكن أن يلحظ القارئ في كتبهم ذلك بسهولة. والمتأمل في النقد المقارن يلحظ أيضا انقسامه في الجملة قسمين بارزين: القسم الأول: المقارنة المطلقة ، بمعنى أن يقارن الناقد بين الرواة بإطلاق، غير مقيد لهم بشيء معين، كبلد، أو شيخ. ومن هذا القسم -وهو أقله- ما تكون المقارنة فيه بين راو ومن سواه من الرواة غير محدد، أو بين عدد من الرواة ومن سواهم كذلك. وهو على ضربين: الضرب الأول: أن تكون المقارنة فيه بين راو أو أكثر وبين من سواه بإطلاق . فمن ذلك سفيان الثوري، كان جمهور الأئمة لا يقدمون عليه

стр. 157

أحدا، فإذا سئل أحدهم عن سفيان وآخر معه، أو اختلف سفيان مع غيره في حديث، ذكر الإمام قاعدة عامة في تقديم سفيان على من سواه، قال أحمد: "كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطا" (١). وقال ابن معين: "ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان" (٢). وقال أبو حاتم: "لا أقدم على سفيان في الحفظ أحدا من أشكاله" (٣). وقال صالح بن محمد البغدادي: "ليس يقدمه عندي أحد في الدنيا" (٤). ومن ذلك أيضا قول أحمد: "زائدة، وزهير، وسفيان- لا تكاد تجد مثلهم" (٥)، وقوله: "علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم" (٦). الضرب الثاني: أن يقيد الناقد من يقارن الراوي بهم بشيء ما، كأن يقيدهم بأهل بلد الراوي، أو بمن رآهم الناقد .

стр. 158

فمن ذلك ما رواه أحمد قال: "يحيى، أو عبد الرحمن -ولم أسمعه منهما- قال: قال شعبة: ما رأيت أثبت من عمرو بن دينار، ولا الحكم، وقتادة" (١). وقال يحيى القطان: "ما رأيت شاميا أوثق من ثور بن يزيد" (٢). وقال أحمد في حريز بن عثمان: "ليس بالشام أثبت من حَرِيز، إلا أن يكون بَحِير" (٣). وكذا قال أبو حاتم: "لا أعلم بالشام أثبت منه" (٤). وقال أحمد في يزيد بن عبد ربه الجُرْجُسي: "ما كان أثبته، ما كان فيهم مثله -يعني أهل حمص" (٥). وأكثر هذا القسم أن تتم المقارنة بين راو وآخر مسمى، أو بين رواة بأعيانهم، فهذا قد امتلأت به كتب الجرح والتعديل. وهناك أسباب كثيرة لاختيار الرواة الذين تجري المقارنة بينهم، ومن أهم هذه الأسباب: ١ - القرابة، كالأب مع أبنائه، والإخوة فيما بينهم، وأبناء العم، والأصهار. مثاله: قول أحمد -وقد سئل عن يعلي بن عبيد الطَّنَافِسي، وأخيه

стр. 159

محمد-: "يعلى صحيح الحديث، وكان في بدنه صالحا، وكان محمد أخوه يخطئ ولا يرجع عن خطئه، وكان يظهر السنة، وكان عمر بن عبيد أخوهم شيخا يحدث عن أبي إسحاق، وعن سماك، وعن آدم بن علي، ولم ندرك بالكوفة أحدا يروي عنهم غيره، ولا أكبر منه، ومن المطلب بن زياد" (١). وقال أحمد أيضا: "كان محمد رجلا صدوقا، ويعلى أثبت منه" (٢). وقال الدارمي: "وسألته -يعني ابن معين- عن يعلي ومحمد ابني عبيد الطَّنَافِسِيَّين، فقال: ثقتان، قلت: فعمر-أعني ابن عبيد-؟ فقال: ثقة، قلت: كأنه دونهما؟ فقال: نعم" (٣). وسئل مرة أخرى عنهم فقال: "كانوا ثقات، وأثبتهم يعلى" (٤). وسئل محمد بن عبد الله بن عمار عن ولد عبيد أيهم أثبت؟ فقال: "كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وعمر شيخهم، وكان الأخ الرابع لا يحسن قليلا ولا كثيرا" (٥). وقيل لأحمد: يزيد بن يزيد بن جابر هو أخو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر؟ فقال: "نعم، عبد الرحمن أقدم موتا، وأثبت منه -إن شاء الله-" (٦).

