← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والتَّرْجُماني هو إسماعيل بن إبراهيم البغدادي. وقال في أبي سعيد الأشج: "ليس به بأس، ولكن يروي عن قوم ضعفاء" (١). ويمكن الوقوف على بعض هؤلاء بواسطة كلام بعض الأئمة في راو، وأنه لا يحدث عنه إلا من لا يميز، كما تقدم آنفا في كلام الفلَّاس في إسماعيل بن مسلم. ومثله قوله في يحيى بن أبي أُنَيْسة: "رجل صدوق، وكان يهم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه، إلا من لا يعلم" (٢). وقال أبو زرعة في عمر بن حفص العبدي: "واهي الحديث، لا أعلم حدث عنه كبير أحد إلا من لا يدري الحديث" (٣). وقال الخليلي في سَلْم بن سالم البلخي: "سكت عنه الشيوخ كلهم، إلا من كان من ضعفاء بلخ، ولم يكن من صنعته هذا الشأن" (٤). ويتأكد ذلك إذا كان الراوي عنه كوفيا، فقد قال عبد الرحمن بن مهدي: "أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد" (٥).

стр. 247

فهؤلاء وأمثالهم روايتهم لا تفيد من يروون عنه شيئا، بل إن الواحد منهم إذا اشتهر بالرواية عن الكذابين ولم يكتف بالرواية عن الضعفاء والمجاهيل- كان من ينفرد بالرواية عنه في الدرجة الدنيا من الضعف، وهم الذين لا يصلحون للاعتبار والاعتضاد، فهم في درجة متروك الحديث، ويمكن أن يمثل لذلك بإمام متأخر قليلا عن عصر الأئمة النقاد، وهو الإمام الطبراني، فقد قال فيه الذهبي: "كتب عمن أقبل وأدبر" (١). وهو كما قال الذهبي، فقد روى عن جماعة من المتروكين المعروفين بوضع الحديث (٢)، وكثير من شيوخه غير معروفين (٣). وعلى الضد من ذلك إذا ترك الواحد منهم روايا، فلم ير الرواية عنه لضعفه- استفيد من ذلك ضعفه الشديد عنده، كما في قول الآجُرِّي: "قيل لأبي داود: أبو سَعْد البَقَّال؟ قال: ليس بثقة ... ، قلت: لم ترك حديثه؟ قال: إنسان يرغب عنه سفيان الثوري أيش يكون حاله؟ شعبة روى عنه حديثا" (٤). وقال الدوري: "سمعت يحيى يقول: قيل ليحيى بن سعيد: ما تقول في بُكَيْر بن عامر؟ فقال: كان حفص بن غياث تركه، وحسبه إذا تركه حفص، قال يحيى -يعني ابن معين-: كان حفص يروي عن كل

стр. 248

أحد" (١). وأما النوع الثاني -وهم الذين ينتقون الرواة- فإن رواية أحدهم عن الراوي بمعنى التقوية له وقبوله، هكذا قرر ذلك جماعة من الأئمة. قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه، وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: أي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري، قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتكلَّم فيه" (٢). وجواب أبي زرعة وأبي حاتم قد طبقه نقاد آخرون، ويفهم من طريقتهم تقييد الثقة الذي تفيد روايته الراوي بالثقة الذي ينتقي رجاله، كما سيأتي قريبا في النقل عنهم. كما قرر هذه القاعدة جماعة من الأئمة المتأخرين الذين ينظرون في الرواة، كالذهبي، وابن عبد الهادي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم (٣). وسأذكر الآن طائفة ممن نص الأئمة على انتقائهم للشيوخ، وفيها تطبيق النقاد لهذه القاعدة. فمن التابعين: عامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، والحسن

стр. 249

البصري، قال ابن معين في كل منهم: "إذا روى عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه" (١). وقال يعقوب بن شيبة: "قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفا، إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين، والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سِمَاك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين" (٢). وممن بعد التابعين: أيوب السَّخْتِيَاني، قال أبو داود: "قلت لأحمد: أبو زيد المدني؟ قال: أي شيء يسأل عن رجل روى عنه أيوب" (٣). وعبد الله بن عَوْن، فقد انفرد بالرواية عن عمير بن إسحاق المديني، وسئل عنه مالك فقال: "لا أعرفه، وقد حدث عنه رجلٌ وحسبكم به -يعني ابن عَوْن-" (٤). وشعبة بن الحجاج، واشتهر عنه ذلك جدا بسبب تشدده في الرواة، وتردده على من يسمع منه الحديث، مما يدل على خبرته به. قال علي بن المديني: "ذكرنا ليحيى بن سعيد القطان: القاسم بن عَوْن الشيباني، فقال يحيى: قال شعبة: دخلت عليه، وحرك يحيى

стр. 250

رأسه، قلت ليحيى: ما شأنه؟ فجعل يحيد، قلت ليحيى: ضعفه في الحديث، قال: لو لم يضعفه لروى عنه" (١). وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن -يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال-" (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مُرَّة، فقال: شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه يحتاج أن يُسأل عنه؟ " (٣). وحَرِيْز بن عثمان الشامي، قال أبو داود: "شيوخ حَرِيْز كلهم ثقات" (٤). ووُهَيْب بن خالد البصري، قال أبو حاتم: "ما أنقى حديث وُهَيْب، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة، ويقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه" (٥). ومالك بن أنس، وقد اشتهر عنه أيضا انتقاؤه للرجال، وتشدده في ذلك، قال ابن عُيَيْنة: "ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم" (٦)، وقال أيضا: "إنما كنا نتتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ

стр. 251

إن كتب عنه وإلا تركناه" (١). وقال أحمد: "كان مالك بن أنس من أثبت الناس في الحديث، ولا تبالي أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك بن أنس، ولا سيما مديني" (٢). وقال أيضا: "مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يُعرف فهو حجة" (٣). ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو عن يحيى أشهر منه عن عبد الرحمن، وكان يحيى يشبه شعبة في هذا الأمر، قال أبو داود: قلت لأحمد: "إذا روى يحيى، أو عبد الرحمن بن مهدي، عن رجل مجهول يحتج بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه" (٤). وقال أحمد أيضا في كل منهما، وكذلك العجلي في يحيى خاصة: "لم يكن يحدث إلا عن ثقة" (٥). وقال أحمد أيضا: "إذا روى عبد الرحمن عن رجل فروايته حجة، كان عبد الرحمن أولا يتساهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، وكان يروي عن جابر -يعني الجُعْفي- ثم تركه" (٦).

