← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 155

الجرح والتعديل - اللاحم

إبراهيم اللاحم

Полный текст (549 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

به الخلاف، والله أعلم" (١). وليس المقصود بهذا موافقة الخطيب على اعتراضه، فكلام الميموني محتمل أيضا (٢)، وإنما المقصود أن اجتهاد حاكي الجرح أو التعديل قد يكون محلا للنظر. وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول -وكان ذكر من يقدم في سفيان-، فقال: لا أقدم بعد هؤلاء: الأشجعي وأصحابه، على الفِرْيابي -يعني أنه يعد الأشجعي وأصحابه بعد الفِرْيابي، في الطبقة التي تليهم-" (٣). كذا جاء هذا التفسير، فإن لم يكن في العبارة تحريف ويكون صوابها: "يعني أنه يعد الأشجعي وأصحابه، ويعد الفِرْيابي في الطبقة التي تليهم" فهو مقلوب فيما يظهر، فمراد أحمد أن الفِرْيابي يأتي في الطبقة الثانية بعد الأشجعي وأصحابه، ويعني بأصحابه المتقنين من أصحاب سفيان، وهم يحيى القطان، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وكذا قال ابن معين، وابن المديني، وغيرهما (٤). وقال أبو داود أيضا: "قلت لأحمد: عاصم بن ضَمْرة أحب إليك أم الحارث؟ فقال: عاصم، أي شيء لعاصم من المناكير؟ "، قال

стр. 352

الحسين بن إدريس راوي السؤالات عن أبي داود: "أي ليس له مناكير" (١). وما ذكره الحسين محتمل، ويحتمل النص معنى آخر، وهو أن لعاصم مناكير لكنها قليلة بالنسبة لما عند الحارث الأعور. وقد يكون الحاكي اختصر جدا في حكاية قول الإمام، فأورث هذا اضطرابا في فهم مراد الحاكي نفسه، مثال ذلك ما رواه ابن أبي حاتم بإسناده عن علي بن المديني، قال: "سمعت يحيى بن سعيد -وقيل له في سعيد بن عبد الرحمن أخي أبي حرة: إن عبد الرحمن بن مهدي يقول: هو أثبت شيخ بالبصرة، قال يحيى: إيش أقول لك؟ -كأنه يضعفه-"، عقب عليه ابن أبي حاتم بقوله: "يدل قول يحيى على إنكار قول عبد الرحمن بن مهدي: إنه أثبت شيخ بالبصرة، لا أنه يضعفه" (٢). فمراد ابن أبي حاتم أن التضعيف راجع إلى كلام ابن مهدي، وليس إلى سعيد بن عبد الرحمن، وذهب جماعة آخرون إلى أن المقصود بالتضعيف هو سعيد، فقد ترجم له العقيلي، وابن عدي، ولم يذكرا في تضعيفه سوى هذا النص (٣)، وقال الذهبي: "لينه القطان" (٤). وحينئذٍ فيتوقف في حكاية قول الناقد متى ظهر ما يوجب التوقف، كمعارضة لنص منقول عن الناقد، أو يكون التفسير لا يناسب حال الراوي، ونحو ذلك، ومن تطبيقات هذا أن عبد الله بن علي بن

стр. 353

المديني نقل عن والده قوله في الحسن بن موسى الأَشْيَب: "كان ببغداد -وكأنه ضعفه-"، كذا وقعت العبارة عند ابن حجر، وتعقبه بقوله: "هذا ظن لا تقوم به حجة، وقد كان أبو حاتم الرازي يقول: سمعت علي بن المديني يقول: الحسن بن موسى الأَشْيَب ثقة، هذا التصريح الموافق لأقوال الجماعة أولى أن يعمل به من ذلك الظن" (١). الصورة الثانية: بتر النص ، فيلاحظ من مقارنة النصوص أن بعضها قد أُسقط جزء منه، وأكثر ما يكون ذلك من آخره، أو من أوله. ثم قد يكون هذا بسبب اختلاف الرواية، وقد يكون بسبب الناقل للنص، إما سهو منه، أو فعله عن عمد، بغرض الاختصار، أو لأن حاجته تنتهي في الجزء الذي ذكره، أو لأن ما أسقطه من النص يفسد عليه الاستدلال بالجزء الذي ذكره، لكن هذا الأخير لا يفعله إلا من تكلف الدفاع عن راو، أو تكلف القدح فيه. وليس الكلام هنا في حكم فعل ما تقدم، فإن مرجعه إلى القصد والنية، وإنما الغرض هنا أن على الباحث أن يحرص على الوقوف على أتم لفظ للنص الذي يريد أن يستفيد منه، فقد يجد في تمام النص ما يقيده، أو يفسره، أو ينزله على حالة معينة، ثم الباحث في خاصة نفسه يلتزم سوق نصوص النقاد بتمامها، وحين يضطر للخروج عن ذلك

