← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال إسحاق بن هانئ: "سمعته يقول: ما في أصحاب شعبة أقل خطأ من محمد بن جعفر، قيل له: ولا وكيع؟ قال: وكيع كان أروع القوم، قلت أنا: ولا يحيى بن سعيد؟ قال: لا يقاس بيحيى بن سعيد في العلم أحد، وما رأيت أحدا أحفظ من وكيع" (١). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: أيوب بن موسى؟ قال: ليس به بأس، إلا أن إسماعيل بن أمية أكبر منه في الحديث، وكان بينهما قرابة، وكان أيوب يكتب الشروط ويتفقه" (٢). وعبر أحمد في نص آخر عن أيوب وتفقهه وكتابته للشروط بأنه أنفع للناس من إسماعيل، وإن كان إسماعيل أوثق منه وأثبت (٣). وقال أبو داود أيضا: "قلت لأحمد: أبو مَعْشَر أحب إليك أو حماد (يعني ابن أبي سليمان)؟ قال: زعموا أن أبا مَعْشَر كان يأخذ عن حماد، إلا أن أبا مَعْشَر عند أصحاب الحديث- يريد: كان أكبر- لأن حمادا كان يرى الإرجاء" (٤). وقد سئل أحمد أيما أصح حديثا حماد أو أبو مَعْشَر؟ قال: "حماد أصح حديثا من أبي مَعْشَر" (٥). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: أصحاب نافع؟ قال: أعلم الناس بنافع: عبيد الله، وأرواهم، قلت: فبعده مالك؟ قال: أيوب أقدِّم،

стр. 177

قلت: تقدم أيوب على مالك؟ قال: نعم" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "سألته: أيما أحب إليك هُشَيْم، أو خالد (يعني الطحان)؟ فقال: هو عندي أصلح في بدنه -يعني خالدا-، خالد لم يتلبس بالسلطان" (٢). وسأله إسحاق بن هانئ: أيما أكبر أبو حصين، أو الأعمش؟ فقال: "أبو حصين أكبر من الأعمش، والأعمش أحب إلي، الأعمش أعلم بالعلم والقرآن من أبي حصين" (٣). وقال إسحاق بن هانئ: "قلت: أيما أثبت عندك في سفيان الثوري أبو نُعَيْم، أو وكيع؟ قال: لا يقاس بوكيع، قلت أنا له: في الصلاح لا يقاس به، فأيما أصح حديثا؟ قال: أبو نُعَيْم أصح حديثا، ثم ابتدأ فذكر الفِرْيابي فقال: ما رأيت أكثر خطأ في الثوري من الفِرْيابي" (٤). وسئل عن جرير الرازي، وأبي هلال الراسبي، فقال: "جرير أحسن حديثا، وأحب إلي، وأوسع في العلم، وأقرب إلى السنة، من أبي هلال، وأما أبو هلال فقال: لا يحفظ -ولين حديثه-" (٥). وقال المروذي: "قلت: (يعني لأحمد) فإذا اختلف سالم ونافع لمن تحكم؟ قال: نافع قد قدم سالمًا على نفسه، وقد روى عنه وكان مُشَمِّرا، قلت: لم أرد الفضل، إنما أردت الحديث، إذا اختلفا فقلبك

стр. 178

إلى أيهما أميل؟ قال: جميعا عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي لأحد" (١). وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله وسأله أبو جعفر: مبارك (يعني ابن فَضَالة) أحب إليك أم الربيع (يعني ابن صُبَيْح)؟ قال: ربيع، وأما عفان وهؤلاء فيقدمون مباركا عليه، ولكن الربيع صاحب غزو وفضل" (٢). وقال ابن معين: "الحارث بن مسكين خير من أَصْبَغ بن الفرج وأفضل، وأفضل من عبد الله بن صالح كاتب الليث، وكان أَصْبَغ من أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة، متى قالها مالك، ومن خالفه فيها" (٣). وسأله ابن الجُنَيْد: أيما أثبت شَرِيْك أو إسرائيل؟ قال: "إسرائيل أقرب حديثا، وشَرِيْك أحفظ" (٤). والظاهر أنه يعني أن شَرِيْكا أقوى حافظة، أو أكثر محفوظا، لكن إسرائيل أصح حديثا منه، وسبب ذلك أنه اعتمد على كتابه فضبط (٥). وقال ابن المديني: "أصحاب قتادة ثلاثة: سعيد -يعني ابن أبي عَرُوبة-، وهشام -يعني الدَّسْتُوائي-، وشعبة، فأما سعيد فأتقنهم،

стр. 179

وأما هشام فأكثرهم، وأما شعبة فأعلمهم بما سمع، ليس بعد هؤلاء أحد مثل همام من كتابه" (١)، وفي رواية أخرى عنه: "وهمام أسندهم إذا حدث من كتابه، هم هؤلاء أربعة أصحاب قتادة" (٢). وقال أيضا: "لم يكن في القوم أعلم من حماد بن زيد بأيوب، ولم يكن في القوم أثبت فيما روى من إسماعيل، ووُهَيْب، وعبد الوارث" (٣). وقال أيضا في محمد بن عيسى بن الطَّباَّع: "سمعت عبد الرحمن ويحيى يسألانه عن حديث هُشَيْم، وما أعلم أحدا أعلم به منه" (٤). وقال أيضأ: " شَرِيْك أعلم من إسرائيل، وإسرائيل أقل خطأ منه" (٥). وقال أيضا في كلامه على أصحاب إبراهيم النخعي: "لا أعلم أحدا يروي في المسند عن إبراهيم ما روى الأعمش، ومغيرة بن مقسم كان أعلم الناس بإبراهيم، ما سمع منه وما لم يسمع، لم يكن أحد أعلم به منه، حمل عنه وعن أصحابه، ثم كان أبو مَعْشَر، وحماد، وحماد فوق أبي مَعْشَر" (٦). فخص الأعمش بكثرة رواية المسند عن إبراهيم، وقدم مغيرة في

стр. 180

كثرة الرواية عن إبراهيم، ما كان مسندا، وما كان غير مسند، فيدخل فيه ما يرويه عن إبراهيم من قوله، وأما في التثبت فقد سئل أي أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: "إذا حدثك عن منصور ثقة فقد ملأت يديك، ولا تريد غيره" (١). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت أبا بكر بن أبي شيبة وذكروا عنده زيد بن حُبَاب، فقال: كان والله خيرًا من أبي نُعَيْم، أَعَفُّ عِفَّة، وأكثر صوما وأكثر صلاة، وأكثر صدقة" (٢). وسئل أبو داود: أيما أحفظ وكيع، أو عبد الرحمن؟ فقال: "وكيع أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي، وكان عبد الرحمن أقل وهما، وكان أتقن" (٣). وإنما أطلت في سرد هذه النصوص لتأكيد عناية الأئمة النقاد بأمور مختلفة عند المفاضلة. ولا شك أن الذي يهم الباحث في دراسة الإسناد ما يتعلق بالتقديم في التثبت، وقد يقف على ذلك صريحا كما تقدم في بعض النصوص السابقة، وغيرها كثير، فهذه بغيته، وقد لا يقف على ذلك صريحا، لكن في كلام الإمام ما يشير إلى أن مراده التقديم من هذه الجهة، كما في قول أبي داود: "قلت لأحمد: يزيد -يعني ابن أبي زياد- أحب إليك عن مُقْسِم، أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء، قلت لأحمد: ذكرت أن الحكم في مُقْسِم أحب إليك منه -أعني من يزيد-، والحكم

