← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وذكر ابن عدي أحاديث لمحمد بن مسلم بن مَهْران، ثم قال: "ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ماله من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه" (١). وقال ابن عدي أيضا في آخر ترجمة سَلْم العلوي: "وسَلْم العلوي قليل الحديث جدا، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أحاديث أو فوقها قليل، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يرويه متن منكر" (٢). وهناك سبب آخر يقوم في الراوي يحول دون معرفة الإمام به كما ينبغي، وذلك أن يكون في حديثه ما ينكر عليه، ولكن دونه أو فوقه في الإسناد من يحتمل أن تكون العهدة عليه في النكارة، فيتردد الناقد، كما قال ابن حبان في موسى بن سَيَّار الأُسْواري: "يروي عن عطية، روى عنه عبد الواحد بن واصل، منكر الحديث عن عطية، فلست أدري وقع المناكير في حديثه منه، أو من عطية، وإذا اجتمع في إسناد خبر رواية من لا يعرف بالعدالة، عن إنسان ضعيف، لا يتهيأ إلزاق الوهن بأحدهما دون الآخر، ولا يجوز القدح في هذا الراوي إلا بعد السبر والاعتبار بروايته عن الثقات غير ذلك الضعيف ... " (٣). ومن ذلك أيضا أن يحيى بن يزيد بن عبد الملك النَّوَفَلي يروي عن أبيه، عن أبي هريرة أحاديث، وهي منكرة، وأبوه ضعفه الجمهور، وأما هو فوقع التردد فيه، قال أحمد: "لا بأس به، ولم يكن عنده إلا

стр. 212

حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبين أمره" (١). وقال أبو حاتم: "منكر الحديث، لا أدري منه أو من أبيه" (٢). وقال أبو حاتم في سَعْد بن سعيد المقبري: "هو في نفسه مستقيم، وبليته أنه يحدث عن أخيه عبد الله بن سعيد، وعبد الله بن سعيد ضعيف الحديث، ولا يحدث عن غيره، فلا أدري منه أو من أخيه" (٣). وقد يجتمع في الراوي أكثر من سبب، كما هو حال أَبَان الرَّقَاشي والد يزيد، فليس له سوى حديث واحد، والراوي عنه ولده يزيد، وهو متروك الحديث، قال أبو حاتم: "أَبَان الرّقَاشي لم يصح حديثه، إنما روى حديثا واحدا يرويه عنه ابنه، ما نقدر أن نقول فيه؟ " (٤). ومن الأسباب ما يعود إلى الناقد نفسه، فلم يَخْبُر الراوي كما ينبغي، مع إمكان ذلك، وهذا قد يكون حقيقيا كما في قول أحمد في علي بن غُرَاب: "ليس لي به خُبْر، سمعت منه مجلسا واحدا، وكان يدلس، وما أراه إلا صدوقا" (٥)، وقال عنه أيضا: "كأن حديثه حديث أهل الصدق" (٦). وقال المروذي: "قيل له (يعني لأحمد): فإسماعيل بن مُجالِد؟

стр. 213

قال: لا أدري، قد روي عنه" (١)، ونقل عنه عبد الله قوله: "ما أراه إلا صدوقا" (٢). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث عبد الحميد -يعني ابن سليمان-؟ قال: ما أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأس، وكان مكفوفا، وكان ينزل مدينة أبي جعفر" (٣). فالذي يظهر أن أحمد لم يَخْبُره جيدا، فسائر النقاد على تضعيفه (٤). وقد يكون صوريا، كأن يجعلهما الناقد راويين، وهما راو واحد، فالاشتباه في الرواة كثير، كما تقدم شرحه في أول هذا المبحث، ومثاله أن عبد الله بن أحمد سأل أباه عن يزيد بن عبد الله مولى الصهباء، يحدث عنه وكيع، فقال: "لا أعرفه" (٥)، وسأله أبو داود عن يزيد أبي عبد الله الشيباني، فقال: "هذا شيخ قديم، ليس به بأس" (٦)، وهما شخص واحد (٧). أو يعرف الناقد شخصه ولا يعرف اسمه، فيسأل عنه فلا يعرفه، كما في قصة عبد الواحد بن زياد مع يزيد بن زُرَيع، قال عفان: "كانوا يذكرون ليزيد بن زُرَيع عبد الواحد بن زياد، فيقول: من هذا الكذاب

стр. 214

الذي يحدث عن يونس، لا أعرفه، قال: فلقيه يوما في بعض الطريق، فقيل له: هذا عبد الواحد بن زياد، فقال: هذا كان جليسنا عند يونس، فقالوا: هذا عبد الواحد بن زياد" (١). والناقد في أحيان كثيرة يلجأ إلى معرفة غيره بالراوي، إذا لم يتوافر لديه من الوسائل ما يصدر فيه حكما، وهذا كثير مشهور، من ذلك قول حرب الكرماني في إبراهيم بن محمد بن العباس الشافعي: "سمعت أحمد يثني عليه" (٢)، وروى أبو داود، عن أحمد قوله فيه: "أحسن الثناء عليه حسين، ولا أعرفه" (٣). وكذا قال ابن معين لما سئل عنه: "لا اعرفه، زعموا أنه ليس به بأس" (٤). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى وسئل عن داود بن عمرو الضَّبِّي، فقال: لا أعرفه، من أين هذا؟ قلت: ينزل المدينة، قال: مدينتنا هذه أو مدينة الرسول؟ قلت: مدينة أبي جعفر، قال: عمن يحدث؟ قلت: عن منصور بن أبي الأسود، وصالح بن عمر، ونافع بن عمر، فقال: هذا شيخ كبير، من أين هو؟ قلت: من آل المسيَّب، فقال: قد كان لهؤلاء نفسين متقشفين، أحدهما يتصدق، والآخر يبيع القَصَب، لا أعرفه، أما لهذا أحد يعرفه؟ قلت: بلى، بلغني عن سَعْدُوْيَه أنه سئل عنه فقال: ذاك المشؤوم ما حدَّث بعدُ، وعرفه، فقال: سَعْدُوْيَه أعرف

стр. 215

بمن كان يطلب الحديث معه منا. ثم بلغني عن يحيى بن معين بعدُ -أو سمعته وسئل عنه- فقال: لا بأس به، وبلغني أن يحيى سأل سَعْدُوْيَه عنه فحمده" (١). وسئل يحيى بن معين عن يزيد بن أبي حكيم فقال: "زعموا: ليس به بأس، يقوونه" (٢)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: "كان ليس به بأس، لم أكتب عنه" (٣). وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: "وسألته -يعني علي بن المديني- عن شيخ حدث عنه أبو إسماعيل المؤدب يقال له: سليمان بن أبي هند، مولى زيد بن الخطاب، فقال: سألنا عن هذا الشيخ فذكر أصحابنا أنه لم يكن به بأس" (٤). ونقل ابن شاهين عن محمد بن عبد الله بن عمار قوله في مسكين بن بُكَيْر الحراني: "يقولون إنه ثقة، ولم أسمع منه" (٥). واتضح مما تقدم أن عدم معرفة الراوي هو في مجموع النقاد أمر نسبي، فقد لا يعرفه ناقد، ويعرفه غيره، وهذا راجع -كما تقدم آنفا- إلى ما يتوافر عند الناقد من وسائل، وإلى تمكنه من استخدامها، وخلوصه في النهاية إلى حكم في الراوي.