стр. 354

يدرس النص بعناية، حتى يغلب على ظنه أن ما أسقطه منه لا تأثير له، أو له تأثير يسير يغتفر في باب الضرورات، فالأمر كما قال السخاوي: "ينبغي حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها، ليتبين ما لعله خفي منها على كثير من الناس" (١). ولتوضيح خطورة قطع النصوص واجتزائها سأذكر الآن نماذج مما وقفت عليه من نصوص وقع فيها ذلك، دون التعرض للغرض منه. فمن ذلك أن البخاري روى عن عمرو بن علي الفلَّاس قوله: "كان يحيى لا يحدث عن أبي معشر المدني، ويضعفه جدا، ويضحك إذا ذكره" (٢). وروى النص محمد بن إبراهيم بن شعيب، ومحمد بن الحسن البابْسِيْري، عن عمرو بن علي، وزادا فيه: "وكان عبد الرحمن يحدث عنه"، إلا أن الأول ليس في روايته: "جدا" (٣). ورواه عنه محمد بن عيسى، وزاد على الزيادة: "ثم تركه" (٤). وروى ابن أبي حاتم، عن عباس الدوري قوله: "سمعت يحيى بن معين يقول: أبو الأسباط الحارثي شيخ كوفي، يحدث بمناكير" (٥). والنص في "تاريخ الدوري" أتم منه، ولفظه: "حاتم بن إسماعيل يروي عن أبي أسباط الحارثي، شيخ كوفي، وهو ثقة، قلت له: هو

стр. 355

ثقة؟ قال: يحدث بمناكير" (١)، وكذا أخرجه ابن عدي (٢)، وذكره المِزِّي (٣). وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح بن أحمد، عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: "ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله عندي أحد" (٤)، وأخرجه في موضع آخر وزاد فيه: "وكان أعلم بالرجال، وكان سفيان صاحب أبواب" (٥). وأخرجه في موضعين آخرين باللفظ الأول، وزاد فيه -وهذا موضع الشاهد هنا-: "وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان" (٦)، وكذا أخرجه الخطيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني بنحوه (٧). وأخرج أيضا عن علي بن الحسين بن الجُنَيْد، عن محمد بن عبد الله بن نُمَيْر قوله في ذَوَّاد بن عُلْبَة: "كان شيخا صالحا صدوقا كوفيا، قرابة لمُطَرِّف بن طِرِيف" (٨)، وأخرجه في موضع آخر، وزاد فيه: "ليس من أصحاب الحديث" (٩). وروى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه قوله في رِزَام

стр. 356

بن سعيد: "ثقة، حدثنا عنه وكيع، وأبو أحمد" (١). والنص عند عبد الله بن أحمد بنحوه، لكن زاد فيه بعد قوله: "ثقة"-: "ما أقرب حديثه" (٢). وذكر ابن حبان بشر بن شعيب الحمصي في "الثقات"، وقال فيه: "كان متقنا" (٣)، وذكر الذهبي، وابن حجر أن ابن حبان ذكره في الضعفاء، وذكر فيه قول البخاري: "تركناه"، وتعقباه بأن البخاري إنما قال: "تركناه حيا سنة اثنتي عشرة ومئتين" (٤)، وترجمة بشر بن شعيب غير موجودة في النسخ المطبوعة من "المجروحين"، فلعلها في بعض النسخ. ونقل الإسماعيلي، عن أحمد قوله في عَبَّاد بن العَوَّام: "مضطرب الحديث"، وتعقبه ابن حجر بأن كلمة أحمد فيه مقيدة بسعيد بن أبي عَرُوبة (٥)، ولفظه: "مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عَرُوبة" (٦)، وفي لفظ آخر: "روايات عَبَّاد بن العَوَّام، عن سعيد بن أبي عروبة، مضطربة" (٧). وذكر المِزِّي، عن الجوزجاني قوله في أبي بكر بن أبي مريم:

стр. 357

"ليس بالقوي" (١)، وذكر عنه الذهبي قوله فيه: "هو متماسك" (٢). والنص بتمامه بلفظ: "ليس بالقوي في الحديث، وهو متماسك" (٣). وذكر المِزِّي، عن النسائي قوله في حفص بن حَسَّان: "مشهور" (٤)، وتعقبه مغلطاي، ثم ابن حجر، بأن لفظ النسائي: "مشهور الحديث"، وزاد ابن حجر: "وهي عبارة لا تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لاسيما ولم يرو عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة" (٥). ونقل المِزِّي عن الأثرم، عن أحمد قوله في أبي يحيى القَتَّات: "روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة، مناكير جدا"، ونقل أيضا عن ابن المديني قوله: "قيل ليحيى القطان: روى إسرائيل، عن أبي يحيى القَتَّات ثلاثمئة، قال: لم يؤت منه، أُتي منهما جميعا" (٦). وتعقبه ابن حجر فقال: "في حكاية المؤلف لكلام يحيى القطان، ولكلام أحمد بن حنبل -جميعا -حذف، وها أنا أسوق كلامهما برُمَّته ليتجه ذلك، قال الأثرم، عن أحمد: روى إسرائيل، عن أبي يحيى القَتَّات أحاديث مناكير جدا كثيرة، وأما حديث سفيان عنه فمقارب، فقلت لأحمد: فهذا من قِبَل إسرائيل؟ قال: أي شيء أقدر أقول لإسرائيل، مسكين! من أين يجيء بهذه هو وحديثه عن غيره -أي أنه

