← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أشار إلى هذا ابن معين في تعليقه على حكاية عباد بن عباد كما سبق آنفا (١)، فمثل هذا لا يستوجب أن يقول شعبة: إنه لا يحل لي السكوت عنهما. وقال المروذي: "قلت له: (يعني لأحمد) ما تقول في سعيد بن جُهْمان؟ فقال: ثقة ... ، قلت: يروى عن يحيى القطان أنه سئل عنه فلم يرضه، فقال: باطل -وغضب-، وقال: ما قال هذا أحد غير علي بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء" (٢). والمتأخر قد يضطر إلى النظر في بعض ما يروى عن النقاد بهذه الطريقة، فمن ذلك أن إسماعيل بن رافع المدني ضعفه الجمهور، وتركه بعضهم، ونقل الترمذي توثيقه عن البخاري، فقال الذهبي بعد أن ذكر قول الجمهور: "ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، قال: وسمعت محمدا يعني البخاري- يقول: هو ثقة مقارب الحديث" (٣). يريد الذهبي أن الترمذي لم يحكم هذا النقل عن البخاري. ونقل أبو داود، وعبد الله بن أحمد، وأبو طالب، عن أحمد قوله

стр. 317

في هارون بن عنترة: "ثقة" (١)، بينما نقل عنه إسحاق بن هانئ قوله فيه: "ضعيف الحديث" (٢)، فلا مناص عن التوقف في نقل إسحاق هذا، لا سيما واللائق بحال هارون هو ما نقله الجماعة عن أحمد (٣). وروى العقيلي، عن جعفر بن أحمد بن محبوب، قال: حدثنا محمد بن إدريس، عن كتاب أبي الوليد بن أبي الجارود، عن يحيى بن معين، قال: "ابن لهيعة يكتب عنه ما كان قبل احتراق كتبه" (٤). كذا جاء عن ابن معين بهذا الإسناد، والمعروف عنه أنه كان ينفي احتراق كتب ابن لهيعة، ويحتمل أنه يذكر الاحتراق تنزلا، فأما التفريق بين حديثه القديم والجديد فقد تواتر النقل عنه بنفي ذلك، وأنه سواء، قال ابن الهَيْثم: "سمعت يحيى يقول: ابن لهيعة ليس بشيء، قيل: ليحيى: فهذا الذي يحكي الناس أنه احترقت كتبه؟ قال: ليس لهذا أصل، سألت عنها بمصر"، وقال أيضا: "سمعت يحيى يقول: ابن لهيعة لم يحترق له كتاب قط" (٥). وروى ابن الجُنَيْد عنه قوله: "قال لي أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات" (٦). وروى الدَّوْرقي: قال: "قال يحيى بن معين: أنكر أهل مصر

стр. 318

احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه واحد: القديم والحديث، وذكر عند يحيى احتراق كتب ابن لهيعة فقال: هو ضعيف قبل أن تحترق، وبعدما احترقت" (١). ويلتحق بأخطاء الرواة في نقل كلام النقاد ما يقع في كتب الجرح والتعديل من أخطاء في نقل كلام النقاد، وهو يرجع في الجملة إلى أحد سببين: السبب الأول: الخطأ والتحريف في النسخ، وهو كثير. فمن ذلك قول عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: ميمون أبو عبد الله فَسْل، قلت لأبي: من دون شعبة؟ قال: يحيى" (٢)، فهذا النص فيه سقط كما هو ظاهر، فالقائل "ميمون أبو عبد الله فسل" هو شعبة، والنص على الصواب في "الضعفاء" للعقيلي، يرويه عن عبد الله بن أحمد (٣). وفي "سؤالات ابن الجُنَيْد لابن معين": "سألت يحيى عن واصل بن حَيَّان، فقال: كوفي ضعيف الحديث" (٤)، وهو مشكل من جهتين، الأولى: أن ابن معين يوثق واصل بن حَيَّان في روايتين غير هذه، وهو كذلك عند الأئمة (٥)، ومن جهة ثانية: في نسختين مخطوطتين من نسخ

стр. 319

"السؤالات": "واصل بن سفيان"، كما ذكره المحقق، وذكر أن واصل بن سفيان لا وجود له في كتب التراجم، وهو كما قال، والأقرب أن يكون السؤال عن صالح بن حَيَّان وهو كوفي ضعفه ابن معين في رواية جماعة من أصحابه، وغيره (١). وفي "أسئلة البَرْذَعي لأبي زرعة" قوله: "سمعت أبا زرعة يقول: سماع يونس بن أبي إسحاق، وزكريا، وزهير، عن أبي إسحاق بعد الاختلاط" (٢). وقد نقل ابن رجب هذا النص هكذا: "قال أبو عثمان البَرْذَعي: سمعت أبا زرعة يقول: سمعت ابن نُمَيْر يقول ... "، وساق النص (٣). وفي "أسئلة الآجُرِّي لأبي داود" قوله: "سألت أبا داود عن علي بن هاشم بن البَرِيْد، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كذب" (٤). وقد روى هذا الخبر الخطيب بإسناده عن الآجُرِّي قال: "سألت أبا داود عن علي بن هاشم بن البَرِيْد، فقال: سئل عنه عيسى بن يونس، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كذب، قلت لأبي داود: من ذكره؟ فقال: حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني، عن الحُدَّاني -يعني عن عيسى

стр. 320

بن يونس (١) -"، وكذا نقله المِزِّي (٢). وروى ابن أبي حاتم في ترجمة (معاذ بن هشام الدَّسْتُوائي) بسنده عن عثمان الدارمي قوله: "قلت ليحيى بن معين: معاذ بن هشام في شعبة أثبت أو غندر؟ فقال: ثقة، وثقة" (٣). كذا وقع لابن أبي حاتم، وقد جاء هذا السؤال في موضعين من "تاريخ الدارمي عن ابن معين"، أحدهما في فصل أصحاب الرواة المشهورين، والآخر في ثنايا الكتاب، وفي كلا الموضعين لم ينسب معاذ، والنص بمعاذ بن معاذ (٤) العنبري ألصق منه بمعاذ بن هشام، فمعاذ بن هشام ليس من أصحاب شعبة المعروفين، حتى أن ابن أبي حاتم لم يذكر في ترجمته سوى أنه يروي عن أبيه هشام الدَّسْتُوائي، وقال فيه ابن معين في رواية: "صدوق، وليس بحجة" (٥)، وفي أخرى: "ليس بالقوي" (٦)، وأما معاذ بن معاذ فهو من كبار أصحاب شعبة، مثل غُنْدَر (٧)، وقد ذكر المِزِّي النص في ترجمة معاذ بن معاذ، ولم يذكره في ترجمة معاذ بن هشام (٨)، وزاده ابن حجر عليه (٩)، فكأنه تابع ابن أبي حاتم، فيحتمل أن نسخة ابن أبي حاتم من التاريخ وقع فيها خطأ