стр. 216

وليس هذا بالقليل في عموم الرواة، وهو يفسر لنا جانبا من الاختلاف بين الأئمة في راو عرفه بعضهم، ولم يعرفه البعض الآخر، كما تقدم آنفا في علي بن غُرَاب، وعبد الحميد بن سليمان، وعدم معرفة أحمد لهما المعرفة التامة، وهما معروفان عند غيره من النقاد (١)، وكذلك إبراهيم بن محمد الشافعي، لم يعرفه أحمد، وابن معين، وقد عرفه جمع من النقاد (٢). ومثل ذلك عبد الله بن مسلم أبو طيبة قاضي مرو، لم يعرفه أحمد، وعرفه أبو حاتم وغيره (٣). وكما يتوقف الإمام في الراوي لأحد الأسباب المتقدمة -يتوقف أحيانا في المقارنة بين الرواة، قال أبو داود: "قلت لأحمد: إذا اختلف الفريابي، ووكيع، أليس يُقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم يروه غيره، قال: ما أدري، وكيع ربما خولف" (٤). وقال إسحاق بن هانئ: "سئل عن الزبير بن عَدِي، وواصل الأحدب، أيما أحب إليك منهما؟ قال: لا أدري" (٥). والخلاصة أن الناقد إذا لم يكن لديه شيء من وسائل الحكم على الراوي، أو المقارنة بين راويين، أو كان لديه ما لا يكفي لذلك، أوضح ذلك بعبارة مناسبة، وقد ينقل حكم غيره ويعتمد عليه، ولم

стр. 217

يكن الواحد منهم رحمهم الله تعالى يأنف أن يقول: لا أدري، أو لا أعرف الراوي، ونحو ذلك من العبارات، فإن غرضه الوصول إلى الحق، ولم يتمكن من ذلك بالصورة التي يرضى عنها، كما قال ابن معين: "لقد رأيت رجلا يسأل يحيى بن سعيد عن أشياء، فجعل يقول: لا أدري، حتى رحمته، وكان يحيى بن سعيد رجل صدق" (١). وأخيرا ينتبه إلى أن بعض عبارات نفي العلم بحال الراوي ليست على ظاهرها، فقد يراد بها تضعيف الراوي، أو تليينه، فيكون الناقد خَبَر الراوي وحكم عليه، وهذا يرشد إليه سياق النص، وقرائن الحال، مثاله قول أحمد: "عثمان الثقفي ثقة الحديث، سمع منه شعبة، وهو أثبت من عثمان أبي اليقظان، ذاك -يعني أبا اليقظان- حديثه ما أدري ما هو" (٢). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: عبد الواحد بن قيس الذي روى عنه الأوزاعي؟ قال: لا أدري، أخشى أن يكون حديثه منكرا" (٣). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: سمعت عبيد الله بن موسى قديما، بعضه في سنة خمس وثمانين، وبعد ذلك قال: رأيت عبيد الله بن موسى بمكة فما عرضت له، لم يكن لي فيه رأي" (٤). والظاهر أن أحمد يريد أنه غير راغب في السماع منه، وكان أحمد

стр. 218

يحمل عليه لروايته عن غير الثقات أحاديث منكرة في التشيع (١). وقال المروذي: "سألته عن الدَّرَاوَرْدي، فقال: ما أدري ما أقول لك فيه، أحاديثه -كأنه ينكر بعضها-" (٢). وقال إسحاق: "سئل عن ابن أخي الزهري، وابن إسحاق، في حديث الزهري: أيهما أحب إليك؟ قال: ما أدري -كأنه ضعفهما-" (٣). وقال أحمد أيضا في علي بن مُسْهِر: "لا أدري كيف أقول، كان قد ذهب بصره وكان يحدثهم من حفظه" (٤). وقد يكون الناقد أراد بنفي معرفته بالراوي معرفة عينه وشخصه، وأما حاله في الرواية فمعلومة، كما في قول أبي حاتم في يحيى بن سعيد التميمي المدني: "هو منكر الحديث، ولا أعرفه، وهو مجهول" (٥). وقال في عمر بن الحكم الهُذلي: "هو مجهول، ذاهب الحديث" (٦).

стр. 219

الفصل الثاني: أحكام النقاد على الرواة ومراتبها وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الأحكام النظرية على الرواة. المبحث الثاني: الأحكام العملية على الرواة. المبحث الثالث: مراتب أحكام النقاد على الرواة.

стр. 220

مدخل: حَكَم النقاد على الرواة الذي مروا بهم باتباع الوسائل الماضية في الفصل الأول، ومن هذه الأحكام ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد بحالة من حالات الراوي، ومنها ما فيه مقارنة الراوي بغيره، وقد يكون الحكم هو تجهيل الراوي، أو إعلان الناقد أنه لا يعرفه. والمتأمل في أحكام النقاد على الرواة يجدها -حسب وصولها إلينا- تتخذ أشكالا متعددة، تجمعها هذه القضية، وهي الحصول على حكم من الناقد في الراوي المعين، ويمكن ردها في الجملة إلى نوعين من الأحكام، النوع الأول: الأحكام النظرية، وهي التي يصدرها الناقد على الراوي ذاكرا رأيه فيه، والنوع الثاني: الأحكام التطبيقية، ويقصد بها موقف الناقد من الراوي عمليا، كالرواية عن الراوي، والتخريج له. وللاستفادة من أحكام النقاد على الرواة لابد من معرفة مراتب هذه الأحكام، أو مراتب الرواة المأخوذة من هذه الأحكام. وكل هذا أتناوله في هذه الفصل في ثلاثة مباحث.