стр. 252

وأبو كامل مُظَفَّر بن مُدْرِك، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، والهيثم بن جميل، قال أحمد: "لم يكن ببغداد من أصحاب الحديث -ولا يحملون عن كل إنسان، ولهم بصر بالحديث والرجال، ولم يكونوا يكتبون إلا عن الثقات، ولا يكتبون عمن لا يرضونه- إلا أبو سلمة الخزاعي، والهيثم بن جميل، وأبو كامل ... " (١). وسليمان بن حرب البصري، قال أبو حاتم: "كان سليمان بن حرب قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة" (٢). ثم بعد ذلك الأئمة: أحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو داود، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والنسائي، وغيرهم (٣). وهؤلاء الرواة الذين ينتقون شيوخهم كما أن رواية أحدهم عن الراوي تفيده قوة، فكذلك إذا امتنع أحدهم عن السماع من راوي، أو عن التحديث عنه، وجب النظر فيه، فيحتمل أن ذلك لضعفه عنده، وهذا معنى ما يتردد كثيرا في تراجم الرواة، مثل قولهم: "لم يرو عنه فلان"،

стр. 253

أو "ترك حديثه فلان"، أو "امتنع من الرواية عنه"، أو "أبى أن يقرأ علينا من حديثه"، أو "ما سمعت فلانا يحدث عنه"، ونحو هذه العبارات. ومن ذلك قول عمرو بن علي الفلَّاس: "كان يحيى، وعبد الرحمن، لا يحدثان عن إسماعيل المكي" (١). وقال ابن أبي حاتم في جُبَارَة بن المغَلِّس الحِمَّاني: "كان أبو زرعة حدث عنه في أول مرة (في نسخة: في أول أمره)، وكناه قال: حدثنا أبو محمد الحِمَّاني، ثم ترك حديثه بعد ذلك، فلم يقرأ علينا حديثه"، وقال أيضا: "سمعت أبا زرعة ذكر جُبَارَة بن المغَلِّس فقال: قال ابن نُمَيْر: ما هو عندي ممن يكذب، قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم، قلت: تحدث عنه؟ قال: لا، قلت: ما حاله؟ قال: كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب" (٢). وقال في سفيان بن محمد الفَزاري: "سمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه" (٣). وقال في محمد بن عُقْبة السَّدُوسي: "سمع منه أبي وأبو زرعة، وترك أبو زرعة حديثه، ولم يقرأ علينا، وقال: لا أحدث عنه" (٤). وقال أبو داود في جُبَارَة بن المغَلِّس: "لم أكتب عنه، في أحاديثه مناكير، لم أكتب عنه، ما زلت أراه وأجالسه، كان رجلا

стр. 254

صالحا" (١). وقال أيضا في حسين بن عمرو العَنْقَزي: "كتبت عنه، ولا أحدث عنه" (٢). وقال أيضا: "كتبت عن بَكَّار السَّيْرفي، وطرحته" (٣). وقال في عباس بن الوليد الخلَّال الدمشقي: "كتبت عنه، كان عالما بالرجال، عالما بالأخبار، لا أحدث عنه" (٤). وعلى ما تقدم فإن مما يطالب به الباحث -إضافة إلى استفادته من النظر في تلاميذ الراوي لمعرفة حاله- أن يحرص وهو يذكر أحدا من تلاميذه على اختيار من عرف عنه انتقاء شيوخه، إن وجد أحدا منهم يروي عنه. وكما أسلفت في أول هذا المبحث فإن قضية الاستفادة من الأحكام التطبيقية ليس بالأمر السهل، إذ ليس هو قولا منقولا عن الناقد، وإنما هو في كثير من الأحيان نقل لتصرفهم في الرواية عن ذلك الراوي، وهذا قد تعترضه أمور توجب التأني كثيرا في الاستفادة من رواية الواحد منهم عن الراوي، أو عدم روايته عنه، وأهم هذه الأمور أربعة: الأمر الأول: أن كثيرا من الرواة لا يعرف منهجهم في التعامل مع من يسمعون منه، أو يحدثون عنه، فمن نُص على منهجهم قليل جدا بالنسبة لمن لم يُنص عليه، فالفائدة محدودة إذن.

стр. 255

ويجاب عن هذا الاعتراض بأننا إنما نحتاج إلى النص على من ينتقي شيوخه، وهؤلاء عددهم قليل ولا شك، إذ يلزم له أن يكون الراوي ناقدا، وأن لا يكون مع ذلك متسامحا في التحديث عن الضعفاء والمتروكين والمجاهيل، كما في قول عمرو بن علي الفلَّاس المتقدم أول هذا المبحث بعد سرده لمن رووا عن إسماعيل بن مسلم المكي: "إنما يحدث عنه من لا ينظر في الرجال". أما النوع الآخر -وهم الذين لا ينتقون- فالنص عليهم نستفيد منه التأكيد، وإلا فكل من لم يُنص عليه فإنه يعامل معاملتهم حتى يثبت عكس ذلك. وما يسلكه بعض الباحثين من النظر في شيوخ الراوي بواسطة كتاب: "تهذيب الكمال" ثم تصنيف الراوي على ضوء هذا النظر- أرى أنه يمكن الاعتماد عليه في تأييد الأصل السابق، وهو أن الراوي لا ينتقي شيوخه، وأما عكسه فهو حكم يستند على دليل ناقص، فالمِزِّي لم يستوعب، ثم كثير من شيوخ الراوي أو تلاميذه لا يذكرهم في ترجمته، اكتفاء بذكره هو في تراجمهم، كما سيأتي شرح ذلك في الفصل الرابع (تمييز رواة الإسناد). الأمر الثاني: قد يوجد اختلاف عن النقاد في وصف راو هل هو ممن ينتقى شيوخه، أو هو ممن يحدث عن كل أحد؟ فقد عدّ عمرو بن علي الفلَّاس إسماعيل بن أبي خالد فيمن لا ينظر في الرجال كما تقدم في أول المبحث، أما العجلي فقال فيه: "كان لا يروي إلا عن ثقة" (١).

стр. 256

وقال أحمد في محمد بن عبد الرحمن المخزومي المعروف بابن أبي ذئب: "كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقا، أفضل من مالك بن أنس، إلا أن مالكا أشد تنقية للرجال منه، ابن أبي ذئب لا يبالي عمن حدث" (١). وكذا قال الخليلي: "شيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء" (٢). وفي مقابله قول ابن معين: "كل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البَيَاضي"، ونحوه لأحمد بن صالح (٣). والخطب في مثل هذا يسير، فالاختلاف وارد؛ إذ الحكم مبني على الاستقراء، والاجتهاد في شيوخ الراوي ودرجة كل منهم، وهو يختلف من ناقد لآخر، فمتى وقع هذا فإن أمكن الجمع كأن يقال في الاختلاف في ابن أبي ذئب إن مراد أحمد، والخليلي، مقارنته بمالك، فمالك أشد تنقية للرجال منه، مع كونه هو أيضا ينتقي رجاله، وإن لم يمكن الجمع فالترجيح بوجه من الوجوه، مثل كون أحد المختلفين أجَلَّ وأمكن في هذا العلم. وإن لم يمكن الترجيح، فهنا أصلان يعتمد عليهما، وكلاهما يقود إلى إعمال قول من يقول إن الراوي لا ينتقي شيوخه، أحدهما أن معه زيادة علم، فهو لا ينفي قول صاحبه، وإنما يزيد عليه، والثاني: ترك القولين جميعا، وافتراض أن الراوي لم يقل فيه أحد شيئا، وقد تقدم آنفا أن من هذا حاله فالأصل فيه أنه لا ينتقي، حتى يثبت ضده، والله