стр. 160

وقال أبو داود: "قلت لأحمد: عبد ربه بن سعيد أحب إليك أو يحيى؟ قال: ما فيهما إلا ثقة، إلا أن يحيى أشهر" (١)، وسأله أبو داود أيضا مرة أخرى عن أخيهما سعد فقال: "ليس هو مثل هؤلاء -أعني أخويه: يحيى، وعبد ربه-، سعد ليس بمحكم الحديث" (٢). وسئل أحمد عن عاصم بن علي بن عاصم فقال: "حديثه حديث مقارِب، حديث أهل الصدق، ما أقل الخطأ فيه، ولكن أبوه كان يهم في الشيء" (٣). وقال أحمد: "إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى - من أهل مكة، وهما ابنا عم، وكان أيوب بن موسى أنفع للناس، إلا أن إسماعيل أوثق منه وأثبت" (٤). وقال أحمد أيضا: "ابن أخت عبد الرزاق كذاب، فأما ابن أخته الآخر المعلم لم يكن به بأس" (٥). وقال ابن المديني: "سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي أثبت من أبيه" (٦). وقال أيضا: "عبد الله بن إدريس فوق أبيه في

стр. 161

الحديث" (١). وقال: "جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم، منهم عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي" (٢). وسئل أبو زرعة عن محمد بن سَلَمة بن كُهَيْل فقال: "هو عندي قريب من يحيى بن سَلَمة، إلا أن يحيى ضعيف جدا، ومحمد عندي ضعيف، إلا أن محمدا ما أقل من يروي عنه" (٣). وسأله البَرْذَعي عن حُمَيْد بن قيس المكي فقال: "من الثقات، هو أخو عمر بن قيس المكي، ما أبعد ما بين الأخوين، انظر إلى حُمَيْد في أي درجة من العلو، وانظر إلى عمر في أي درجة من الوهاء" (٤). وقال أبو حاتم: "إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعيف الحديث، ليس بقوي، ولا يمكننا أن نعتبر بحديثه، وأخوه طلحة بن يحيى أقوى حديثا منه، ويتكلمون في حفظه، ويكتب حديثه" (٥). ٢ - الاشتراك في الاسم، أو الكنية، أو اللقب، أو في اسم الأب، أو في النسبة، كما في قول يحيى بن سعيد القطان: "أشعث بن عبد الملك (الحُمْراني) أحب إلينا من أشعث بن سَوَّار" (٦).

стр. 162

وبمعنى هذا قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن عدي، زاد أبو حاتم: "وهو أوثق من أشعث الحُدَّاني" (١). وقال البَرْقاني: "قلت للدارقطني: أشعث، عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة يحدثون عن الحسن جميعًا، أحدهم الحُمْراني منسوب إلى حُمْران مولى عثمان، بصري، وهو أشعث بن عبد الملك، أبو هانئ، ثقة، وأشعث بن عبد الله الحُدَّاني، بصري أيضا، يروي عن الحسن، وأنس بن مالك، يعتبر به، وأشعث بن سَوَّار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، روى عنه شعبة حديثا واحدا" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سئل أبي - وأنا أسمع - عن سَلَّام بن مسكين، وسَلَّام بن أبي مُطِيع، فقال: جميعا ثقة، إلا أن سَلَّام بن مسكين أكثر حديثا، وكان سَلَّام بن أبي مطيع صاحب سنة، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه" (٣). وقال عبد الله أيضا: "سألت أبي عن صَدَقة الدمشقي فقال: هو صَدقَة السمين، ما كان من حديثه مرفوع فهو منكر، وما كان من حديثه مرسل عن مكحول فهو أسهل، وهو ضعيف جدا، وهو صَدقَة بن عبد الله السمين، وصَدقَة بن خالد ثقة ثبت ... " (٤). وكذا سئل ابن معين عن صَدَقة الدمشقي الذي يحدث عنه وكيع