стр. 358

قد روى عن غير أبي يحيى فلم يجئ بمناكير-، وقال علي بن المديني: قيل ليحيى بن سعيد: إن إسرائيل روى عن أبي يحيى القَتَّات ثلاثمئة، وعن إبراهيم بن مُهَاجر ثلاثمئة، فقال: لم يؤت منه، أتي منهما جميعا -يعني من أبي يحيى، ومن إبراهيم-، فقد لاح لك أن القطان ليس في كلامه هذا ما يُوْهِن إسرائيل، بخلاف ما ساقه المِزِّي" (١). وما أشار إليه ابن حجر هو ما فهمه أحد الباحثين، إذ فهم من

стр. 359

النص الثاني أنه توهين لإسرائيل، فعلق عليه بقوله: "يعني أن النكارة جاءت من جهة الرجلين معا، فأبو يحيى لضعفه خَلَّط فيها، ثم زادها إسرائيل تخليطا، لأنه لم يتقن حفظها"، كذا قال. ويمكن أن يعتذر عن المِزِّي بأن ذكره للنص في ترجمة أبي يحيى القَتَّات يفهم منه المراد، وأن الحمل في المناكير على أبي يحيى، ويتأكد ذلك بأنه لم يذكرها في ترجمة إسرائيل (١)، ومع ذلك فاختصار المِزِّي لنص أحمد أذهب معرفة طريقة أحمد في الدفاع عن إسرائيل، وكيفية جعله العهدة على أبي يحيى في النكارة، كما أن العبارة التي نسبها للقطان: "أتي منهما جميعا" لا تفهم من النص المختصر. ونقل الذهبي عن أحمد قوله في عمر بن سعيد الدمشقي: "أخرج إلينا كتاب سعيد بن بَشِير، فإذا أحاديث سعيد بن أبي عَرُوْبة" (٢). وتعقبه ابن حجر بأنه اختصر كلام أحمد فتغير معناه، قال: "وقد تحرفت عبارة أحمد بن حنبل على المؤلف من الاختصار، وذلك أنه قال: كتبت عنه، وتركت حديثه، وقال: إني ذهبت إليه أنا وأبو خَيْثَمة، فأخرج إلينا كتاب سعيد بن بَشِير، فقال: هذه أحاديث سعيد بن أبي عَرُوْبة، فتأمله، فبين العبارتين فرق، والذي أوردناه هكذا ساقه العقيلي، وابن عدي، وابن حبان" (٣). وقد نقد ابن حجر الذهبي في مواضع بسبب الاختصار المخل.

стр. 360

وتكلم أحد المشايخ الفضلاء على ما رواه عائذ بن حبيب، عن عامر بن السِّمْط، عن أبي الغَرِيْف، عن علي، في صفة الوضوء، ونهي الجنب عن قراءة القرآن، وذكر فيه عللا، إحداها قوله: "عائذ بن حبيب -وإن كان ثقة- فقد قال فيه ابن عدي: روى أحاديث أنكرت عليه، قلت: ولعل هذا منها، فقد رواه من هو أوثق منه وأحفظ موقوفا على علي". والظاهر أنه أخذ كلمة ابن عدي من "الميزان" للذهبي، لكن هي في "الميزان" أتم مما ذكره الباحث، ولفظه: "قال ابن عدي: روى أحاديث أُنكرت عليه، وسائر أحاديثه مستقيمة"، ولم يسق له شيئا" (١)، يعني لم يذكر ابن عدي شيئا مما أنكر عليه. وبالرجوع إلى كتاب ابن عدي تبين أن العبارة عند الذهبي فيها نقص أيضا، وأنها بتمامها لا يستقيم الاستدلال بها على مراد الباحث، ولفظه: "عائذ بن حبيب روى عنه أهل الكوفة، وعائذ روى هو عن هشام بن عروة أحاديث أنكرت عليه، وسائر أحاديث مستقيمة" (٢). وذكر الذهبي أن أبا داود قال في عافية بن يزيد الكوفي القاضي: "يكتب حديثه" (٣). والنص بتمامه يدل على ضد مراد الذهبي، قال الآجُرِّي: "سألته عن عافية القاضي، فقال: عافية يكتب حديثه! وجعل يضحك

