كان من أجل حديثه فهو عندهم متروك الحديث، لا ينبغي أن يروى له.
القسم الثاني: الانتقاء الخاص للرواة:
والمقصود بهذا القسم أن جمعا من النقاد تصدى لتأليف كتاب بشرط خاص، ينتقي فيه الرواة -سواء كانوا من شيوخه، أو ممن يروي عنه بواسطة- انتقاء خاصا، يزيد على درجة الانتقاء العام الماضي في القسم الأول.
ولأيضاح ذلك سأضرب مثلا مختصرا وهو الإمام البخاري في "صحيحه"، فالبخاري أحد من ينتقي الرواة الانتقاء العام، وقد عبر عن ذلك بقاعدة ذكرها، فقال في زَمْعَة بن صالح: "ذاهب الحديث، لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، أنا لا أروي عنه، وكل من كان مثل هذا فأنا لا أروي عنه" (١).
لكن البخاري في "صحيحه" ينتقي الرواة انتقاء خاصا يزيد على ما ذكره في هذه القاعدة، ولهذا أعرض عن حديث جماعة من المتوسطين، كسِمَاك بن حرب، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن إسحاق، وربما أعرض عن حديث بعض الثقات الذين يخطئون أحيانا، كحماد بن سلمة.
وهو في كتبه الأخرى مثل كتابه: "الأدب المفرد" يخرج لهؤلاء، بل يخرج لمن دونهم ممن لا يدخل تحت قاعدته السابقة، فلم يصل إلى حد الترك عنده، وشرح هذا يطول.
стр. 282
وهذه الكتب التي انتقى أصحابها أحاديثها عرفت بالكتب الصحاح، مثل "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"صحيح ابن خزيمة"، و"صحيح ابن حبان"، ويلتحق بها الكتب المستخرجة على "الصحيحين" أو أحدهما، مثل "مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم"، وربما أطلق عليه اسم الصحيح (١)، و"مستخرج الإسماعيلي على صحيح البخاري"، سمي بالصحيح أيضا (٢)، و"مستخرج البَرْقاني على الصحيحين".
ويلتحق بها أيضا مثل كتاب "المنتقى" لابن الجارود، قال فيه الذهبي: "مجلد واحد في الأحكام، لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا، إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد" (٣).
ولا يختلف اثنان من المنتسبين لهذا العلم على أن أعلى هذه الكتب، وأحسنها انتقاء: كتابا البخاري ومسلم، سواء من جهة الأحاديث المنتقاة، أو من جهة رواة هذه الأحاديث، وهو ما نحن بصدده الآن.
ولهذا السبب اعتنى الأئمة برواتهما، وتتبعوهم واحدا واحدا، وفي ذلك مؤلفات عديدة، كما يذكرون في سياق تعديل الرواي أنه من رجال الشيخين، أو من رجال البخاري، أو من رجال مسلم، واشتهرت بينهم كلمة أبي الحسن المقدسي التي نقلها عنه ابن دقيق العيد، في حق من أخرج له في الصحيح، قال ابن دقيق العيد: "وكان شيخ شيوخنا
стр. 283
الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل يُخَرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة ظاهرة ... " (١).
والباحث الآن يوصى بذلك أيضا، فيوضح في سياقه لترجمة الراوي -ولا سيما إن كان فيه جرح وتعديل- أنه قد أخرج له في الكتابين أو أحدهما، ويوصى كذلك بتتبع كيفية إخراجهما له، وهو أمر بالغ الأهمية، فإن بعض الرواة في "صحيح البخاري" إنما أخرج لهم البخاري تعليقا فقط، وهم الذين يعبر عنهم بعض الأئمة بأن البخاري أخرج لهم اعتبارا (٢)، وبعضهم يعبر عن ذلك بأن البخاري روى لهم استشهادا، أو يقولون: استشهد به البخاري (٣)، وربما بينوا ذلك، فيقولون: "استشهد به البخاري، ولم يرو له" (٤)، أو "استشهد به البخاري تعليقا" (٥)، وكأنهم فعلوا ذلك خوف الاشتباه بالتخريج للراوي موصولا في الشواهد أيضا، وربما التبس هذا على بعض الباحثين فلم يميز (٦).
ثم الرواة الذين أخرجا لهم موصولا ليسوا على درجة واحدة،
стр. 284
فمنهم من أخرجا له في الأصول، أي أنهما اعتمدا عليه وحده، ولو في بعض حديثه، ومنهم من أخرجا له في المتابعات، والشواهد، أو مقرونا بغيره، بل ربما جرى ذكر بعض الرواة في أسانيد عند الشيخين ولم يقصدا التخريج لهم (١).
فالراوي متى أخرجا له في الأصول فهو توثيق له عندهما، وإذا أخرج له واحد منهما فهو توثيق منه له كذلك، وعليه فكل من أخرجا له أو أحدهما بهذه الصفة فهو ثقة عند من أخرج له، فإن كان فيه توثيق صريح ضم إليه، وإن لم يكن فصنيعهما توثيق له، فليس فيمن أخرجا له أو أحدهما على هذا الوصف من هو مجهول الحال (٢)، ولا ريب أن ارتضاءهما للراوي قد يكون أقوى من توثيق مجرد منقول عن أحد النقاد.
هذا هو الأصل، لا يخرج عنه إلا بدليل ظاهر قوي، وسأضرب لذلك مثالا واحدا، فقد أخرج البخاري ومسلم لعُتْبَة بن مسلم المدني، وقد روى عنه جماعة من أهل المدينة، ولم ينص أحد على توثيقه، وأخرج له البخاري حديث أبي هريرة في (الذباب إذا وقع في الإناء)، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي هريرة (٣)، وهذا الطريق أقوى طرق هذا الحديث، وما عداه فلا يسلم من كلام، فاعتماد البخاري عليه في هذا الحديث توثيق له بلا ريب.
стр. 285
وأما غير هذين الكتابين من الكتب التي تقدمت الإشارة إليها آنفا فإننا نجد في تراجم بعض الرواة الإشارة إلى أن ابن خزيمة يصحح له، أو ابن حبان، أو أبا عوانة، ولا شك أن هذا عمل سائغ، ولكن يبقى النظر في درجة انتقاء هؤلاء الأئمة لرواتهم المعروفين، ولا يخفى أنهم جميعا لا يدانون عمل البخاري ومسلم، وقد ذكر ابن حجر أن ابن خزيمة، وابن حبان، يحتجان بأحاديث أهل الطبقة الثانية الذين يخرج لهم مسلم أحاديث في المتابعات، كابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغير هؤلاء (١).
وما قاله ابن حجر أمر ظاهر، ولهذا نص هو وغيره على أن كثيرا من أحاديث الكتابين هي في عداد الحسن، وأن هذا اصطلاح لهما يدرجانه في الصحيح (٢).
فإذا ضم إلى ذلك جانب آخر -سيأتي الحديث عنه مفصلا- وهو جانب علل الأحاديث فإنني أقول إن منزلة الكتابين لا تعدو بحال "سنن أبي داود"، و"سنن النسائي"، بل إن الأخير فوقهما.
ويضاف إلى ذلك أن ابن خزيمة قد شحن "صحيحه" بأحاديث لا يرى صحتها، ويذكرها للنقد، فيتنبه لذلك.