стр. 321

نسبة معاذ وأنه ابن هشام. وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن إبراهيم بن شعيب، عن عمرو بن علي الفلَّاس قال: "سمعت معاذ بن معاذ يقول: ما تصنع بشَهْر بن حَوْشَب، إن شعبة قد ترك حديث شَهْر -يعني ابن حَوْشَب-" (١). كذا روى ابن أبي حاتم عن شيخه هذه الحكاية، وفيها سقط وتحريف، أما السقط فالقائل: ما تصنع بشَهْر ... إلخ هو ابن عَوْن، ومعاذ بن معاذ يرويه عنه، وأما التحريف فالصواب في العبارة: "إن شعبة نَزَك شَهْرا"، أي طعن فيه (٢). وجاء في "الجرح والتعديل": "ثنا عبد الرحمن، أنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلي قال: سألت أبي عن قُرَّة بن خالد، وعِمْران بن حُدَيْر، فقال: ما فيهما إلا ثقة، نا عبد الرحمن قال: وسئل أبي وأنا أسمع عن قُرَّة، وأبي خَلْدة، فقال: قُرَّة فوقه، قيل: قُرًّة مع من هو؟ قال: هو دون حبيب بن الشهيد، قيل له: قُرَّة، والقاسم بن الفضل؟ فقال: ما أقربه منه، وقال: قُرَّة ثقة" (٣). كذا في النسخة، والظاهر أن عبارة "نا عبد الرحمن" الثانية مقحمة من أحد رواة الكتاب، ظنا منه أن القائل: "وسئل أبي" هو ابن أبي حاتم، فهو كلام مستأنف، والصواب أنه تابع لكلام عبد الله بن أحمد، والمسؤول هو والده، هكذا جاء في "العلل" (٤)، ويؤيده أن ابن أبي

стр. 322

حاتم ذكر بعده قولا لابن معين، ثم قولا لوالده، وليس من عادته تفريق كلام والده، ولا تقديمه على ابن معين. وترجم ابن أبي حاتم لعبد الله بن يَعْمُر الكلاعي، وذكر عن أبيه أنه يروي عن أبي بكر بن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، ويروي عنه حميد بن هانئ الخولاني، ثم روى بسنده عن عثمان الدارمي قوله: "سألت يحيى بن معين قلت: عبد الله بن يَعْمُر، عن قيس بن طَلْق؟ فقال: شيوخ يمامية ثقات" (١)، وذكر النص هكذا أيضا في ترجمة قيس بن طلق (٢). والظاهر أن في نسخة ابن أبي حاتم من "تاريخ الدارمي" تصحيفا، فهو في النسخة المطبوعة: عبد الله بن نعمان (٣)، وهو الصواب، وهو السُّحَيْمي، وقد ترجم له ابن أبي حاتم، وذكر عن أبيه أنه يروي عن قيس بن طلق، ويروى عنه ملازم بن عمرو، وعمر بن يونس (٤)، وكل هؤلاء يمامية، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، فالتوثيق إذن لعبد الله بن النعمان، وليس لعبد الله بن يَعْمُر. وروى العقيلي في ترجمة عبد الواحد بن زياد البصري بسنده عن عثمان بن سعيد الدرامي قوله: "سألت يحيى عن عبد الواحد بن زياد، فقال: ليس بشيء" (٥)، ونقل هذا أيضا عن الدارمي الذهبي، والظاهر أنه أخذه بواسطة العقيلي (٦).

стр. 323

وقد تصحف الاسم على العقيلي، والصواب: عبد الواحد بن زيد، هكذا هو في "تاريخ الدارمي" (١)، وكذا رواه ابن حبان، وابن عدي، من طريق الدارمي (٢)، وعبد الواحد بن زيد هذا هو البصري الواعظ، شيخ الصوفية، متروك الحديث، وقد روى عباس الدوري أيضا عن يحيى بن معين أنه قال فيه: "ليس بشيء" (٣). وأما عبد الواحد بن زياد فهو ثقة جليل، وقد وثقه ابن معين في رواية الدارمي وغيره (٤). وروى الخطيب من طريق سلمة بن شَبِيب، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري قال: "ما يسقط لسِمَاك بن حرب حديث" (٥)، ونقله عنه المِزِّي (٦)، فتعقبه ابن حجر بقوله: "إنما قاله الثوري في سِمَاك بن الفضل اليماني، وأما سِمَاك بن حرب فالمعروف عن الثوري أنه ضعفه" (٧). وهو كما قال ابن حجر، فقد أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله الطِّهْراني، عن عبد الرزاق، ولفظه: "لا يكاد يسقط لسِمَاك بن الفضل حديث -قال أبو محمد: يعني لصحة حديثه-" (٨).

стр. 324

وقد أعاده المِزِّي في ترجمة سِمَاك بن الفضل، إلا أنه أدرج تفسير ابن أبي حاتم في كلام سفيان (١). وجاء في "ضعفاء النسائي" قوله في أسامة بن زيد الليثي: "ليس بثقة" (٢)، والنسخة من رواية الحسن بن رُشَيْق، عن النسائي، ورأيت جمعا من الباحثين ينقلون هذا عن النسخة، مسلمين به، ولا ريب أنه تحريف، والصواب: "ليس بالقوي"، فقد أخرجه ابن عدي، عن الدولابي، عن النسائي هكذا (٣)، وكذا ذكره المِزِّي عن النسائي، ولم يذكر غيره (٤)، وقد قال فيه النسائي في كتاب آخر: "ليس بالقوي في الحديث" (٥)، وهذا هو اللائق بحال أسامة. وما تقدم كله واقع في النسخ الأصول، وليس بسبب الطباعة أو سوء التحقيق، فإن هذا كثير لا يحتاج إلى أمثلة. السبب الثاني: أخطاء وأوهام المؤلفين والباحثين أنفسهم، وهي على نوعين: النوع الأول: أخطاء وأوهام في تعيين الراوي الذي فيه الجرح أو التعديل، فقد يشتبه الأمر على المؤلف أو الباحث، فيضع قول الناقد في راو لم يعنه، وليس هذا بالقليل. فمن ذلك قول الآجُرِّي: "سألت أبا داود عن عمر بن عطاء الذي

стр. 325

روى عنه ابن جريج، فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الخُوَار، بلغني عن يحيى أنه ضعفه" (١). كذا قال أبو داود، وتعقبه المِزِّي بأن المحفوظ عن يحيى بن معين أنه وثق هذا، وإنما ضعف عمر بن عطاء بن وَرَاز، يروي عنه ابن جريج أيضا (٢)، وكذا هي حالهما عند غير ابن معين (٣). وروى ابن أبي حاتم، عن عباس الدوري، عن ابن معين أنه قال في المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبي هشام أو أبي هاشم المخزومي المدني ثم الشامي: "ثقة" (٤). وتعقبه المِزِّي بأن ابن معين إنما قال ذلك في المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عَيَّاش، أبي هشام أو أبي هاشم المخزومي المدني الفقيه، وأما الأول فقد قال معاوية بن صالح إن ابن معين لم يعرفه (٥). وهو في "تاريخ الدوري" محتمل، ففيه: "المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي ثقه" (٦)، فكأن المِزِّي اعتمد في توهيمه لابن أبي حاتم على رواية معاوية بن صالح، مع شهرة ابن عَيَّاش، فهو المقصود إذا أطلق. وروى العقيلي في ترجمة عمر بن الحكم بن ثَوْبان، أن البخاري قال فيه: "ذاهب الحديث" (٧)، وتابعه على ذلك ابن الجوزي،

стр. 326

والسخاوي (١)، وإنما قال البخاري هذه الكلمة في عمر بن الحكم الهذلي (٢)، وأما ابن ثَوْبان فهو تابعي جليل، وثقة الأئمة، وأخرج له البخاري تعليقا (٣)، ولذا قال الذهبي متعقبا ابن الجوزي: "فكأن ابن الجوزي غلط" (٤). وترجم ابن حبان ليحيى بن ميمون أبي المعُلَّى البصري العطار، وقال فيه: "منكر الحديث جدًا، يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، كان عمرو بن علي الفلَّاس يقول: هو كذاب" (٥)، وتابعه في ذلك ابن الجوزي (٦). وقد وهما في ذكرهما قول الفلَّاس فيه، فهو إنما قاله في يحيى بن ميمون بن عطاء، أبي أيوب البصري ثم البغدادي التمار، وهو متأخر عن العطار، أدركه عمرو بن علي، وكتب عنه وكذبه، وهو متروك الحديث (٧)، وقد ترجم له ابن حبان، وابن الجوزي، بعد ترجمة العطار، ولم يورد الأول قول الفلَّاس فيه، وأورده فيه ابن الجوزي، ثم إن ابن حبان ترجم له أيضا في "الثقات" (٨)، مما يدل على أنه لم يحكم النظر