стр. 361

ويتعجب" (١). ونقل الذهبي عن أحمد قوله في سلمة بن وَهْرام: "روى مناكير، أخشى أن يكون ضعيفا" (٢). ونص عبارة أحمد بتمامها: "روى عن زَمْعَة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديثه حديثا ضعيفا" (٣)، وبين العبارتين فرق، لاسيما إذا عرفنا أن زَمْعَة بن صالح ضعيف، وأن سلمة فيه توثيق كثير، ونص بعضهم على استثناء رواية زَمْعَة بن صالح عنه. وذكر العلائي في معرض كلامه على حديث يرويه دَرَّاج أبو السَّمْح، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، قول أبي داود في دَرَّاج: "حديثه مستقيم" (٤)، وغرض العلائي من ذلك تقوية الحديث. وعبارة أبي داود بتمامها تفيد عكس ما أراده العلائي، قال أبو داود: "أحاديثه مستقيمة، إلا ما كان عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد" (٥). وما قاله أبو داود أصله للإمام أحمد، وقد ذكر ابن عدي بعض الأحاديث التي أنكرت على دَرَّاج من روايته عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، ومنها الحديث الذي تكلم عليه العلائي (٦).

стр. 362

وذكر ابن حجر أن الآجُرِّي روي عن أبي داود قوله في عباس بن الوليد الدمشقي: "كتبت عنه، وكان عالمًا بالرجال والأخبار". كذا وقع في النسخة، والنص عند المِزِّي -أصل كتاب ابن حجر- فيه زيادة: "ولا أحدث عنه"، وهو كذلك في "سؤالات الآجُرِّي ". وروى أحمد من طريق عبد الرحمن إسحاق المدني، عن الزهري، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف في قصة حلف المُطَيِّبِين (١)، فصحح الحديث أحمد شاكر، وذكر أقوال من وثق عبد الرحمن بن إسحاق من "تهذيب التهذيب"، ومما ذكره قول أحمد: "أما ما كتبنا من حديثه فصحيح" (٢). وهو كذلك في "تهذيب التهذيب" (٣)، ذكره ابن حجر عن المروذي، عن أحمد، والنص في "علل المروذي" ليس فيه كلمة "فصحيح"، ثم له تتمة تنقض على أحمد شاكر استدلاله بكلمة أحمد، قال المروذي: "قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه، فقد حدث عن الزهري بأحاديث -كأنه أراد: تفرد بها-، ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحلف -حلف المُطَيِّبِين-، فأنكره أبو عبد الله، وقال: ما رواه غيره" (٤). الصورة الثالثة: تحريف النص ، فنصوص الجرح والتعديل لا تختلف عن غيرها من النصوص المنقولة من جهة تعرضها للتصحيف

стр. 363

والتحريف، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى بعد النص عن مراد قائله. ويقع التحريف في النسخ المخطوطة، كما يقع بكثرة في المطبوع، ومن أهم أسبابه أن يكون الناقد قد استخدم لفظا غير متداول، أو استخدم أسلوبا قليل الاستعمال. من ذلك قول أبي عثمان البَرْذَعي: "شهدت أبا حاتم يقول لأبي زرعة: كان يحيى بن معين يقول: يوسف السَّمْتي زنديق، وعائذ بن حبيب زنديق، فقال له أبو زرعة: أما عائذ بن حبيب فصدوق في الحديث، وأما يوسف السَّمْتي فذاهب الحديث، كان يحيى يقول: كذاب، قال أبو عثمان: فرأيت هذه الحكاية التي حكاها أبو حاتم عندي، عن بعض شيوخنا، عن يحيى: كان عائذ بن حبيب (زيدي)، وهو بهذا أشبه، والله أعلم" (١). وهو كما قال البَرْذَعي، تحرف النص على أبي حاتم، فقد نقل الدوري عن ابن معين توثيقه، وقوله فيه: "قد سمعت من عائذ بن حبيب، وكان يقال: إنه زيدي ... " (٢)، ونقل إسحاق بن منصور، عن ابن معين قوله فيه: "صويلح" (٣). وكذا سمع منه أحمد، وأثنى عليه خيرا (٤). وقال ابن الجُنَيْد: "سألت يحيى قلت: يزيد بن هارون كتب عن الجُرَيْري؟ قال: نعم، قال يحيى: وكان كَهْمَس بن الحسن يقول: إن

стр. 364

الجُرَيْري اختلط بعد ذلك بكثير" (١). كذا وقع في النسخة، والمعروف أن كَهْمَس بن الحسن يحدد اختلاط الجُرَيْري قبل سماع يزيد بن هارون منه بمدة طويلة، فلعل الصواب: "قبل ذلك بكثير" (٢). وذكر الترمذي أنه سمع البخاري يذكر عن محمد بن عُقْبَة قال: "قال وكيع: زياد بن عبد الله -مع شرفه- يكذب في الحديث" (٣)، ساقه الترمذي في معرض نقده لزياد بن عبد الله البكائي. كذا ذكره الترمذي، وقد تحرف عليه النص، أو سقط منه كلمة، وصوابه: "هو أشرف من أن يكذب" (٤). وقال الجوزجاني في أبي قتادة الحَرَّاني: "غير مَقْنَع، لأنه بَرَك فلم ينبعث" (٥)، كذا وقع في النسخة: "برك"، وقد قال الجوزجاني في يحيى بن عبد الحميد: "ساقط مُتَلَوِّن، تُرِك حديثه فلا ينبعث" (٦)، وعلق عليه المحقق بقوله: "وقوله: "ترك حديثه" وقع في الأصل بالتاء المفتوحة (كذا)، ولعل الصواب: "برك" بالباء، ليتناسب مع قوله: "فلا ينبعث"، والله أعلم".