стр. 181

سمع من مُقْسِم أحاديث؟ قال: أربعة سمع منه، قلت وكيف تختار الحكم عليه؟ فقال: الحكم لا يقاس إليه، يزيد يختلف عنه جدا" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبي: أيهما أعجب إليك إسماعيل بن أبي خالد، أو داود - يعني ابن أبي هند-؟ فقال: إسماعيل أحفظ عندي منه، قال: قلَّ ما اختلف عن إسماعيل، وداود يختلف عنه" (٢). وسئل أحمد عن عُقَيْل ويونس الأيليين، فقال: "عقيل، وذاك أن يونس ربما رفع الشيء من رأي الزهري، يُصَيِّره عن ابن المسيب، قد روى يونس، عن عُقَيْل" (٣). ففي هذه النصوص الثلاثة أشار أحمد إلى سبب التقديم، وبه عرف أن مراده في التثبت والضبط. ومثله ما إذا ذكر الإمام حديثا اختلف فيه اثنان، فرجح قول أحدهما، وعلل ذلك بأنه أحفظ، كما في قول أبي حاتم في حديث ذكره لسلمة بن كُهَيْل، وحصين بن عبد الرحمن السلمي: "سلمة أحفظ من حصين" (٤). وفي حيث آخر لسفيان بن عُيَيْنة، وحسين بن واقد المروذي، يرويانه عن عمرو بن دينار: "ابن عُيَيْنة أحفظ وأعلم بعمرو منه" (٥). فيعلم هنا أن المراد بالحفظ: الضبط والتثبت، لا كثرة المحفوظ مثلا.

стр. 182

فأما إذا لم تكن عبارة الإمام صريحة، وليس في كلامه قرينة على أن مراده التقديم في الثقة والضبط، مثل أن يقول: أعجب إلي، أو أحب إلي، ونحو ذلك، فعلى الباحث حينئذ أن يبحث عن مفسر خارجي، كأن يقف على رواية أخرى للناقد تفسر مراده، أو يقف على كلام ناقد آخر يعين على تفسير المراد. وإذا لم يقف على شيء من ذلك فالذي يظهر لي أنه لا بأس بأن يحمل الباحث عبارة الناقد على التقديم في الضبط والتثبت، إذ الأصل في السؤال والجواب عن الرواة أن يكون في ضبطهم وتثبتهم، فيبقى في هذا الأصل حتى يدل دليل على أن مراد الناقد خلافه. ومن جهة ثانية فإن معرفة اهتمام النقاد بجهات مختلفة عند المفاضلة بين الرواة يساعد كثيرا في إزالة التعارض الذي يبدو من الروايات المختلفة عن الناقد، أو عن الناقد مع غيره من النقاد، في الموازنة بين بعض الرواة، فكلامهم متفق في الغالب، وما يبدو من تعارض يمكن حمله في كثير من الأحيان على اختلاف جهات التقديم. مثال ذلك: قول ابن المبارك: "كان شَرِيْك أحفظ لحديث الكوفيين من سفيان -يعني الثوري" (١)، وفي رواية: "أعلم بحديث الكوفة من سفيان" (٢). فهذه العبارة ظاهرها يعارض ما اشتهر عن الأئمة من تقديم الثوري على غيره من الحفاظ الكبار، فضلا عن شَرِيْك ونحوه، كما تقدم في القسم الأول: المقارنة المطلقة بين الرواة، ويمكن تفسيرها بما قاله ابن معين في جوابه على سؤال يزيد بن الهيثم الدقاق، قال يزيد: "قلت

стр. 183

ليحيى بن معين: زعم إسحاق بن أبي إسرائيل أن شَرِيْكا أروى عن الكوفيين من سفيان، وأعرف بحديثهم، فقال: ليس يقاس بسفيان أحد، ولكن شَرِيْكا أروى منه في بعض المشايخ، الركين، والعباس بن ذَرِيح، وبعض المشايخ يعني الكوفيين -يعني أكثر كتابا-" (١). ومثله عبارة الأوزاعي في قُرَّة بن عبد الرحمن، وروايته عن الزهري، وهو متكلم فيه كثيرا، وغير مكثر عن الزهري (٢)، قال الأوزاعي فيما رواه عنه يزيد بن السِّمْط: "ما أحد أعلم بالزهري من قُرَّة بن عبد الرحمن". عقب عليه ابن أبي حاتم بقوله: "لم يكن الأوزاعي وقف على كتاب معمر، عن الزهري، فإنه أكثرهم رواية عنه، ولا وقف على كتاب عُقَيْل، ويونس، وإنما شاهد من قُرَّة ما كان يورده عليه فتصور صورته عنده أنه أعلمهم بالزهري، ويحتمل أنه عنى أنه كان عالمًا بأخلاق الزهري، ولم يرد أنه كان عالمًا بحديث الزهري" (٣). والمعنى الثاني أولى بأن تحمل عليه عبارة الأوزاعي، فإن يزيد بن السِّمْط رواها عن الأوزاعي بعد أن روى عن قُرّة قوله: "لم يكن للزهري كتاب إلا كتاب فيه نسب قومه" (٤)، قال ابن حجر بعد أن أورد هذا: "فيظهر من هذه القصة أن مراد الأوزاعي أنه أعلم بحال الزهري من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث وهذا هو اللائق، والله أعلم" (٥).

стр. 184

المبحث الرابع: عوائق الحكم على الراوي تقدم في المباحث الثلاثة السابقة عرض الوسائل التي بها يتوصل الأئمة إلى حكم يليق بالراوي، وتفصيل حال الراوي إن كان يحتاج إلى تفصيل، ومقارنته برواة آخرين، ولا شك أن هذا كله يقتضي اطلاعا واسعا، وقدرة على السبر والتتبع والموازنة، اختص بها أئمة نقد الرواة. وفي أغلب الرواة تسير الأمور دون عوائق، فيصدر الناقد حكمه على الراوي دون عناء، ولكنهم -مع حفظهم، وسعة اطلاعهم، وما لديهم من وسائل كثيرة للحكم على الرواة- تواجههم عوائق في الطريق إلى ذلك، بعضها يمكن تجاوزها ولو بمرور الزمن، والبعض الآخر لا يمكن تجاوزه، فيتوقف الناقد، ولا يصدر حكمه، أو يشير إلى تردده، وقد يصدر حكمه ويتبين تأثير العوائق على هذا الحكم، فهو محل نظر، وهذا أمر ليس بغريب، إذا تأمل الناظر في كثرة الرواة كثرة بالغة، وتفرقهم في الزمان والمكان. وأهم هذه العوائق: أولاً: اشتباه الراوي بغيره على الناقد . ومعناه أن يقع اشتباه في اسم واحد، هل هو لشخص واحد، أو لاثنين اتفقا في الاسم، أو أكثر من اثنين؟ ويقع مثله في الكنى والأنساب. وسبب الاشتباه أن كثيرًا من الرواة إنما يعرفون وتؤخذ تراجمهم

стр. 185

من أسانيد الأحاديث التي يروونها، فربما يأتي اسم راو في إسناد منسوبا إلى قبيلة، وفي آخر إلى قبيلة أخرى، أو إلى بلد، أو ينسب في إسناد إلى بلد، وفي إسناد إلى بلد آخر، وقد يتباعد البلدان، فيقع الاحتمال أن يكون راويا واحدا، وأن يكون أكثر من راو. وقد يأتي اسم الراوي في إسناد منسوبا إلى أبيه، ويأتي في آخر منسوبا إلى اسم جده، فيحتمل أن يكون واحدا نسبه بعض الرواة إلى اسم جده، ويحتمل أن يكونا اثنين. وقد يأتي الراوي في إسناد بذكر اسم أبيه وجده، ويأتي في آخر بإبدال اسم الأب باسم الجد، أو يأتي في إسناد باسم عبد الله - مثلا -، وفي آخر باسم عبيد الله - مصغًا -، فيقع الاحتمال هل هما اثنان، أو واحد أخطأ في اسمه بعض الرواة، أو صحفه؟ . ويصحب ذلك كله اتحاد الطبقة أو تقاربها. وفي مقابل ذلك قد توجد أسماء أو كنى متعددة مختلفة، ولكن يوجد رابط من جهة أخرى، كاتفاق الأحاديث التي وردت من طريقها، ثم قد يكون تعدد الأسماء والكنى وقع اتفاقا، وقد يكون وقع قصدا من بعض الرواة الذين عرفوا بتغيير الأسماء والكنى للشخص الواحد، وهو ما يعرف عند العلماء بتدليس الشيوخ، فيترجح أن تكون هذه الأسماء أو الكنى -وإن تعددت- لشخص واحد. وقد عرف بتدليس الشيوخ بعض المدلسين، كهُشَيْم، ومروان بن معاوية الفَزَاري، والوليد بن مسلم، وبَقِيَّة بن الوليد، ويقع من غيرهم أيضا على سبيل الندرة (١).