وإذا كان هذا حال الكتابين -مع شهرتهما- فإن غيرهما من باب أولى، ولهذا فلا أجد غضاضة في القول بأن انتقاء الرواة فيما عدا
стр. 286
"الصحيحين" غايته أن يندرج تحت الانتقاء العام الماضي في القسم الأول، والله أعلم.
ولابد من كلمة هنا عن "مستدرك الحاكم"، فلم يتقدم له ذكر، مع أنهم يوردونه في الكتب التي يؤخذ منها الحديث الصحيح مما ليس في "الصحيحين"، فإن غرضه من كتابه الاستدراك عليهما، غير أن الحاكم قصر جدا في تطبيق شروطهما، فملأ كتابه بالأحاديث الضعيفة، وكثر فيه أيضا ما هو في عداد الأحاديث الموضوعة، فإذا أخرج لراو لم ينفعه ذلك شيئا، والله أعلم.
стр. 287
المبحث الثالث: مراتب أحكام النقاد على الرواة
عرفت هذه المراتب بـ "مراتب الجرح والتعديل"، أو "مراتب ألفاظ الجرح والتعديل"، على اعتبار أن أحكام النقاد اللفظية هي التي يسهل تصنيفها ووضع مراتب لها، ويلحق بها ما هو من أحكامهم العملية.
كما اشتهر أيضا أن ابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٨ هـ هو أول من ذكر مراتب للجرح والتعديل (١)، وهو كلام حق من جهة أن ابن أبي حاتم ذكرها مجتمعة مرتبة، ولكن إذا عرفنا أن هذه المراتب خلاصة موضوع الجرح والتعديل كله، إذ هي تقسيم للرواة بحسب أحكام النقاد عليهم، ثم الموقف من أصحاب كل مرتبة قبولا لحديثه أو ردا، ودرجة هذا القبول والرد، وعرفنا أن أحكام النقاد على أحاديث هؤلاء الرواة بناء على مرابتهم متقدمة على عصر ابن أبي حاتم بكثير- أدركنا بسهولة أن هذه المراتب كانت موجودة في عصر النقاد الأوائل، أما تطبيقا وعملا فلا إشكال في ذلك، وأما من أقوالهم وعباراتهم فإن المتأمل فيما نقل عنهم، الجامع بين أطراف كلامهم، سيجد أصل هذا التقسيم لمراتب الرواة موجودا في كلام النقاد الأولين.
فالناظر في العبارات نفسها يجدها متفاوتة، سواء في الجرح أو في التعديل، إما من جهة دلالتها اللغوية، أو من جهة تكرارها وعدمه، أو من قرائن أخرى تحيط بعبارة الناقد.
ثم إننا نجد في كلام النقاد عبارات في التقسيم نفسه، فقد تقدم في
стр. 288
المبحث الذي قبل هذا قول شعبة: "لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم إلا عن ثلاثة"، وأن مراده بذلك من هم في الذروة من الثقة والضبط، وتقدم كذلك عن غيره من الأئمة ما يوضح كلامه، فالرواة الثقات إذن على مراتب.
وقد استدل ابن أبي حاتم على وضع مراتب لألفاظ الجرح والتعديل بما تقدم عن عبد الرحمن بن مهدي وقد قيل له: أبو خلدة ثقة؟ فقال: "كان صدوقا، وكان مأمونا، الثقة: سفيان وشعبة"، قال ابن أبي حاتم: "فقد أخبر أن الناقلة للآثار والمقبولين على منازل، وأن أهل المنزلة الأعلى: الثقات، وأن أهل المنزلة الثانية: أهل الصدق" (١).
وتقدم أيضا في المبحث الثالث من الفصل الأول كلام كثير للنقاد حول المقارنة بين بعض الرواة، الثقات منهم والضعفاء، وهو يدل أيضا على أنهم على مراتب متفاوتة.
وفي موضوع انتقاء بعضهم لشيوخهم ولمن يروون له تبين أن من الرواة من هو متروك الحديث لا يكتب حديثه، أو لا يُحَدَّث عنه، وأن منهم من يكتب حديثه ويُحَدَّث عنه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث السابق، فهذا أيضا تقسيم إجمالي للرواة المتكلم فيهم.
وأول من وقفت على كلام له في تصنيف الرواة على مراتب عبد الرحمن بن مهدي، قال محمد بن المثنى: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: "احفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف
стр. 289
فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر الغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه". (١)
وبنحو تصنيف ابن مهدي لمراتب الرواة وأحكام هذه المراتب صنفهم أيضا مسلم بن الحجاج، والترمذي.
فأما مسلم ففي مقدمة "صحيحه"، فذكر لهم ثلاث مراتب، الأولى للثقات الذين لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، والثانية لمن دون أولئك ممن يشملهم اسم الستر والصدق، ولم يوصفوا بالحفظ والإتقان، والثالثة لقوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وشرح هذه المراتب، وضرب أمثلة لها من الرواة، مقارنا بينهم (٢).
وأما الترمذي ففي "العلل الصغير"، وأفاض في الحديث عن هذه المراتب، وعن أحكام أصحابها، وذكر في المرتبة الثانية خلافا بين أهل العلم في الرواية عنهم، فعن يحيى بن سعيد القطان أنه ترك الرواية عنهم، وعن الجمهور خلافه، وأشار في نهاية كلامه إلى أن ما ذكره هو كلام مجمل يمكن تفصيله، فقال: "والكلام في هذا والرواية عن أهل العلم تكثر، وإنما بينا منه شيئا على الاختصار، ليستدل به على منازل أهل العلم، وتفاضل بعضهم على بعض في الحفظ والإتقان، ومن تكلم فيه من أهل العلم لأي شيء تكلم فيه" (٣).
стр. 290
وفي رأيي أن ما ذكره ابن مهدي، ومسلم، والترمذي، هو الأساس الأول لوضع مراتب للرواة، وإعطاء كل مرتبة حكمها اللائق بها، وأن من جاء بعدهم إنما اشتغل بتفصيل المراتب الثلاث.
وممن فعل ذلك ابن أبي حاتم، في كتابه "الجرح والتعديل"، فقد صنفهم بطريقتين، الأولى مراتب للرواة عامة، قريبة جدا من كلام ابن مهدي ومن معه، وقد فعل ابن أبي حاتم ذلك مرتين، باختلاف يسير، قال ابن أبي حاتم: "فمنهم الثبت، الحافظ، الورع، المتقن، الجهبذ الناقد للحديث، فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه، وكلامه في الرجال.
ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه المتقن فيه، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.
ومنهم الصدوق، الورع، الثبت، الذي يهم أحيانا، وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه.
ومنهم الصدوق، الورع، المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد، والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.
وخامس قد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم، ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم: الكذبُ، فهذا يترك حديثه، وتطرح روايته" (١).
стр. 291
فزاد ابن أبي حاتم على من سبقه المرتبة الأولى، وهي مرتبة النقاد، ويظهر أن ابن أبي حاتم إنما ذكرها ليبين منزلتهم في النقد، وقبول كلامهم في الرجال، وفي الأحاديث، وأما من جهة الرواية والتقديم فيها فقد جعلهم بمنزلة المرتبة الثانية.
وكذلك فَصَّل ابن أبي حاتم في المرتبة الثالثة عند من سبقه، فجعلها مرتبتين هما الرابعة والخامسة، لأنه أراد أن يبين أن هناك فرقا دقيقا بين من الغالب على حديثه الوهم والغلط، لكنه عن غفلة وسوء حفظ، وبين الكذاب، أو المتهم بالكذب، والفارق بينهما -حسب ما ذكره- أن الأول يجوز أن يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد، والآداب، ولعله أراد ما لم يصل إلى حد أن يحكم عليه بأنه متروك الحديث، فسيأتي قريبا في كلامه أن متروك الحديث لا يكتب حديثه مطلقا.