стр. 365

وما ذكره المحقق محتمل، لكن الأرجح منه أن يكون في المكانين من الترك، لا من البروك، لأنه جعله في يحيى بن عبد الحميد للحديث لا للرجل، وهكذا نقل الأئمة عن الجوزجاني في أبي قتادة أنه متروك الحديث (١). وروى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: "إسحاق بن نَجِيْح الملطي من أكذب الناس، يحدث عن النبي ﷺ برأي أبي حنيفة" (٢). كذا في النسخة، والنص على الصواب هكذا: "إسحاق بن نَجِيْح المَلَطي هو من أكذب الناس، يحدث عن البَتِّي، عن ابن سيرين، برأي أبي حنيفة" (٣). فتصحفت كلمة (البَتِّي) إلى (النبي)، وأضيف إليها الصلاة والتسليم، وعليه فلا يكون لذكر ابن سيرين معنى، فحذف، والبَتِّي هو عثمان بن مسلم البصري. وكذا تحرفت العبارة في المطبوع من كتاب العقيلي، وابن عدي، بما أفسد معناها (٤). وروى ابن أبي حاتم أيضا عن عبد الله بن أحمد قوله: "سألت أبي عن عامر الأحول فقال: ليس حديثه بشيء" (٥).

стр. 366

والنص عن عبد الله بن أحمد هكذا: "سألته عن عامر الأحول فقال: في حديثه شيء" (١). وهذا هو اللائق بحال عامر الأحوال في أقول أحمد الأخري، وأقوال غيره (٢). وروى أحمد، عن عبد الرزاق قال: "قلت لمعمر: مالك لم تكثر عن ابن شَرْوَس؟ قال: كان يُثَبِّج الحديث" (٣)، وكذا نقل البخاري معلقا عن عبد الرزاق قال: قال معمر: "كان يُثَبِّج الحديث" (٤). وذكر ابن عدي هذا بإسناده إلى البخاري فجاءت العبارة عنده بلفظ: "كان يضع الحديث" (٥). ومن أجل رواية ابن عدي هذه وضع برهان الدين الحلبي هذا الراوي -إسماعيل بن شَرْوَس- في كتابه "الكشف الحثيث" (٦). وكذا توارد عدد من الباحثين على تفسير التثبيج بالوضع، اعتمادا على رواية ابن عدي، وليس الأمر كذلك، فقد قامت دلائل عديدة على

стр. 367

أن رواية ابن عدي هذه وقع فيها تحريف، ثم إن التثبيج في اللغة ليس بمعنى الوضع والكذب، بل معناه -كما تقدم- أنه لا يأتي بالحديث على وجهه (١)، فكأن مراد معمر أنه لا يضبط الإسناد والمتن، ومعمر قد روى عن ابن شَرْوَس، لكن لم يكثر عنه للسبب الذي أشار إليه، وقد ذكره ابن حبان، وابن شاهين في "الثقات"، ووصفه الأخير بأنه ثقة (٢). ونقل عبد الغني المقدسي في كتابه "الكمال" عن أبي حاتم قوله في بَشِير بن نَهِيْك: "تركه يحيى القطان"، فتعقبه المِزِّي فقال: "وهم فاحش نشأ عن تصحيف، إنما قال أبو حاتم: روى عنه النَّضْر بن أنس، وأبو مِجْلَز، وبركة، ويحيى بن سعيد" (٣). ونقل المِزّي عن أبي زرعة الرازي قوله في عمر بن عطاء بن وَرَاز: "ثقة لَيِّن" (٤). والنص عند ابن أبي حاتم هكذا: "مكي لَيِّن" (٥)، وهذا هو اللائق بحاله، عند أبي زرعة وغيره، فقد قال فيه أبو زرعة في رواية أخرى: "ضعيف الحديث" (٦). وما ذكره المِزِّي الظاهر أنه في بعض نسخ "الجرح والتعديل"، فقد ذكر محققه أن النص في نسخة هكذا: "مكي، ثقة، لَيِّن"، فكأنها ملفقة من نسختين.