стр. 186

فقد روى هُشَيْم عن أبي إسحاق الكوفي، وعن أبي ليلى، وعن أبي عبد الجليل، وعن أبي جرير، وكلهم شخص واحد، وهو عبد الله بن مَيْسَرة الكوفي (١). وقال الدوري: "سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد، قال: هذا علي بن غُرَاب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه" (٢). وقال ابن معين: "كان مروان بن معاوية يحدث عن أبي بكر بن عَيَّاش ولا يسميه، يقول: حدث أبو بكر، عن أبي صالح، ويدع الكلبي، يوهم أنه أبو بكر آخر" (٣). وقال ابن معين أيضا: "كان مروان يغير الأسماء، يُعَمِّي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو الحكم بن ظُهَيْر" (٤). كما تفنن أهل الشام في تغيير اسم محمد بن سعيد المصلوب، حتى قيل إنهم قلبوا اسمه إلى مائة اسم (٥).

стр. 187

وغير خاف أن اشتباه الراوي بغيره يمثل عائقا للحكم عليه، حتى مع تجاوز ذلك من قبل الناقد، إذ يقتضي منه أن ينظر أولا في هذا الاشتباه، قبل أن يحكم على الراوي. وقد بذلك أئمة النقد جهودا كبيرة جدا في تمييز الرواة، وجمعهم أو تفريقهم، يلاحظ ذلك بوضوح في كتب السؤالات، وكتب العلل، فمن ذلك قول أبي داود: "قلت لأحمد: عثمان بن أبي زرعة؟ قال: هو عثمان الأعشى، وعثمان بن المغيرة، وعثمان الثقفي، يقال له: أبو المغيرة" (١). وقال أحمد أيضا: "حفص بن عبيد الله الذي روى عنه ابن إسحاق، ويحيى بن أبي كثير، ليس هو الذي يحدث عنه خلف بن خليفة، الذي يحدث عنه خلف ما أعلم أحدا حدث عنه غيره" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن أبي رافع مولى عمر بن الخطاب، فقال: قد روى عنه الحسن، وبكر المزني، وخِلَاس بن عمرو، وثابت البناني، ومروان الأصفر ... ، روى عنه الصغار والكبار، قلت لأبي: في حديث بكر، عن أبي رافع: حلفت مولاتي ليلى بنت العجماء، فتر ى أن أبا رافع هذا غير أبي رافع مولى عمر، فقال: أحسب أن ليلى بنت العجماء بينها وبين عمر سبب، وهو عندي واحد إن شاء الله" (٣). وقال عبد الله بن أحمد أيضا: "سألته عن حديث عن أبي النَّضْر،

стр. 188

قال: سمعت حَمَلة بن عبد الرحمن، قال: ليس هذا أبو النَّضْر الذي يحدث عنه مالك، وابن عُيَيْنة، هذا رجل شامي من عك" (١). وقال ابن معين: "قد روى أبو عَوَانة، وشعبة، ومِسْعَر، عن أبي العَنْبَس، وليس هو من أبوي العَنْبَس الصغيرين في شيء، أحد ذينك يقال له: عمرو بن مروان، يروي عنه وكيع، والآخر سعيد بن كَثِير، يروي عنه حفص بن غياث، وثلاثتهم كوفيون، وأبو العَنْبَس الذي يحدث عنه يعلي بن عبيد هو سعيد بن كَثِير" (٢). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين وقيل له: مِسْعَر بن كِدَام سمع من إياس بن سلمة بن الأكوع شيئا؟ فقال: لا، لم يسمع مِسْعَر في غير الكوفة شيئا قط، إنما سمع ممن قدم عليهم الكوفة، هذا رجل آخر يقال له: ابن الأكوع، وليس هو إياس بن سلمة" (٣). وقال أبو حاتم: "لأهل الشام عُرْسان، عُرْس بن عَمِيْرة، وله صحبة، وعُرْس بن قيس ليس له صحبة" (٤). وفي هذا السياق أولى الأئمة اهتماما كبيرا لكني الرواة، وتمييز أصحابها، وإرجاع الكنية إلى اسم صاحبها إن كان معروف الاسم، لئلا يظن أنه شخص آخر.

стр. 189

ثم لما جاءت النوبة إلى من ألف منهم كتبا خاصة بالرواة ساروا على نهج من سبقهم في الاجتهاد في الجمع والتفريق، كالبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، كما أولوا الكنى عناية خاصة، إما مع كتبهم في أسماء الرواة بتخصيص جزء خاص بالكنى، كما فعل البخاري، وابن أبي حاتم، وغيرهما، أو بتخصيص كتب مفردة للكنى، كما فعل مسلم، والنسائي، والدولابي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم. كما تصدى بعض الأئمة للتأليف في موضوعات تعين على تمييز الرواة، فمنهم من كتب في (المؤتلف والمختلف)، وهو ما يتفق في الخط، ويختلف في الضبط أو الشكل، وكان التأليف فيه مبكرا، لكنه كان في أول الأمر على نطاق ضيق، ثم اتسع، وكثرت المؤلفات فيه جدا، ومن أشهر من ألف في هذا: عبد الغني بن سعيد الأزدي، والدارقطني، والخطيب البغدادي، وابن ماكولا (١). ومنهم من ألف في (المتفق والمفترق)، ومعناه اتفاق اثنين أو أكثر في الاسم واسم الأب، فيجري التمييز بينهم، وقد يكون الاتفاق في أشياء أخرى أيضا كالنسبة أو الكنية، وممن ألف في ذلك الخطيب البغدادي فله كتاب باسم: "المتفق والمفترق" (٢). ومنهم من ألف فيمن يرد بأسماء أو نعوت مختلفة وهو شخص واحد، وقد ألف فيه عبد الغني بن سعيد الأزدي (٣)، وخصص الخطيب البغدادي لذلك جزءا من كتابه "موضح أوهام الجمع

стр. 190

والتفريق" (١). في أشياء كثيرة تعين على تمييز الرواة وتفريقهم أو جمعهم، وقد اعتنت كتب المصطلح بشرح ذلك (٢). وهذا الضرب من الاشتباه بين الرواة والكلام في جمعهم أو تفريقهم هو من موضوعات نقد السنة التي يتبلد فيها حمار الباحث المتأخر كثيرا، إذ الاعتماد فيه أولا وآخرا على كلام أئمة النقد، فهو يحتاج إلى حفظ واسع، ومعرفة وفهم بأحوال الرواة المشتبه بهم، ومن يروي عنهم، ومن يروون عنه. ومع ذلك فإن بإمكان الباحث أن يشارك أئمة النقد في حالتين: الحالة الأولى: أن يقع اختلاف في الجمع والتفريق، فقد وقع ذلك كثيرا؛ إذ هو مبني على الاجتهاد، والنظر في القرائن، كغيره من قضايا هذا الفن، مثال ذلك أن إبراهيم بن محمد بن المنتشر،