стр. 163

فقال: "هو السمين، وصَدَقة بن خالد أثبت منه" (١). وقال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل سئل: عامر الأحول أحب إليك، أو عاصم الأحول؟ قال: عاصم الأحول، شيخ ثقة" (٢). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى وقيل له: كَثِير بن زيد مدني؟ قال: نعم، ضعيف، وكَثِير بن عبد الله بن مِلْحَة أيضا ضعيف، كلاهما، ولكن ذاك خير من هذا" (٣). وقال البَرْذَعي: "قلت له (يعني أبا زرعة): "محمد بن الحجاج اللَّخمي؟ قال: يروي أحاديث موضوعة عن عبد الملك بن عمير، وغيره، قلت: فحمد بن الحجاج المصَفِّر؟ قال: وهذا أيضا يروي أباطيل عن شعبة، والداروردي، قلت: فهما قريبان من السواء؟ قال: لا، اللَّخمي كان في أيام هشيم، وهذا بعد، قلت: إنما أردت أنهما يتقاربان في رواية الأباطيل، قال: أما في هذا يتقاربان" (٤). ٣ - اشتهار الراويين أو الرواة بالأخذ عن شيخ، مثل أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، وأبي سفيان طلحة بن نافع، اشتهرا بالرواية عن جابر بن عبد الله، فيجري النقاد مقارنة بينهما، فقد سئل أحمد عنهما فقال: "أبو الزبير كأنه في القلب أكبر، وأبو سفيان روى عنه أبو

стр. 164

بشر وقوم آخرون" (١)، وفي رواية عنه قال: "أبو الزبير أحب إلي من أبي سفيان -يعني طلحة بن نافع-، وأبو الزبير ليس به بأس" (٢). وكذا قال ابن معين إن أبا الزبير أحب إليه من أبي سفيان (٣). وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي، والقَعْقًاع بن حكيم، وسُهَيل بن أبي صالح، اشترك الثلاثة في الرواية عن أبي صالح السَمَّان صاحب أبي هريرة، وسئل القطان عن سُمَيّ، أو القَعْقَاع، أيهما أثبت؟ فقال: "قَعْقَاع أحب إلي" (٤). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: سُمَيّ أحب إليك أو القَعْقَاع؟ قال: سُمَيّ، قلت له: سُمَيّ! قال: بخ، ثقة، قلت: سُمَيّ أحب إليك أم سُهَيل؟ قال: سُمَيّ" (٥). وعمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عمرو بن علقمة، اشتهرا بالرواية عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال أبو داود: "قلت لأحمد: عمر بن أبي سلمة؟ قال: صالح: قيل لأحمد: هو أحب إليك أو محمد بن عمرو؟ قال: هو أحب إلي، ويحيى -زعموا- كان يختار محمد بن عمرو عليه" (٦). ومبارك بن فَضَالة، والربيع بن صُبَيْح، اشتهرا بالرواية عن الحسن

стр. 165

البصري، وقد توارد النقاد على إجراء مقارنة بينهما، قال ابن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد: ما أراك حدثت عن الربيع بن صُبَيْح شيئا؟ قال: لا، ومبارك بن فَضَالة أحب إلي منه" (١). وكذا قدم المبارك علي بن المديني (٢). وسئل أحمد عنهما فقال: "ما أقربهما" (٣)، وكذا قال ابن معين (٤)، وسئل ابن معين مرة عن المبارك فقال: "ضعيف الحديث، مثل الربيع بن صُبَيْح في الضعف" (٥). وبشر بن نُمَيْر، وجعفر بن الزبير البصريان، اشتهرا بالرواية عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: بشر بن نُمَيْر متروك الحديث، فقيل له: هو أحب إليك أو جعفر بن الزبير؟ قال: ما أقربهما" (٦)، وقال أيضا: "بشر بن نُمَيْر، وجعفر بن الزبير، متقاربان في الإنكار، روايتهما عن القاسم أبي عبد الرحمن، وأحاديثهما عن القاسم منكرة، ويذكر عنهما صلاح" (٧). وسئل أبو داود عنهما فقال: "بشر بن نُمَيْر أرفع، وجعفر بن الزبير رجل صالح عابد، وكان جعفر صاحب غزو" (٨).

стр. 166

٤ - الاتحاد في الطبقة، والاشتراك في كثير من الشيوخ والتلاميذ، فيجري الأئمة مقارنة بين الرواة لهذا السبب، للحاجة الماسة إليه في الترجيح عند الاختلاف، والغالب في هذا السبب أن يصحبه اتحاد البلد، كما في قول سفيان الثوري: "أشعث (يعني ابن سَوَّار) أثبت من مُجَالِد" (١). وقال أحمد: "داود بن قيس ثقة، وهو فوق هشام بن سعد" (٢)، وفي رواية: "أكبر من هشام بن سعد" (٣). وكذا قدم داود: ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم (٤). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: أبو الملِيح أحب إليك، أو عبيد الله بن عمرو؟ قال: هو -يعني أبا المليح-، بينهما كثير" (٥). وسئل عن إسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عثمان بن خُثَيْم فقال: "إسماعيل أحب إلينا من ابن خُثَيْم" (٦). وسئل عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، فقال: "حَرِيز أحب إلي، وأعجب إلي من صفوان، وما بصفوان بأس" (٧)، وفي رواية: "حَرِيز فوقه، حَرِيز ثقة ثقة" (٨).