هذا بالنسبة لمراتب الرواة عند ابن أبي حاتم، ثم إنه خطا خطوة مهمة جدا لابد منها للاستفادة من مراتب الرواة السابقة وتطبيق أحكامها -وفي كلام الأئمة الذين ألفوا في المصطلح ما يشير إلى أنه غير مسبوق بهذه الخطوة (١) - وهي وضع مراتب لألفاظ الأئمة في أحكامهم على الرواة، فبها يعرف أين يوضع الراوي في مراتب الرواة، ويأخذ حكمه اللائق به.
وابن أبي حاتم كان أكثر تفصيلا في مراتب ألفاظ الجرح والتعديل، فقد جعل لكل واحد منهما أربع مراتب، قال ابن أبي حاتم: "وجدت
стр. 292
الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى، فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه.
وإذا قيل له: إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.
وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية.
وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا.
وإذا قالوا: ليس بقوي، فهو بمنزلة الأولى في كتب حديثه، إلا أنه دونه.
وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني، لا يطرح حديثه، بل يعتبر به.
وإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة" (١).
ثم تتابع الأئمة بعد ابن أبي حاتم على تتميم عمله، تفصيلا، ومراجعة، وشرحا، وممن قام بذلك: ابن الصلاح، والذهبي،
стр. 293
والعراقي، والسخاوي (١).
فاتفق الثلاثة الأخيرون على تفصيل المراتب التي ذكرها ابن أبي حاتم، فالمرتبة الأولى من مراتب التعديل جعلها الذهبي، والعراقي -تبعا له-، مرتبتين، وجعلها السخاوي أربع مراتب، واتفق الثلاثة على ضم المرتبتين الأخيرتين من مراتب التعديل في مرتبة واحدة، فقولهم: شيخ، جعلوها كقولهم: صالح الحديث، ونقلوا إلى هذه المرتبة أيضا قولهم: محله الصدق، وابن أبي حاتم جعلها مع قولهم: صدوق، ولا بأس به، فتحصل أن مراتب التعديل عند الذهبي، والعراقي، بقيت كما هي في العدة: أربع مراتب، وعند السخاوي صارت ست مراتب.
وأما مراتب الجرح فكان تفصيلهم في المرتبة الأخيرة عند ابن أبي حاتم، فجعلها الذهبي، والعراقي-تبعا له- ثلاث مراتب، وجعلها السخاوي -وقد نَقَل هذا أيضا عن الذهبي- أربع مراتب، واتفق الثلاثة على ضم المرتبتين: الثانية والثالثة عند ابن أبي حاتم في مرتبة واحدة، هي الثانية عندهم، فجعلوا قولهم: ضعيف الحديث في المرتبة الثانية أيضا؛ فصارت مراتب الجرح عند الذهبي، والعراقي: خمس مراتب، وعند السخاوي -وقد نَقَله عن الذهبي أيضا- ست مراتب (٢).
стр. 294
فتحصل مما تقدم أن مراتب الجرح والتعديل مجتمعة عند الذهبي تسع مراتب، أو عشر مراتب، وعند العراقي تسع مراتب، وعند السخاوي اثنتا عشرة مرتبة.
وبالإضافة إلى ما تقدم فقد زاد هؤلاء الأئمة -ابتداء من ابن الصلاح- كثيرا من ألفاظ الجرح والتعديل مما لم يذكره ابن أبي حاتم، وألحقوها بالمراتب اللائقة بها، فعلوا ذلك من غير استقصاء، مع تمنيهم لذلك، كما قال السخاوي: "من نظر في كتب الرجال .... ظفر بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها، ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها، مع شرح معانيها لغة واصطلاحا- لكان حسنًا، وقد كان شيخنا (يعني ابن حجر) يلهج بذكر ذلك، فما تيسر، والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم، في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك" (١).
وما أشار إليه السخاوي حق، فما ذكروه من ألفاظ الجرح والتعديل هو الذي يتكرر على ألسنة النقاد، وما لم يذكروه -وهو كثير جدا- أكثره من عباراتهم القليلة الاستعمال، ومما هو حكاية عن أقوالهم من قبل تلاميذهم أو من بعدهم، وهذه يمكن إلحاقها بالمرتبة اللائقة بها حين يقوم الباحث بدراسة راو معين، بمساعدة قرائن الأحوال، كأقوال الإمام الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين، ونحو ذلك.
وقد تصدى لجمع ألفاظ الجرح والتعديل وإلحاق ما لم يذكروه بمرتبته الشيخ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل من المعاصرين في
стр. 295
كتابه: "شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل"، بذل فيه جهدا مشكورا.
ومما يلاحظ في صنيع الأئمة الذين نظروا في كلام ابن أبي حاتم أنهم وإن خالفه أكثرهم في تفصيل بعض مراتبه، وضم مراتب أخرى، إلا أنهم كلهم وافقوه في الأمر المهم هنا، وهو أحكام مراتب الجرح والتعديل، فالمرتبة الأولى من مراتب التعديل، وهي التي فصلها الذهبي والعراقي إلى مرتبتين، وفصلها السخاوي إلى أربع مراتب- بقي حكم أهلها، وأنهم يحتج بهم، غاية ما فعلوه إذن أنهم جعلوا الثقات على مراتب، دفعهم لذلك الحاجة إلى الموازنة بين الثقات حين الاختلاف، -كما سيأتي في الباب الثالث-، وابن أبي حاتم نظر إلى اتفاقهم في الحكم، وهو الاحتجاج بحديثهم كلهم.
والمراتب الثلاث الأخيرة من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم جعلها الذهبي، والعراقي، والسخاوي، مرتبتين فقط، وكذا الثلاث الأولى من مراتب الجرح، جعلوها مرتبتين فقط، واتفقوا معه على أن أصحاب هذه المراتب مع تفاوتهم لا يحتج بحديثهم ابتداء، وإنما يكتب وينظر فيه.
والمرتبة الأخيرة من مراتب الجرح عند ابن أبي حاتم جعلها الذهبي، والعراقي، ثلاث مراتب، وجعلها السخاوي -ونقله أيضا عن الذهبي- أربع مراتب، وقصدوا بذلك أن أصحاب هذه المرتبة عند ابن أبي حاتم ليسوا على صفة واحدة، فمنهم من عرف واشتهر بوضع الحديث، ومنهم من رمي به، ومنهم من اتهم بذلك، ومنهم من ألحق بهؤلاء وإن كان يرتكب ما يرتكب عن غير عمد، وإنما يقع منه بسبب
стр. 296
غفلته، مع اتفاق هؤلاء الأئمة مع ابن أبي حاتم في الحكم، وهو أن حديث هؤلاء كلهم متروك، لا يكتب، ولا يعتبر به، ولا يلتفت إليه.
ويبقى هنا قضيتان لابد من التعرض لهما، إحداهما: أن ابن الصلاح شرح قول ابن أبي حاتم في المرتبة الثانية من مراتب التعديل: "إذا قيل إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه"، بقوله: "هذا كما قال، لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويختبر، حتى يعرف ضبطه، وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع، وإن لم نستوف النظر المعرف لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطا مطلقا، واحتجنا إلى حديث من حديثه- اعتبرنا ذلك الحديث، ونظرنا هل له أصل من رواية غيره ... " (١).