стр. 191

روى عن أبيه، عن عَبَاية بن رَدَّاد، سمع عمر يقول: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". فذهب أحمد، والبخاري، والبيهقي إلى أن عَبَاية بن رَدَّاد التيمي هذا هو عَبَاية بن رِبْعي الأسدي الكوفي، يروى عن علي، وأبي أيوب، وابن عباس، وروى عنه خَيْثَمة بن عبد الرحمن، وسلمة بن كُهَيْل وموسى بن طَرِيف، وغيرهم. وذهب أبو حاتم إلى التفريق بينهما، فسكت عن عَبَاية بن رَدَّاد، ولم يذكر في الرواة عنه سوى محمد بن المنتشر، وقال في الثاني: "من عتق الشيعة، شيخ"، وكذا فرق بينهما ابن حبان، لكنه زاد فذكر في الرواة عن ابن رَدَّاد: سلمة بن كهيل، وقال في الثاني: "روى عنه أهل الكوفة". وحجة أبي حاتم وابن حبان ظاهرة، فالاسم مختلف، والطبقة مختلفة، فابن رَدَّاد يروي عن عمر، والآخر تأخر كثيرا، بدليل روايته عن ابن عباس، ولحوق المذكورين له. وحجة باقي الأئمة أن خَيْثَمة بن عبد الرحمن روى نحو هذا الأثر بعينه عن عَبَاية بن رِبْعي، عن عمر بن الخطاب، فلا يبعد حينئذٍ أن يكون نسب إلى غير أبيه في رواية محمد بن المنتشر، وكونه يروي عن عمر وهو متأخر فإن ذلك يدل على مجازفته، فهو شيعي غال، رماه العقيلي بالإلحاد (١).

стр. 192

وربما وقع الاختلاف في الحالة المعينة عن الإمام الواحد، فيروى عنه قولان، بل قد يكون جاء عنه اختلاف في رواية واحدة (١). فإذا واجه الباحث مثل هذا الاختلاف فإن عليه أن ينظر في أقوالهم ما أمكنه ذلك، ويرجح ما يراه راجحا، فقد يكون ترجيحه مبنيا على ضعف الخلاف أصلا، كما إذا ذهب الجمهور إلى قول، وخالفهم إمام واحد. مثال ذلك أن جماعة من الأئمة منهم أحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وابن حبان، والخطيب، فرقوا بين الحضرمي بن لاحق اليمامي الذي يروي عنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار، وبين الحضرمي -غير منسوب- الذي تفرد بالرواية عنه سليمان التيمي، وأما أبو حاتم فجعلهما واحدا، لكنه قال بعد أن جعلهما ترجمة واحدة: "حضرمي اليمامي، وحضرمي بن لاحق هو عندي واحد"، وهو كما قال، لكن الحضرمي الذي يروي عنه التيمي ليس يماميا، وإنما هو بصري فترجح قول الجمهور من هذه الجهة أيضا (٢).

стр. 193

وقد يكون ترجيحه مبنيا على النظر في أدلة كل قول، وهذا أمر شاق، ويحتاج إلى خبرة ومران. والمشتغلون بنقد السنة الآن بحاجة ماسة إلى دراسة موسعة يقوم بها بعض الباحثين، تعين الباحث على معرفة القرائن التي يستخدمها الأئمة في الجمع والتفريق، ولعل الله تعالى يهيئ من يتصدى لذلك، فإنني لا أعرف الآن دراسة متكاملة لموضوع تمييز الرواة وجمعهم أو تفريقهم. ومن أهم ما يتعلق بالاشتباه المذكور بالنسبة للباحث إذا وقف على اختلاف للأئمة أن يدقق حين نقل كلامهم في المشتبه به، فإذا كان أحد الأئمة رأى أنهما اثنان، ووثق أو ضعف أحدهما، ثم تبين للباحث أنهما شخص واحد، فلا يصح أن ينقل كلام هذا الإمام مطلقا دون بيان، إذ إن الإمام إنما وثق أحدهما أو ضعفه لكونه يراه غير ذاك، وإنما يصح نقل كلامه دون بيان إذا فرق بينهما لكن أعطاهما درجة واحدة، كأن يوثقهما أو يضعفهما. مثال ذلك: عبد الله بن المؤَمَّل بن وهب الله القرشي المخزومي، يروي عن أبي الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهما، وعنه الوليد بن مسلم، والشافعي، وابن المبارك، وغيرهم، وضعفه الجمهور، وذكر المِزِّي أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، وقال: "يخطئ" (١)، فتعقبه ابن حجر بقوله: "قد ذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وأما في "الثقات" فلم أر ما نقله المؤلف عنه، بل فيه عبد الله بن المؤَمَّل المخزومي، يروي عن عطاء، وعنه

стр. 194

منصور بن سُقَيْر، وليس هذا بصاحب أبي الزبير الذي روى عنه ابن المبارك، ذاك ضعيف، فهذا ابن حبان إنما وثق هذا لأنه ظنه غيره، والحق أنه هو، ولفظة "يخطئ" لم أرها فيه" (١). والعكس كذلك، فإذا كان الإمام يراه شخصا واحدا، وتبين للباحث أنهما اثنان، فلا يصح نقل كلام الإمام في ترجمة كل واحد منهما دون بيان رأيه. وأدق من ذلك أن يختلف النقل في الجمع والتفريق عن الإمام الواحد، كما في المثال السابق، فقد اختلف النقل عن يحيى بن معين في الحضرمي بن لاحق الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار، والحضرمي -غير منسوب- الذي روى عنه سليمان التيمي، فجاء عنه من غير وجه أنهما واحد (٢)، وجاء عنه في رواية أنهما اثنان، وقال فيها عن الذي روى عنه سليمان التيمي حين سأله السائل: هل هو ثقة؟ قال: "ليس به بأس" (٣)، وحينئذ فلا يصح أن ينقل في الحضرمي بن لاحق أن ابن معين قال فيه ذلك، بناء على ما جاء عنه من غير وجه أنهما واحد، لأنه إنما نقل عنه هذا القول وهو يرى أنهما اثنان. ومثل ذلك يقال في ذكر الرواة عن المترجم له، ينبغي التدقيق فيه، فقد علق أحد الباحثين على قول أحد الأئمة في الحضرمي الذي روى عنه سليمان التيمي: "لا أعلم روى عنه غير سليمان التيمي" - علق

стр. 195

بقوله: "ذكروا من الرواة عنه: يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار أيضا" ثم أحال إلى بعض كتب الرجال. وظاهر جدا أن هذا غير دقيق، وينبغي تقييده بأن من ذكر في الرواة عنه هذين من يرى أنه هو الحضرمي بن لاحق، وجمهور الأئمة على خلاف هذا كما سبق آنفا، فلم يرو عنه عندهم غير سليمان التيمي. وروى أبو إسحاق السَّبِيعي، عن عبد الله بن سلمة الكوفي أبي العالية (١)، وروى عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سلمة الكوفي أبي العالية، وقد قيل إنه روى عنه أيضا أبو الزبير، فذهب أحمد، وابن معين -في أحد قوليه وقيل إنه رجع عنه- إلى أنهما واحد، وهو ظاهر صنيع ابن أبي حاتم، وذهب محمد بن عبد الله بن نمير، وابن معين في قوله الآخر، والبخاري، والدارقطني، وغيرهم، إلى أنهما اثنان، أحدهما جملي مرادي من رهط عمرو بن مُرَّة، والآخر همذاني، كأبي إسحاق، وقال بعضهم: إن أبا العالية كنية الهمذاني فقط (٢). فإذا أراد الباحث أن يترجم لعبد الله بن سلمة الذي روى عنه عمرو بن مرة، أو الذي روى عنه أبو إسحاق، عليه أن ينظر أولا هل هما واحد أو اثنان؟ فإذا رجح أنهما اثنان كما هو قول الجمهور فلا يصح حينئذ أن يذكر في الأول أنه روى عنه أبو إسحاق، ولا أن يذكر في