стр. 167

وسئل يحيى بن معين عن محمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، فقال: "سبحان الله، ما يشك في هذا أحد -أو كما قال يحيى-، محمد بن عجلان أوثق من محمد بن عمرو، ولم يكونوا يكتبون حديث محمد بن عمرو حتى اشتهاها أصحاب الإسناد فكتبوها" (١)، وقال أيضا: "محمد بن عجلان أحب إلي من محمد بن عمرو، ومحمد بن عمرو أحب إلي من محمد بن إسحاق" (٢). وقيل ليحيى بن معين أيضا: "أَبَان (يعني ابن يزيد) أحب إليك أم شيبان؟ قال: "أَبَان"، وقيل له: علي بن المبارك أحب إليك من أَبَان؟ قال: "لا" (٣). في أشياء كثيرة جدا من هذا القبيل. ومن غير الغالب اختلاف بلدان الرواة، مثاله أن أحمد سئل عن أبي الزبير المكي، وأبي نَضْرة العبدي البصري فقال: "أبو نَضْرة أحب إلي" (٤). ٥ - كشف حال الراوي وبيان درجته، إما لكونه غير معروف الدرجة للسائل والمستمع، فيكشف الناقد عن حاله بمقارنته بغيره، أو تكون درجته معروفة قوة أو ضعفا، ويشترك مع غيره فيها في الجملة، فيعمد الأئمة النقاد إلى المقارنة بين رواة بينهم اشتراك في الدرجة والمنزلة لبيان تماثلهم أو تفاوتهم في الدرجة نفسها، وقد يكون الناقد ابتدأ

стр. 168

الكلام من عنده، أو ذكره جوابا لسؤال سائل، فقد كثر من التلاميذ سؤال الأئمة النقاد عن الرواة المتقاربين في الدرجة، للتمييز بينهم. فمن ذلك قول يحيى القطان: "الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، عندي سواء، وأشعث بن سَوَّار دونهما، ويحيى بن أبي أُنَيْسة أحب إلي من حجاج، وأشعث بن سَوَّار، ومحمد بن إسحاق" (١). وقال أحمد: "أشعث بن سَوَّار أمثل في الحديث من محمد بن سالم، ولكنه على ذاك ضعيف -يعني الأشعث-" (٢). وكذا قال العجلي (٣). وقال أبو حاتم في محمد بن سالم: "ضعيف الحديث، منكر الحديث، مثل عُبَيْدة الضَبِّي وأضعف، شبه المتروك" (٤). وقال المروذي: "سألت أبا عبد الله (يعني أحمد) عن مَطَر الوراق فقال فيه قولا لينا، وقال: هو مثل ابن أبي ليلى" (٥). وقال أحمد أيضا: "يحيى بن العلاء كذاب يضع الحديث، وبشر بن نُمَيْر أسوأ حالا منه" (٦). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين وسئل عن واصل بن السائب، فقال: ليس بشيء، فقيل له: أيما أحب إليك هو أم طلحة بن

стр. 169

عمرو؟ فقال: طلحة أيضا، ليس منهما أحد أحبه" (١). وقال ابن مُحْرِز أيضا: "سمعت يحيى وقيل له: زهير بن محمد كيف هو؟ قال: ليس به بأس، وقيل له: منصور بن سعد أكبر منه؟ قال: نعم" (٢). وقال أيضا: "سمعت يحيى يقول: منصور بن سعد ثقة، حدث عنه ابن مهدي، قلت له: هو أحب إليك أو إبراهيم بن طَهْمان؟ قال: هو" (٣). وقال ابن الجُنَيْد: "سألت يحيى عن إسماعيل بن رافع، فقال: ضعيف الحديث، فقلت: هو مثل إسحاق بن أبي فَرْوَة في الضعف؟ فقال: إسحاق ضعيف، وإسماعيل بن رافع ضعيف" (٤). وقال أبو زرعة: "ليس على يعقوب الزهري قياس، يعقوب الزهري، وابن زَبَالة، والواقدي، وعمر بن أبي بكر الموصلي- يتقاربون في الضعف، وهم واهون" (٥). وقال أبو حاتم في عبد الرحمن بن إسحاق المديني: "يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو قريب من ابن إسحاق صاحب المغازي، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، ولا قوي، وهو أصلح من عبد الرحمن بن