وكأن ابن الصلاح أراد أن يفرق بين كتابة حديث الراوي والنظر فيه الذي ذكره ابن أبي حاتم في هذه المرتبة، وفي التي تليها أيضا، وبين كتابة حديثه اعتبارا الذي ذكره ابن أبي حاتم في المرتبة الرابعة من مراتب التعديل، وفي المراتب الثلاث الأولى من مراتب الجرح.
وقد نقل كلام ابن الصلاح جماعة ممن جاء بعده، ولم يعترضوه بشيء (٢)، وهو مشكل، إذ مؤداه أن الناقد إذا قال في الراوي: صدوق، أو ليس به بأس، أو محله الصدق، أو صالح الحديث-فهو لم يستوف النظر في حديثه لسبب ما، وترك ذلك لمن جاء بعده، وهذا بعيد جدا من مراد ابن أبي حاتم لمن تأمله، فغرضه ذكر مراتب ألفاظ الجرح والتعديل، وحكم أصحابها، بعد استيفاء النقاد للنظر في الراوي،
стр. 297
وإطلاقهم تلك الألفاظ، فالناقد إذا قال: فلان صدوق، أو ليس به بأس، أو محله الصدق، أو صالح الحديث- قد استوفى النظر ولابد، وابن أبي حاتم يبين ما هو الموقف من حديث هؤلاء الذين صدرت في حقهم تلك الألفاظ من قبل النقاد، كما هو الحال بالنسبة لأصحاب المراتب الأخرى، ولا فرق.
وحينئذ ما الفرق بين كتابة حديث الراوي والنظر فيه، وبين كتابة حديثه اعتبارا؟ إن قلنا إنه مجرد اختلاف عبارة، فالجميع لا يحتج بهم إذا انفردوا، وحديثهم جميعا يكتب وينظر فيه للاعتبار والاعتضاد -مع تفاوتهم-، فالأمر لا يحتاج إلى تفريق، ولكن يظهر لي أن ابن أبي حاتم قصد التفريق بينهما، فمن يكتب حديثه وينظر فيه قد يحتج به لوحده بقرائن تحتف بحديثه وروايته المعينة، فيلتحق في ذلك الحديث وتلك الرواية بأدنى أصحاب المرتبة الأولى وهم الثقات، فيصحح حديثه، ويحتج به، وإن كان هو في الجملة دونهم، وأما من يكتب حديثه اعتبارا فلا يحتج به لوحده مطلقا، وإنما قد يعضد حديث غيره، أو يعضده حديث غيره، مع اشتراك الجميع -من يكتب حديثه وينظر فيه، ومن يكتب حديثه اعتبارا- في أن حديثهم ابتداء لا يحكم له بحكم معين، قبل استيفاء النظر في رواية غيرهم.
القضية الثانية: يطلق بعض الأئمة وكثير من الباحثين أوصافا محددة على الأسانيد التي يوجد بها من هو في المراتب الثلاث الأخيرة من مراتب التعديل، والثلاث الأولى من مراتب التجريح عند ابن أبي حاتم، وما يعادلها عند من جاء بعده وتصرف في مراتبه، فإذا وجد في الإسناد من هو من أصحاب المرتبة الثانية أو الثالثة من مراتب التعديل
стр. 298
وصفوه بأنه إسناد حسن، أو جيد، أو لا بأس به، أو قوي، ونحو ذلك، على اختلاف بينهم في التشدد والتسامح، فمنهم من يقصر هذه الأوصاف على المرتبة الثانية فقط.
وإذا وجد فيه من هو من أصحاب المرتبة الرابعة من مراتب التعديل، وكذا الأولى والثانية من مراتب التجريح وصفوا الإسناد بأنه إسناد فيه لين، أو فيه ضعف، أو ليس بالقوي، ونحو ذلك، وإن وجد فيه من هو من أصحاب المرتبة الثالثة من مراتب التجريح وصفوا الإسناد بأنه ضعيف، على اختلاف بينهم أيضا في التشدد والتسامح، فمنهم من يصفه بأنه ضعيف في المراتب الأربع كلها.
وكلام ابن أبي حاتم الذي يحكي فيه صنيع الأئمة يدل على أن أصحاب هذه المراتب كلها لا يحكم لهم بحكم معين حتى ينظر في حديثهم، وما يحتف به من قرائن، ومن أهمها وجود طرق أخرى أو عدمه، وإذا وجدت فما أثرها على الإسناد؟ .
وقد يقول قائل: لكنهم يفعلون هذا أيضا في أصحاب المرتبة الأولى من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم التي فصلها من جاء بعده، يبحثون عن أسانيد أخرى، ثم إن وجدوها نظروا في أثرها عليه.
والجواب أن هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن هؤلاء غالب رواياتهم صحيحة، ولهذا وصفوا بأنهم ثقات، وأما أصحاب المراتب بعدهم فإنما نزلوا عن درجة الثقة لما في رواياتهم من أخطاء، وكثرة التفرد عندهم، فلهذا فرق ابن أبي حاتم بين أصحاب المرتبة الأولى، وبين أصحاب المراتب بعدها، ثم فرق بين أصحاب المرتبتين الثانية والثالثة من مراتب التعديل، وبين أصحاب المرتبة الرابعة من مراتب
стр. 299
التعديل، والثلاث الأولى من مراتب التجريح، كما تقدم شرحه آنفا، وإن كان الكل -بلا استثناء- لا يحكم لإسناد هو فيه إلا بعد النظر في الطرق الأخرى.
وسيأتي لهذا الموضوع زيادة بيان في بحث مستقل في آخر الباب الثاني (الاتصال والانقطاع)، وإنما أشرت إليه هنا لارتباطه الوثيق بمراتب الجرح والتعديل.
والخلاصة أن ابن أبي حاتم قد قدم خدمة جليلة للمشتغل بنقد السنة بوضعه مراتب لألفاظ النقاد في الجرح والتعديل، وبيانه لأحكام أصحاب تلك المراتب، وتمم عمله من جاء بعده من المشتغلين بالنظر في قواعد أولئك النقاد، إما بزيادة تفصيل للمراتب التي ذكرها، أو بضم بعضها إلى بعض، أو بزيادة ألفاظ في كل مرتبة.
ولا شك أن هذا قد سهل جدا من ممارسة نقد السنة على أهل الاختصاص، سواء في نقد الأسانيد مفردة، أو في المقارنة بينها، غير أنه من جهة أخرى أدى إلى وضع لم يقصده هؤلاء، ولا يُسألون عنه، ذلك هو اعتقاد كثير من المتصدين لنقد السنة أن الأمر سهل جدا، فما هو إلا النظر في رواة الإسناد، ثم الحكم عليه، ولست أعني هنا إهمالهم النظر في الشروط الأخرى لصعوبة البحث فيها، فهذا شأن آخر سيأتي الكلام عليه في الموضع الذي أشرت إليه آنفا، وإنما أعني هنا ضعف نظرهم في مرتبة الراوي، والباحث المتأخر بعد عصر النقد ليس المطلوب منه أن يحكم على الراوي بنفسه، فهذا أمر لا يستطيعه في غالب الأحوال، والمطلوب منه فقط النظر في كلام أئمة النقد، وموقفهم من حديث الراوي، ثم وضع الراوي في مرتبته اللائقة به،
стр. 300
ومع هذا فليس الأمر بالهين، فالنقاد كثيرون، وليسوا بمنزلة واحدة، ثم المنقول عنهم في غالب الرواة كثير أيضا، وبعضه مما لم يذكره الأئمة الذين وضعوا مراتب لألفاظ الجرح والتعديل في تلك المراتب، لقلة تداوله أو لسبب آخر، فيحتاج وضعه في مرتبته إلى البحث في القرائن، وقد يتعارض المنقول عن النقاد في الراوي، وهذا كثير أيضا، بل قد يتعارض المنقول عن الناقد الواحد، وقد تختلف حال الراوي الواحد، إما بالنسبة للوقت، أو للبلد، أو للشيوخ.