стр. 196

الثاني أنه روى عنه عمرو بن مرة، وإنما يفعل ذلك إذا رجح قول أحمد ومن معه. وسيأتي لذلك زيادة بيان في (الفصل الثالث: ضوابط النظر في كلام النقاد في الرواة). الحالة الثانية: أن يقع هذا النوع من الاشتباه للباحث ابتداء، فلا يقف على صنيع للأئمة المتقدمين في التفريق أو الجمع بينهما، فيلزمه الاجتهاد كذلك، كما يفعل الأئمة المتأخرون، ومن أمثلته عبد الله بن واقد، الذي يروي عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في (النهي عن الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب) (١)، فذكر المِزِّي أن عبد الله بن واقد هذا يحتمل أن يكون الهروي، أو أبو قتادة الحَرَّاني، أو آخر ثالث (٢)، وعقبه ابن حجر بقوله: "أما الحَرَّاني فيصغر عن إدراك محمد بن عجلان، فبقي الهروي على الاحتمال" (٣). ومن أمثلته أيضا عبد الله بن هارون الحجازي، فقد روى عنه صفوان بن عيسى، عن زياد بن سعد، عن أبي نَهِيْك، عن ابن عباس: "من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما بجنبه" (٤)، قال ابن حجر: "ذكر ابن عدي في "الكامل": عبد الله بن هارون البَجَلي الكوفي، روى عن ليث بن أبي سُلَيْم، وزياد بن سعد، وأَبَان بن أبي

стр. 197

عَيَّاش، وعنه حاتم بن إسماعيل، وصفوان بن عيسى، وساق له ثلاثة أحاديث عن هؤلاء الثلاثة، ثم قال: لم أر له غير هذه، وفيها بعض الإنكار، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما، فيجوز أن يكون هو المذكور (يعني الحجازي)، فلعله كوفي سكن الحجاز، أو بالعكس" (١). وذكر المِزِّي عبد الله بن يعلي النهدي الكوفي، وأنه روى عن علي حديث: "جاءت فاطمة تشكو العمل ... "، وعنه عيسى بن عبد الرحمن السلمي، وأن ابن حبان ذكره في "الثقات" (٢)، فعقبه ابن حجر بقوله: "قد تقدم عبد الله بن همام الذي روى عن علي هذا الحديث، وعنه هذا الراوي فهذا هو ذاك المذكور، ولعل بعض الرواة وهم في اسم أبيه، أو نسب لجده" (٣). ثانيًا: تعارض وسائل الحكم على الراوي . والمقصود بهذا أن يقوم في الراوي ما يقود الناقد إلى توثيقه وتقويته، ويقوم فيه ما يقوده إلى تضعيفه. ومثاله ما أصاب فيه الراوي من محفوظه وما أخطأ فيه، فإن هذا يخضع لموازنة القدر الذي أصاب فيه، مع القدر الذي أخطأ فيه، ولا ضابط لذلك، وما ينقل عن بعض الأئمة من تحديد ذلك ليس على ظاهره، قال سليمان بن أحمد الدمشقي: "قلت لعبد الرحمن بن مهدي:

стр. 198

أكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم، قيل له: يغلط في عشرين؟ قال: نعم، قلت: فثلاثين؟ قال: نعم، قلت فخمسين؟ قال: نعم" (١)، وقال أيضا: "قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أكتب عمن يغلط في مئة؟ قال: لا، مئة كثير" (٢). فهذا الجواب ليس على ظاهره وأن ذلك محدد بعدد، إذ عرف من مذهب عبد الرحمن بن مهدي أنه لا يترك حديث الرجل حتى يكون الغالب عليه الوهم والغلط (٣)، فكأنه أراد في جوابه لسليمان بن أحمد غير المكثرين جدا من الرواية، وغير المقلين جدا، فلا يعارض هذا أنهم ربما ضعفوا الراوي بالخطأ في الحديث الواحد لقلة حديثه (٤). ويضاف إلى مراعاة مقدار الخطأ والصواب في حديثه نوع الخطأ الذي وقع فيه، فبعض الأخطاء وإن كانت قليلة قد يكون أثرها في الحكم على الراوي أقوى من غيرها، فمثلا إذا حدث الراوي فاختلفت روايته بين إرسال ووصل أهون من أن ينقلب عليه الإسناد، كما قال يعقوب بن شيبة في هشام بن عروة: "هشام مع تثبته ربما جاء عنه بعض الاختلاف، وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف عنه فيما يفحش، يسند الحديث أحيانا ويرسله أحيانا، لا أنه يقلب إسناده ... " (٥).

стр. 199

ومثل ما تقدم يقال في تفرد الراوي، فنرى الأئمة يستنكرون أحاديث لبعض الرواة، ومع هذا يوثقونهم، ونراهم تارة أخرى يضعفون الراوي بحديث واحد أنكر عليه (١)، وما ذلك إلا لمراعاة مقدار ما شارك الراوي فيه الثقات، ونوع ما تفرد به، فبعض التفرد لا يغتفر وإن كان قليلا، كما قال أبو زرعة وقد سئل عن عمر بن عبد الله بن أبي خثعم: "واهي الحديث، حدث عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث، لو كانت في خمسمئة لأفسدتها" (٢). فإذا جئنا إلى عدالة الراوي رأينا تعارض الوسائل يقع فيها أيضا، مثل أخذ الأجرة على التحديث، فقد ورد عن الأئمة كلمات في التحذير منه، وأنه لا يؤخذ الحديث ممن يبيعه، وفي مقابل ذلك وثقوا جماعة ممن كان يأخذ الأجرة على التحديث، وأثنوا عليهم، فمنعهم من أخذ الأجرة "تنزيهًا للراوي عن سوء الظن به، لأن بعض من كان يأخذ الأجر على الرواية عثر على تزيده وادعائه ما لم يسمع، لأجل ما كان يعطى" (٣)، فإذا أمن هذا الجانب، وثبتت عدالة الراوي وثقته، صار الخروج الخروج على عرفهم مستساغا إذا ألجأت إليه الحاجة والضرورة (٤). ومن دقائق تعارض الوسائل ما يرجع الأمر فيه إلى القصد والنية، فقد يكون في الشخص من الصلاح والعبادة ما يظن به البعد عن

стр. 200

الكذب، وفي حديثه من المناكير والموضوعات ما يوجب ريبة أن يكون يكذب، فهل ما وقع منه بسبب الضبط، من غير تعمد، أو بسبب العدالة، فالراوي قد تعمد ذلك؟ في أحيان كثيرة يتحدد أحد السببين بسهولة، بناء على قرائن الحال التي تحيط بالراوي، ومثاله ما وقع لعبد العزيز الداروردي، فقد انقلبت عليه أحاديث عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، فجعلها عن أخيه عبيد الله بن عمر، وهو ثقة ثبت، وعُد ذلك خطأ من الداروردي، ووقع القلب من راو آخر، وهو حماد بن عمرو النصيبي، وعد العلماء ذلك تعمدا منه (١). وفي أحيان أخرى يقع التردد، كما في قصة أبي مقاتل حفص بن سَلْم السمرقندي، أحد العباد، في حديثه مناكير وموضوعات، فمن النقاد من يرى أنه صدوق، لا يتعمد الكذب، وأنه يغلط، ويدخل عليه الحديث دون أن يدري، ومنهم من يكذبه، قال نصر بن حاجب المَرْوَزي: "ذكرت أبا مقاتل لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: والله لا تحل الرواية عنه، فقلت له: عسى أن يكون كتب له في كتابه وجهل ذلك، فقال: يكتب في كتابه الحديث؟ فكيف بما ذكرت عنه أنه قال: ماتت أمي بمكة، فأردت الخروج منها، فتكاريت، فلقيت عبيد الله بن عمر، فأخبرته بذلك، فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من زار قبر أمه كان كعمرة"، قال: فقطعت الكرى، وأقمت، فكيف يكتب هذا في كتابه؟ " (٢).