стр. 327

فيهما. ويحيى بن ميمون العطار ليس كما وصفه ابن حبان، فقد وثقه الأئمة (١). وروى ابن عدي بإسناده عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين، أنه قال في عمر بن نافع مولى ابن عمر، المدني: "ليس حديثه بشيء"، ثم روى بإسناد آخر عن عباس قول يحيى فيه: "ليس به بأس" (٢). والكلمة الثانية لا إشكال فيها (٣)، وأما الكلمة الأولى فتعقبه الذهبي بأنه قالها في عمر بن نافع الثقفي الكوفي (٤)، والأمر كما قال الذهبي، فالنص صريح في إرادته، ولفظه: "عمر بن نافع كوفي، ليس حديثه بشيء" (٥) ويؤكده أن ابن معين وثق عمر بن نافع مولى ابن عمر في رواية ابن الجُنَيْد (٦). وذكر ابن شاهين أن أحمد قال في جعفر أبي الأشهب "من الثقات"، وأن ابن معين قال: "أبو الأشهب جعفر بن الحارث الكوفي .... ليس حديثه بشيء"، ثم قال ابن شاهين: " وهذا الخلاف في جعفر بن الحارث من أحمد، ويحيى -وهما إماما هذا الشأن-

стр. 328

يوجب الوقوف فيه، حتى تجيء شهادة أخرى لثالث مثلهما، فينسب إلى ما قاله الثالث، والله أعلم". (١) كذا قال ابن شاهين، وتعقبه عبد الرحمن المعلمي في تعليقه على النص بأن أحمد قال ما ذكره ابن شاهين في أبي الأشهب جعفر بن حَيَّان، وهو غير أبي الأشهب جعفر بن الحارث، وهو كما قال (٢). وتوارد جماعة من الأئمة -منهم ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وابن حجر -على أن ابن حبان ضعف داود بن الحصين المدني، صاحب عكرمة مولى ابن عباس، حيث قال فيه: "داود بن الحصين حدث عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، تجب مجانبة روايته"، زاد ابن عبد الهادي، والسخاوي، أن ابن حبان ذكره أيضا في "الثقات" (٣)، وتابعهم على ذلك جمع من الباحثين. وظاهر جدا من مراجعة "المجروحين" لابن حبان أن الذي ترجم له فيه وقال فيه ما تقدم ليس هو داود بن الحصين المدني صاحب عكرمة، وإنما هو داود بن الحصين بن عقيل بن منصور، من أهل المنصورة -منصورة خوارزم فيما يظهر-، وهو متأخر عن داود بن الحصين المدني، فهو من أهل القرن الثالث، كما يتبين من حديثه الذي ساقه ابن حبان، وكلام ابن حبان عليه، ثم إن عبارة ابن حبان فيه لفظها: "حدث حديثين منكرين عن الثقات ... " (٤).

стр. 329

وترجم ابن الجوزي، ثم ابن حجر، لعمر بن راشد اليمامي، ولعمر بن راشد المدني الجارِي، وذكر ابن الجوزي في الأول منهما قول ابن حبان: "يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه، يضع الحديث على مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما من الثقات، وذكره ابن حجر بنحوه (١). وهذا القول قاله ابن حبان في الثاني منهما، وهو المعروف بالرواية عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما من علماء المدينة، وأما اليمامي فقال فيه ابن حبان: "كان ممن يروي الأشياء الموضوعة عن ثقات أئمة ... " (٢). وترجم المِزِّي لحفص بن حميد القُمِّي، وذكر فيه قول النسائي: "ثقة" (٣)، فتعقبه مغلطاي، ثم ابن حجر، بأن النسائي لم ينسبه إذ وثقه، فيحتمل أن يكون الذي بعده -يعني حفص بن حميد المَرْوَزي- (٤). وذكر الذهبي، وابن عبد الهادي، بعض أقوال النقاد في عبد الله بن عِصْمة -ويقال: ابن عُصْم- أبي علوان الحنفي اليمامي ثم الكوفي، ومن ذلك أن ابن عدي قال فيه: "له أحاديث أنكرتها" (٥)، وابن عدي إنما قال هذه الكلمة في عبدا لله بن عصمة النَّصِيبي، وقد أعادها الذهبي في ترجمته أيضا، وهو متأخر عن الأول، وقال ابن عدي فيه: "ولم أر للمتقدمين فيه كلاما" ولم يترجم لليمامي أصلا (٦).

стр. 330

ونقل مغلطاي في ترجمة الزِّبْرِقان بن عمرو بن أمية الضَّمْري، -ويقال: الزِّبْرِقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية -عن ابن المديني قال: "قال يحيى بن سعيد: كان زِبْرِقان السَّرَّاج ثقة، قلت: أكان ثبتا؟ قال: كان صاحب حديث، فقلت: إن سفيان لا يحدث عنه، قال: لم يره، وليت كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة -وهو زِبْرِقان بن عبد الله-" (١). وتابعه ابن حجر على هذا النقل، لكن ليس في نقله نسبته (السَّرَّاج). كذا ذكرا، والزِّبْرِقان بن عبد الله الذي فيه هذا النص ليس هو الضَّمْري، وإنما هو الزِّبْرِقان بن عبد الله أبو بكر الأسدي، المعروف بالسَّرَّاج، آخر، وقد تقدم نقل هذا النص بتمامه في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ونقل مغلطاي عن أحمد قوله في مصعب بن المقدام: "كان رجلا صالحا، فرأيت كتابا له فإذا هو كثير الخطأ، ثم نظرت بعد في حديثه فإذا أحاديثه متقاربة عن الثوري" (٢). وتابعه ابن حجر على هذا النقل (٣). والصواب أنه قال هذا في مصعب بن ماهان المَرْوَزي، وقد ذكر مغلطاي كلمة أحمد فيه بتمامها (٤)، وأشار إليها ابن حجر

стр. 331

أيضا (١)، وتابعهما بعض الباحثين، وأصلها عند المِزِّي لكنها عنده مختصرة جدا (٢)، لكونه نقلها من كتاب ابن أبي حاتم، فقد أخرجها عن علي بن أبي طاهر، عن الأثرم قال: "سمعت أبا عبد الله وذكر مصعب بن ماهان صاحب الثوري، فقال: كان رجلا صالحا، وأثنى عليه خيرا، كان حديثه مقاربا، فيه شيء من الخطأ" (٣). وقد أخرجها العقيلي بتمامها عن الخِضْر بن داود، عن الأثرم قال: "سمعت أبا عبد الله وذكر مصعب بن ماهان صاحب الثوري، فأثنى عليه خيرا، وقال: جاءني إنسان مرة بكتاب عنه، فإذا كثير الخطأ، فإذا -أَخَالُ- من الذي كتب عنه، فلما نظرت بعد في حديثه فإذا أحاديثه مقاربة، وفيها شيء من الخطأ (٤). وترجم ابن حجر لعمرو بن كَثِير القُبِّي، ونقل عن ابن الجُنَيْد أن ابن معين وثقه، والذي في "سؤالات ابن الجُنَيْد" أن اسم هذا الرجل جاء عرضا في نص عن راو آخر هو الذي فيه التوثيق، ثم هو فيه: عمر بن كَثِير، قال ابن الجُنَيْد: "سمعت يحيى بن معين يقول: حسان بن أبي يحيى الكندي ثقة كوفي، قلت: من روى عنه؟ قال: يعلى بن عبيد، ومروان، وهؤلاء، روى عن عمر بن كثير القُبِّي، قال: قلت لسعيد بن جبير، قلت ليحيى: ما القُبِّي؟ قال: يكون في القبة، أي في الرحبة بالكوفة" (٥).