стр. 257

أعلم. الأمر الثالث: جاء عن شعبة أنه كان يقول: "لو حدثتكم عن ثقة ما حدثتكم عن ثلاثة" (١). وروى جرير بن عبد الحميد قال: "لما ورد شعبة البصرة قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، قال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كُهَيْل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور" (٢). وقال أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي: "وافقنا من شعبة طيب نفس، فقلنا له: حدثنا، ولا تحدثنا إلا عن ثقة، فقال: قوموا" (٣). وقد جاء معنى هذا عن يحيى بن سعيد القطان، قال ابن معين: "قال يحيى بن سعيد: لو لم أرو إلا عمن أرضى -أو كلمة نحوها- ما رويت إلا عن خمسة" (٤). وقال أيضا: "لو اتقى الله رجل لم يحدث إلا عن سفيان، وشعبة" (٥). فهذه النصوص تدل على أنهما -وهما أشهر من عرف عنهما انتقاء الشيوخ- يرويان عن الضعفاء، وأن شيوخهما من الثقات قليل عددهم. والجواب عن هذا سهل، ولولا أن بعض الأئمة أورد هذا لما

стр. 258

ذكرته (١)، إذ لا يخفى أن كلامهما ليس على إطلاقه، وأن مقصودهما بالثقة هنا: الثقة المطلق، وهم الذين في الذروة العليا من الثقة والضبط (٢)، ولا شك أن عددهم قليل بالنسبة لغيرهم ممن يشمله اسم الثقة. ومن هذا الباب قول عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل عن أبي خَلْدة أكان ثقة؟ : "كان صدوقا، كان مأمونا، كان خيارا، الثقة شعبة، وسفيان" (٣). وذكر عند أحمد بعض أصحاب الزهري، فقال: "ما فيهم إلا ثقة، -وجعل يقول-: أتدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان ... " (٤). وسأله المروذي عن عبد الوهاب بن عطاء الخفَّاف هل هو ثقة؟ فقال: "تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان" (٥). وقال أحمد وقد سئل عن زائدة بن قُدَامة، وزهير بن معاوية: "هؤلاء: سفيان، وشعبة، وزائدة، وزهير- هؤلاء الثقات" (٦). الأمر الرابع: عرف بالاستقراء أن بعض من وصفوا بانتقاء شيوخهم ربما رووا عن الضعفاء والمتروكين، إما بغرض الرواية

стр. 259

والتحديث عنهم، وإما لأغراض أخرى متنوعة، كأن يكون في المذاكرة، أو بقصد القدح فيه، والتعجب من روايته، وقد يكون لم يَخْبُره جيدا. فروى عبد الله بن عَوْن، عن أبي هارون عُمَارة بن جُوَين العَبْدي، وقد ضعفه النقاد، وكذبه بعضهم (١). وروى شعبة، عن داود بن يزيد الأَوْدي، وقد ضعفه الجمهور، وعجب من صنيعه سفيان الثوري، قال يحيى القطان: "قال سفيان الثوري: أبو بَسْطام -يعني شعبة- يحدث عن داود الأَوْدي- تعجبا منه-، وكان شعبة حمل عن داود قديما" (٢). وقال شعبة: "حدثنا داود بن فَرَاهِيْج بعد ما كبر وافتقر وافتتن" (٣)، وقال مرة: "حدثنا داود بن فراهيج -وكان ضعيفا-" (٤). وروى شعبة عن مُجَّاعة بن الزبير، وميمون أبي عبد الله مولى عبد الرحمن بن سمرة، وسيف بن وهب، وكان يتكلم فيهم (٥). وكان شعبة يحمل على أَبَان بن أبي عَيَّاش حملا شديدا -كما تقدم ذكره في أول مبحث (الأحكام النظرية على الرواة) في هذا الفصل-، وقد روى عنه حديثا، فلما قيل له في ذلك قال: "من يصبر على هذا

стр. 260

الحديث" (١)، وفي رواية: "لم أصب هذا الحديث إلا عنده" (٢). وقال وكيع لشعبة: لم تركت فلانا وفلانا ورويت عن جابر الجُعْفي؟ فقال: "روى أشياء لم نصبر عنها" (٣). وقال ابن معين ذاكرا بعض الضعفاء الذين روى شعبة عنهم: "روى شعبة عن جابر الجُعْفي، وعن الحسن بن عُمَارة، إلا أنه لا يسميه، يقول: عن رجل، عن الحكم، عن مجاهد، وروى عن قيس بن الربيع" (٤). وقال الآجُرِّي: "سمعت أبا داود يقول: حدث شعبة عن جماعة من الضعفاء، عن مسلم الأعور، والعَرْزَمي، وعمرو بن عبيد، وموسى بن عُبَيْدة، وجابر الجُعْفي، والحسن بن عُمَارة، وكان شعبة يقول: لا يحل لي أن أحدث عن الحسن بن عُمَارة، فقلت له: قد حدث عن ليث، فقال: ليث ليس هو مثل هؤلاء" (٥). وذكر أبو حاتم أن رواية شعبة، عن العَرْزَمي -وهو مجمع على تركه- كان على التعجب (٦). وروى شعبة أيضا عن الكلبي -وهو متهم بالكذب- حديثا

стр. 261

واحدا" (١). وروى مالك، عن عبد الكريم بن أبي المُخَارِق البصري شيئا يسيرا في ترغيب، وهو متروك الحديث، لم يعرفه مالك، ويقال إنه غَرَّه منه سَمْته (٢). وروى ابن المبارك، عن إسماعيل المكي مع أنه قد تركه، قال البخاري: "تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى، وابن مهدي" (٣)، وفي لفظ له: "تركه يحيى، وابن مهدي، وتركه ابن المبارك، وربما ذكره" (٤). وكان يحيى القطان قد ترك حديث شَرِيْك بن عبد الله، وربما ذكر عنه شيئا يسيرا على غير جهة الرواية، فحُمِل عنه، قال أحمد: "كان لا يرضاه، وما ذكر عنه إلا شيئا على المذاكرة، حديثين" (٥). وقال ابن المديني: "كان يحيى بن سعيد حمل عن شَرِيْك قديما، وكان لا يحدث عنه، وكان ربما ذكرها على التعجب، فكان بعضهم يحملها عنه" (٦). وقال ابن معين في يحيى بن سعيد أيضا: "كان يحيى بن سعيد