стр. 201

ومثله سفيان بن وكيع بن الجراح، اتفقوا على ضعفه، وجمهورهم على أنه صدوق في نفسه، يُدخل عليه ما ليس من حديثه فيحدث به، وأما أبو زرعة فرماه بالكذب (١). وعكسه أحمد بن محمد بن غالب، المعروف بغلام خليل، رماه بوضع الحديث جماعة من الأئمة، وأما أبو حاتم فقال: "روى أحاديث مناكير عن شيوخ مجهولين، ولم يكن عندي ممن يفتعل الحديث، كان رجلا صالحا" (٢). وربما وقع التردد في الراوي من ناقد واحد، كما قال ابن عدي في عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، بعد أن ساق له أحاديث بواطيل: "إما أن يكون مغفلا لا يدري ما يخرج من رأسه، أو متعمدا، فإني رأيت له غير حديث مما لم أذكر أيضا هاهنا غير محفوظ" (٣). وفي نظري أن تعارض الوسائل عند النقاد أهم سبب لاختلافهم في الراوي الواحد، بل لاختلاف الرواية عن الإمام الواحد، وتردده في الراوي، وهذا يكثر في الرواة المتوسطين، ويوجد في غيرهم أيضا، والله أعلم.

стр. 202

ثالثًا: نقد النقد . كما أن الراوي إذا روى شيئا -وإن قل- قد جعل نفسه عرضة لنقد النقاد، فقد يصوبونه أو يخطئونه، وربما اتهموه- فالناقد له كذلك، قد نصب نفسه عرضة للنقد والمساءلة، ويتم ذلك على صفتين، الصفة الأولى: حال الناقد في عموم نقده، ومنزلته، وقيمة ما يصدره من أحكام، وهذه سيأتي الحديث عنها في الفصل الثالث (ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة)، والصفة الثانية: تتبع الأحكام الجزئية التي يصدرها الناقد على الرواة من قبل غيره، وقد يفعل هذا الراوي نفسه، يدافع عما رمي به من خطأ، أو اتهم به من كذب، وقد يكون من نقاد آخرين، معاصرين للناقد الأول، أو ممن جاء بعده. فالعالم الإسلامي باتساعه يمثل محكمة للرواة، والراوي متى تصدى للرواية فالأمة ستحاكمه، أصاب أم أخطأ؟ صدق أم كذب؟ يقوم مقام الأمة في ذلك النقاد، ولما كانوا هم أيضا بشرا يصيبون ويخطئون، وقد يظن الواحد منهم استكماله لوسائل نقد الراوي فيصدر حكمه، ولا يكون الأمر كذلك- كانت أحكامهم أيضا عرضة للمراجعة والنقد، فلا محاباة لأحد، ولا تجنٍّ على أحد، وكل سيأخذ حقه في النهاية، كما قال الذهبي: "هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى، لم يجتمع علماؤه على ضلالة، لا عمدا ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة" (١). ولا أراني بحاجة إلى التنبيه على أن نقد النقد ربما أَجْدَى شيئا،

стр. 203

وربما لم يُجْد، بل قد يتعرض للنقد أيضا، غير أن قضية مراجعة أحكام الناقد من قبل غيره تجعله يحسب حسابا لذلك، وربما تراجع عن بعض أقواله، كما سيأتي في الأمثلة. وفيما يتعلق بدفاع الرواة عن أنفسهم فإن كتب الرواة وأصولهم العتيقة تعد الخط الأول للدفاع، كما تقدمت الإشارة إليه في المبحث الأول: (وسائل الحكم على الراوي) (النظر في أصول الرواة). وروى أبو داود عن شيخه الحسن بن علي الحُلْواني قوله: "أول من أظهر كتابه رَوْح بن عُبَادة، وأبو أسامة"، علق عليه الخطيب بقوله: "يعني أنهما رويا ما خولفا فيه، فأظهرا كتبهما حجة لهما على مخالفيهما، إذ روايتهما من حفظهما موافقة لما في كتبهما" (١). ومن النصوص في دفاع الرواة عن أنفسهم قصة الحسن بن عُمَارة مع شعبة، كان شعبة يتكلم في الحسن بن عُمَارة، ويرميه بالكذب، ومما يستدل به شعبة على قوله أن الحكم بن عتيبة لم يحدث عن يحيى بن الجَزَّار إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عُمَارة يحدث عن الحكم، عن يحيى بن الجَزَّار أحاديث كثيرة، وسئل الحسن بن عُمَارة عن ذلك فقال مدافعا عن نفسه: "الحكم أعطاني حديثه عن يحيى في كتاب لأحفظه، فحفظته" (٢)، وكان يقول: "الناس كلهم في حِلٍّ، ما خلا شعبة" (٣). وكذا دافع عنه بعض معاصريه، غير أن هذا كله لم يجد شيئًا،

стр. 204

فجمهور الأئمة على أنه متروك الحديث، بل نقل الساجي الإجماع على ذلك (١). وقال أحمد: "سمعت عبد الوهاب الخفاف قال: استعار مني رَوْح كتاب ابن أبي ذئب فلم يرده علي، فذكرت ذلك لرَوْح، فقال: بلى، قد بعثت به مع أخيه -أو مع ابن أخيه-" (٢). وقد اشتهر عن محمد بن جعفر غندر إتقانه لحديث شعبة، وصحة كتابه عنه، وكأنه قد أحس أن النقاد يغمزونه فيما سوى شعبة، لكونه لم يلازم بقية شيوخه كما لازم شعبة، فذكر يحيى بن معين قصة يدافع فيها محمد بن جعفر عن نفسه، أنقلها بطولها لطرافتها، قال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين يقول: قال لي غندر مرة: أنتم تقولون إن غندرا ضبط هذه الأحاديث عن شعبة لكثرة ما دارت عليه، هذا ابن عُيَيْنة قد كتبت جِرَابين، فانظر فيهما، فإن أخرجت حديثا واحدا خطأ فأنت أنت، قال: فقلت له: هات -أو كما قال يحيى-، قال: فأخرج إلي جِرَابين عن ابن عُيَيْنة، قال: فنظرت في أحدهما وأنا مقتدر -أو كما قال يحيى بن معين-، حتى انتهيت إلى آخره، فلم أر شيئا، ثم نظرت في الآخر حتى قاربت أن أفرغ منه فلم أجد عليه فيه شيئا، فكدت أن أخجل، ثم إنه مر بي حديث -ذكره يحيى بن معين وأنسيته- فقلت: ها هو ذا واحد، فقال لي: أي شيء هو، هو حديث كذا وكذا؟ قلت: نعم، قال: ذاك من ابن عُيَيْنة لا مني، هل مر بك قبل؟ قلت: لا، قال: فإنه سيمر بك في موضع آخر على الاستواء، قال: ففتشت ما بقي

стр. 205

-أو كما قال يحيى-، فإذا الحديث قد مر بي صحيح، فعلمت أنه كما قال -أو كما قال يحيى في هذا الكلام كله-" (١). وكان المبارك بن حسان البصري قد خرج من البصرة ونزل مكة، فذكر أبو سلمة التَّبُوذكي البصري أنه قد سمع منه، وتوقف في ذلك بعض الأئمة، وقد أشار إلى ذلك أحمد، قال أبو داود: "قال لي أحمد: ترى أبا سلمة -يعني المبارك- سمع منه؟ وتبسم" (٢). وممن توقف في سماعه منه علي بن المديني، واضطر أبو سلمة التَّبُوذكي إلى إشهاد الجيران أن المبارك بن حسان قد قدم إلى البصرة بعد خروجه منها، قال ابن أبي خَيْثَمة: "عاب علي بن المديني أبا سلمة، قال: كيف سمع من المبارك وقد خرج عن البصرة قديما؟ قال: فبلغني أن أبا سلمة ذهب إلى جيران المبارك فشهدوا أن المبارك قدم البصرة مختفيا، فسمع منه أبو سلمة في حال اختفائه" (٣). وأما مراجعة بعض النقاد لكلام نقاد آخرين فأمثلته كثيرة جدا، فمن ذلك أن يحيى بن سعيد القطان كان يضعف همام بن يحيى البصري، ولا يحدث عنه، وكان يراجع في ذلك فلا يقبل، وخالفه كثير من النقاد في رأيه، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: "ظلم يحيى بن سعيد همام بن يحيى، لم يكن له به علم ولا مجالسة" (٤).