فإذا ضممنا إلى ذلك أحكامهم العملية التطبيقية على الرواة- أدركنا أن وضع الراوي في مرتبته اللائقة به يحتاج إلى ما يمكن أن نسميه (فقه الجرح والتعديل)، وأعني به ضروروة الأخذ بعين الاعتبار النظرة الشمولية لما يحكم هذا الأمر من ضوابط، وهي موضع الحديث في الفصل التالي.
стр. 301
الفصل الثالث: ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: ثبوت النص
المبحث الثاني: سلامة النص
المبحث الثالث: قائل النص
المبحث الرابع: دلالة النص
стр. 302
تمهيد:
قبل سرد هذه الضوابط وشرحها لابد من التنبيه على أربعة أمور:
١ - تعلق هذه الضوابط بجميع مباحث الجرح والتعديل، وعليه فلا مناص من الإحالة إلى مواضع كثيرة مما مضى البحث فيه في هذا الباب، تجنبا للتكرار والإطالة.
٢ - حاجة الباحث إلى تطبيق هذه الضوابط هي في عموم دراسته لنقد السنة، فلا يلزم أن يحتاج إليها كلها في كل راو ينظر فيه، ثم بعضها قد يمر بالباحث وقت طويل وتراجم كثيرة دون أن يحتاج إليه، ولكن لا بديل عن ذكرها وشرحها، إذ قد تكون عاملا مؤثرا في تصحيح حديث أو تضعيفه، يضاف إلى ذلك غرض آخر أقصده وهو تنبيه الباحث إلى ضرورة التدقيق في المعلومات التي يقف عليها، ولا سيما ما يحتاج منها إلى الموازنة والمقارنة.
٣ - ومن غير الخفي أننا إذا قلنا بضرورة إدراك هذه الضوابط وتطبيقها تطبيقا جيدا- فإن هذا الأمر يتأكد جدا حين يقع اختلاف في الراوي الواحد، سواء كان هذا من إمام واحد اختلف النقل عنه، أو من أئمة متعددين، وسواء كان هذا في حال الراوي مطلقا، أو في حاله مقيدا بشيء معين، كبعض الشيوخ، أو بعض البلدان، أو في وقت دون وقت، ونحو ذلك، أو في حاله مقارنا بغيره من الرواة، فكل هذا وغيره قد وقع فيه اختلاف، وتطبيق هذه الضوابط يبين إن كان الاختلاف حقيقيا، أو لفظيا، كما يساعد على الترجيح في حال كونه حقيقيا.
стр. 303
٤ - توجد كثير من ضوابط النظر في أحكام النقاد في كلام النقاد أنفسهم، فقد احتاجوا إليها حين ينظر الناقد منهم في نقد من سبقه للرواة.
كما اعتنى من جاء بعدهم بهذه الضوابط تحريرا وتطبيقا، ومن السابقين إلى ذلك أبو حفص بن شاهين في جزء له في الرواة المختلف فيهم (١)، ثم أبو الوليد الباجي في مقدمة كتابه "التعديل والتجريح" (٢).
وقد كان للذهبي في عامة كتبه، ثم لابن حجر، عناية فائقة بهذا الجانب، فحررا كثيرا من هذه الضوابط، وطبقاها عند نظرهما في الراوي وأقوال الأئمة فيه (٣).
وفي وقتنا الحاضر تصدى شيخنا وزميلنا فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ﵀، فوضع كتابا لطيفا بعنوان: "ضوابط الجرح والتعديل"، أجاد فيه وأفاد.
وقد رأيت -في هذه العجالة- أن ألمّ شعث هذه الضوابط مما وقفت عليه، مع العناية بما قاله النقاد الأوائل، وبدا لي أن أضعها في ضوابط عامة، أفرع من كل واحد منها ما يتصل به، فقد خطر في بالي أن كل منقول في باب نقد الرواة يلزم النظر فيه من جهة ثبوته عمن
стр. 304
نسب إليه، وسلامته من التغيير، وقائله، ودلالته، فهذه أربع جهات للنظر في المنقول عن النقاد، وسأفرد كل جهة بمبحث خاص.
стр. 305
المبحث الأول: ثبوت النقل عمن نسب إليه
النقل عن أئمة النقد في الرواة لا يختلف عن أي منقول عن غيرهم، في ضرورة ثبوته عمن نقل عنه، وإلا لم يصح بناء حكم عليه، وبادئ ذي بدء لابد من التسليم بوجود أقوال ونصوص نسبت إلى أئمة النقل، وبعد التمحيص تبين عدم ثبوتها، وأن الأمر لا يخلو من لبس، وقد واجه ذلك أئمة النقد أنفسهم، فجاء عنهم نفي شيء مما نسب إليهم، أو بيان الصواب فيما نقل عنهم، فمن ذلك ما رواه ابن المديني قال: "ذكرت له (يعني ليحيى القطان) حديثا عن مروان الفزاري، عن إسماعيل بن أبي خالد، فاستحسنه، فقلت له: يا أبا سعيد أليس كنت -أي لا تأمر بالكتابة عنه-؟ قال: لا، ليس هكذا مروان، إذا حدثك عن ثقة فهو ثقة، وإن حدثك عمن لا تعرف فدعه ... " (١).
وقال المروذي: "وسألته (يعني أحمد) عن أبي بكر الأثرم، قلت: نهيت أن يكتب عنه؟ قال: لم أقل: إنه لا يكتب عنه الحديث، إنما أكره هذه المسائل" (٢).
ونقل الدارمي عن ابن معين قوله في محمد بن ثابت العبدي: "لا بأس به" (٣)، وفي رواية معاوية بن صالح: "ليس به بأس، ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير" (٤)، وفي رواية ابن مُحْرِز: "ليس
стр. 306
بذاك القوي، حدث بحديث عن نافع، عن ابن عمر في التيمم" (١)، وفي رواية ابن الهَيْثَم: "ضعيف، روى حديث التيمم" (٢)، وفي رواية الدوري: "ليس بشيء"، وقال مرة: "ضعيف"، قال الدوري: "قلت ليحيى: أليس قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط" (٣).
ويتطرق الشك إلى المنقول عن أئمة النقد من جهتين:
الجهة الأولى: الناقد نفسه، فقد يشتبه عليه الأمر، إما في الجمع أو التفريق بين الرواة، فإذا ذهب الناقد إلى جعل الراوي اثنين، ثم نقل عنه شيء فيهما، أو ذهب إلى جعل راويين راويا واحدا، ونقل عنه فيه قول، والراجح في الجمع أو التفريق خلاف ما ذهب إليه هذا الناقد، فالحقيقة أن ما نقل عنه لم يثبت في واحد من هؤلاء الرواة حسب ما ترجح لنا.