стр. 332

وذكر ابن حجر أيضا في ترجمة أسامة بن زيد بن أسلم العدوي، أن عثمان الدرامي روى عن ابن معين قوله فيه: "ليس به بأس" (١)، فإن لم يكن في النسخة سقط فهو سبق نظر، وابن معين قال هذا في أسامة بن زيد الليثي، لكن أخشى أن يكون الخطأ في النسخة، فإن ابن حجر ينقله عن المِزِّي، وهو في "تهذيب الكمال" أتم منه على الصواب: قال عثمان بن سعيد الدارمي: "سألت يحيى بن معين عن أسامة بن زيد الليثي فقال: ليس به بأس، قلت: فأسامة بن زيد الصغير؟ فقال: ضعيف" (٢). وذكر أحد الأئمة في كتاب له في الرجال أن أبا زرعة قال في عبد الله بن نافع الصائغ: "لا بأس به"، فزاد عليه محقق الكتاب أقوالا أخرى لأبي زرعة، منها أنه خطأه في حديث يرويه عن نافع، عن ابن عمر، رفعه وهو موقوف، وأن مثل هذا يستدل به على ضعفه وسوء حفظه. وهذا النقل ليس بصواب، فعبد الله بن نافع هذا هو ابن نافع مولى ابن عمر (٣)، وأما الصائغ فهو متأخر، لم يلحق نافعا. وكذا فعل باحث آخر في رسالة له في الجرح والتعديل، ذكر هذا النص في معرض ترجمته لعبد الله بن نافع الصائغ. وترجم أحد الباحثين لسهيل بن أبي صالح ذكوان السَّمَّان، فذكر أقوال الأئمة فيه، ومن ضمن ما ذكره قول يعقوب بن سفيان: "ضعيف،

стр. 333

متروك الحديث"، ولما قرأت الترجمة استوقفني هذا النقل عن يعقوب، فسهيل تكلم فيه يسيرا من قبل حفظه، فراجعت النص فإذا هو قال هذه الكلمة في سهيل بن ذكوان الواسطي (١)، وهو متروك الحديث كذاب (٢)، وكأن الباحث قلد محقق الكتاب، فإنه خلط بينهما في الفهرس. ومر هذا النص بأحد الباحثين: "حدث عثمان بن عمر يحيى بن سعيد بحديث أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ : "منى كلها منحر" -وفيه كلام غير هذا (٣) - فتركه يحيى بأَخَرة لهذا الحديث"-، فعلق عليه الباحث بقوله: "تركه لعثمان بن عمر -وهو ابن فارس بن لقيط العبدي- لم يتبين وجهه، إلا أن يحيى بن سعيد كان لا يرضاه كما قال أبو حاتم (الجرح ٦: ١٥٩) ... " إلى آخر كلامه. وما فهمه الباحث من النص غير صحيح، فالذي تركه يحيى القطان من أجل هذا الحديث هو أسامة بن زيد، لا عثمان بن عمر، وكان يحيى يرى أن أسامة أخطأ في هذا الحديث، زاد فيه ذكر جابر، والصواب أنه عن عطاء مرسل (٤). النوع الثاني: أخطاء وأوهام في تعيين الناقد صاحب النص، فربما اشتبه الأمر على المؤلف أو الباحث فنسب قول ناقد لغيره، وليس هذا بالقليل أيضا، ولذلك أسباب متعددة، فقد تتداخل عليه النصوص،

стр. 334

أو يسبق نظره حين النقل، فينسب قول ناقد لناقد آخر، ثم إن بعض كتب الجرح والتعديل الأولى كالسؤالات جل مادة الكتاب لناقد من كلامه وأجوبته، لكن تلميذه ربما نقل عن غيره، فيظن أنه من كلام الأول، كما يفعل عبد الله بن أحمد في "العلل ومعرفة الرجال"، والمروذي في "العلل"، والبَرْذَعي في "أسئلته لأبي زرعة"، وغيرهم، وربما لم يسم الناقل عنه، لوروده في نص متقدم، والباقي معطوف عليه، فالذي يهجم على الموضع الذي لم يسم فيه لا يتردد في أنه من كلام الناقد المنسوب إليه الكتاب. أو يكون التعديل أو التجريح ورد في أثناء إسناد، فيحتاج تعيين صاحبه إلى تأمل. فمن ذلك أن العقيلي روى في ترجمة الهَيْثَم بن عبد الغفار الطائي عن عبد الله بن أحمد قال: "قال أبي: وسمعت هُشَيْما يقول: ادعوا الله لأخينا عباد بن العوام، سمعته يقول: كان يقدم علينا من البصرة رجل يقال له: الهَيْثَم بن عبد الغفار الطائي، فحدثنا عن همام، عن قتادة ... " (١) إلخ، ونقله عن العقيلي الذهبي، ولم يعترضه بشيء (٢). هكذا جاء النص عند العقيلي، فصار الكلام في الهَيْثَم بن عبد الغفار منسوبا لعباد بن العوام، وبمراجعة النص في أماكن، تبين أنه قد تداخل نصان على العقيلي، أحدهما ذكره أحمد، عن هُشَيْم، وفيه دعاء هُشَيْم لعباد بن العوام، وهو نص مستقل لا علاقة له بالهَيْثَم بن عبد الغفار، وقد ذكره عبد الله عن أبيه في مكان آخر أتم منه، وذكر فيه سبب دعاء

стр. 335

هُشَيْم لعباد، وهو أنه كان مريضا (١). وروى الفضل بن زياد، عن أحمد النص مطولا، وفيه يتضح مناسبة ذكر أحمد دعاء هُشَيْم لعباد، وهو تعجب أحمد من دعائه له مع أن عبادا يخطئ هُشَيْما في حديث رواه (٢). وأما النص الثاني فهو لأحمد في الهَيْثَم بن عبد الغفار، فالقائل: "كان يقدم علينا من البصرة رجل ... " هو أحمد، وقد ذكره عبد الله عن أبيه في مكان آخر مختصرا (٣). ونقل الذهبي عن الأزدي أنه ذكر عن سفيان الثوري بلا إسناد قوله: "إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة، كان أمره بَيِّنا، كان من أسرق الناس لحديث جيد"، وأردفه الذهبي بأنه قول باطل (٤). وتعقبه ابن حجر بأن الأزدي إنما نقله بالإسناد، لكن هو عن سفيان بن وكيع بن الجراح، لا عن سفيان الثوري، قال: "وسقط من النسخة التي وقف عليها الذهبي من كتاب الأزدي: ابن وكيع، فظن أنه حكاه عن سفيان الثوري"، ثم بين ابن حجر أن سفيان بن وكيع ضعيف لا يعتد به (٥)، وما قاله ابن حجر ظاهر جدا، وحماد بن أسامة من تلامذة سفيان الثوري (٦). وترجم الذهبي لزهير بن محمد المَرْوَزي وذكر أقوال الأئمة فيه،