стр. 368

وذكر الذهبي عن أبي داود قوله في علي بن هاشم بن البَرِيد: "ثبت يتشيع" (١). والنص هكذا وقع فيه اختصار وتحريف، وصوابه بتمامه: "أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كذب" (٢)، ووراء ذلك أن النص ليس لأبي داود، وقد نسبه أبو داود في مكان آخر إلى صاحبه، قال الآجُرِّي: "سألت أبا داود عن علي بن هاشم بن البَرِيْد، فقال: سئل عنه عيسى بن يونس، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كذب، قلت لأبي داود: من ذكره؟ فقال: حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني، عن الحُدَّاني" (٣). ونقل ابن حجر عن المروذي قوله: "سألت أحمد، عن المبارك، وأبي هلال، فقال: متقاربان، ليس هما بذاك، فقد كتب علي أني لا أخرج عن مبارك شيئا" (٤). كذا في النسخة، وآخر النص وقع فيه تحريف وسقط، وصوابه " ... وقد كنت لا أخرج عن مبارك شيئا، ثم بعد" (٥). وذكر أحد الباحثين أن الأزدي قال في أحمد بن شَبِيْب الحَبَطي: "متروك الحديث، غير مرضي". والصواب أنه قال فيه: "منكر الحديث، غير

стр. 369

مرضي" (١). وذكر أحد الباحثين أن يعقوب بن سفيان قال في شَهْر بن حَوْشَب: "شَهْر وانٍ" نقل هذا عن "تهذيب التهذيب"، والنص فيه ليس هكذا، فالباحث لم يحكم قراءته، ولفظه: "شَهْر وإن قال فيه ابن عون: نزكوه- فهو ثقة" (٢)، وبين المعنيين فرق كبير، والباحث قد ذكر النص في مكان آخر فقرأه على الصواب. ويلتحق بتحريف النصوص ما يتعرض له النص من نقص أو زيادة بسبب سهو الناسخ، أو رداءة النسخة المخطوطة أو المطبوعة. مثال ذلك قول عثمان الدارمي وهو يسأل يحيى بن معين عن أصحاب الثوري: "قلت: فالأشجعي؟ فقال: صالح" (٣). وقد ذكرته المصادر عن الدارمي هكذا: "صالح، ثقة" (٤). ونقل ابن أبي حاتم عن والده قوله في أحمد بن شَبِيْب: "ثقة" (٥)، وذكر ابن حجر أنه قال فيه: "صدوق" (٦)، كذا في النسخة، والنص عند المِزِّي بهما جميعا: "ثقة، صدوق" (٧). وروى ابن أبي حاتم، عن عباس الدُّوري، عن ابن معين قوله في عمر بن حبيب البصري: "ضعيف، كان يكذب" (٨).

стр. 370

والنص في "تاريخ الدُّوري" ليس فيه: "كان يكذب" (١)، وهو كذلك في مصادر عديدة من طرق متضافرة عن الدُّوري (٢)، وهو اللائق بحال عمر (٣). وذكر ابن حجر في ترجمة أبي بَلْج يحيى بن أبي سُلَيْم الواسطي، عن الجوزجاني والأزدي قولهما فيه: "كان ثقة" (٤). كذا وقع في النسخة، وهي كثيرة السقط والتحريف، والصواب: "كان غير ثقة" (٥). والحاصل أن الباحث مطالب بالتدقيق في النصوص، والحرص الشديد على التأكد من سلامتها من التحريف والسقط، فتعرض النصوص لذلك أمر شائع كثير. الرابعة، والخامسة: يتعرض النص لجمعه، أو تفريقه، والمراد بهاتين الصورتين أن يكون الناقد تكلم على راو في مكان، ثم تكلم عليه في مكان آخر، فيجمع المؤلف بينهما، مع احتمال أن يكون لهذا مناسبة ولهذا مناسبة، أو يكون الناقد قد تكلم على راويين مقارنا بينهما، فيأتي بعض المؤلفين الناقلين لكلامه فيفرقون كلامه على هذا الراوي في ترجمته،

стр. 371

وعلى الراوي الآخر في ترجمته، والعكس كذلك، قد يبدو النص على صورة مقارنة بين راويين، وبالمتابعة يتبين أنه تكلم في كل واحد منهما على حدة، وقد يكون قارن بينهما، لكن بعض ما نسب إليه في المقارنة قد ذكره مفردا، وهذه مسائل دقيقة تجنبت شرحها خشية الإطالة، وقد لاح لي أن ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" يفعل بعض ما تقدم فيما ينقله عن كتب السؤالات والعلل، والله أعلم.