стр. 221

المبحث الأول: الأحكام النظرية على الرواة هذا النوع من الأحكام اشتهر في مصادر علوم الحديث باسم (ألفاظ الجرح والتعديل)، وأطلق عليها ذلك باعتبار الأغلب، وإلا فهي على قسمين: القسم الأول: ما وصلنا من أحكام أطلقها الأئمة على الرواة ، وهذا أكثر الأقسام وجودا، فقد امتلأت به كتب الجرح والتعديل، فأطلق النقاد ما لا يحصى من أحكامهم على الرواة، وتداولوا في الغالب ألفاظا وأساليب محددة شاع استخدامها بينهم، مثل قولهم: فلان ثقة، أو ثبت، أو ليس به بأس، أو صدوق، أو ضعيف، أو منكر الحديث، أو ذاهب الحديث، أو متروك الحديث، أو واه، أو مجهول، أو لا أعرفه، وهكذا في التقييد، فيقولون: فلان ثقة إلا في روايته عن فلان فهو ضعيف، أو ليس بذاك، أو ليس بشيء، أو إذا حدث من كتابه فهو ثقة، وإذا حدث من حفظه فليس بشيء، ومثله في المقارنة بين الرواة كأن يقولوا: فلان مثل فلان، أو خير منه، أو دونه، ونحو هذه العبارات. كما استخدم النقاد في هذا القسم ألفاظا وأساليب على سبيل الندرة والقلة، لأغراض مختلفة، فتارة للتفنن في العبارة، وتارة للتأكيد على القول، وتارة للترويح والطرافة. فمن ذلك: أ- الحلف على حال الراوي، كما في قول أحمد في عبد الله بن

стр. 222

زياد بن سَمْعان: "سمعت إبراهيم بن سعد يحلف أنه كذاب" (١). وقال الترمذي: "سألت محمدا عن الفَضْل بن عيسى الرَّقَاشي، فقال: هو ابن أخي يزيد الرَّقَاشي، كان سفيان بن عُيَيْنة يقول: كان أهلا - والله - ألا يحدث عنه" (٢). وقال أبو داود: "قيل (يعني لأحمد): إسحاق الأزرق ثقة؟ قال: إي والله ثقة" (٣). وقال أبو داود في عُتبة بن أبي حَكيم: "سألت يحيى بن معين فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث" (٤). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى يقول: حدثني علي بن عَيَّاش، وكان -والله- لا بأس به، ثقة" (٥). ب- المبالغة في التوثيق أو التضعيف، مثل قول أيوب السَّخْتِيَاني: لو أن فَضْلا الرَّقَاشي ولد أخرس كان خيرا له" (٦). واشتهر عن شعبة أنه كان يحمل على أَبَان بن أبي عَيَّاش، وقد أقذع فيه القول، فمن ذلك قول فيه: "لأن أشرب من بَوْل حماري حتى

стр. 223

أروى أحب إلي من أن أقول: حدثني أَبَان بن أبي عَيَّاش" (١). وقال أيضا: "لأن أزني سبعين مرة -وفي رواية: لأن أرتكب سبعين كبيرة- أحب إلي من أن أحدث عن أَبَان بن أبي عَيَّاش" (٢). وقال أيضا: "لأن يزني الرجل خير له من أن يروي عن أَبَان بن أبي عَيَّاش" (٣). وقال العقيلي: "حدثنا زكريا بن يحيى الحُلْواني قال: سمعت سلمة بن شَبِيب يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أروي عن يزيد الرَّقَاشي، قال سلمة: فذكرت ذاك لأحمد بن حنبل، قال: بلغنا أنه قال هذا في أَبَان، قال أبو يحيى: وكان أبو داود سليمان بن الأشعث صاحب "التاريخ"، صاحب أحمد بن حنبل معنا في مجلس سلمة، فقال لي أبو داود: وقاله فيهما جميعا" (٤). وقال شعبة أيضا: "لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون العبدي" (٥). وقال مرة: "كنت لو قيل لي: تدخل الجنة، أو تلقى أبا هارون ثم تدخل الجنة؟ لقلت: بل ألقى أبا هارون، فلقيته فإذا هو لا شيء" (٦). وقال ابن المبارك: "لو خيرت بين أن أدخل الجنة، وبين أن ألقى

стр. 224

عبد الله بن مُحَرَّر لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بَعْرة أحب إلي منه" (١). وقال أبو أحمد الزبيري: "حدثت ابن عُيَيْنة عن مُعَلَّى الطحان في بعض حديث ابن أبي نَجِيح، فقال: ما أحوج هذا إلى أن يقتل" (٢). وروى عنه أحمد قوله في معلى هذا: "إن كان المعلى يحدث عن ابن أبي نَجِيح الذي رأيناه- ما أحوجه أن تضرب عنقه" (٣). وقال أحمد: "سعد بن إبراهيم أثبت من عمر بن أبي سلمة خمسين مرة" (٤). وقد اشتهر يحيى بن معين باستخدام أسلوب المبالغة، وخاصة في التجريح، فقد كان شديد العبارة على بعض الرواة، فمن ذلك قوله في أبي مسعود عبد الأعلى بن أبي المسَاوِر الجرَّار: "كذاب، قد تخلى الله منه، لا يسأل عن مثل هذا، ليس بثقة" (٥). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى بن معين يقول -وذكر أبا سليمان الجُرْجاني- فقال: أبو جُرْجان، ينبغي أن نهدم حول داره أربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا، فقال أبو خَيْثَمة: يا أبا زكريا فتدخل دارك في هذا الهدم، قال: لا أبالي، يبدأ بداري أولا، حتى تطهر تلك البلاد منه" (٦).