стр. 170

إسحاق أبي شيبة" (١). وقال أيضا: "شَهْر بن حَوْشب أحب إلي من أبي هارون العبدي، ومن بشر بن حرب، وليس بدون أبي الزبير، لا يحتج بحديثه" (٢). فهذه مجموعة من الأسباب لاختيار الرواة الذين تجري المفاضلة والموازنة بينهم، وقد يكون هناك غيرها، والمتأمل فيها يرى بينها تداخلا في بعض الرواة، وهو أمر غير مستغرب؛ إذ المقصود أن كل واحد منها قد ينفرد بدفع الناقد للمقارنة، وأما اجتماعها أو اجتماع بعضها فهو كثير جدا، ومنه في الأمثلة السابقة الأشاعثة الثلاثة، اشتركوا في الاسم، وفي الطبقة، وفي الشهرة بالرواية عن الحسن البصري. ومن ذلك أيضا سفيان الثوري، وسفيان بن عُيَيْنة، اشتركا في الاسم، والبلد، وطبقتهما متقاربة، فقد اشتركا في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ثم هما في درجة من العلو في الحفظ والتثبت متقاربة، فيجري النقاد مقارنة بينهما. ويقرب منهما حال حماد بن سلمة وحماد بن زيد البصريين. ومن ذلك أيضا: يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي البصريان، فهما قرينان، من طبقة واحدة، وفي درجة متقاربة جدا من الإتقان والضبط، واشتهرا جميعا بالنقد والكلام في الرجال، ثم هما من شيوخ الأئمة النقاد: أحمد، وابن معين، وابن المديني، وقد سئل

стр. 171

هؤلاء النقاد عنهما، ويضم إليهما في أحيان كثيرة: وكيع بن الجراح، وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، الكوفيان، وهُشَيْم بن بَشِيْر الواسطي، فهؤلاء أيضا من الحفاظ الكبار الذين تتلمذ عليهم هؤلاء الأئمة. القسم الثاني: المقارنة المقيدة بشيء معين كبلد، أو شيخ: وهذا القسم تتم المقارنة فيه بين رواة بأعيانهم، لكن مع تقييد ذلك ببلد، أو شيخ معين. فأما التقييد بالبلد فمن أمثلته قول أحمد: "الثوري أعلم بحديث الكوفيين ومشايخهم من الأعمش" (١). وأما التقييد بشيخ معين فأمثلته كثيرة جدا، فقد اعتنى الأئمة بالمقارنة بين أصحاب الرواة، لا سيما المشهورين منهم بكثرة التلاميذ، وكثرة الحديث، كأبي هريرة، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، ثم من بعدهم كابن سيرين، وأبي صالح السَّمَّان، والحسن البصري، والشعبي، ونافع مولى ابن عمر، وثابت البناني، وقتادة، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، ويحيى بن أبي كثير، وعمرو بن دينار، ثم من بعدهم كأيوب السَّخْتِيَاني، وعبيد الله العُمَري، والأعمش، والثوري، ومالك، وشعبة، وهشام، الدَّسْتُوائي، ومعمر، وسفيان بن عُيَيْنة. وعرف هذا الموضوع باسم (طبقات الأصحاب)، وقد أفرد له عثمان بن سعيد الدارمي فصلا خاصا في صدر كتابه "تاريخه عن ابن معين" (٢). كما خصه النسائي بجزء صغير جدا، ذكره فيه طبقات أصحاب نافع،