стр. 372

المبحث الثالث: قائل النص من المهم جدا بالنسبة للناظر في أقوال النقاد أن يكون قد عرف قدرا كافيا مما يتعلق بهؤلاء النقاد، في سيرتهم، ومنزلتهم في الرواية والنقد، وطبقاتهم. ولهذا الغرض درج بعض المؤلفين في الجرح والتعديل على الحديث عن هؤلاء النقاد في مقدمة كتبهم، فاختار ابن أبي حاتم (ت ٣٢٨ هـ) نماذج للنقاد، وترجم لهم تراجم موسعة، بحيث جاءت مقدمته في مجلد مستقل من المطبوع. كما فعل هذا أيضا ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) في مقدمة كتابه "المجروحين" (١)، حيث خصص فصلا منها للحديث عن مشاهير النقاد. وسرد ابن عدي في مقدمة كتابه "الكامل في ضعفاء الرجال" (٢) عددا كبيرا ممن استجاز لنفسه الكلام في الرجال، أو من نصب نفسه لذلك، ابتداء من صحابة رسول الله ﷺ إلى عصره، فبلغ بهم خمسة وسبعين ناقدا، مع إشارته إلى أنه لم يستقص، وترجم لبعضهم تراجم متفاوتة، وذكر شيئا من أخبارهم، وقال بعد ذلك: "ذكرت لكل واحد منهم البعض من فضائلهم، والمعنى الذي به يستحقون الكلام في الرجال، ولأجله يسألونهم، وتسليم الأئمة لهم ذلك".

стр. 373

ثم خص الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) المشهورين من المزكين لرواة الأخبار بمؤلف مستقل، فبلغ بهم أربعين ناقدا، وجعلهم على عشر طبقات، في كل طبقة أربعة منهم، ابتدأهم أيضا بطبقة الصحابة رضوان الله عليهم (١). ثم جاء الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) فجمع أسماء النقاد في رسالة سماها: "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (٢)، فبلغ بهم إلى عصره نحو سبعمئة وخمسة عشر ناقدا، رتبهم على طبقات، وهو يشير بعد كل طبقة -في الغالب- إلى أنه إنما يذكر من حضره اسمه، وقد ترك غيره، ومما قاله بعد سرده للطبقة الخامسة، طبقة البخاري ومسلم: "وخلق كثير لا يحضرني ذكرهم، ربما كان يجتمع في الرحلة المئتان والثلاثمئة بالبلد الواحد، فأقلهم معرفة كأحفظ من في عصرنا" (٣). غير أن هؤلاء النقاد الذين ذكرهم الذهبي والذين لم يذكرهم ممن صدر منهم النقد ليسوا على درجة واحدة في كثرة النقد وقلته، فمنهم المكثر جدا، ومنهم من يعز النقل عنه، ثم ليسوا أيضا في منزلة واحدة في النقد، بل منهم من تكلم في نقده، إما مطلقا، أو في بعض

стр. 374

الأحيان، والمشهورون منهم أيضا يوجد تفاوت بينهم في منهج النقد. ولا سبيل -إطلاقا- في هذه العجالة إلى تفصيل الكلام في النقاد، وبيان مراتبهم ومنازلهم في النقد، وشرح الشروط الواجب توافرها في الناقد، وكيف وقع الإخلال بها من بعض النقاد (١)، لكنني هنا أشير إشارة مجملة إلى بعض الضوابط التي تحكم النظر في الناقد نفسه. وأول ما ينبغي معرفته هنا شروط الناقد للرواة لقبول قوله في غيره، وهي تتلخص في خمسة شروط: ١ - الورع التام، وتقوى الله تعالى، فلا يتكلم في شخص لعداوة بينهما، أو لحسد، أو لخلاف مذهبي، أو لكونه تكلم فيه، ونحو ذلك، ولا يوثق شخصا لقرابة، أو لصلة بينهما، ونحو ذلك. ٢ - أن يكون ثقة في نفسه، فلا يقبل قول من يتهم بالكذب، أو يرتكب مفسقا، أو من هو ضعيف في ضبطه وحفظه. ٣ - الاعتدال والوسطية في المنهج، فلا يعرف عنه إسراف في الجرح، ولا تساهل مفرط في التعديل. ٤ - الحفظ الواسع للروايات والطرق، ليتمكن بذلك من سبر حال الراوي، وتطبيق وسائل فحص الرواة عليه. ٥ - الخبرة التامة في نقد الرواة، ومدارسة النقاد ومذاكرتهم،

стр. 375

ليعرف بذلك ما يصلح أن يكون قدحا في الراوي، وما يصلح أن يكون مدحا له. وتطبيق هذه الشروط على الناقد يتولاه النقاد أنفسهم، ولا يقال: هذا دور، فنحن نريد التأكد من وجود هذه الشروط في الناقد، والناقد هو الذي يبين لنا ذلك، لأنا نقول: الدور منقطع بكون الحاكم على الناقد وبيان قيمة أقواله في النقد هم مجموعة النقاد. ومثال ذلك أربعة من النقاد كانوا في عصر واحد، وهم: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، وعفان بن مسلم البصري، فالأولان التف حولهما التلاميذ، وسألوهما أسئلة كثيرة جدا، وقيدوا كل حرف قالاه، وسجلوا مواقفهما العملية من الرواة، وتلاميذهما ممن لديهم ملكة نقدية، كأحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو الفلَّاس، وأبي خَيْثَمة زهير بن حرب، وغيرهم، فكانوا يراجعونهما فيما يرونه يحتاج إلى مراجعة، ويرفضون بعض آرائهما (١)، فاعتبارهما من كبار النقاد إذن نستطيع أن نقول إنه صدر عن مجموعة النقاد. وأما الآخران فتلامذتهما هم أنفسهم تلامذة الأولين، وليست منزلتهما في النقد كمنزلة الأولين، مع أن الظاهر كثرة كلامهما على الرواة، لكن لم يدون منه إلا القليل، ولم يعتن بكلامهما كما فعل مع يحيى، وعبد الرحمن، والذي أنزلهما هذه المنزلة هم تلامذتهم النقاد أيضا، وقد بين علي بن المديني سبب ذلك، قال الآجُرِّي: "قلت لأبي