стр. 336

ونسب إلى ابن معين فيه أقوالا، منها قوله: "ليس بالقوي"، وقوله: "ليس به بأس، عند عمرو بن أبي سلمة عنه مناكير" (١)، وهذان القولان للنسائي وليسا لابن معين (٢). وذكر ابن عبد الهادي عن الميموني أنه نقل عن أحمد قوله في ليث بن أبي سُلَيْم: "ذكر الليث بن أبي سُلَيْم، قال: ضعيف الحديث عن طاوس، وإذا جمع طاوس وغيره زيادة هو ضعيف"، فنسب ابن عبد الهادي هذا القول لأحمد، وأنه هو الذي ذكر ليثا فقال فيه هذا القول (٣). والذي يظهر أن هذا القول لابن معين، وقد عطفه الميموني على نص آخر عنه (٤)، بل نقله ابن رجب عن الميموني بلفظ: "سمعت يحيى ذكر ليث بن أبي سُلَيْم فقال: " ... " (٥). وروى أحمد عن عفان، عن مبارك بن فَضَالة، قال: سمعت الحسن يقول: حدثني عبد الله بن قُدَامة، عن السعدي -وكان السَّعْدي امرأ صدق-. فنسب أحد الباحثين إلى أحمد بناء على هذه الرواية أنه حسَّن حاله، ثم ذهب إلى أنه ثقة، وغير خاف أن قوله: "وكان السَّعْدي امرأ صدق" ليس من كلام أحمد، وإنما هو من كلام عبد الله بن قُدَامة فيما

стр. 337

يظهر، فيلزم النظر فيه، وفي الإسناد إليه، ويحتمل أن يكون من كلام الحسن، فيلزم النظر في الإسناد إليه كذلك. وذكر باحث آخر أن أحمد وثق عمر بن الحكم بن ثَوْبان، واعتمد على نص لأبي داود قال فيه: "سمعت أحمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم، عن عمر بن الحكم بن ثَوْبان -وكان ثقة-" (١). والظاهر أن هذا التوثيق ليس لأحمد، وإنما هو لأحد الرواة ممن فوقه، فهو في "المسند" هكذا أيضا (٢)، والأقرب أن يكون لابن إسحاق، فقد روى أحمد من طريقه عدة أسانيد مختلفة فيها توثيق، وأحمد إذا أراد أن يوثق في أثناء الإسناد نص ابنه على ذلك (٣). وفي "تهذيب التهذيب"، في ترجمة (محمد بن جابر اليمامي) أن أحمد قال فيه: "لا يحدث عنه إلا من هو شر منه"، وقد جرى بسبب هذه الكلمة مناقشات وردود بين بعض المشايخ والباحثين، مع أن الأمر محسوم من أصله، فهذا القول ليس لأحمد، وإنما هو لابن معين، لا تردد في ذلك، وكأن سبب الوهم في هذه النسبة كون هذا القول من رواية عبد الله بن أحمد، عن ابن معين (٤). وتجدر الإشارة هنا -ونحن في الكلام على نقل كلام ناقد في راو

стр. 338

إلى راو آخر، أو نقل كلام ناقد إلى ناقد آخر- تجد الإشارة إلى ضرورة أن يأخذ الباحث حذره وهو ينقل عن كتب الأئمة المتقدمين، كالسؤالات، والعلل، فقد تصدى لتحقيق هذه الكتب عدد من الباحثين، واجتهدوا في تفسير بعض الرواة، أو بعض النقاد، وربما لم يصيبوا في اجتهادهم، وسيأتي ذكر نماذج لذلك في فصل (تمييز الرواة)، فموضوعنا هنا يندرج تحته في النهاية. وبعض تلك الأوهام ظاهر لا يحتاج إلى عناء كبير لاكتشافه، وبعضها خفي يحتاج إلى تأمل، فقد كاد أحد الباحثين الفضلاء أن يوقعني في زلة، وذلك أنني قلدته في تفسيره لنص، والنص مشكل على هذا التفسير، فذهبت أعالج هذا الإشكال، ثم تبين لي أن هناك تفسيرا آخر أقرب من تفسير الباحث، وأن النص لا إشكال فيه، فقد نقل أحد تلامذة النقاد عن شيخه قوله: "أبو هؤلاء -يعني محمد بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة- لا بأس به". فذكر المحقق أن المقصود بمحمد هذا محمد بن إبراهيم بن عثمان، والد أبي بكر بن أبي شيبة، الحافظ، صاحب "المصنف"، وأما عثمان فهو ولده الآخر أخو أبي بكر، وهو أيضا حافظ له تصانيف، فيكون المراد بقول الناقد "لا بأس به" والد محمد بن إبراهيم بن عثمان أبا شيبة القاضي، وجد عثمان المذكور، وعلى هذا التفسير لا مناص من تغليط تلميذ الناقد، فإبراهيم هذا متروك الحديث لم يختلف فيه (١)، وقد رماه هذا الناقد بالكذب، فلا يحتمل أن يقول فيه: "لا بأس به". واتضح لي أن هناك احتمالا آخر في تعيين المراد أظهر مما سبق،

стр. 339

فمحمد المذكور في النص هو محمد بن عثمان بن أبي شيبة، صاحب علي بن المديني، وعثمان المذكور والده أخو أبي بكر، وكأن تلميذ الناقد نص عليهما لأن محمدا كان موجودا في زمنه، فهو من أقرانه، وذكر معه والده عثمان، وعليه فالمقصود بقول الناقد: "لا بأس به"- محمد بن إبراهيم بن عثمان، والد أبي بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وقد وثقه ابن معين أيضا (١)، ولم يجرحه أحد، فالنص لائق به جدا. والخلاصة أن الباحث حين يريد الاستفادة من قول ناقد عليه أن ينظر في ثبوته عنه، ويتأكد هذا حين يبدو أن القول فيه شيء من الغرابة بالنسبة لحال الراوي، وأقوال الأئمة فيه، وكذلك أقوال الناقد الأخرى فيه، ولهذا نص ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه العظيم "الجرح والتعديل" على أنه يحذف من أقوال الأئمة في الراوي إذا تضارب النقل عنهم ما هو غير لائق بحال على الراوي، قال: "ونظرنا في اختلاف أقوال الأئمة في المسؤولين عنهم فحذفنا تناقض قول كل واحد منهم، وألحقنا بكل مسؤول عنه ما لاق به وأشبهه من جوابهم (٢). وروى البَرْذَعي قال: "سمعت أبا زرعة يقول: هشام بن سعد واهي الحديث، أتقنت ذلك عن أبي زرعة، وهشام عند غير أبي زرعة أجل من هذا الوزن، فتفكرت فيما قال أبو زرعة، فوجدت في حديثه وهما كثيرا"، وساق مثالا على ذلك (٣).

стр. 340

فنلحظ أن البَرْذَعي توقف في كلمة أبي زرعة بسبب حال هشام بن سعد عند النقاد الآخرين، وبحث عن مخرج لهذا الاختلاف، غير خطئه هو، فإنه قد أتقنه وحفظه عن أبي زرعة، وهذا يشير إلى تسليم البَرْذَعي بأن الناقل قد يخطئ، ثم عاد فتأمل حديث هشام بن سعد فوجد فيه وهما كثيرا، فبدا له أن قول أبي زرعة مناسب لحال هشام بن سعد. وما ذكره البَرْذَعي غير كاف للتسليم بصحة هذا النقل عن أبي زرعة، وذلك لسبببين: الأول: أن الأئمة الذين ذكر البَرْذَعي أن حال هشام بن سعد عندهم أجل مما ذكره أبو زرعة مطلعون على وهم هشام بن سعد، ومع هذا فليس هو عندهم -على كثرتهم- واهي الحديث (١)، وإنما تكلموا فيه من قبل حفظه، والسبب الثاني: أن أبا زرعة نفسه قد قال في هشام بن سعد فيما نقله عنه ابن أبي حاتم: "شيخ محله الصدق، وكذلك محمد بن إسحاق هو هكذا عندي، وهشام أحب إلي من محمد بن إسحاق" (٢). وعليه فلا يزال هناك نظر في ثبوت قول أبي زرعة في هشام بن سعد: "واهي الحديث". ومثل ذلك قول الجوزجاني في سعيد بن عُفَيْر: "كان فيه غير لون من البدع، وكان مخلطا غير ثقة" (٣)، وفي الرواة سعيد بن كثير بن عُفَيْر المصري، ينسب إلى جده كثيرا، وقد ذكر الأئمة هذه الكلمة في ترجمته (٤)، لكنه ثقة إمام مشهور، لم ينسب إلى شيء من البدع، فكلمة