стр. 172

وأصحاب الأعمش، وأثبت أصحاب الأوزاعي، وأيوب، وحماد بن سلمة، وسعيد بن أبي عَرُوبة (١). وفي "سؤالات ابن بُكَيْر للدارقطني" فصل قيم في الموضوع (٢). ثم خصص له ابن رجب في كتابه الجليل "شرح علل الترمذي" فصلا طويلا نافعا، بدأه بأصحاب عبد الله بن عمر، وختمه بأصحاب يزيد بن أبي حبيب (٣). وفي كتب الأئمة النقاد شيء كثير لم يذكره ابن رجب. وفي رأيي أن (علم طبقات الأصحاب) لا يزال بكرا بالنسبة للباحثين المعاصرين، فهو بحاجة إلى من يوجه إليه عناية خاصة، ويمكن للباحث أن يختار راويا ممن له أصحاب كثيرون، اشتغل الأئمة بتصنيفهم وبيان درجاتهم فيه، ويجمع أقوال الأئمة، ويوازن بينها، ويعتمد فيما يعتمد عليه على دراسة أحاديثهم أو بعضها عن ذلك الراوي. وأهم ما ينبغي الانتباه له في موضوع المقارنة بين الرواة بقسميه -المطلق والمقيد- أمران: الأمر الأول: أن الأئمة النقاد استخدموا في المقارنة بين الرواة ما تقدم في المبحث الذي قبل هذا، وهو تفصيل حال الراوي، أي أن الناقد يقدم أحدهما مثلا إذا حدث من كتابه، أو قبل تغيره، أو في غير روايته عن شيخ معين، أو أهل بلد معين، ونحو ذلك، وكل هذا

стр. 173

يكشف بوضوح دقة هؤلاء الأئمة وسلامة منهجهم. فمن ذلك قول يحيى بن سعيد القطان: "أبو عَوَانة من كتابه أحب إلي من شعبة من حفظه" (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي: "أبو عَوَانة، وهُشَيْم، كسعيد بن أبي عَرُوبة، وهمام، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عَوَانة صحيح، وإذا كان الحفظ فحفظ هُشَيْم، وإذا كان الكتاب فكتاب همام، وإذا كان الحفظ فحفظ سعيد" (٢)، وفي رواية عنه: "كتاب أبي عَوَانة أحب إلي من حفظ هُشَيْم، وحفظ هُشَيْم أحب إلي من حفظ أبي عَوَانة" (٣). وقال أحمد: "أبو عَوَانة أكثر رواية عن أبي بشر من شعبة، وهُشَيْم، في جميع الحديث، وأبو عَوَانة كتابه صحيح، وأخبار يجيء بها، وطول الحديث بطوله، وهُشَيْم أحفظ، وإنما يختصر الحديث، وأبو عَوَانة يطوله، ففي جميع حاله أصح حديثا عندنا من هُشَيْم، إلا أنه بأَخَرة كان يقرأ من كتب الناس فيقرأ الخطأ، فأما إذا كان من كتابه فهو ثبت" (٤). وسئل: جرير الرازي، وأبو عَوَانة- أيهما أحب إليك؟ فقال: "أبو عَوَانة من كتابه أحب إلي" (٥). وسئل: أبو عَوَانة أثبت أو شَرِيْك؟ فقال: "إذا حدث أبو عَوَانة من

стр. 174

كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم، قال عفان: كان أبو عَوَانة صحيح الكتاب، كثير العَجْم والنّقْط، كان ثبتا" (١). وكذا قال ابن معين حين سئل عنهما أيهما أثبت: "أبو عَوَانة أصح كتابا" (٢). وسئل أبو حاتم عن همام بن يحيى، وأَبَان بن يزيد: من تقدم منهما؟ فقال: "همام أحب إلي ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط" (٣). وقال أبو حاتم أيضا في زهير بن معاوية: " ... هو أحفظ من أبي عَوَانة، وهما يوازيان إذا حدثا من كتابهما، لم أبال بأيهما بَطَشْت، وإذا حدثا من حفظهما فزهير أحب إلي ... " (٤). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: مغيرة أحب إليك في إبراهيم، أو حماد؟ قال: أما فيما روى سفيان، وشعبة، عن حماد - فحماد أحب إلي، لأن في حديث الآخرين عنه تخليطا" (٥). الأمر الثاني: أن الأئمة النقاد فاضلوا ووازنوا بين الرواة من جهات عديدة، فلم تقتصر المفاضلة على الأثبت في الرواية، فهناك في القسم الأول: كثرة الرواية وقلتها، الفضل والصلاح، الفقه، العلم بنقد السنة: رجالها، وأحاديثها، قدم السماع، الشهرة، السنة واتباعها،