стр. 225

وقال عبد الله بن أحمد: "سألت يحيى قلت: شيخ الكوفة يقال له: زكريا الكسائي؟ فقال: رجل سوء يحدث بحديث سوء، قلت ليحيى: إنه قد قال لي: إنك قد كتبت عنه، فحوَّل يحيى وجهه إلى القبلة، وحلف بالله مجتهدا أنه لا يعرفه، ولا أتاه، ولا كتب عنه، إلا أن يكون رآه في طريق وهو لا يعرفه، ثم قال يحيى: يستأهل أن يُحفر له بئر ثم يُلقى فيه" (١). وقال محمد بن يحيى الذهلي في يحيى الحِمَّاني: : "اضربوا على حديثه بستة أقلام" (٢). وقال الجوزجاني في بَكْر بن خُنَيْس الزاهد: "كان يروي كل منكر عن كل منكر" (٣). وقال أبو زرعة في أحمد بن عبد الرحمن، ابن أخي عبد الله بن وهب، وقد حدث بأحاديث منكرة: "لا أرى ظهر بمصر منذ دهر أوضع للحديث وأجسر على الكذب من هذا" (٤). ج- اختيار عبارة توافق اسم الراوي، أو تشبيه حديثه بوجهه، أو بصفة فيه. مثل قول سفيان الثوري للمُعَافَى بن عِمْران: "أنت مُعَافَى

стр. 226

كاسمك" (١). وقوله في ثور بن يزيد الشامي: "خذوا عنه، واتقوا قرنيه"، يشير إلى قدريته (٢). وقال الشافعي، ويحيى بن معين، في حرام بن عثمان: "الرواية عن حرام حرام" (٣). وقال الشافعي أيضا في محمد بن عبد الرحمن أبي جابر البَيَاضي: "بَيَّض الله عيني من يروي عنه" (٤). وقال أيضا في مُجَالِد بن سعيد: "الحديث عن مُجَالِد يجالد الحديث" (٥). وقال أبو طالب: "قلت لأحمد بن حنبل: ثابت البناني أثبت، أو قتادة؟ قال: ثابت ثبت في الحديث ... " (٦). وروى أحمد بن محمد بن حَرْب الجُرْجَاني، عن يحيى بن معين

стр. 227

قوله: "رِشْدِينين ليسا برشيدين، رِشْدِين بن كريب، ، ورِشْدِين بن سعد" (١). وقال ابن الجُنَيْد: "قلت ليحيى: محمد بن فَضَاء كان يعبر الرؤيا؟ قال: نعم، كان يعبر الرؤيا، وحديثه مثل تعبيره، أي أنه ضعيف الحديث" (٢). وذكر أبو داود حديثا منكرا للفَضْل بن عيسى الرَّقَاشي، ثم قال: "حديث يشبه وجه فَضْل الرَّقَاشي" (٣). د- ضرب المثل والتشبيه لبيان حال الراوي، أو الكناية عن حاله، ومن أمثلة الأول: ما رواه حماد بن زيد قال: "ذكر أيوب رجلا يوما فقال: لم يكن بمستقيم اللسان، وذكر آخر فقال: هو يزيد في الرَّقْم" (٤). وقال ابن الأثير: "كان يزيد في الرَّقْم أي: ما يكتب على الثياب من أثمانها، لتقع المرابحة عليه، أو يغتر به المشتري، ثم استعمله المحدثون فيمن يكذب ويزيد في حديثه" (٥). وقال سعيد بن عبد العزيز في سعيد بن بَشِير: "كان حاطب ليل" (٦). وروى عبيد الله بن عمر القَواريري قال: "سمعت حماد بن زيد

стр. 228

يقول لرجل بعدما جلس مهدي بن هلال بأيام: ما هذه العين المالحة التي نبعت من قبلكم؟ قال: نعم يا إبا إسماعيل" (١). وقال مالك في عَطَّاف بن خالد: "ليس هو من جِمَال المَحَامِل"، وفي رواية: "ليس هو من إبل القِبَاب" (٢). وكذا قال يحيى القطان في سَلْم بن قتيبة: "ليس من الجِمَال التي تحمل المَحَامِل" (٣). ونحوه لابن معين في رِشْدِين بن سعد (٤). وكان سفيان بن عُيَيْنة يسمى علي بن المديني: حية الوادي، إعجابا به، وهو من تلامذته، وكان إذا استفتي أو سئل عن شيء قال: "لو كان حية الوادي" (٥) -يعني لو كان موجودا لأجاب-. وسئل النَّضْر بن شُمَيْل عن حديث حُرَيْث بن السائب، فقال: "بين المطيع وبين المدبر العاصي" (٦). وقال أبو حاتم في يحيى بن اليَمَان: "رأيت محمد بن عبد الله بن نُمَيْر يضعف يحيى بن يَمَان، ويقول: كأن حديثه خَيَال" (٧). وقال علي بن المديني في خليفة بن خَيَاط المعروف بشَبَاب، وفي

стр. 229

عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة: "في دار عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، وشَبَاب بن خَيَّاط، شجر يحمل الحديث" (١). وقال أبو خَيْثَمة زهير بن حرب بعد أن كتب عن منصور بن سلمة الخُزاعي الحافظ: "كتبت اليوم عن كَبْش نَطَّاح" (٢). وقال أبو بكر الأعين في سُوَيْد بن سعيد الأَنباري: "هو سِدَاد من عَيْش، هو شيخ" (٣). واشتهر الجوزجاني بضرب الأمثال في بيانه لأحوال الرواة، فمن ذلك قوله في عبد الكريم بن أبي المُخَارِق: "غير ثقة، فرحم الله مالكا، غاص هناك -في المثل- فوقع على خَزَفَة مكسرة، أظنه اغتر بكسائه" (٤). وقال في إسماعيل بن عَيَّاش: "ما أشبه حديثه بثياب سابور، يُرْقَم على الثوب المئة، ولعل شِرَاه دون عشرة" (٥). وقال في حماد بن عمرو النَّصِيببي: "كان يكذب، لم يدع للحليم في نفسه منه هاجسا" (٦). وذكر عمن حدثه عن بعض الأئمة قوله في عبد السلام أبي الصَّلْت الهروي: "هو أكذب من رَوْث حمار الدجال" (٧).