وهذه مسألة دقيقة تقدم البحث فيها في الفصل الأول من هذا الباب (٤)، وأذكر لها هنا مثالين، الأول: قال أحمد، وابن معين، في رَزِيْن بن حبيب الجُهني بياع الرمان: "ثقة" (٥)، وقال فيه أبو حاتم: "صالح الحديث، ليس به بأس، وهو أحب إلي من إسحاق بن خليد مولى سعيد بن العاص" (٦)، وقال فيه يعقوب بن سفيان: "لا بأس به"، وقال مرة: "ثقة" (٧)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨).
стр. 307
وجاء عن ابن معين أن رَزِيْنا هذا هو نفسه رَزِيْن المعروف ببياع الأنماط، فبياع الرمان عنده هو بياع الأنماط (١)، وكذا قال يعقوب بن سفيان.
وأما البخاري، وأبو حاتم، فجعلاهما اثنين (٢)، ولم يذكر ابن أبي حاتم في بياع الأنماط جرحا ولا تعديلا، وكذا فرق بينهما ابن حبان (٣).
وحينئذ فبياع الأنماط ليس فيه سوى توثيق ابن معين، ويعقوب بن سفيان، وذكر ابن حبان له في "الثقات"، ولو افترضنا أن الباحث رجح أنهما اثنان لما صفا معه سوى ذكر ابن حبان له في "الثقات"، لأن ابن معين، ويعقوب، وثقاه لأنه عندهما هو بياع الرمان، ولو ترجح لهما أنه غيره فيحتمل أن يختلف كلامهما فيه.
ومن ذيول هذه القضية أن الترمذي أخرج من طريق أبي خالد الأحمر، عن رَزِيْن، عن سلمى، عن أم سلمة حديثا في قتل الحسين، واستغربه (٤)، فذكر ابن حجر أن رَزِيْنا هذا هو بياع الرمان، وهو الذي وثقه الأئمة، وبنى ذلك على أن أبا حاتم ذكر في بياع الأنماط أنه يروي عن الأصبغ بن نَبَاتة، ويروي عنه عيسى بن يونس، لم يذكر فيه سوى هذا (٥)، غير أن البخاري قد ذكر هذا الحديث بهذا الإسناد في ترجمة بياع الأنماط، وذكر من الرواة عنه أيضا مروان بن معاوية الفَزاري، وأبا
стр. 308
أسامة حماد بن أسامة، فلم يتم لابن حجر ما أراد.
الثاني: قال عثمان بن سعيد الدارمي: "قلت: (يعني لابن معين) فعطاء بن المبارك تعرفه؟ فقال: من يروي عنه؟ قلت: ذاك الشيخ أحمد بن بَشِير، فقال: هه -كأنه يتعجب من ذكر أحمد بن بَشِير-، فقال: لا أعرفه"، ثم عقب الدارمي على هذا السؤال والجواب بقوله: "أحمد بن بَشِير كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك" (١).
كذا قال الدارمي، ومقتضى كلامه أن أحمد بن بَشِير الراوي عن عطاء بن المبارك متروك، لأنه عنده هو الكوفي الذي قدم بغداد، وقد تعقبه الخطيب في ذلك، وذكر أنه غيره، وأنه بغدادي، ولم يذكر في ترجمته جرحا ولا تعديلا (٢)، فالباحث إذا وافق الخطيب على التفرقة لا يصح أن يعتمد قول الدارمي فيه، لأن الذي تكلم فيه الدارمي غيره.
وقد يكون الراويان متميزين لا اشتباه بينهما، لكن يقع الاشتباه على الناقد حين يسأل، فيسأله التلميذ عن راو، ويجيب هو في راو آخر، يظن السؤال عنه، فمن ذلك قول ابن مُحْرِز: "سألت يحيى عن أحمد بن حاتم الطويل الخياط، فقال: لا أعرفه، فلا أدري أفهم عني أم لا، وذلك أن هشام بن المطلب حدثني قال: سألت يحيى بن معين عن محمد بن حاتم السَّمِين، فقال: ليس بشيء، يكذب، ولكن أحمد بن حاتم الطويل ثقة، فأحسب أن يحيى بن معين ظن أني إنما سألته عن محمد بن حاتم السَّمِين" (٣).
стр. 309
فهذا النص يفيد احتمال وقوع الاشتباه حين السؤال، سواء أصاب ابن مُحْرِز في ظنه هنا أو لم يصب، ومثله في إفادة ذلك قول البَرْذَعي: "قلت (يعني لأبي زرعة): عيسى بن ميمون؟ قال: واهي الحديث، وكان أبو حاتم حاضرا، فقال: إلا أن تعني صاحب ابن أبي نَجِيْح؟ فقلت: لا، إنما أردت صاحب محمد بن كعب" (١).
وقال البَرْذَعي أيضا: "سئل عن موسى بن عُمَيْر وأنا شاهد، فقال: لا بأس به، فقلت له: تقول هذا في موسى بن عُمَيْر وقد روى عن الحكم ما روى؟ قال: ليس ذاك أعني، إنما أعني الذي روى عنه وكيع، ويحدث عن علقمة بن وائل، وهو لا بأس به، أما الذي ذهبت إليه فضعيف" (٢).
الجهة الثانية: الناقل عن الناقد، فيشترط في النقل صحة الإسناد، باتصاله، وثقة رواته، وسلامته من الشذوذ والعلل، ولست مبالغا في ذلك، فالنقل لنقد الراوي خبر كسائر الأخبار، لابد فيه من هذه الشروط، ولذا قال المِزِّي في مقدمة كتابه "تهذيب الكمال" وهو يتحدث عن نقله لأقوال النقاد: "ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله، خوف التطويل ... ، فما كان من ذلك بصيغة الجزم فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأسا، وما كان منه بصيغة التمريض فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر" (٣).
стр. 310
فأما اتصال الإسناد فالقارئ في كتب الجرح والتعديل الأولى مثل السؤالات، وكتب العلل، يلاحظ حرص التلميذ على مطالبة الناقد بإسناده إذا روى له نقدا عن إمام قبله، وتسليم الناقد بهذه المطالبة، فربما أحضر إسناده، وربما اعتذر عن ذلك لكونه غاب عنه، أو لسبب آخر (١).
وإنما يفعلون ذلك خوفا من أن يكون تسامح في الرواية عن غير مرضي، فلهذا لم يذكره، كما روى البَرْذَعي قال: "قلت (يعني لأبي زرعة): مسلم بن سالم كيف هو؟ قال: أخبرني بعض الخراسانيين، قال: سمعت ابن المبارك يقول: اتق حيات سالم لا تلسعك، فقلت: تحفظ من حدثك؟ فقال: نعم، هو إنسان لا أرضاه، قلت: من هو؟ قال: أبو الصلت الهروي" (٢).
وللذهبي وقفات مع الأقوال المروية بأسانيد منقطعة إذا ارتاب فيها (٣).