стр. 175

وغير ذلك. ويشترك القسم الثاني معه في بعض ما تقدم، ويزيد عليه: العلم بأحوال الشيخ، وحديثه، ورأيه. وسأذكر الآن نماذج من القسمين، يتضح منها بجلاء تعدد جهات المفاضلة بين الرواة. فمن ذلك قول أحمد: "كان يحيى بن سعيد لا يعدل بسفيان أحدا، يقدمه، وقال يحيى: ما رأيت أحدا خيرا من شعبة" (١). وروى علي بن المديني عن يحيى قوله: "ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان" (٢). فمراد يحيى تقديم شعبة في نقده للسنة، وحرصه على انتقاء الرواة، والتفتيش عن سماعهم، وتتلمذه عليه في ذلك، وأما في الحفظ والتثبت فيقدم سفيان (٣). ويقرب منه قول أحمد في يحيى بن سعيد، قال عبد الله: "قلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن -أعني الحديث-؟ قال: ما رأيت مثل يحيى بن سعيد: قلت: فهُشَيْم؟ قال: هُشَيْم شيخ، ما رأيت مثل يحيى -وكان أبي يعظم أمره جدا في الحديث والعلم-، قلت له: كان فقيها؟ قال: صالح الفقه، قلت: فعبد الرحمن؟ قال: لم نر مثل يحيى -يعني في كل أحواله-" (٤).

стр. 176

وقال إسحاق بن هانئ: "سمعته يقول: ما في أصحاب شعبة أقل خطأ من محمد بن جعفر، قيل له: ولا وكيع؟ قال: وكيع كان أروع القوم، قلت أنا: ولا يحيى بن سعيد؟ قال: لا يقاس بيحيى بن سعيد في العلم أحد، وما رأيت أحدا أحفظ من وكيع" (١). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: أيوب بن موسى؟ قال: ليس به بأس، إلا أن إسماعيل بن أمية أكبر منه في الحديث، وكان بينهما قرابة، وكان أيوب يكتب الشروط ويتفقه" (٢). وعبر أحمد في نص آخر عن أيوب وتفقهه وكتابته للشروط بأنه أنفع للناس من إسماعيل، وإن كان إسماعيل أوثق منه وأثبت (٣). وقال أبو داود أيضا: "قلت لأحمد: أبو مَعْشَر أحب إليك أو حماد (يعني ابن أبي سليمان)؟ قال: زعموا أن أبا مَعْشَر كان يأخذ عن حماد، إلا أن أبا مَعْشَر عند أصحاب الحديث- يريد: كان أكبر- لأن حمادا كان يرى الإرجاء" (٤). وقد سئل أحمد أيما أصح حديثا حماد أو أبو مَعْشَر؟ قال: "حماد أصح حديثا من أبي مَعْشَر" (٥). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: أصحاب نافع؟ قال: أعلم الناس بنافع: عبيد الله، وأرواهم، قلت: فبعده مالك؟ قال: أيوب أقدِّم،

стр. 177

قلت: تقدم أيوب على مالك؟ قال: نعم" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "سألته: أيما أحب إليك هُشَيْم، أو خالد (يعني الطحان)؟ فقال: هو عندي أصلح في بدنه -يعني خالدا-، خالد لم يتلبس بالسلطان" (٢). وسأله إسحاق بن هانئ: أيما أكبر أبو حصين، أو الأعمش؟ فقال: "أبو حصين أكبر من الأعمش، والأعمش أحب إلي، الأعمش أعلم بالعلم والقرآن من أبي حصين" (٣). وقال إسحاق بن هانئ: "قلت: أيما أثبت عندك في سفيان الثوري أبو نُعَيْم، أو وكيع؟ قال: لا يقاس بوكيع، قلت أنا له: في الصلاح لا يقاس به، فأيما أصح حديثا؟ قال: أبو نُعَيْم أصح حديثا، ثم ابتدأ فذكر الفِرْيابي فقال: ما رأيت أكثر خطأ في الثوري من الفِرْيابي" (٤). وسئل عن جرير الرازي، وأبي هلال الراسبي، فقال: "جرير أحسن حديثا، وأحب إلي، وأوسع في العلم، وأقرب إلى السنة، من أبي هلال، وأما أبو هلال فقال: لا يحفظ -ولين حديثه-" (٥). وقال المروذي: "قلت: (يعني لأحمد) فإذا اختلف سالم ونافع لمن تحكم؟ قال: نافع قد قدم سالمًا على نفسه، وقد روى عنه وكان مُشَمِّرا، قلت: لم أرد الفضل، إنما أردت الحديث، إذا اختلفا فقلبك