стр. 341

الجوزجاني هذه لا تناسب حاله أبدا، ولذا لجأ ابن عدي إلى التشكيك في ثبوتها عن الجوزجاني في هذا الراوي، وأبدى احتمالا أن يكون قصد شخصا آخر، مع أنه لا يعرف في الرواة من يقال له سعيد بن عُفَيْر غير هذا، قال ابن عدي: "وهذا الذي قاله السَّعْدي لا معنى له، ولم أسمع أحدا، ولا بلغني عن أحد من الناس كلاما في سعيد بن كثير بن عُفَيْر، وهو عند الناس صدوق ثقة ... ، إلا أن يكون السَّعْدي أراد به سعيد بن عُفَيْر آخر، وأنا لا أعرف سعيد بن عُفَيْر غير المصري ... " (١). وفي ختام هذا الموضوع -وهو التثبت مما ينسب إلى النقاد- لابد من التنبه إلى جانب آخر في الموضوع، وهو التأني أيضا في دعوى وجود وهم فيما نقل عن الناقد، وفي دعوى وقوع تحريف في نص أدى إلى نقل قول ناقد في راو إلى راو آخر، أو إلى نسبة قول ناقد لناقد آخر، فقول المدعي هو اجتهاد منه، يحتمل الخطأ أيضا، وسأذكر نماذج مما ادعى فيه شيء مما تقدم، وتكون الدعوى محل نظر، ليتبين للقارئ أهمية فحص ما يريد أن يعتمده، وقد يبني عليه حكما. فمن ذلك أن الدوري نقل عن ابن معين قوله: "المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي صاحب أبي الزناد ليس بشيء"، وقوله: "المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي ثقة". وأما أبو داود فقد ضعف المخزومي، فذكر له الآجُرِّي أن عباسا

стр. 342

الدوري نقل عن ابن معين أنه ضعف الحزامي، ووثق المخزومي، فقال أبو داود: "غلط عباس" (١). وقد نقل ابن مُحْرِز عن ابن معين معنى ما نقل عباس الدوري، لكنه قال في الحزامي: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث الحزامي (٢)، ولم يذكر أحد في ترجمته أن في أجداده الحارث، وإنما ذاك في المخزومي، ومع هذا فنقل ابن مُحْرِز يبعد احتمال وقوع الدوري في الخطأ. ونقل المِزِّي في ترجمة سعد بن سعيد الأنصاري، عن أبي حاتم قوله فيه: "مؤد" (٣)، فتعقبه مغلطاي بأي الذي قال هذا هو ابن معين وليس أبو حاتم (٤)، وتابعه ابن حجر فاستدركه على المِزِّي، ونسبها إلى ابن معين، إلا أنه لم ينفه عن أبي حاتم (٥)، وقد تبين أن الصواب مع المِزِّي، فالكلمة لأبي حاتم، ولكن روى أبو حاتم قبلها عن إسحاق بن منصور، عن ابن معين قوله فيه: "صالح" (٦)، فيظهر أن في نسخة مغلطاي من "الجرح والتعديل" سقطا. وذكر الذهبي أن أبا حاتم قال في شيبان بن عبد الرحمن: "كوفي حسن الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به" (٧).

стр. 343

وتعقبه ابن حجر بأن هذا وهم في النقل، والنص في كتاب ابن أبي حاتم ليس فيه عبارة: "ولا يحتج به"، وكذا نقله الباجي، والمِزِّي (١). وهذه العبارة موجودة في النسختين اللتين طبع عليهما كتاب ابن أبي حاتم، فتبين أن الذهبي لم يهم، وإنما هو اختلاف نسخ (٢). وذكر أحد الباحثين أن ابن عدي نسب إلى ابن معين قوله في رواية الدوري في كل من أبي بكر بن نافع، وأخيه عمر: "ليس بشيء"، وأن الذهبي تعقب ابن عدي في ذلك، فابن معين قاله في غيرهما، وبمراجعة كلام ابن عدي، والذهبي، تبين أن هذا غير دقيق، فلم يذكر ابن عدي هذه الكلمة إلا في عمر، وهو الذي تعقبه الذهبي فيه. ومرّ أحد الباحثين بعبارة في "العلل الصغير" للترمذي وهي ما رواه عن أحمد بن عبدة، عن وهب بن زَمْعَة، عن عبد الله بن المبارك: "أنه ترك حديث الحسن بن عُمَارة ... ، والحكم، وحُبَيِّب، الحكم روى له حديثا في كتاب "الرقائق" ثم تركه، قال: وحُبَيِّب لا أدري (٣) " (٤)، فذكر الباحث أن في العبارة خطأ، والصواب: " .... ، والحكم، وحُبَيِّب بن حجر، والحكم روى له حديثا ... "، واعتمد الباحث على ما جاء في النسخة التي يشرح عليها ابن رجب (٥). وما في المطبوع من "سنن الترمذي" جاء مثله في النسخة

стр. 344

المخطوطة نسخة الكَرُوخي، وهي نسخة موثقة، وهو كذلك في طبعات أخرى كثيرة للسنن، والعبارة غير مشكلة، بل الإشكال على ما جاء في نسخة ابن رجب، من نسبة حُبَيِّب، وأنه ابن حُجْر، فقد أشار ابن رجب إلى إشكال في النص من جهتين، إحداهما: أن ابن المبارك قد روى عن حُبَيِّب بن حُجْر، والثانية: أن ابن عدي قد روى النص السابق بإسناده إلى الترمذي، وفيه نسبة حُبَيِّب، وأنه حُبَيِّب بن حَبِيْب، وهو حُبَيِّب بن حَبِيْب -أو ابن أبي حَبِيْب- الزيات، أخو حمزة صاحب القراءة المشهورة (١). وعلى هذا فالأقرب في تفسير الذي تركه ابن المبارك أن يكون حُبَيِّبا الزيات، ويؤيده أنه لم يذكر لابن المبارك رواية عنه. والخلاصة أن معالجة مثل هذا النص لا يحسن أن يكون بهذه العجلة والحكم الجازم دون ترو، كما وقع من هذا الباحث، والله أعلم.

стр. 345

المبحث الثاني: سلامة النص قد يعتري النص خلال مسيرته منذ صدوره عن قائله إلى أن يصل إلينا شيء من التغيير، إما بقصد أو بغير قصد، وهذا التغيير قد يبعد النص عن المعنى الذي أراده منه قائله، وقد يكون تأثيره محدودا، كأن يطلقه وهو مقيد، أو يقيده وهو مطلق. ومن دقة الباحث أن يكون شديد الملاحظة، بحيث يراعي أي تغيير وقع لنص أمامه. وقد تأملت ما يقع من تصرف في النصوص فوجدته يرجع إلى خمس صور: الصورة الأولى: حكاية معنى النص ، أي أن الناقل للنص يعبر بعبارة من عنده عما فهمه من الناقد، إما بغرض الاختصار للقارئ، أو لسبب آخر، وأكثر ما يقع ذلك من تلامذة النقاد، كأحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو بن علي الفلاس، فيما ينقلونه عن يحيى القطان، أو عبد الرحمن بن مهدي، وكأبي داود، وعبد الله بن أحمد، والمروذي، وإسحاق بن هانئ، فيما ينقلونه عن أحمد، وكعباس الدُّوري، وعثمان الدارمي، وابن الجُنَيْد، فيما ينقلونه عن ابن معين، فهؤلاء وأمثالهم ربما عبروا عما فهمومه من جواب الناقد بعبارة من عندهم، وقد يقع هذا من مؤلفي الكتب وغيرهم، كالذهبي، وابن عبد الهادي. وفي الأغلب الأعم يستخدمون عبارات مشهورة متداولة، كأن يقول