стр. 262

القطان لا يروي عن إسرائيل، ولا شَرِيْك، وكان يستضعف عاصما الأحول، وكان يروي عمن دون - مُجَالِد-" (١). وقال أبو داود: "قد حدث يحيى (يعني القطان) عن مشايخ ضعاف -على نقده للرجال-: أَجْلَح، ومُجَالِد، وجعفر بن ميمون صاحب الأنماط، وكان يحدث عن عمرو بن عبيد ثم تركه بأخرة، وحدث عن موسى الأَسْوَاري ثم تركه" (٢). وكان يحيى القطان يتكلم في مَطَر الورَّاق، وقد روى عنه اليسير بعد إلحاح، قال عمرو بن علي: "سألت يحيى عن حديث مَطَر، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: "لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية"-، فقال: حدثنا موسى بن سَيَّار، حدثنا الحسن .... ، فقلت: أريد حديث مَطَر، فحدثني به بعد سنة ... "، وذكر قصة أخرى مثلها في حديث آخر (٣). وقال البَرْذَعي: "قال ابن أبي شيبة: إذا رأيتني قد كتبت عن الرجل ولا أحدث عنه فلا تسأل عنه، وكان كتب عن الحكم (يعني ابن ظُهَيْر) ولم يحدث عنه، ثم قال: حدث عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، فجعل يعدد تلك المناكير: "إذا رأيتم معاوية"، وغيره، فأراد رجل أن يكتب حديثا مما ذكر، فقال له: الحكم، عن السُدِّي، عمن؟ قال: لا تكتب عني عن الحكم بن ظُهَيْر شيئا" (٤).

стр. 263

فابن أبي شيبة إنما أراد نقد هذا الرجل وأحاديثه، ومع هذا أراد أحد تلاميذه أن يكتب عنه على سبيل الرواية. وحدث أحمد، عن عامر بن صالح الزبيري، وعاتبه في ذلك يحيى ابن معين (١). وحدث أيضا عن أبي قتادة عبد الله بن واقد الحَرَّاني، وقد ضعفه الجمهور، وتركه بعضهم، وعاتبه أيضا أبو جعفر النُّفَيْلي، واعتذر له أبو زرعة، قال البَرْذَعي: "قال لي أبو زرعة: ذكرت لأبي جعفر النُّفَيْلي أن أحمد حدثنا عن أبي قتادة، فاغتم، وقال: قد كتبت إليه أن لا يحدث عنه، قال أبو زرعة: وإنما كان أحمد حدثنا عنه في المذاكرة ... " (٢). وروى أحمد أيضا عن علي بن مجاهد الرازي، وهو متروك الحديث (٣). وروى أيضا عن عبد العزيز بن أَبَان أبي خالد الكوفي، وهو متروك الحديث، رماه بعض الأئمة بوضع الحديث، لكن أحمد قد تركه، وإنما أخرج عنه على غير وجه الحديث، قال أحمد: "لم أخرج عنه في "المسند" شيئا، وقد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، منذ حدث بحديث (المواقيت) حديث سفيان، عن عَلْقَمة بن مَرْثد- تركته" (٤). وسئل أبو زرعة عن عثمان بن فَرْقَد، فقال: "ضعيف الحديث،

стр. 264

حدثنا عنه علي بن المديني وهو ضعيف ... " (١). وروى البخاري عن أَسِيْد بن زيد الجَمَّال حديثا واحدا قرنه فيه بغيره، وهو متروك الحديث، كذبه ابن معين، وقد قيل إن البخاري لم يعرفه كما ينبغي (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول: ما أعلم أني حدثت عن سَلْم بن سالم إلا -أظنه- مرة، قلت: كيف كان في الحديث؟ قال: لا يكتب حديثه، كان مرجئا، وكان لا -وأومأ بيده إلى فيه، يعني لا يصدق-" (٣). وقد روى أبو زرعة، وكذا أبو حاتم، عن جماعة من الرواة الضعفاء (٤). وفوق ذلك كله أنه قد نقل عن جماعة ممن وصفوا بانتقاء شيوخهم التسامح في الرواية عمن لم يشتد ضعفه من الرواة، وأنه لا بأس بالرواية عمن هو كثير الخطأ، إذا لم يكن هو الغالب عليه، وخاصة في أحاديث الرقاق (٥). وكأنه لهذه الأسباب مجتمعة قال الترمذي وهو يذكر رواية بعض

стр. 265

الأئمة عن الضعفاء: "فلا يغتر برواية الثقات عن الناس" (١). فإذا جئنا إلى ترك الرواية عن الراوي وجدنا بعضهم قد ترك حديث من هو ثقة، تضعيفا له، فقد كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عن همام بن يحيى البصري، وهو ثقة (٢). وقال ابن معين في محمد بن كَثِير البصري -وهو ثقة، وكان ابن معين يضعفه-: "لم يكن يستأهل أن يكتب عنه" (٣). وربما وقع ذلك ممن لا ينتقي شيوخه، كما قال ابن معين في عبيد الله بن عمر القَواريري: "القَواريري يحدث عن عشرين شيخا من الكذابين، ثم يقول: لا أحدث عن رَوْح بن عُبَادة" (٤). وفي أحيان كثيرة يُذكر في ترجمة الراوي أن فلانا لا يروي عنه، وليس ذلك من أجل ضعف حديثه عنده، فقد يكون لم يَتَّفِق له أن يأخذ عنه. كما روى علي بن المديني، قال: "سمعت يحيى -يعني القطان- يقول: كان زِبْرِقان -يعني السَّرَّاج- ثقة، قلت ليحيى: كان ثَبْتا؟ قال: كان صاحب حديث، قلت: إن سفيان كان لا يحدث عن الزِّبْرِقان، قال: لم يره، ثم قال يحيى: ليت كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة -يعني ثقة مثل الزِّبْرِقان-" (٥).

стр. 266

وكم من راو أمكنه السماع من آخر فلم يفعل، لأسباب مختلفة، غير ترك الأخذ عنه، فالأمر كما قال أبو داود بعد أن ذكر شيئا من هذا عن نفسه: "والحديث رِزْق" (١). وقد يكون ترك الرواية عنه لسبب خاص بينه وبينه، كما في قصة مالك مع سعد بن إبراهيم الزهري المدني. قال أحمد: "أي شيء يبالي سعد بن إبراهيم أن لا يحدث عنه مالك، ما أدري ما كان بلية مالك معه، حيث لم يرو عنه؟ زعموا أن سعدا كان وعظ مالكا -أي في تَنَسُّبه- فتركه" (٢). ووثقه أحمد، فقيل له إن مالكا لا يحدث عنه، فقال: "من يلتفت إلى هذا؟ سعد ثقة رجل صالح" (٣). وكذا قال آخرون في سبب عدم رواية مالك عنه (٤)، وأشار ابن المديني إلى سبب آخر، وهو أن سعدا لم يكن يحدث بالمدينة (٥)، -يعني ومالك لم يرحل عنها- فلم يسمع منه أصلا، فيعود ذلك إلى السبب الأول، وهو كونه لم يرزق الرواية عنه، ويؤيده أن مالكا روى بواسطة اثنين عنه (٦).