стр. 206

وجاء عنه أنه رجع عما كان يقوله فيه، قال عفان: "كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هماما في كثير مما كان يحيى ينكره عليه، فكف يحيى بعد عنه" (١)، وفي رواية: "فكان يحيى يقول لي بعد ذلك: كيف قال همام في هذا الحديث -يتذاكرونه بينهم-؟ " (٢). وقال أحمد: "ذكرنا عند يحيى بن سعيد عُقَيْل بن خالد، وإبراهيم بن سعد، فجعل كأنه يضعفهما، فجعل يقول: عُقَيْل، وإبراهيم بن سعد، عُقَيْل، وإبراهيم -كأنه يضعفهما -، وأيش ينفع يحيى من هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرهما يحيى" (٣). وذكر علي بن المديني أن عبد الرحمن بن مهدي كان يطعن على رَوْح بن عُبَادة في أحاديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، مسائل كانت عنده، قال ابن المديني: "فلما قدمت على مَعْن بن عيسى بالمدينة سألته أن يخرجها لي -يعني أحاديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، هذه المسائل-، فقال لي مَعْن: وما تصنع بها؟ هي عند بصري لكم يقال له: رَوْح، كان عندنا هاهنا حين قرأ علينا ابن أبي ذئب هذا الكتاب، فأتيت عبد الرحمن بن مهدين فأخبرته، فأحسبه قال: استحله لي" (٤). وقال أحمد مدافعا عن شيخه رَوْح بن عُبَادة: "كانوا يقولون: إن رَوْحا لا يعرف -يعني في الحديث-، سمعت عثمان بن عمر قال:

стр. 207

استعرت من رَوْح كتاب هشام، فكان كتابا تاما" (١). وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبي إن يحيى بن معين يطعن على عامر بن صالح، قال: يقول ماذا؟ قلت: رآه يسمع من حجاج، قال: قد رأيت أنا حجاجا يسمع من هُشَيْم، وهذا عيب؟ يسمع الرجل ممن هو أصغر منه وأكبر" (٢). كذا نقل عبد الله لأبيه سبب طعن ابن معين في عامر بن صالح، والروايات الأخرى عن ابن معين تشرح هذا السبب بما يعذر فيه ابن معين، قال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين سئل عن عامر بن صالح الذي يحدث عن هشام بن عروة، فقال: كذاب، خبيث، عدو لله، هو زبيري، قد كتبت عنه، فقلت ليحيى: إن أحمد بن حنبل يحدث عنه، فقال: لمه وهو يعلم أنا تركنا هذا الشيخ في حياته؟ فقلت: ولم؟ قال: قال لي حجاج -يعني ابن محمد الأعور-: جاءني فكتب عني حديث هشام بن عروة، عن ابن لهيعة، وليث بن سعد، ثم ذهب فادعاها فحدث بها عن هشام" (٣). وقال أبو داود: "قيل لابن معين: إن أحمد حدث عن عامر بن صالح، فقال: ماله؟ جُنَّ؟ "، قال أبو داود: "حدث أحمد عنه بثلاثة

стр. 208

أحاديث" (١). وقد قواه أبو حاتم أيضا، لكن الجمهور على ما قاله ابن معين، وأنه متروك الحديث، قال الدارقطني: "أساء ابن معين القول فيه، ولم يتبين أمره عند أحمد، وهو مدني يترك عندي" (٢). ويشبه حاله حال إبراهيم بن أبي الليث البغدادي، كان أحمد، وابن معين، وابن المديني، يختلفون إليه يكتبون عنه، ثم ظهر للأخيرين منه ما أوجب تركه، وكان ابن معين يذمه ذما شديدا ويكذبه، وأما أحمد فظل يحسن الظن به ويدافع عنه. والجمهور على تضعيفه، ومنهم من يكذبه، قال صالح بن محمد البغدادي: "كان يكذب عشرين سنة، أشكل أمره على يحيى، وأحمد، وعلي بن المديني، حتى ظهر بعد بالكذب، فتركوا حديثه" (٣). وقد جرى بسببه مناقشات بين أحمد، وابن معين، بواسطة تلامذتهما (٤). وبضدهما داود بن المحبَّر البغدادي، كان أحمد يضعفه جدا، ويكذبه، وكان ابن معين يذهب إلى أنه في الأصل ثقة، ولكنه جفا الحديث ثم حدث، وكان يقول فيه مشيرا إلى ما يقال فيه: "ليس له

стр. 209

بَخْت" (١). والجمهور على ما قاله أحمد، وأنه متروك الحديث، ونسبه بعضهم كذلك إلى الكذب ووضع الحديث (٢). وسمع الحسين بن إدريس محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي يقول في إبراهيم بن طَهْمان: "ضعيف مضطرب الحديث"، فذكر ذلك لصالح بن محمد البغدادي المعروف بجَزَرة، فقال: "ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة -يعني الحديث الذي رواه ابن عمار، عن المعَافَى بن عِمْران، عن إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: "أول جمعة جمعت بجواثا"-، والغلط فيه من غير إبراهيم، لأن جماعة رووه عنه، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب، وتفرد المعافَى بذكر محمد بن زياد، فعلم أن الغلط منه لا من إبراهيم" (٣). وهكذا يمكن للناظر في كتب الجرح والتعديل أن يرى نماذج كثيرة من دفاع الرواة عن أنفسهم، ومن مناقشات أئمة الجرح والتعديل بعضهم لبعض، مما يدل بوضوح على أن إطلاق الحكم على الراوي من قبل الناقد ليس بالأمر اليسير، وأنه سيضعه موضع النقد والتمحيص.

стр. 210

رابعًا: انعدام وسائل الحكم على الراوي أو ضعفها . قد لا يتمكن الناقد من الوقوف على وسيلة توصله إلى درجة الراوي جرحا أو تعديلا، أو يقف على شيء لا يسعفه في الكشف عن حاله، فيصرح بأنه لا يعرفه، أو لا يذكر معرفته، أو ماله به تلك المعرفة، أو ماله به ذاك الخُبْر، أو ليس له بحديثه علم، أو لا يدري عن حاله شيئا، أو هو مجهول، ونحو هذا، وهو كثير جدا، وربما جاء ذلك عن إمامين أو أكثر (١). وغالب من لا يعرفهم النقاد يرجع السبب إلى قلة رواية الواحد منهم، وقلة من روى عنه، فلا يَخْبُرُه الإمام، وربما صرح بذلك، كما قال عبد الله بن أحمد: "سألته -يعني أباه- عن عُقْبة الأسدي، فقال: يروي عن أبي وائل، قلت: هو ثقة؟ قال: ما أدري، كم يروى عن هذا؟ ثم قال: روى عنه سفيان الثوري" (٢). وقال عبد الله أيضا: "سألت أبي عن أبي نَصْر، قال: هذا شيخ روى عنه سفيان الثوري، وابن عُيَيْنة، وابن فُضَيْل، واسمه عبد الله بن عبد الرحمن، وهو شيخ قديم، قلت: كيف حديثه؟ قال: وأيش حديثه! إنما يعرف الرجل بكثرة حديثه" (٣).