стр. 346

التلميذ في حكاية الجرح: سألت عنه فلانا فلينه، أو ضعفه، أو فكأنه ضعفه، أو مرض فيه القول، أو أغلظ فيه القول، أو وهاه، أو ذمه، أو جرحه، أو غمزه، أو كان فلان يستضعفه، أو لم يره شيئا، أو يسيء الرأي فيه، أو يحمل عليه، ونحو ذلك، وفي حكاية التعديل: سألته عنه فقواه، أو رفع من شأنه، أو أثنى عليه، أو مدحه، أو رأيته يُحَسِّن أمره، أو يرفعه، أو يوثقه، أو يقويه، أو يمدحه، أو يُطْرِيه، ونحو ذلك، وكأن يقول الذهبي مثلا: لينه أحمد، أو أبو حاتم، أو ضعفه ابن معين، أو حط عليه، أو قواه أحمد، أو مشَّاه ابن معين، ونحو ذلك. وربما استخدموا عبارات قليلة التداول، نادرة الاستعمال، مثل ما نقله النَّضْر بن شُمَيْل، عن ابن عون، في شَهْر بن حَوْشَب: "إن شَهْرا نزكوه، إن شَهْرا نزكوه"، قال النَّضْر في بعض الروايات عنه مفسرا ذلك: "نزكوه، أي طعنوا فيه" وقال أحمد مفسرا له أيضا: "يعني بذلك: رموه بشيء، وضعفوه" (١). وفي رواية أخرى عن ابن عَوْن قال: "إن شعبة نزك شهرا" (٢). ومثله قول وكيع: "ذكر شعبة داود بن فَراهِيْج فَقَصَبَه -يعني تكلم فيه-" (٣).

стр. 347

وقول أبي حفص الأَبَّار، في إبراهيم قُعَيْس المدني: "أول ما طلبت الحديث رأيت أهل العلم ينكرون حديثه، وكذلك حماد بن يحيى الأَبَحّ، كنت أرى لهؤلاء من أهل الحديث (كذا) يتقون حديثهما، ويستخفون بحديثهما، وكذلك رأيتهم يستثقلون أبا يحيى الحِمَّاني، ويتحفظون من حديثه" (١). وكذا استخدم أحمد لفظ (الاستخفاف)، قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن أيوب أبي العلاء، فقال: ليس به بأس، وكان يزيد بن هارون لا يَسْتَخِفُّه، أظنه قال: كان لا يحفظ الإسناد" (٢). واستخدم أحمد أيضا لفظ (الاستمراء)، فقال في عمر بن عامر: "كان يحيى بن سعيد لا يستمريه" (٣). وقال أبو حاتم في عمر بن هارون البلخي: "ضعيف الحديث، نَخَسَه ابن المبارك نَخْسَة، فقال: إن عمر بن هارون يروي عن جعفر بن محمد، وقد قدمت قبل قدومه، وكان قد توفي جعفر بن محمد" (٤). وقال أبو حاتم أيضا: "سئل يحيى بن معين، عن سعيد بن عبد الجبار الحمصي، فَضَجَّع فيه"، يعني وَهَّنه وضعفه (٥).

стр. 348

وحكاية آراء النقاد من قبل تلامذتهم أو من جاء بعدهم من القضايا المهمة في باب الجرح والتعديل، ولم تتناول بدراسة خاصة مستفيضة، وسمعت أخانا وشيخنا فضيلة الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ﵀ أكثر من مرة يتمنى أن يتصدى لها باحث، يجمع شتاتها، ويدرس ألفاظها. والذي أريد أن قوله هنا -وقد اجترأت عليه، فلا أعزوه لأحد قبلي- أن حكاية رأي الناقد تأتي في مرتبة ثانية بعد نقل نص قوله، فكل ما يتعرض له نقل النص من ردٍّ أو تأويل عند الحاجة لذلك فحكاية رأيه من باب أولى، وكذا إذا تعارض نقل النص مع حكاية الرأي قُدِّم الأول. وإنما قلت ذلك لسببين، السبب الأول: أنه قد قيل مثله في حكاية الصحابي لحديث رسول الله ﷺ ، وأنه يأتي في المرتبة الثانية، بعد نقل النص النبوي، فموضوعنا هنا من باب أولى، قال ابن العربي عند كلامه على حديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته": "قد بينا أن قول الصحابة: نهى رسول الله ﷺ عن كذا، أو أمر بكذا- في الدرجة الثانية من الخبر، إذ لم يذكر قول رسول الله ﷺ بنصه، وإنما نقل معناه، وهو مقبول إجماعا" (١). والسبب الثاني: الوقوف على شيء من تفسير بعض تلاميذ النقاد لكلام شيوخهم ويكون في هذا التفسير نظر راجح، أو محتمل، فيفيدنا هذا أن فهم التلميذ أو من جاء بعده لكلام الناقد قد يخالف فيه، وقد يكون الصواب مع غيره، وحينئذ فنقله للنص أقوى من حكايته لرأي الناقد.

стр. 349

فمن ذلك ما رواه ابن الجُنَيْد قال: سمعت يحيى يقول -وسئل عن سَلْم العلوي- فقال: لا بأس به، فقال أحمد بن عبد السلام: أليس هو الذي يقول شعبة: ذاك الذي يرى الهلال؟ فقال: ليس به بأس، كان يرى الهلال قبل الناس، كان حَدِيد البصر" (١). كذا جاءت هذه الرواية عن ابن معين، وقد جاءت عنه روايات أخرى، منها ما يوافق هذه الرواية في تقويته، ومنها ما يخالفها (٢)، والشاهد هنا هو أن المشهور في مراد شعبة -وكذا غير شعبة-غير ما ذكره ابن معين، فمرادهم رميه بالتغفيل، وأنه يتوهم رؤيته للهلال، فيزعم أنه رآه، وذلك قبل أن يراه الناس بليلة أو ليلتين، وقد قيل إن أشفار عينيه قد ابيضتا، وكان ينظر فيراها فيظن أنه الهلال (٣). وذكر ابن حجر، عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن مهدي، قوله في إسرائيل بن يونس: "إسرائيل لِصّ، يسرق الحديث" (٤). وروى النص عبد الله بن أحمد، قال: "حدثني أبو بكر بن أبي شيبة (أخو عثمان) قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان إسرائيل في الحديث لِصَّا، قال ابن أبي شيبة: لم يرد أن يذمَّه"، وعقَّب عليه عبد الله بن أحمد بقوله: "كان الثوري يحدث عن الرجل عشرة أو

стр. 350

نحوها، ويحدث عنه إسرائيل عشرين، ثلاثين، وكان إسرائيل صاحب كتاب، والثوري يحفظ" (١). وروى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد كلمة ابن مهدي، وفسرها بقوله: "يعني أنه يتلقف العلم تلقفا" (٢). فكلمة ابن مهدي هذه إذن ثناء على إسرائيل، لا جرح له كما فسرها عثمان بن أبي شيبة (٣). ويشبه هذا وصف الراوي بأنه شيطان، قد يكون مدحا له، كما تقدم في (المبحث الأول) من (الفصل الأول) في الكلام على المذاكرة، في وصف سفيان الثوري ليحيى القطان، وكذا فعل شعبة مع أَوْس ابن ضَمْعَج، قال: "والله ما أُراه كان إلا شيطانا -يعني لجودة حديثه-" (٤). وذكر الميموني قال: "تذاكرنا يوما شيئا اختلفوا فيه، فقال رجل: ابن أبي شيبة يقول: عن عفان، قال أبو عبد الله، دع ابن أبي شيبة في ذا، انظر إيشْ يقول غيره -يريد أبو عبد الله: كثرة خطئه-" (٥). وروى الخطيب هذا النص بإسناده ثم علق عليه بقوله: "أرى أن أبا عبد الله لم يرد ما ذكره الميموني من أن أبا بكر كثير الخطأ، وأظن حديث عفان الذي ذكر له عن أبي بكر قد كان عنده، فأراد غيره ليعتبر