стр. 230

وقال أبو حاتم في عدد من الرواة: "هو على يَدَيْ عَدْل" (١)، يشير إلى ضعفهم الشديد، وهذا مثل يضرب لمن يتيقن هلاكه، وللمثل قصة (٢). وقال في عدد من الرواة: "يكتب عنه زَحْفا"، أو "لا يكتب عنه إلا زَحْفا"، أو "من شاء كتب عنه زَحْفا" (٣). كما استخدموا التشبيه وضرب المثل في المقارنة بين الرواة، كما في قول يحيى بن اليَمَان: "كان سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وكان سفيان بن عُيَيْنة صاحب شرطته" (٤). وأما الكناية عن حال الراوي فلها صور، منها أن يسأل عنه فيذكره بخصلة خير غير تثبته في الرواية، كما قال الشافعي: "إذا مدح الرجل بغير صناعته فقد وُهِص -يعني دُقَّ- عنقه"، قاله الشافعي تعقيبا على قوله في الربيع بن صُبَيْح: "كان رجلا غزاء" (٥). ومن ذلك قول عبد الصمد بن عبد الوارث في مُجَّاعة بن الزبير:

стр. 231

"كان جارا لشعبة، نحو الحسن بن دينار، وكان شعبة يسأل عنه، وكان لا يجترئ عليه، لأنه كان من العرب، وكان شعبة يقول: هو كثير الصوم والصلاة" (١). أو يحيد عن الجواب، كما في قول وكيع وسئل عن عمر بن هارون البَلْخي: "بات عندنا ليلة" (٢). أو يجيب بذكر صفة لا مدخل لها في التوثيق، قال عبد الرزاق: "كان سفيان الثوري إذا حدثنا عن شيخ، قلنا له: كيف هذا؟ قال: كان حسن الخِضَاب" (٣). أو يسأل عنه فيجيب ببيان حال غيره، كما سئل أحمد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: "عبد الله أخوه لا بأس به" (٤). وقال الميموني في يحيى الحِمَّاني: "وذكر عنده -يعني عند أحمد بن حنبل- فقال: ليس بأبي غَسَّان بأس" (٥). أو يذكره بصفة تشير إلى ما فيه من غير تصريح، كما في قول الشافعي في أبي عبد الله الجَدَلي: "كان جيد الضرب بالسيف" (٦)، فسره أبو زرعة بأنه كان خرج مع المختار الثقفي (٧).

стр. 232

أو يدعو له، كما في قول أبي زرعة حين سأله البَرْذَعي عن عَنْبَسة بن عبد الرحمن: "نسأل الله أن يرحمه، اضرب على حديثه -فلم يقرأه-" (١). أو يدعو لنفسه، كما في قول أبي زرعة أيضا فيما نقله عنه ابن أبي حاتم، قال: "سئل أبو زرعة عن عمر بن عبد الله بن يعلى، فقال: ليس بقوي، فقلت: ما حاله؟ قال: أسأل الله السلامة" (٢). أو يستعين بالله، كما كان وكيع إذا ذكر عنده قيس بن الربيع قال: "الله المستعان" (٣). ومن الكناية كذلك أن يصغر الاسم أو الكنية، كما في قول أبي اليَمَان الحَكَم بن نافع في سعيد بن عبد الجبار الحمصي: "أبو عُثَيْم، صاحبنا، خرج إلى العراق في طلب الحديث" (٤)، علق عليه المعلمي بأنه فعل ذلك استضعافا له، وكنيته أبو عثمان. هـ- ذكر الراوي بشيء أخطأ فيه، أو اتهم به، حتى صار علما عليه، يعرف به. ومن أمثلته: أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قيل له: حدثك أبوك، عن جدك، أن رسول الله ﷺ قال: "إن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم"، فذكر رجل لمالك بن أنس حديثا منقطعا، فقال: "اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه،

стр. 233

عن نوح" (١). وقال عبد الله بن المبارك: "رأيت رَوْح بن غُطَيْف، صاحب (الدم قدر الدرهم)، وجلست إليه مجلسا، فجعلت أستحي من أصحابي أن يروني جالسا معه، كره حديثه" (٢). وكان أحمد ينسب عمرو بن حَكَّام (الزَّنْجَبِيلي)، لكونه روى حديثا عن شعبة فيه ذكر الزنجبيل، وقد أنكروه عليه (٣). وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى (يعني ابن معين) وسئل عن سُوَيْد بن سعيد الأنباري، فقال: مولى الجواسنة ... ، فقيل له: يا أبا زكريا ما معنى مولى الجواسنة؟ فقال: حدث بحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن حذيفة: "لا يليكم بعد عمر إلا أَصْعَر أَبْتَر، مولى الجواسنة"، فقيل له: إنما هو "مولي الحق استه"، فقال: اسكت، حذيفة كان يسفه؟ " (٤). وروى شَهْر بن حَوْشَب أحاديث عن بعض الصحابة يذكر فيها صحابي الحديث أنه كان آخذا بزمام ناقة النبي ﷺ ، فقال الجوزجاني: "أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس ... ، كأنه مولع بزمام ناقة النبي ﷺ ، فلا ينبغي أن يغتر به وبروايته" (٥). وقال في الحَكَم بن ظُهَيْر: "سقط بميله وأعاجيب حديثه، وهو

стр. 234

صاحب (نجوم يوسف) " (١). وقال في عَبَّاد بن كَثِير الثقفي البصري: "لا ينبغي لحكيم أن يذكره في العلم، حسبك عنه بحديث (النهي) " (٢). وقال في يعقوب بن الوليد المدني: "غير ثقة ولا مأمون، هو صاحب حديث سهل بن سعد في (الرُّطَب بالقِثَّاء) " (٣). و- استخدام كلمات من غريب اللغة في وصف أحوال الرواة، ومن ذلك ما روى الأصمعي، عن قُّرَّة بن خالد قال: "كانوا يرون أن الكلبي يُزرِّف "، فسئل الأصمعي عن التزريف فقال: "الزيادة" (٤)، وفسره أبو حاتم بقوله: "يعني يكذب" (٥). ووصف شعبة ميمون بن عبد الله البصري بأنه كان فَسْلا (٦)، وكذا قال شعبة في سيف بن وهب التيمي (٧)، والفَسْل: الرديء (٨). وروى عبد الرزاق، عن معمر، قوله في إسماعيل بن شَرْوَس الصنعاني: "كان يُثَبِّج الحديث" (٩).