стр. 267

وربما ترك الأخذ عنه خوفا من أهل بلده، لسوء رأيهم فيه، كما قال أبو زرعة: "ما تركت الكتابة عن عبد المؤمن بن علي إلا خوفا من أهل البلد أن يشنعو علي بإتياني إياه" (١). وفي أحيان كثيرة يدع الراوي الأخذ عن شيخه في كبره، خوفا من نسيانه، واكتفاء بما أخذه عنه في حال قوته، أو لكونه استنزف شيخه لكثرة ما سمع منه، فلم يعد يسمع منه جديدا، وربما عبر عن هذا بالترك، وقد وقع هذا لعروة بن الزبير مع عائشة، قال أحمد: "حدثنا سفيان، قال: قال هشام بن عروة: قال أبي: لقد تركتها قبل أن تموت بكذا وكذا -قال سفيان: لقد تركتها قبل أن تموت بسنتين-، ما أسألها عن شيء- يعني عائشة-" (٢). ومثله قول ابن المديني: "كان عطاء (يعني ابن أبي رباح) اختلط بأخرة، فتركه ابن جريج، وقيس بن سعد" (٣)، قال الذهبي: "لم يعن الترك الاصطلاحي، بل عنى أنهما بطَّلا الكتابة عنه، وإلا فعطاء ثبت رضي" (٤). ويدل على ما قاله الذهبي، ما رواه سليمان بن حرب، عن بعض مشيخته قال: "رأيت قيس بن سعد قد ترك مجالسة عطاء، قال: فسألته عن ذلك، فقال: إنه نسي -أو تغير- فكدت أن أفسد سماعي منه" (٥).

стр. 268

ويقع مثل هذا كثيرا للرواة مع شيوخهم المختلطين (١). وقد يكون ترك الأخذ عن الراوي أو التحديث عنه من باب الزجر والتأديب، ثم قد يكون هذا الأمر يتعلق بالرواية، كالإصرار على الخطأ، فالراوي إذا أخطأ ثم نُبِّه وأصر على خطئه فإنه يترك، نقل هذا عن جماعة من الأئمة، منهم شعبة، وابن المبارك، والحميدي، وأحمد، والدارقطني (٢). وعزا ابن رجب ترك شعبة حديث عبد الملك بن أبي سليمان -وقد وثقه جماعة- لهذا السبب، وذلك في قصة حديث (الشفعة) المشهور، قال ابن رجب: "وإنما ترك شعبة حديثه لرواية حديث الشفعة؛ لأن شعبة من مذهبه أن من روى حديثا غلطا مجتمعا عليه، ولم يتهم نفسه فيتركه-ترك حديثه" (٣). وقد يكون الزجر والتأديب لأمر لا يتعلق بالرواية، كالدخول في عمل للسلطان، أو الإكثار من الفتوى بالرأي، قال أبو داود: "كان وكيع لا يحدث عن هُشَيْم، لأنه كان يخالط السلطان، ولا يحدث عن إبراهيم بن سعد، ولا ابن عُلَيَّة ... " (٤). وكان والد وكيع على بيت المال، فكان وكيع إذا حدث عن والده

стр. 269

قرنه بغيره، إلا في النادر، قال أبو داود: "كان أبوه على بيت المال، فكان إذا روى عنه قال: حدثنا أبي وسفيان، أبي وإسرائيل، وما أقل ما أفرده" (١). وذكر ابن حجر كلمة أبي خَيْثَمة زهير بن حرب في نهيه ابنه أن يكتب عن أبي مصعب المدني، ثم قال: "يحتمل أن يكون مراد أبي خَيْثَمة دخوله في القضاء، أو إكثاره من الفتوى بالرأي" (٢). وروى المروذي، قال: "قيل له (يعني لأحمد): : كتبت عن أحمد بن إسحاق الحضرمي؟ قال: لا، تركته على عمد، قيل له: أيش أنكرت عليه؟ قال: كان عندي -إن شاء الله- صدوقا، ولكن تركته من أجل ابن أَكْثَم، دخل له في شيء" (٣). وقال أحمد في عبد الله بن داود الخُرَيْبي: "رأيت ابن داود، ولم أكتب عنه، كان يحب الرأي" (٤)، وفي رواية أنه سمع منه حديثين ولم يكتبهما، ثم كتبهما من حفظه (٥). وأكثر ما يكون ذلك -أعني تركه للزجر والتأديب- بسبب تلبسه ببدعة، وخاصة الإجابة في محنة القول بخلق القرآن، أو التلفظ بلفظ موهم في وقتها، فقد كان لها أثر كبير في ترك بعض النقاد لثقات حفاظ، وأمر ذلك مشهور (٦).

стр. 270

وما تقدم كله أدى إلى خلط الأوراق، ومنع من القول بأن رواية بعض الرواة عن الراوي تقوية له، وتركهم الرواية عن الراوي تضعيف لحديثه. والجواب عما تقدم التسليم بما ذكر، فهي حقائق لا مراء فيها ولا جدال، لكنه لا يلغي أن الأصل أن رواية هؤلاء عن رجل تقوية له، وترك الرواية عنه تضعيف له، وإنما يقيدها، وبيان ذلك أن الواحد منهم إذا روى عن ضعيف أو متروك الحديث فهو على صفتين: الأولى: أن يكون مع روايته عنه يذهب إلى تقويته، وينقل عنه ذلك قولا، فهذا كثير جدا، وهو خارج عما نحن فيه، إذ هو لا يراه بحال من يتجنب حديثه ويترك، وإن كان يخالف غيره من النقاد في هذا الحكم. والناقد مجتهد، لا يقلد غيره وهو باستطاعته الاجتهاد، وقد يقوي بعض من يضعفه أو يتركه غيره من النقاد، وربما دافع عنه، فلا يتبين له فيه ما تبين لغيره، كما قال أحمد حين سئل عن رواية شعبة، عن موسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي، قال الجوزجاني: "قال أحمد: لا يحل الكتاب عنه، قلت: قد روى عنه سفيان، وشعبة يقول: حدثنا أبو عبد العزيز الرَّبَذي؟ فقال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه" (١). وقد قيلت هذه الكلمة في حق أحمد أيضا، فقد كان هو وابن معين يقويان محمد بن حُمَيْد الرازي، ويرويان عنه، ووافقهما على ذلك

стр. 271

آخرون، والجمهور على تضعيف حديثه واتهامه بسرقة الحديث، وذكر لأبي زرعة شيء من ثناء أحمد عليه، فقال: "نحن أعلم من أبي عبد الله ﵀ -يعني في إمساكه عن الرواية عنه-" (١). وقال أبو علي النيسابوري: "قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حُمَيْد، فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلا" (٢). ومن هذا الباب رواية شعبة، عن قيس بن الربيع، فإنه كان يثني عليه، ويوثقه، ويدافع عنه (٣). ورواية يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الرحمن بن عثمان البكراوي، قال علي بن المديني: "كان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه، وحدث عنه، وأنا لا أحدث عنه، وكان يحيى ربما كلمني فيه، يقول: إنكم لتحدثون عمن هو دونه" (٤). ورواية الشافعي، عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني، وتوثيقه له، والجمهور على أنه متروك الحديث، ورماه بعضهم بوضع الحديث (٥). ومثله رواية أحمد، عن أبي قتادة الحراني، وعن علي بن مجاهد الرازي، المتقدمة آنفا، فإنه كان يثني على أبي قتادة، ويدافع عنه (٦)،