وأما ثقة الرواة فإن رواية الضعفاء في أي باب يتوقف فيها، فكيف في هذا الباب المهم؟ وقد نقلت أقوال عن النقاد في جرح الرواة أو تعديلهم لم تصح عنهم لضعف رواتها، وربما خالفوا في النقل غيرهم
стр. 311
من الثقات، فمن ذلك قول أبي عبيد الآجُرِّي: "قلت لأبي داود: حكى رجل عن شيبان الأبلي، أنه سمع شعبة يقول: اكتبوا عن أبي أمية بن يعلى، فإنه شريف لا يكذب، واكتبوا عن الحسن بن دينار، فإنه صدوق، فكذَّب الذي حكى هذا -قال أبو عبيد: غلام خليل حكى هذا عن شيبان-، فقال أبو داود: كذب الذي حكى هذا" (١)، وغلام خليل اسمه أحمد بن محمد بن غالب، وقد رمي بالكذب ووضع الحديث (٢).
وأخرج ابن عدي من طريق محمد بن يونس الكُدَيمي، عن علي بن المديني قوله في خليفة بن خياط المعروف بشَبَاب: "لو لم يحدث شَبَاب لكان خيرا له"، ثم تعقبها بقوله: "ولا أدري هذه الحكاية عن علي بن المديني صحيحة أم لا؟ وإنما يرويها عن علي بن المديني الكديمي، والكديمي لا شيء ... " (٣).
وقيل لابن معين: يحيى -يعني القطان- لم يكن يرضى أَبَان؟ قال: "بلى، كان يحدث عن أَبَان، ولا يحدث عن همام، وقد حدثنا عن أَبَان، وقد كان يرضاه، ومات وهو يحدث عنه" (٤)، وقد نقل عدم رضى القطان عن أَبَان: محمد بن يونس الكُدَيمي، عن ابن المديني، عن القطان، فنقل عنه قوله: "لا أروي عن أَبَان العطار" (٥)، والكُدَيمي متهم، وقد رد ذلك الذهبي، وابن حجر، بتضعيف ما نقله
стр. 312
الكُدَيمي (١).
وروى عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه قوله في أبي جعفر الرازي: "هو نحو موسى بن عُبَيْدة، (ضعفه ابن المديني) وهو يخلط فيما روى عن مغيرة ونحوه" (٢)، وروى عنه محمد بن عثمان بن أبي شيبة قوله: "كان أبو جعفر الرازي عندنا ثقة" (٣)، فقال ابن حجر بعد أن ذكر القولين: "محمد بن عثمان بن أبي شيبة ضعيف، فرواية عبد الله بن علي عن أبيه أولى" (٤).
وروى عمرو بن علي، عن ابن مهدي قوله في الفَرَج بن فَضَالة: "حدث عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة منكرة" (٥)، وقال عمرو بن علي أيضا: "كان عبد الرحمن لا يحدث عن فَرَج بن فَضَالة، ويقول: حديثه عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث منكرة مقلوبة" (٦)، وكذا نقل الساجي أن عبد الرحمن بن مهدي كان لا يحدث عنه (٧).
وروى البغوي، عن سليمان بن أحمد، قال: "سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت شاميا أثبت منه، وما حدثت عنه، وأنا استخير الله تعالى في التحديث عنه، فقلت: يا أبا سعيد حدثني،
стр. 313
فقال: اكتب: حدثني فَرَج بن فَضَالة" (١).
قال ابن حجر معلقا على هذه الحكاية: "لا يغتر أحد بالحكاية المروية في توثيقه عن ابن مهدي، فإنها من رواية سليمان بن أحمد، وهو الواسطي، وهو كذاب" (٢).
وغير خاف أن نقد النصوص المروية عن أئمة النقد بضعف الرواة، أو انقطاع الإسناد، أمره سهل بالنسبة لما ظاهر إسناده الصحة والثبوت، وهو ما يعرف بأغلاط الثقات، والملاحظ أن أئمة النقد حين تعرضهم لمثل هذا يستخدمون منهجهم في نقد الأحاديث، كالنظر إلى التفرد، ومخالفة الثقات، وقد ينضم إلى ذلك أن يكون أحد الناقلين عن الناقد قد نقل عنه ما يخالف قول أئمة النقد الآخرين، فإن هذا قرينة قوية يستدل بها الأئمة على وجود خطأ ما في النقل، فقد ذكر ابن أبي حاتم روايتين مختلفتين عن يحيى بن معين في مبارك بن فَضَالة، والربيع بن صُبَيْح، ثم قال: "اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن فَضَالة، والربيع بن صُبَيْح، وأولاهما أن يكون مقبولا منهما، محفوظا عن يحيى، ما وافق أحمد وسائر نظرائه" (٣).
ولا ينبغي أن نستوحش من قيام احتمال خطأ الناقل وإن كان ثقة، فالنقل عن النقاد داخل في الجملة في باب الرواية، فإذا كان الراوي -
стр. 314
وهو ثقة- قد يخطئ على شيخه في إسناد حديث، فإنه قد يخطئ كذلك في نقل كلامه، ولا سيما إذا أردكنا أن تقييدهم لبعض كلام شيوخهم قد يكون بعد فترة من سماعه (١).
وسأذكر الآن نماذج من نقد الأئمة لما يرويه الثقات عن بعض النقاد في الرواة.
فمن ذلك ما رواه ابن مُحْرِز قال: "سمعت يحيى وقلت له: شعبة حدث عن الحسن قال: كان أبو وائل مختلطا- من حسن؟ قال: ابن عمرو-يعني الفُقَيمي-، فقلت: هذا محفوظ عن شعبة؟ قال: ما ذكره عنه أحد إلا علي بن الجعد" (٢).
وقال ابن مُحْرِز أيضا: "سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت عباد بن عباد يقول: أراد شعبة أن يتكلم في أيوب، وخالد الحذاء، فمشيت إليه أنا وحماد بن زيد، فكلمناه فقال: لست أفعله -إن شاء الله-، دعوني حتى أنظر في أمرهما، ثم لقينا بعد في طريق فصاح بنا، ثم قال: بدا لي أن لا أفعل؛ وذلك أني رأيت أنه لا يحل لي، قال يحيى بن معين: وذلك أنهما كانا لا يحفظان، قال يحيى بن معين: وكانا والله ثقتين صالحين صدوقين" (٣).
كذا روى يحيى بن معين هذه القصة بتمامها في أيوب، وخالد، وقد نقده في ذلك يحيى بن أيوب المقَابِري، وذكر أنه كان قد ذاكر يحيى بن معين أولا بالقصة ليس فيها عود شعبة إلى الكلام فيهما، ثم
стр. 315
بلغه أنه يرويها عن عباد وفيها هذه الزيادة، وخطأه في ذلك، وأن القصة هكذا بتمامها إنما وقعت لشعبة مع عباد بن عباد، وحماد بن زيد، في أَبَان بن أبي عَيَّاش (١).
والراوي عن ابن معين -وهو ابن مُحْرِز- قد أشار إلى وهم ابن معين، فإنه ساق القصة بعد رواية يحيى بن معين لها، ساقها عن أصحابه، عن ابن المديني، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، وفيها أن المراجعة كانت في راو واحد، لكنه لم يسم، وقد رواها ابن أبي حاتم، عن صالح بن أحمد بن حنبل، عن ابن المديني (٢).
والأمر كما قال يحيى بن أيوب، وأشار إليه ابن مُحْرِز، فالقصة بتمامها مشهورة في أَبَان، وهو متروك الحديث، هكذا رواها أحمد، وأبو داود الطيالسي، عن عباد بن عباد (٣)، وجاءت من طرق عن حماد بن زيد، وفي بعضها أنه كان معهما ثالث حين كلموا شعبة، وهو جرير بن حازم، وفي بعضها: "فإنه يكذب على رسول الله ﷺ " (٤).