стр. 351

به الخلاف، والله أعلم" (١). وليس المقصود بهذا موافقة الخطيب على اعتراضه، فكلام الميموني محتمل أيضا (٢)، وإنما المقصود أن اجتهاد حاكي الجرح أو التعديل قد يكون محلا للنظر. وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول -وكان ذكر من يقدم في سفيان-، فقال: لا أقدم بعد هؤلاء: الأشجعي وأصحابه، على الفِرْيابي -يعني أنه يعد الأشجعي وأصحابه بعد الفِرْيابي، في الطبقة التي تليهم-" (٣). كذا جاء هذا التفسير، فإن لم يكن في العبارة تحريف ويكون صوابها: "يعني أنه يعد الأشجعي وأصحابه، ويعد الفِرْيابي في الطبقة التي تليهم" فهو مقلوب فيما يظهر، فمراد أحمد أن الفِرْيابي يأتي في الطبقة الثانية بعد الأشجعي وأصحابه، ويعني بأصحابه المتقنين من أصحاب سفيان، وهم يحيى القطان، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وكذا قال ابن معين، وابن المديني، وغيرهما (٤). وقال أبو داود أيضا: "قلت لأحمد: عاصم بن ضَمْرة أحب إليك أم الحارث؟ فقال: عاصم، أي شيء لعاصم من المناكير؟ "، قال

стр. 352

الحسين بن إدريس راوي السؤالات عن أبي داود: "أي ليس له مناكير" (١). وما ذكره الحسين محتمل، ويحتمل النص معنى آخر، وهو أن لعاصم مناكير لكنها قليلة بالنسبة لما عند الحارث الأعور. وقد يكون الحاكي اختصر جدا في حكاية قول الإمام، فأورث هذا اضطرابا في فهم مراد الحاكي نفسه، مثال ذلك ما رواه ابن أبي حاتم بإسناده عن علي بن المديني، قال: "سمعت يحيى بن سعيد -وقيل له في سعيد بن عبد الرحمن أخي أبي حرة: إن عبد الرحمن بن مهدي يقول: هو أثبت شيخ بالبصرة، قال يحيى: إيش أقول لك؟ -كأنه يضعفه-"، عقب عليه ابن أبي حاتم بقوله: "يدل قول يحيى على إنكار قول عبد الرحمن بن مهدي: إنه أثبت شيخ بالبصرة، لا أنه يضعفه" (٢). فمراد ابن أبي حاتم أن التضعيف راجع إلى كلام ابن مهدي، وليس إلى سعيد بن عبد الرحمن، وذهب جماعة آخرون إلى أن المقصود بالتضعيف هو سعيد، فقد ترجم له العقيلي، وابن عدي، ولم يذكرا في تضعيفه سوى هذا النص (٣)، وقال الذهبي: "لينه القطان" (٤). وحينئذٍ فيتوقف في حكاية قول الناقد متى ظهر ما يوجب التوقف، كمعارضة لنص منقول عن الناقد، أو يكون التفسير لا يناسب حال الراوي، ونحو ذلك، ومن تطبيقات هذا أن عبد الله بن علي بن

стр. 353

المديني نقل عن والده قوله في الحسن بن موسى الأَشْيَب: "كان ببغداد -وكأنه ضعفه-"، كذا وقعت العبارة عند ابن حجر، وتعقبه بقوله: "هذا ظن لا تقوم به حجة، وقد كان أبو حاتم الرازي يقول: سمعت علي بن المديني يقول: الحسن بن موسى الأَشْيَب ثقة، هذا التصريح الموافق لأقوال الجماعة أولى أن يعمل به من ذلك الظن" (١). الصورة الثانية: بتر النص ، فيلاحظ من مقارنة النصوص أن بعضها قد أُسقط جزء منه، وأكثر ما يكون ذلك من آخره، أو من أوله. ثم قد يكون هذا بسبب اختلاف الرواية، وقد يكون بسبب الناقل للنص، إما سهو منه، أو فعله عن عمد، بغرض الاختصار، أو لأن حاجته تنتهي في الجزء الذي ذكره، أو لأن ما أسقطه من النص يفسد عليه الاستدلال بالجزء الذي ذكره، لكن هذا الأخير لا يفعله إلا من تكلف الدفاع عن راو، أو تكلف القدح فيه. وليس الكلام هنا في حكم فعل ما تقدم، فإن مرجعه إلى القصد والنية، وإنما الغرض هنا أن على الباحث أن يحرص على الوقوف على أتم لفظ للنص الذي يريد أن يستفيد منه، فقد يجد في تمام النص ما يقيده، أو يفسره، أو ينزله على حالة معينة، ثم الباحث في خاصة نفسه يلتزم سوق نصوص النقاد بتمامها، وحين يضطر للخروج عن ذلك

стр. 354

يدرس النص بعناية، حتى يغلب على ظنه أن ما أسقطه منه لا تأثير له، أو له تأثير يسير يغتفر في باب الضرورات، فالأمر كما قال السخاوي: "ينبغي حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها، ليتبين ما لعله خفي منها على كثير من الناس" (١). ولتوضيح خطورة قطع النصوص واجتزائها سأذكر الآن نماذج مما وقفت عليه من نصوص وقع فيها ذلك، دون التعرض للغرض منه. فمن ذلك أن البخاري روى عن عمرو بن علي الفلَّاس قوله: "كان يحيى لا يحدث عن أبي معشر المدني، ويضعفه جدا، ويضحك إذا ذكره" (٢). وروى النص محمد بن إبراهيم بن شعيب، ومحمد بن الحسن البابْسِيْري، عن عمرو بن علي، وزادا فيه: "وكان عبد الرحمن يحدث عنه"، إلا أن الأول ليس في روايته: "جدا" (٣). ورواه عنه محمد بن عيسى، وزاد على الزيادة: "ثم تركه" (٤). وروى ابن أبي حاتم، عن عباس الدوري قوله: "سمعت يحيى بن معين يقول: أبو الأسباط الحارثي شيخ كوفي، يحدث بمناكير" (٥). والنص في "تاريخ الدوري" أتم منه، ولفظه: "حاتم بن إسماعيل يروي عن أبي أسباط الحارثي، شيخ كوفي، وهو ثقة، قلت له: هو

стр. 355

ثقة؟ قال: يحدث بمناكير" (١)، وكذا أخرجه ابن عدي (٢)، وذكره المِزِّي (٣). وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح بن أحمد، عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: "ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله عندي أحد" (٤)، وأخرجه في موضع آخر وزاد فيه: "وكان أعلم بالرجال، وكان سفيان صاحب أبواب" (٥). وأخرجه في موضعين آخرين باللفظ الأول، وزاد فيه -وهذا موضع الشاهد هنا-: "وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان" (٦)، وكذا أخرجه الخطيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني بنحوه (٧). وأخرج أيضا عن علي بن الحسين بن الجُنَيْد، عن محمد بن عبد الله بن نُمَيْر قوله في ذَوَّاد بن عُلْبَة: "كان شيخا صالحا صدوقا كوفيا، قرابة لمُطَرِّف بن طِرِيف" (٨)، وأخرجه في موضع آخر، وزاد فيه: "ليس من أصحاب الحديث" (٩). وروى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه قوله في رِزَام
следующие страницы →