стр. 235

وكذا قال عبد الرحمن بن مهدي في سفيان الثوري: "لو رأى إنسان سفيان يحدث لقال: ليس هذا من أهل العلم، يقدم، ويؤخر، ويُثَبِّج، ولكن لو جَهَدْت جَهْدَك أن تزيله عن المعنى لم يفعل" (١). وقال أحمد في أبي عاصم النَّبِيل لما سئل عنه وعن رَوْح بن عُبَادة، قال: "كان روح يخرج الكتاب، وأبو عاصم يُثَبِّج الحديث" (٢). ومن معاني الثبيج في اللغة: لا يأتي بالكلام على وجهه، وكذلك التفنن فيه (٣). وقال وكيع: "ذكر شعبة أبا هارون العبدي فلقي منه جزا"، قال ابن أبي حاتم مفسرا ذلك: "يعني أنه ذكره بغير الجميل" (٤). وربما أطلقوا كلمات يعسر فهم المراد منها، كما في قول أحمد في أبي سعيد مولى بني هاشم، قال عبد الله: "سمعت أبي يقول وذكر أبا سعيد مولى بني هاشم فأثنى عليه، وقال: كان متهارما جدا -يعني في الحديث-" (٥). بل ربما استخدموا كلمات أعجمية، كما في قول حبيب بن أبي ثابت: "كنا نسمي أبا صالح باذام: دروغزن" (٦)، و (دروغ) كلمة

стр. 236

فارسية، معناها: الكذب (١). وقال وكيع: "ذهبت إلى أبي بكر بن عَيَّاش، ومعي أحمد ابني، فانتخبت عليه أحاديث، فلما حدثنا بها وقمنا قال أبو بكر بن عَيَّاش لإنسان: تدري من انتخب هذه الأحاديث؟ انتخبها رجل إرْدَخل" (٢). والإردخل بالفارسية: الرجل الضخم، قال ابن الأثير: "يريد أنه في العلم والمعرفة بالحديث ضخم كبير" (٣). ز- عبارات متفرقة في وصف الرواة يقل استعمالها، إما مطلقًا، كما في قول حسن بن عيسى: "سمعت عبد الله بن المبارك وسألته عن عبد السلام بن حرب، فقال: قد عرفته، وكان إذا قال: قد عرفته فقد أهلكه" (٤). وقول أحمد حين سئل عن يحيى بن سعيد الأموي: "ليس له حركة في الحديث" (٥). أو يقل استعمالها في عموم النقاد، وإن كان أحدهم يكثر منها، فقد كان يحيى بن معين يكثر من وصف الراوي في توثيقه بأنه مسلم، كما في قوله في محمد بن مسلم أبي سعيد المؤدب: "ثقة، مسلم" (٦).

стр. 237

وقوله في إسماعيل بن عُلَيَّة: "ثقة، مأمون، صدوق، مسلم، ورع، تقي" (١). وكان الجوزجاني يكثر في قوله في الراوي مجرحا له: "غير مَقْنَع"، أو "لا يُقْنَع بحديثه" (٢). ويكثر البخاري من عبارة: "سكتوا عنه" (٣). وهذه ألفاظ توجد عند غيرهم أيضا. القسم الثاني: حركات وإشارات تصدر من النقاد حين يرد ذكر بعض الرواة ، كتحميض الوجه، أو تحريك الرأس، أو الإشارة باليد، وقد يصاحب ذلك أن يقول فيه قولا. فمن ذلك: ما رواه أبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، قال: "سمعت الحسن بن ثابت جاء فقال لسفيان بن سعيد (هو الثوري) -أخبره بحديث- فقال: من ذكره؟ فقال: قيس، قال: فقال: سفيان، قيس الأسدي أبو محمد؟ فقال سفيان: نعم، نعم -ويلوي رأسه عند ذكره-" (٤). وقال علي بن المديني: "سألت يحيى بن سعيد، عن ميمون أبي عبد الله الذي روى عنه عوف، فحَمَّض وجهه، وقال: زعم شعبة أنه كان فَسْلا" (٥).

стр. 238

وسأله علي أيضا عن سيف بن وهب التيمي، فحمَّض وجهه وقال: "كان هالكا من الهالكين" (١). وقال عمرو بن علي الفلَّاس: "كان يحيى بن سعيد إذا ذكر عنده أبو بكر بن عَيَّاش كَلَح وجهه وأعرض" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سألته (يعني أباه) عن مُجَالِد، فقال: كذا وكذا -وحرك يده-، ولكنه يزيد في الإسناد" (٣). وقال أيضا: "سألته عن فَرْقَد السَّبَخي، فحرك يده -كأنه لم يرضه-" (٤). وقال أيضا: "سألت أبي عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثَرْوان، فقال: هو كذا وكذا -وحرك يده-، وهو يخالف في أحاديث" (٥). وقال المروذي: "وقال (يعني أحمد) في مسلم بن خالد الزَّنْجي، فحرك يده وليَّنه" (٦). وقال أيضا: "قيل له: محمد بن إسحاق، وابن أخي الزهري، في حديث الزهري؟ فقال: ما أدري، -وحرك يده، كأنه ضعفهما-" (٧). وقال عبد الله بن علي بن المديني في إسحاق بن نَجِيْح الملَطي: "سألت أبي عنه، فقال بيده هكذا -أي ليس بشيء، وضعفه-" (٨).

стр. 239

وقال البَرْذَعي: "وسئل (يعني أبا زرعة) عن حديث الصُّدَائي في (الأذان)، فقال: الإفريقي -وحرك رأسه-" (١). وقال أيضا: "ذكرت أصحاب مالك، فذكرت عبد الله بن نافع الصائغ، فَكَلَح وجهه" (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن سعيد بن سِنَان أبي مهدي، فأومأ بيده أنه ضعيف" (٣). وقال أيضا في الحسين بن زيد بن علي: "قلت لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك يده وقلبها -يعني تعرف وتنكر-" (٤). ولا شك أن هذه الأساليب المتنوعة من الأئمة النقاد في وصف الرواة قد أسهمت في إخراج علم الجرح والتعديل عما يكتنفه من جمود، وما قد يصيب الباحث فيه والمطالع لكتبه من ملل، فأضفت هذه الأساليب على هذا العلم روح التشويق والدعابة. كما أنها برهنت على قدرة هؤلاء الأئمة النقاد على استخدام الأساليب البلاغية في التعبير عن آرائهم.

стр. 240

غير أن هذا كله لا يمنع من التنبيه على ضرورة أخذ الحيطة والحذر في التعامل مع هذه الأساليب النادرة، ذلك أنها وإن كان كثير من عباراتها وألفاظها المراد منه ظاهر، وضبطه ليس بالعسير، إلا أن بعضها لا يخلو من إشكالات تحتاج إلى إعمال ذهن، ودِرْبة ومِرَان في التعامل معها، ولعل هذا أحد الأغراض التي من أجلها استخدم الأئمة هذه الأساليب أو بعضها، فقد يكون من أغراضهم شحذ الهمم وامتحان الأذهان في الوصول إلى المقصود، وسيأتي التنبيه على شيء من هذا في الفصل الثالث (ضوابط النظر في أحكام النقاد) -إن شاء الله تعالى-.