وقد وقع لشعبة مع جرير بن حازم، وحماد بن زيد، قصة أخرى مشابهة في الحسن بن عُمَارة، وهو أيضا متروك الحديث (٥).
وخالد الحذاء أراد شعبة أن يتكلم فيه لنقص وقع في حفظه، وأما أيوب السَّخْتِيَاني فلكونه كان يحفظ ولا يكتب، فربما اختلف عليه، وقد
стр. 316
أشار إلى هذا ابن معين في تعليقه على حكاية عباد بن عباد كما سبق آنفا (١)، فمثل هذا لا يستوجب أن يقول شعبة: إنه لا يحل لي السكوت عنهما.
وقال المروذي: "قلت له: (يعني لأحمد) ما تقول في سعيد بن جُهْمان؟ فقال: ثقة ... ، قلت: يروى عن يحيى القطان أنه سئل عنه فلم يرضه، فقال: باطل -وغضب-، وقال: ما قال هذا أحد غير علي بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء" (٢).
والمتأخر قد يضطر إلى النظر في بعض ما يروى عن النقاد بهذه الطريقة، فمن ذلك أن إسماعيل بن رافع المدني ضعفه الجمهور، وتركه بعضهم، ونقل الترمذي توثيقه عن البخاري، فقال الذهبي بعد أن ذكر قول الجمهور: "ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، قال: وسمعت محمدا يعني البخاري- يقول: هو ثقة مقارب الحديث" (٣).
يريد الذهبي أن الترمذي لم يحكم هذا النقل عن البخاري.
ونقل أبو داود، وعبد الله بن أحمد، وأبو طالب، عن أحمد قوله
стр. 317
في هارون بن عنترة: "ثقة" (١)، بينما نقل عنه إسحاق بن هانئ قوله فيه: "ضعيف الحديث" (٢)، فلا مناص عن التوقف في نقل إسحاق هذا، لا سيما واللائق بحال هارون هو ما نقله الجماعة عن أحمد (٣).
وروى العقيلي، عن جعفر بن أحمد بن محبوب، قال: حدثنا محمد بن إدريس، عن كتاب أبي الوليد بن أبي الجارود، عن يحيى بن معين، قال: "ابن لهيعة يكتب عنه ما كان قبل احتراق كتبه" (٤).
كذا جاء عن ابن معين بهذا الإسناد، والمعروف عنه أنه كان ينفي احتراق كتب ابن لهيعة، ويحتمل أنه يذكر الاحتراق تنزلا، فأما التفريق بين حديثه القديم والجديد فقد تواتر النقل عنه بنفي ذلك، وأنه سواء، قال ابن الهَيْثم: "سمعت يحيى يقول: ابن لهيعة ليس بشيء، قيل: ليحيى: فهذا الذي يحكي الناس أنه احترقت كتبه؟ قال: ليس لهذا أصل، سألت عنها بمصر"، وقال أيضا: "سمعت يحيى يقول: ابن لهيعة لم يحترق له كتاب قط" (٥).
وروى ابن الجُنَيْد عنه قوله: "قال لي أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات" (٦).
وروى الدَّوْرقي: قال: "قال يحيى بن معين: أنكر أهل مصر
стр. 318
احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه واحد: القديم والحديث، وذكر عند يحيى احتراق كتب ابن لهيعة فقال: هو ضعيف قبل أن تحترق، وبعدما احترقت" (١).
ويلتحق بأخطاء الرواة في نقل كلام النقاد ما يقع في كتب الجرح والتعديل من أخطاء في نقل كلام النقاد، وهو يرجع في الجملة إلى أحد سببين:
السبب الأول: الخطأ والتحريف في النسخ، وهو كثير.
فمن ذلك قول عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: ميمون أبو عبد الله فَسْل، قلت لأبي: من دون شعبة؟ قال: يحيى" (٢)، فهذا النص فيه سقط كما هو ظاهر، فالقائل "ميمون أبو عبد الله فسل" هو شعبة، والنص على الصواب في "الضعفاء" للعقيلي، يرويه عن عبد الله بن أحمد (٣).
وفي "سؤالات ابن الجُنَيْد لابن معين": "سألت يحيى عن واصل بن حَيَّان، فقال: كوفي ضعيف الحديث" (٤)، وهو مشكل من جهتين، الأولى: أن ابن معين يوثق واصل بن حَيَّان في روايتين غير هذه، وهو كذلك عند الأئمة (٥)، ومن جهة ثانية: في نسختين مخطوطتين من نسخ
стр. 319
"السؤالات": "واصل بن سفيان"، كما ذكره المحقق، وذكر أن واصل بن سفيان لا وجود له في كتب التراجم، وهو كما قال، والأقرب أن يكون السؤال عن صالح بن حَيَّان وهو كوفي ضعفه ابن معين في رواية جماعة من أصحابه، وغيره (١).
وفي "أسئلة البَرْذَعي لأبي زرعة" قوله: "سمعت أبا زرعة يقول: سماع يونس بن أبي إسحاق، وزكريا، وزهير، عن أبي إسحاق بعد الاختلاط" (٢).
وقد نقل ابن رجب هذا النص هكذا: "قال أبو عثمان البَرْذَعي: سمعت أبا زرعة يقول: سمعت ابن نُمَيْر يقول ... "، وساق النص (٣).
وفي "أسئلة الآجُرِّي لأبي داود" قوله: "سألت أبا داود عن علي بن هاشم بن البَرِيْد، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كذب" (٤).
وقد روى هذا الخبر الخطيب بإسناده عن الآجُرِّي قال: "سألت أبا داود عن علي بن هاشم بن البَرِيْد، فقال: سئل عنه عيسى بن يونس، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كذب، قلت لأبي داود: من ذكره؟ فقال: حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني، عن الحُدَّاني -يعني عن عيسى
стр. 320
بن يونس (١) -"، وكذا نقله المِزِّي (٢).
وروى ابن أبي حاتم في ترجمة (معاذ بن هشام الدَّسْتُوائي) بسنده عن عثمان الدارمي قوله: "قلت ليحيى بن معين: معاذ بن هشام في شعبة أثبت أو غندر؟ فقال: ثقة، وثقة" (٣).
كذا وقع لابن أبي حاتم، وقد جاء هذا السؤال في موضعين من "تاريخ الدارمي عن ابن معين"، أحدهما في فصل أصحاب الرواة المشهورين، والآخر في ثنايا الكتاب، وفي كلا الموضعين لم ينسب معاذ، والنص بمعاذ بن معاذ (٤) العنبري ألصق منه بمعاذ بن هشام، فمعاذ بن هشام ليس من أصحاب شعبة المعروفين، حتى أن ابن أبي حاتم لم يذكر في ترجمته سوى أنه يروي عن أبيه هشام الدَّسْتُوائي، وقال فيه ابن معين في رواية: "صدوق، وليس بحجة" (٥)، وفي أخرى: "ليس بالقوي" (٦)، وأما معاذ بن معاذ فهو من كبار أصحاب شعبة، مثل غُنْدَر (٧)، وقد ذكر المِزِّي النص في ترجمة معاذ بن معاذ، ولم يذكره في ترجمة معاذ بن هشام (٨)، وزاده ابن حجر عليه (٩)، فكأنه تابع ابن أبي حاتم، فيحتمل أن نسخة ابن أبي حاتم من التاريخ وقع فيها خطأ