стр. 178

إلى أيهما أميل؟ قال: جميعا عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي لأحد" (١). وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله وسأله أبو جعفر: مبارك (يعني ابن فَضَالة) أحب إليك أم الربيع (يعني ابن صُبَيْح)؟ قال: ربيع، وأما عفان وهؤلاء فيقدمون مباركا عليه، ولكن الربيع صاحب غزو وفضل" (٢). وقال ابن معين: "الحارث بن مسكين خير من أَصْبَغ بن الفرج وأفضل، وأفضل من عبد الله بن صالح كاتب الليث، وكان أَصْبَغ من أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة، متى قالها مالك، ومن خالفه فيها" (٣). وسأله ابن الجُنَيْد: أيما أثبت شَرِيْك أو إسرائيل؟ قال: "إسرائيل أقرب حديثا، وشَرِيْك أحفظ" (٤). والظاهر أنه يعني أن شَرِيْكا أقوى حافظة، أو أكثر محفوظا، لكن إسرائيل أصح حديثا منه، وسبب ذلك أنه اعتمد على كتابه فضبط (٥). وقال ابن المديني: "أصحاب قتادة ثلاثة: سعيد -يعني ابن أبي عَرُوبة-، وهشام -يعني الدَّسْتُوائي-، وشعبة، فأما سعيد فأتقنهم،

стр. 179

وأما هشام فأكثرهم، وأما شعبة فأعلمهم بما سمع، ليس بعد هؤلاء أحد مثل همام من كتابه" (١)، وفي رواية أخرى عنه: "وهمام أسندهم إذا حدث من كتابه، هم هؤلاء أربعة أصحاب قتادة" (٢). وقال أيضا: "لم يكن في القوم أعلم من حماد بن زيد بأيوب، ولم يكن في القوم أثبت فيما روى من إسماعيل، ووُهَيْب، وعبد الوارث" (٣). وقال أيضا في محمد بن عيسى بن الطَّباَّع: "سمعت عبد الرحمن ويحيى يسألانه عن حديث هُشَيْم، وما أعلم أحدا أعلم به منه" (٤). وقال أيضأ: " شَرِيْك أعلم من إسرائيل، وإسرائيل أقل خطأ منه" (٥). وقال أيضا في كلامه على أصحاب إبراهيم النخعي: "لا أعلم أحدا يروي في المسند عن إبراهيم ما روى الأعمش، ومغيرة بن مقسم كان أعلم الناس بإبراهيم، ما سمع منه وما لم يسمع، لم يكن أحد أعلم به منه، حمل عنه وعن أصحابه، ثم كان أبو مَعْشَر، وحماد، وحماد فوق أبي مَعْشَر" (٦). فخص الأعمش بكثرة رواية المسند عن إبراهيم، وقدم مغيرة في

стр. 180

كثرة الرواية عن إبراهيم، ما كان مسندا، وما كان غير مسند، فيدخل فيه ما يرويه عن إبراهيم من قوله، وأما في التثبت فقد سئل أي أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: "إذا حدثك عن منصور ثقة فقد ملأت يديك، ولا تريد غيره" (١). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت أبا بكر بن أبي شيبة وذكروا عنده زيد بن حُبَاب، فقال: كان والله خيرًا من أبي نُعَيْم، أَعَفُّ عِفَّة، وأكثر صوما وأكثر صلاة، وأكثر صدقة" (٢). وسئل أبو داود: أيما أحفظ وكيع، أو عبد الرحمن؟ فقال: "وكيع أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي، وكان عبد الرحمن أقل وهما، وكان أتقن" (٣). وإنما أطلت في سرد هذه النصوص لتأكيد عناية الأئمة النقاد بأمور مختلفة عند المفاضلة. ولا شك أن الذي يهم الباحث في دراسة الإسناد ما يتعلق بالتقديم في التثبت، وقد يقف على ذلك صريحا كما تقدم في بعض النصوص السابقة، وغيرها كثير، فهذه بغيته، وقد لا يقف على ذلك صريحا، لكن في كلام الإمام ما يشير إلى أن مراده التقديم من هذه الجهة، كما في قول أبي داود: "قلت لأحمد: يزيد -يعني ابن أبي زياد- أحب إليك عن مُقْسِم، أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء، قلت لأحمد: ذكرت أن الحكم في مُقْسِم أحب إليك منه -أعني من يزيد-، والحكم
следующие страницы →