стр. 272

وكذلك قوى علي بن مجاهد (١). وروى عن بَشَّار بن موسى الخفَّاف، والجمهور على تضعيفه، وكان أحمد يخالفهم، قال أبو داود فيه: "ضعيف، كان أحمد يكتب عنه، وكان فيه حسن الرأي، وأنا لا أحدث عن بَشَّار الخفَّاف" (٢). وقلَّ إمام من النقاد إلا وله شيء من هذا (٣)، وهو -كما تقدم- خارج عما نحن فيه، وهو يشبه ما إذا تكلم الناقد في الثقة، أو ترك حديثه، لا يخرج عن كونه اختلافا بين النقاد، يعامل على هذا الأساس. الثانية: أن لا ينقل عن الناقد شيء في حق من روى عنه، أو ينقل عنه تضيعفه، فهذا إن كان الراوي متروك الحديث فالذي يظهر أن رواية من عرف بالانتقاء محمولة على غير وجه القبول له والرضا به، فتحمل على أحد المحامل السابقة، غير قصد الرواية عنه، أو كون ذلك في أول الأمر، فإن بعض الأئمة قد رووا عن أناس، ثم تركوهم آخرا، هذا هو الأصل، نبقى معه حتى يتبين خلاف ذلك. ويمكن أن يحمل على أنه لم يَخْبُره جيدا، كما تقدم في رواية مالك، عن عبد الكريم بن أبي المُخَارِق، ورواية البخاري، عن أَسِيْد بن زيد، وحينئذٍ يلتحق بالحالة الأولى، ويكون صنيعه في مقابل قول من تكلم فيه، قال ابن حجر في كلامه على رواية البخاري، عن أَسِيْد بن

стр. 273

زيد: "لعله كان عنده ثقة، قاله أبو مسعود، ويحتمل ألا يكون خَبَر أمره كما ينبغي، وإنما سمع منه هذا الحديث الواحد" (١). وأما إن كان ضعفه قريبا محتملا ولم يترك حديثه، فهذا الأصل فيه أن روايته عنه قبول له وتقوية له، وهذا لا يعارض ما تقدم عن بعض الأئمة من توثيق من يروي عنه شعبة، أو القطان، أو سليمان بن حرب، أو غيرهم، وإنما يقيده، ويكون المقصود بالتوثيق هنا مطلقه، أي له حظ من الثقة بحيث لم يترك حديثه ويطرح، قال المعلمي بعد أن بين ما يقع من التسامح في التوثيق المشترك: "ونحو هذا قول المحدث: شيوخي كلهم ثقات، أو شيوخ فلان كلهم ثقات، فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق: هو ثقة، وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة ... " (٢). ومثل هذا يقال في تركهم الرواية عن الراوي، إن كان ثقة فينظر هل لمن ترك الرواية عنه قول في تضعيفه يوافق موقفه منه؟ فإن كان كذلك عمل به، وعد هذا قولا للناقد يخالف فيه غيره، فيوازن بين أقوالهم، إذ ليس المراد بالقول بأن ترك الرواية عن الراوي تضعيف له أن هذا هو الحكم النهائي، فهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد به أنه حكم من ذلك الناقد ينظر فيه مع حكم غيره إن وجد، كما في قصة عفان مع رَوْح بن عُبَادة، قال يعقوب بن شيبة: "كان عفان لا يرضى رَوْح بن عبادة، فحدثني محمد بن عمر قال: سمعت عفان يقول: هو عندي

стр. 274

أحسن حديثا من خالد بن الحارث، وأحسن حديثا من يزيد بن زُرَيْع -فلم تركناه؟ -يعني كأنه يطعن عليه-، فقال له أبو خَيْثَمة: هذا ليس بحجة، كل من تركته أنت ينبغي أن يترك؟ ... " (١). وإن لم يكن له قول في تضعيفه، أو كان يوثقه، حمل ترك الرواية عنه على معنى من المعاني المتقدمة غير التضعيف، ما لم يظهر ظهورا بينا خلاف ذلك. والقارئ في كتب الجرح والتعديل يرى حرصهم على التفريق بين من يكتب حديثه من الضعفاء، وبين من لا يكتب حديثه، وربما عبروا عن ذلك بقولهم: "فلان يعتبر به"، و"فلان لا يعتبر به"، فالأول ضعيف يكتب حديثه وينظر فيه هل وافقه غيره؟ وأما الثاني فيطرح ابتداء، وهو الذي يقولون فيه كثيرا: "متروك الحديث". وهذا الغرض من أهم أغراض الكتابة عمن فيه ضعف محتمل، قال إسحاق بن هانئ: "قيل له (يعني لأحمد): فهذه الفوائد التي فيها المناكير- ترى أن يُكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدا منكر، قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت -كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا-" (٢). فتلخص مما تقدم أن من عرف عنه انتقاء شيوخه فمن يرتضيه ويروي عنه فأقل أحواله أن يكون مرتفعا عمن يترك حديثه، فهو داخل عنده في حيز القبول، وتتفاوت مراتبهم بحسب حال كل شخص منهم، فقد يكون في أعلى درجات الثقة، وقد لا يتجاوز درجة من هو ضعيف

стр. 275

يكتب حديثه، وإذا ترك الواحد منهم الرواية عن شخص دلَّ ذلك على ضعفه الشديد عنده، وتتفاوت مراتبهم أيضا، ويضم ذلك كله إلى ما قيل في الراوي من جرح أو تعديل، سواء من ذلك الناقد أو من غيره. فإن لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل صريح، فترك ذلك الناقد الرواية عنه جرح له، ينزله عن درجة من يكتب حديثه، وروايته عنه تعديل له، والاحتياط أن يكون في أدنى درجاته، وهو أن الراوي ليس بساقط الرواية، فهو صالح للاعتبار، ويبقى النظر في حديثه، وما يحتف به من قرائن أخرى. روى عباس الدوري، عن يحيى بن معين قوله في عُمَيْر بن إسحاق: "لا يُساوي شيئا، ولكن يكتب حديثه"، ثم قال عباس: "يعني يحيى بقوله: إنه ليس بشيء يقول: إنه لا يعرف، ولكن ابن عَوْن روى عنه، فقلت ليحيى: ولا يُكتب حديثه؟ قال: بلى" (١). هذه هي القاعدة العامة في الحالتين، وأما القول بجعل رواية من عرف عنه انتقاء شيوخه توثيقا للراوي بمنزلة وصفه بأنه ثقة، ففيه بعد لا يخفى، ومما يدل على ذلك ويؤكده أن عبد الرحمن بن مهدي حين قال لتلميذه محمد بن المثنى إن أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد، ثم قال له محمد: "هم يقولون إنك تحدث عن كل أحد"، فطلب مثالا على ذلك، فسمى له محمد بن راشد المكحولي، فقال عبد الرحمن: "احفظ عني، الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك، ولو ترك حديث مثل هذا