стр. 241

المبحث الثاني: الأحكام العملية على الرواة يقصد بالأحكام العملية على الرواة: تعاملهم مع ذلك الراوي وأحاديثه، فقد يروون عنه بواسطة أو بغير واسطة، أو يخرجون له في كتبهم، أو يصححون له حديثا، وقد يتركون الرواية عنه، أو التخريج له، ويتجنبون حديثه. ولا شك أن هذه المواقف من الرواة لا ينبغي إغفالها، فقد تضم إلى أحكام منقولة عن النقاد، فتزيد من إيضاح حال الراوي، لا سيما إذا كان المنقول عنهم قليلا لا يشفي، وأهم من ذلك حين لا يوجد نقل عن النقاد البتة، فتشتد الحاجة إلى النظر في موقفهم العملي من ذلك الراوي وأحاديثه. ولا مناص من الاعتراف بأن هذا الموضوع برمته يكتنفه الكثير من الغموض بالنسبة لي، وما تهيأ لي الوقوف عليه من النصوص أراه بحاجة إلى المزيد منها، كما هو بحاجة إلى مزيد تأمل ونظر، ولعل ما أكتبه فيه يكون نواة دراسة شاملة، يتصدى لها من ييسر الله له ذلك، بحيث يتعامل معه بأسلوب النفَس الطويل، والقراءة المتأنية من أجله فقط. وقد بدا لي أن مواقفهم هذه من الرواة تنقسم قسمين متميزين: القسم الأول: الانتقاء العام للرواة ، وهو على حالتين: الحالة الأولى: الرواية عن الراوي مباشرة، أي الأخذ والتحديث عنه، أو ترك الأخذ عنه، أو التحديث عنه.

стр. 242

وبيان ذلك أن الراوي حين الطلب والأخذ عن الشيوخ قد يكون يأخذ عن الشيوخ بانتقاء، فلا يأخذ عن بعضهم، وقد يكون من مذهبه أنه يأخذ عن الكل، وكذلك الحال حين التحديث والتصدي للرواية، قد يكون الراوي من مذهبه أن يحدث عن كل من لقيه وأخذ عنه، وقد يكون من مذهبه الانتقاء والاختيار، إما زيادة وإمعانا في الاختيار، فكما انتقى واختار حين السماع والطلب يقوم بعملية فرز وتصفية أخرى حين التحديث، وإما لأنه اهتم حين الطلب بالجمع، وأخّر الانتقاء والاختيار، فكان كما قال ابن معين: "كتبنا عن الكذابين، وسَجَرْنا بها التَّنُّور، وأخرجنا خبزا نضيجا" (١). وقال ابن حبان يصف حاله في تأليف كتابه في الصحيح: "ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، من إِسْبِيْجاب إلى الإسكندرية، ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن نحو مئة وخمسين شيخا -أقل أو أكثر-، ولعل مُعَوَّلَ كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخا، ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا بروايتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفناها" (٢). وهؤلاء الذين ينتقون من يكتبون عنه، أو يحدثون عنه، إنما يفعلون ذلك ديانة، ولهذا يقولون في بعض الرواة: "لا تحل الرواية عنه"، أو "الرواية عنه حرام"، أو "لا تجوز الرواية عنه"، ونحو هذه العبارات. قال أبو إسحاق الطَّالْقاني: "سألت ابن المبارك عن حديث لإبراهيم

стр. 243

الخُوزي، فأبى أن يحدثني عنه، فقال له عبد العزيز بن بن أبي رِزْمة: حدثه يا أبا عبد الرحمن، فقال: تأمرني أن أعود في ذنب تبت منه" (١). وقال عمرو بن علي الفلَّاس: "سألت عبد الرحمن بن مهدي عن حديث لعبد الكريم المعلِّم، فقال: هو عن عبد الكريم، فلما قام سألته فيما بيني وبينه، قال: فأين التقوى؟ " (٢)، قال ابن أبي حاتم بعد أن رواه: "يعني أن التقوى تحجزه عن الرواية عمن ليس بثقة عنده في السر والعلانية، وكان عبد الكريم المعلِّم عنده غير قوي، فكره أن يحدث عنه". ونلمس في قلوب النقاد حُرْقة من تسامح من يروي عن كل أحد، قال ابن الجُنَيْد: "سمعت يحيى بن معين يقول: ما أهلك الحديث أحد ما أهلكه أصحاب الإسناد -يعني الذين يجمعون المسند، أي يُغْمِضون في الأخذ من الرجال-" (٣). وقال يعقوب الفَسَوي في غالب بن عبيد الله الجَزَري: "هو ضعيف متروك الحديث، لا يكتب حديثه، ولا يروي عنه أهل العلم، إنما يروي عنه أهل الغفلة، فأما عقلاء أهل العلم فلا يعبئون بحديثه" (٤). والعبرة دائما في حال من كتب عن راو هي في التحديث عنه، فأما

стр. 244

الكتابة عنه لوحدها فلا أثر لها هنا، وإن كان بعض من تكلم على هذه المسألة خلط بينهما (١). فأما النوع الأول من الرواة -وهم الذين لا ينتقون- فجماعة كثيرون، اشتهر منهم: بَقِيَّة بن الوليد، وإسماعيل بن عَيَّاش، وعيسى بن موسى المعروف بغُنْجار، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي (٢)، وغيرهم. وتوجد نصوص متفرقة عن النقاد في رواة آخرين، مثل قول يحيى القطان لعمرو بن علي الفلَّاس: "لا تكتب عن مُعْتَمِر (يعني ابن سليمان) إلا عمن تعرف، فإنه يحدث عن كل" (٣). وقال عمرو بن علي الفلَّاس في إسماعيل بن مسلم المكي: "يحدث عنه أهل الكوفة: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وحفص بن غياث، وأبو معاوية، وشَرِيْك، يحدث عنه من لا ينظر في الرجال" (٤). وفي رواية عنه: "كان يرى القدر، وهو ضعيف، يحدث عن الحسن، وقتادة، بأحاديث بواطيل، لم يحدث عنه يحيى، ولا عبد الرحمن، وقد حدث عنه قوم من أهل الكوفة: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وحفص، وأبو معاوية، وعبد الرحيم، والمحاربي،

стр. 245

وجماعة، وهو متروك الحديث، قد أجمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنما يحدث عنه من لا يبصر الرجال" (١). وقال أحمد في عبد المجيد بن أبي رَوَّاد: "كان عالمًا بابن جريج، ولم يكن يبالي عمن حدث ... " (٢). وسئل أحمد عن عبيد الله بن موسى العَبْسي: هل أخرج عنه شيئا؟ فقال: "ربما أخرجت عنه، وربما ضربت عليه، حدث عن قوم غير ثقات، فإن كان من حديث الأعمش فعلى ذاك" (٣). وقال ابن معين في كل من علي بن ثابت الجَزَري، وحسان بن إبراهيم الكِرْماني، وعبد الرحمن بن نافع المُخَرِّمي: "ليس به بأس إذا حدث عن ثقة" (٤)، وقال أيضا في الأخير منهم: "ثقة، لا بأس به، ولكن لا يبالي عمن حدث" (٥). وقال أيضا في يزيد بن هارون: "ليس من أصحاب الحديث، لأنه كان لا يميز ولا يبالي عمن روى" (٦). وقال أيضا: "شعيب بن صفوان ليس بشيء، التَّرْجُماني يروي عنه، وليس يبالي عمن روى" (٧).