стр. 211

وذكر ابن عدي أحاديث لمحمد بن مسلم بن مَهْران، ثم قال: "ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ماله من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه" (١). وقال ابن عدي أيضا في آخر ترجمة سَلْم العلوي: "وسَلْم العلوي قليل الحديث جدا، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أحاديث أو فوقها قليل، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يرويه متن منكر" (٢). وهناك سبب آخر يقوم في الراوي يحول دون معرفة الإمام به كما ينبغي، وذلك أن يكون في حديثه ما ينكر عليه، ولكن دونه أو فوقه في الإسناد من يحتمل أن تكون العهدة عليه في النكارة، فيتردد الناقد، كما قال ابن حبان في موسى بن سَيَّار الأُسْواري: "يروي عن عطية، روى عنه عبد الواحد بن واصل، منكر الحديث عن عطية، فلست أدري وقع المناكير في حديثه منه، أو من عطية، وإذا اجتمع في إسناد خبر رواية من لا يعرف بالعدالة، عن إنسان ضعيف، لا يتهيأ إلزاق الوهن بأحدهما دون الآخر، ولا يجوز القدح في هذا الراوي إلا بعد السبر والاعتبار بروايته عن الثقات غير ذلك الضعيف ... " (٣). ومن ذلك أيضا أن يحيى بن يزيد بن عبد الملك النَّوَفَلي يروي عن أبيه، عن أبي هريرة أحاديث، وهي منكرة، وأبوه ضعفه الجمهور، وأما هو فوقع التردد فيه، قال أحمد: "لا بأس به، ولم يكن عنده إلا

стр. 212

حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبين أمره" (١). وقال أبو حاتم: "منكر الحديث، لا أدري منه أو من أبيه" (٢). وقال أبو حاتم في سَعْد بن سعيد المقبري: "هو في نفسه مستقيم، وبليته أنه يحدث عن أخيه عبد الله بن سعيد، وعبد الله بن سعيد ضعيف الحديث، ولا يحدث عن غيره، فلا أدري منه أو من أخيه" (٣). وقد يجتمع في الراوي أكثر من سبب، كما هو حال أَبَان الرَّقَاشي والد يزيد، فليس له سوى حديث واحد، والراوي عنه ولده يزيد، وهو متروك الحديث، قال أبو حاتم: "أَبَان الرّقَاشي لم يصح حديثه، إنما روى حديثا واحدا يرويه عنه ابنه، ما نقدر أن نقول فيه؟ " (٤). ومن الأسباب ما يعود إلى الناقد نفسه، فلم يَخْبُر الراوي كما ينبغي، مع إمكان ذلك، وهذا قد يكون حقيقيا كما في قول أحمد في علي بن غُرَاب: "ليس لي به خُبْر، سمعت منه مجلسا واحدا، وكان يدلس، وما أراه إلا صدوقا" (٥)، وقال عنه أيضا: "كأن حديثه حديث أهل الصدق" (٦). وقال المروذي: "قيل له (يعني لأحمد): فإسماعيل بن مُجالِد؟

стр. 213

قال: لا أدري، قد روي عنه" (١)، ونقل عنه عبد الله قوله: "ما أراه إلا صدوقا" (٢). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث عبد الحميد -يعني ابن سليمان-؟ قال: ما أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأس، وكان مكفوفا، وكان ينزل مدينة أبي جعفر" (٣). فالذي يظهر أن أحمد لم يَخْبُره جيدا، فسائر النقاد على تضعيفه (٤). وقد يكون صوريا، كأن يجعلهما الناقد راويين، وهما راو واحد، فالاشتباه في الرواة كثير، كما تقدم شرحه في أول هذا المبحث، ومثاله أن عبد الله بن أحمد سأل أباه عن يزيد بن عبد الله مولى الصهباء، يحدث عنه وكيع، فقال: "لا أعرفه" (٥)، وسأله أبو داود عن يزيد أبي عبد الله الشيباني، فقال: "هذا شيخ قديم، ليس به بأس" (٦)، وهما شخص واحد (٧). أو يعرف الناقد شخصه ولا يعرف اسمه، فيسأل عنه فلا يعرفه، كما في قصة عبد الواحد بن زياد مع يزيد بن زُرَيع، قال عفان: "كانوا يذكرون ليزيد بن زُرَيع عبد الواحد بن زياد، فيقول: من هذا الكذاب

стр. 214

الذي يحدث عن يونس، لا أعرفه، قال: فلقيه يوما في بعض الطريق، فقيل له: هذا عبد الواحد بن زياد، فقال: هذا كان جليسنا عند يونس، فقالوا: هذا عبد الواحد بن زياد" (١). والناقد في أحيان كثيرة يلجأ إلى معرفة غيره بالراوي، إذا لم يتوافر لديه من الوسائل ما يصدر فيه حكما، وهذا كثير مشهور، من ذلك قول حرب الكرماني في إبراهيم بن محمد بن العباس الشافعي: "سمعت أحمد يثني عليه" (٢)، وروى أبو داود، عن أحمد قوله فيه: "أحسن الثناء عليه حسين، ولا أعرفه" (٣). وكذا قال ابن معين لما سئل عنه: "لا اعرفه، زعموا أنه ليس به بأس" (٤). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى وسئل عن داود بن عمرو الضَّبِّي، فقال: لا أعرفه، من أين هذا؟ قلت: ينزل المدينة، قال: مدينتنا هذه أو مدينة الرسول؟ قلت: مدينة أبي جعفر، قال: عمن يحدث؟ قلت: عن منصور بن أبي الأسود، وصالح بن عمر، ونافع بن عمر، فقال: هذا شيخ كبير، من أين هو؟ قلت: من آل المسيَّب، فقال: قد كان لهؤلاء نفسين متقشفين، أحدهما يتصدق، والآخر يبيع القَصَب، لا أعرفه، أما لهذا أحد يعرفه؟ قلت: بلى، بلغني عن سَعْدُوْيَه أنه سئل عنه فقال: ذاك المشؤوم ما حدَّث بعدُ، وعرفه، فقال: سَعْدُوْيَه أعرف

стр. 215

بمن كان يطلب الحديث معه منا. ثم بلغني عن يحيى بن معين بعدُ -أو سمعته وسئل عنه- فقال: لا بأس به، وبلغني أن يحيى سأل سَعْدُوْيَه عنه فحمده" (١). وسئل يحيى بن معين عن يزيد بن أبي حكيم فقال: "زعموا: ليس به بأس، يقوونه" (٢)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: "كان ليس به بأس، لم أكتب عنه" (٣). وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: "وسألته -يعني علي بن المديني- عن شيخ حدث عنه أبو إسماعيل المؤدب يقال له: سليمان بن أبي هند، مولى زيد بن الخطاب، فقال: سألنا عن هذا الشيخ فذكر أصحابنا أنه لم يكن به بأس" (٤). ونقل ابن شاهين عن محمد بن عبد الله بن عمار قوله في مسكين بن بُكَيْر الحراني: "يقولون إنه ثقة، ولم أسمع منه" (٥). واتضح مما تقدم أن عدم معرفة الراوي هو في مجموع النقاد أمر نسبي، فقد لا يعرفه ناقد، ويعرفه غيره، وهذا راجع -كما تقدم آنفا- إلى ما يتوافر عند الناقد من وسائل، وإلى تمكنه من استخدامها، وخلوصه في النهاية إلى حكم في الراوي.
следующие страницы →