стр. 276

لذهب حديث الناس، وآخر الغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه" (١). وأراني هنا ملزما باستثناء الإمام يحيى بن سعيد القطان من هذه القاعدة، فهذا الإمام الجبل له مذهب خاص فيمن يرتضيه ويروي عنه، وفيمن يتركه، مال فيه إلى الشدة، فمن روى عنه فهو أرفع حالا من كونه يكتب حديثه، ومن تركه فلا يدل على ضعفه الشديد عنده، إذ قد ترك الرواية عن أناس مع ثنائه عليهم وتعديله لهم، فلا يبعد القول بتوثيق من يروي عنه يحيى، وإن لم يوجد فيه غير روايته عنه، قال ابن المديني: "سمعت يحيى بن سعيد -وذكر عمر بن الوليد الشَّنِّي- فقال بيده يحركها -كأنه لا يقويه-، فاسترجعت أنا، فقال: مالك؟ قلت: إذا حركت يدك فقد أهلكته عندي، قال: ليس هو عندي ممن أعتمد عليه، ولكنه لا بأس به" (٢)، ولم يحدث عنه يحيى (٣). وذكر الترمذي جماعة ممن ترك القطان الرواية عنهم، وفيهم كلام من قبل حفظهم، ثم قال: "وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم، ذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث من حفظه مرة هكذا، ومرة هكذا، لا يثبت على رواية واحدة- تركه، وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي،

стр. 277

وغيرهم من الأئمة" (١). وقال علي بن المديني: "إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد" (٢). ويلتحق بيحيى القطان من نص الأئمة على مذهبهم في عدم التسامح، مثل جعفر بن محمد الطيالسي صاحب يحيى بن معين، قال فيه الخطيب: "كان ثقة ثبتا، صعب الأخذ، حسن الحفظ"، ثم أسند عن ابن الأعرابي قوله: "سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: لو أدركت أنت زيد بن الحُبَاب، وأبا أحمد الزبيري، لم تكتب عنهم -يعني في شدة أخذه عن الشيوخ-، قلنا لجعفر: لم؟ قال: إنما كانوا شيوخا" (٣). الحالة الثانية: رواية حديث الراوي بواسطة، وهذه أيضا يكون فيها انتقاء للرواة، فكما أن بعض الرواة يحدثون عن بعض الشيوخ الذين أدركوهم، ويدعون بعضهم، فكذلك الحال مع من لم يدركوهم، ينتقون من يروون له الحديث. ويعد هذا الصنيع منهم حكما على الراوي بالقبول أو الترك، نرى هذا بوضوح في تراجم الرواة، والعبارات المستخدمة في ذلك ربما تأتي صريحة في الرواية بواسطة، ولكنها في الأغلب الأعم تشتبه مع عباراتهم في الحالة الأولى، فيقولون مثلا: "حدث عنه فلان"، أو "كان

стр. 278

فلان يروي عنه"، أو "لم يرو عنه فلان"، أو "لم يكن فلان يحدث عنه"، ومرادهم بواسطة، وأما المتأخرون -كما نراه مثلا في عبارات المِزِّي في "تهذيب الكمال"- فيعبرون عن الرواية بواسطة بعبارة: "روى له" (١)، ويضطر محققو الكتب إلى التنبيه على ما يرد في كلام الأولين (٢). والاعتراضات التي تقدمت في الحالة الأولى يرد مثلها هنا، ويجاب عنها بمثل ما تقدم هناك، وكذلك تشدد بعض الأئمة في الانتقاء، وتسامح بعضهم موجود هنا أيضا. وسأكتفي -خشية الإطالة- بذكر بعض النصوص المتعلقة بهذه الحالة، فمن ذلك قول محمد بن المثنى: "ما سمعت يحيى يحدث عن سفيان، عن إبراهيم الهِجْري، وكان عبد الرحمن يحدث عن سفيان، عنه" (٣). وقال محمد بن المثنى أيضا: "ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن، حدثا عن سفيان، عن داود بن يزيد الأَوْدي شيئا قط" (٤). وقال عمرو بن علي: "كان يحيى، وعبد الرحمن، لا يحدثان عن داود بن يزيد الأَوْدي -وهو عم عبد الله بن إدريس-، وكان شعبة،

стр. 279

وسفيان، يحدثان عنه" (١)، ومراده في يحيى، وعبد الرحمن، أي بواسطة، كما تقدم آنفا في كلام محمد بن المثنى. ومثله قول ابن المديني: "أنا لا أروي عن داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْدي، وكان أبوه ثبتا" (٢). وقال عمرو بن علي في شَهْر بن حَوْشَب: "كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه" (٣)، ومراده بواسطة، فإنهما لم يدركاه. وكذا قال ابن المديني في شَهْر: "أنا أحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا عليه، يحيى، وعبد الرحمن -يعني على تركه-، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عن شَهْر" (٤). وقال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن شَهْر، فقال: لا بأس به، قلت: كان يحيى يحدث عنه؟ قال: لا أدري، ما أعلم سمعت منه عنه شيئا، قال أحمد: وقد روى شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن شَهْر، وأنا أحتمله وأروي عنه، من يصبر عن تيك الأحاديث التي عنده؟ " (٥). وقول أحمد في رواية شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن شَهْر- يشبه ما تقدم في كون الراوي قد يروي عن الشخص لا على سبيل الرواية،

стр. 280

فقد روى شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، قال: حدثني من سمع ابن عباس، قال: فقلت لمعاوية: من حدثك؟ قال: حدثني شَهْر بن حَوْشَب (١)، وشعبة قد لقي شَهْرا، ولكنه لم يعتد به، وكان يتكلم فيه (٢). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: صالح مولى التوأمة؟ قال: لقيه مالك -زعموا- بعد ما كبر، قلت لأحمد: هو مقارب الحديث، قال: أما أنا فأحتمله، وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع حجة فلا" (٣). وقال أيضا: "سمعت أحمد يحدث عن رَبَاح بن أبي معروف" (٤). وقال البخاري: "أسامة، وعبد الله، ابنا زيد بن أسلم لا بأس بهما، وذكرهما علي بن عبد الله بخير، وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فلا أروي عنه" (٥). وكذا قال أبو داود: "أنا لا أكتب حديث عبد الرحمن، وعبد الله أمثل منه، وأسامة ضعيف، قليل الحديث" (٦). في نصوص كثيرة جدا تدل على أن روايتهم للراوي شيئا من حديثه يدل على قبولهم له، إذا كان ذلك على سبيل الرواية، وأن تركهم له إن