стр. 246

والتَّرْجُماني هو إسماعيل بن إبراهيم البغدادي. وقال في أبي سعيد الأشج: "ليس به بأس، ولكن يروي عن قوم ضعفاء" (١). ويمكن الوقوف على بعض هؤلاء بواسطة كلام بعض الأئمة في راو، وأنه لا يحدث عنه إلا من لا يميز، كما تقدم آنفا في كلام الفلَّاس في إسماعيل بن مسلم. ومثله قوله في يحيى بن أبي أُنَيْسة: "رجل صدوق، وكان يهم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه، إلا من لا يعلم" (٢). وقال أبو زرعة في عمر بن حفص العبدي: "واهي الحديث، لا أعلم حدث عنه كبير أحد إلا من لا يدري الحديث" (٣). وقال الخليلي في سَلْم بن سالم البلخي: "سكت عنه الشيوخ كلهم، إلا من كان من ضعفاء بلخ، ولم يكن من صنعته هذا الشأن" (٤). ويتأكد ذلك إذا كان الراوي عنه كوفيا، فقد قال عبد الرحمن بن مهدي: "أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد" (٥).

стр. 247

فهؤلاء وأمثالهم روايتهم لا تفيد من يروون عنه شيئا، بل إن الواحد منهم إذا اشتهر بالرواية عن الكذابين ولم يكتف بالرواية عن الضعفاء والمجاهيل- كان من ينفرد بالرواية عنه في الدرجة الدنيا من الضعف، وهم الذين لا يصلحون للاعتبار والاعتضاد، فهم في درجة متروك الحديث، ويمكن أن يمثل لذلك بإمام متأخر قليلا عن عصر الأئمة النقاد، وهو الإمام الطبراني، فقد قال فيه الذهبي: "كتب عمن أقبل وأدبر" (١). وهو كما قال الذهبي، فقد روى عن جماعة من المتروكين المعروفين بوضع الحديث (٢)، وكثير من شيوخه غير معروفين (٣). وعلى الضد من ذلك إذا ترك الواحد منهم روايا، فلم ير الرواية عنه لضعفه- استفيد من ذلك ضعفه الشديد عنده، كما في قول الآجُرِّي: "قيل لأبي داود: أبو سَعْد البَقَّال؟ قال: ليس بثقة ... ، قلت: لم ترك حديثه؟ قال: إنسان يرغب عنه سفيان الثوري أيش يكون حاله؟ شعبة روى عنه حديثا" (٤). وقال الدوري: "سمعت يحيى يقول: قيل ليحيى بن سعيد: ما تقول في بُكَيْر بن عامر؟ فقال: كان حفص بن غياث تركه، وحسبه إذا تركه حفص، قال يحيى -يعني ابن معين-: كان حفص يروي عن كل

стр. 248

أحد" (١). وأما النوع الثاني -وهم الذين ينتقون الرواة- فإن رواية أحدهم عن الراوي بمعنى التقوية له وقبوله، هكذا قرر ذلك جماعة من الأئمة. قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه، وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: أي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري، قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتكلَّم فيه" (٢). وجواب أبي زرعة وأبي حاتم قد طبقه نقاد آخرون، ويفهم من طريقتهم تقييد الثقة الذي تفيد روايته الراوي بالثقة الذي ينتقي رجاله، كما سيأتي قريبا في النقل عنهم. كما قرر هذه القاعدة جماعة من الأئمة المتأخرين الذين ينظرون في الرواة، كالذهبي، وابن عبد الهادي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم (٣). وسأذكر الآن طائفة ممن نص الأئمة على انتقائهم للشيوخ، وفيها تطبيق النقاد لهذه القاعدة. فمن التابعين: عامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، والحسن

стр. 249

البصري، قال ابن معين في كل منهم: "إذا روى عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه" (١). وقال يعقوب بن شيبة: "قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفا، إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين، والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سِمَاك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين" (٢). وممن بعد التابعين: أيوب السَّخْتِيَاني، قال أبو داود: "قلت لأحمد: أبو زيد المدني؟ قال: أي شيء يسأل عن رجل روى عنه أيوب" (٣). وعبد الله بن عَوْن، فقد انفرد بالرواية عن عمير بن إسحاق المديني، وسئل عنه مالك فقال: "لا أعرفه، وقد حدث عنه رجلٌ وحسبكم به -يعني ابن عَوْن-" (٤). وشعبة بن الحجاج، واشتهر عنه ذلك جدا بسبب تشدده في الرواة، وتردده على من يسمع منه الحديث، مما يدل على خبرته به. قال علي بن المديني: "ذكرنا ليحيى بن سعيد القطان: القاسم بن عَوْن الشيباني، فقال يحيى: قال شعبة: دخلت عليه، وحرك يحيى

стр. 250

رأسه، قلت ليحيى: ما شأنه؟ فجعل يحيد، قلت ليحيى: ضعفه في الحديث، قال: لو لم يضعفه لروى عنه" (١). وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن -يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال-" (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مُرَّة، فقال: شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه يحتاج أن يُسأل عنه؟ " (٣). وحَرِيْز بن عثمان الشامي، قال أبو داود: "شيوخ حَرِيْز كلهم ثقات" (٤). ووُهَيْب بن خالد البصري، قال أبو حاتم: "ما أنقى حديث وُهَيْب، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة، ويقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه" (٥). ومالك بن أنس، وقد اشتهر عنه أيضا انتقاؤه للرجال، وتشدده في ذلك، قال ابن عُيَيْنة: "ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم" (٦)، وقال أيضا: "إنما كنا نتتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ
следующие страницы →