стр. 281

كان من أجل حديثه فهو عندهم متروك الحديث، لا ينبغي أن يروى له. القسم الثاني: الانتقاء الخاص للرواة: والمقصود بهذا القسم أن جمعا من النقاد تصدى لتأليف كتاب بشرط خاص، ينتقي فيه الرواة -سواء كانوا من شيوخه، أو ممن يروي عنه بواسطة- انتقاء خاصا، يزيد على درجة الانتقاء العام الماضي في القسم الأول. ولأيضاح ذلك سأضرب مثلا مختصرا وهو الإمام البخاري في "صحيحه"، فالبخاري أحد من ينتقي الرواة الانتقاء العام، وقد عبر عن ذلك بقاعدة ذكرها، فقال في زَمْعَة بن صالح: "ذاهب الحديث، لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، أنا لا أروي عنه، وكل من كان مثل هذا فأنا لا أروي عنه" (١). لكن البخاري في "صحيحه" ينتقي الرواة انتقاء خاصا يزيد على ما ذكره في هذه القاعدة، ولهذا أعرض عن حديث جماعة من المتوسطين، كسِمَاك بن حرب، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن إسحاق، وربما أعرض عن حديث بعض الثقات الذين يخطئون أحيانا، كحماد بن سلمة. وهو في كتبه الأخرى مثل كتابه: "الأدب المفرد" يخرج لهؤلاء، بل يخرج لمن دونهم ممن لا يدخل تحت قاعدته السابقة، فلم يصل إلى حد الترك عنده، وشرح هذا يطول.

стр. 282

وهذه الكتب التي انتقى أصحابها أحاديثها عرفت بالكتب الصحاح، مثل "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"صحيح ابن خزيمة"، و"صحيح ابن حبان"، ويلتحق بها الكتب المستخرجة على "الصحيحين" أو أحدهما، مثل "مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم"، وربما أطلق عليه اسم الصحيح (١)، و"مستخرج الإسماعيلي على صحيح البخاري"، سمي بالصحيح أيضا (٢)، و"مستخرج البَرْقاني على الصحيحين". ويلتحق بها أيضا مثل كتاب "المنتقى" لابن الجارود، قال فيه الذهبي: "مجلد واحد في الأحكام، لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا، إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد" (٣). ولا يختلف اثنان من المنتسبين لهذا العلم على أن أعلى هذه الكتب، وأحسنها انتقاء: كتابا البخاري ومسلم، سواء من جهة الأحاديث المنتقاة، أو من جهة رواة هذه الأحاديث، وهو ما نحن بصدده الآن. ولهذا السبب اعتنى الأئمة برواتهما، وتتبعوهم واحدا واحدا، وفي ذلك مؤلفات عديدة، كما يذكرون في سياق تعديل الرواي أنه من رجال الشيخين، أو من رجال البخاري، أو من رجال مسلم، واشتهرت بينهم كلمة أبي الحسن المقدسي التي نقلها عنه ابن دقيق العيد، في حق من أخرج له في الصحيح، قال ابن دقيق العيد: "وكان شيخ شيوخنا

стр. 283

الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل يُخَرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة ظاهرة ... " (١). والباحث الآن يوصى بذلك أيضا، فيوضح في سياقه لترجمة الراوي -ولا سيما إن كان فيه جرح وتعديل- أنه قد أخرج له في الكتابين أو أحدهما، ويوصى كذلك بتتبع كيفية إخراجهما له، وهو أمر بالغ الأهمية، فإن بعض الرواة في "صحيح البخاري" إنما أخرج لهم البخاري تعليقا فقط، وهم الذين يعبر عنهم بعض الأئمة بأن البخاري أخرج لهم اعتبارا (٢)، وبعضهم يعبر عن ذلك بأن البخاري روى لهم استشهادا، أو يقولون: استشهد به البخاري (٣)، وربما بينوا ذلك، فيقولون: "استشهد به البخاري، ولم يرو له" (٤)، أو "استشهد به البخاري تعليقا" (٥)، وكأنهم فعلوا ذلك خوف الاشتباه بالتخريج للراوي موصولا في الشواهد أيضا، وربما التبس هذا على بعض الباحثين فلم يميز (٦). ثم الرواة الذين أخرجا لهم موصولا ليسوا على درجة واحدة،

стр. 284

فمنهم من أخرجا له في الأصول، أي أنهما اعتمدا عليه وحده، ولو في بعض حديثه، ومنهم من أخرجا له في المتابعات، والشواهد، أو مقرونا بغيره، بل ربما جرى ذكر بعض الرواة في أسانيد عند الشيخين ولم يقصدا التخريج لهم (١). فالراوي متى أخرجا له في الأصول فهو توثيق له عندهما، وإذا أخرج له واحد منهما فهو توثيق منه له كذلك، وعليه فكل من أخرجا له أو أحدهما بهذه الصفة فهو ثقة عند من أخرج له، فإن كان فيه توثيق صريح ضم إليه، وإن لم يكن فصنيعهما توثيق له، فليس فيمن أخرجا له أو أحدهما على هذا الوصف من هو مجهول الحال (٢)، ولا ريب أن ارتضاءهما للراوي قد يكون أقوى من توثيق مجرد منقول عن أحد النقاد. هذا هو الأصل، لا يخرج عنه إلا بدليل ظاهر قوي، وسأضرب لذلك مثالا واحدا، فقد أخرج البخاري ومسلم لعُتْبَة بن مسلم المدني، وقد روى عنه جماعة من أهل المدينة، ولم ينص أحد على توثيقه، وأخرج له البخاري حديث أبي هريرة في (الذباب إذا وقع في الإناء)، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي هريرة (٣)، وهذا الطريق أقوى طرق هذا الحديث، وما عداه فلا يسلم من كلام، فاعتماد البخاري عليه في هذا الحديث توثيق له بلا ريب.

стр. 285

وأما غير هذين الكتابين من الكتب التي تقدمت الإشارة إليها آنفا فإننا نجد في تراجم بعض الرواة الإشارة إلى أن ابن خزيمة يصحح له، أو ابن حبان، أو أبا عوانة، ولا شك أن هذا عمل سائغ، ولكن يبقى النظر في درجة انتقاء هؤلاء الأئمة لرواتهم المعروفين، ولا يخفى أنهم جميعا لا يدانون عمل البخاري ومسلم، وقد ذكر ابن حجر أن ابن خزيمة، وابن حبان، يحتجان بأحاديث أهل الطبقة الثانية الذين يخرج لهم مسلم أحاديث في المتابعات، كابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغير هؤلاء (١). وما قاله ابن حجر أمر ظاهر، ولهذا نص هو وغيره على أن كثيرا من أحاديث الكتابين هي في عداد الحسن، وأن هذا اصطلاح لهما يدرجانه في الصحيح (٢). فإذا ضم إلى ذلك جانب آخر -سيأتي الحديث عنه مفصلا- وهو جانب علل الأحاديث فإنني أقول إن منزلة الكتابين لا تعدو بحال "سنن أبي داود"، و"سنن النسائي"، بل إن الأخير فوقهما. ويضاف إلى ذلك أن ابن خزيمة قد شحن "صحيحه" بأحاديث لا يرى صحتها، ويذكرها للنقد، فيتنبه لذلك. وإذا كان هذا حال الكتابين -مع شهرتهما- فإن غيرهما من باب أولى، ولهذا فلا أجد غضاضة في القول بأن انتقاء الرواة فيما عدا
следующие страницы →