стр. 376

داود: بلغك عن عفان إنه ليكذب وَهْب بن جرير؟ فقال: حدثني عباس العَنْبَري قال: سمعت عليا يقول: أبو نُعَيْم، وعفان، صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدا إلا وقعوا فيه" (١). وسيأتي قريبا عن أحمد ما يؤيد هذا، وكذا جاء عن أبي خَيْثَمة زهير بن حرب (٢). ولا يقال إن المعروف بالشدة من هؤلاء الأربعة هو يحيى القطان، وذلك لأن الشدة التي عرف بها لا تخرج عن النقد المقبول، فالذين تشدد معهم يحيى القطان هم في الغالب محل للكلام، فتشدده بناء على منهج ارتضاه وسلكه في هؤلاء، وقد مضى ما يوضح ذلك، ويأتي قريبا زيادة إيضاح. وأما تشدد عفان، وأبي نُعَيْم، فيظهر من كلام ابن المديني، وأحمد، أنه لم يسلم منه أحد، وإن لم يكن موضعا للكلام فيه (٣). وذكر ابن معين سببا آخر في أبي نُعَيْم بخصوصه، وهو تأثير معتقده -وهو ما عليه أهل الكوفة من التشيع- على أحكامه على الرواة (٤). وهكذا يقال في النقاد قبل طبقة هؤلاء الأربعة وبعدها، إنما يبين منزلة الناقد في النقد: المعتنون به في وقتهم، المدركون له،

стр. 377

فاجتماع العشرات من النقاد على توجيه الأسئلة في الرواة إلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين - مثلا- هو الشهادة لهما على جلالتهما في النقد، وعلو كعبهما فيه. ثم إذا تحققنا من قبول الناقد واعتماده في الجرح والتعديل، صار قوله أيضا معتمدا في بيان منزلة غيره في النقد، ويكتفى بقوله، ولا يشترط أن يبلغنا ذلك عن مجموعة من النقاد. ولهم مصطلحات في بيان كون الشخص ناقدا أو غير ناقد، من ذلك قولهم: فلان من أصحاب الحديث، وربما قالوا: من كبار أصحاب الحديث، أو ليس من أصحاب الحديث (١)، وقولهم: فلان يفهم هذا الشأن، أو فلان عارف، أو يعرف. ويمكن للباحث أيضا أن يستفيد من كلام الأئمة المتأخرين، ممن اعتنى بكلام النقاد، وأدمن النظر فيه، كالذهبي، وابن عبد الهادي، وابن رجب، وابن حجر، فلهم كلمات في بعض النقاد يوضحون فيها مناهجهم، ومنزلتهم في النقد. إذا تبين هذا فإن الذين تكلموا في الرواة بالنسبة لتوافر الشروط فيهم أو عدمه على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: من عرفنا أنهم أخلوا ببعض الشروط، فمتى وصلنا عن أحد النقاد أنه أخل بشرط من هذه الشروط أو أكثر، بحيث لم يتوافر في الناقد، فينظر في هذا الشرط، ودرجة الإخلال به.

стр. 378

فمن الشروط ما يسقط الإخلال به نقد الناقد بالكلية، وهو كونه ثقة في نفسه غير متهم بالكذب، فمتى اتهم الناقد في رواياته بالكذب والوضع سقط نقده، كما في حال أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي، كان عارفا بالرجال، وهو أحد الذين تتلمذ عليهم شعبة في النقد، لكن آل أمره إلى أن اتهم بالكذب والوضع، ورموه بالتشيع المفرط (١)، فأهملت أقواله، وربما ذكروها على سبيل الرد، كما في قول أبي داود: "قلت لأحمد: عمير بن سعيد؟ قال: لا أعلم به بأسا، قلت له: فإن أبا مريم قال: تسألني عن عمير الكذاب؟ -قال: وكان عالمًا بالمشايخ-، فقال أحمد: حتى يكون أبو مريم ثقة -ثم تكلم بكلامه-" (٢). وتشبه حاله حال عبد الله بن سلمة البصري الأفطس، كان يتكلم بلامبالاة، ويُكَذِّب الثقات الحفاظ، واتهم بالكذب، فترك حديثه ونقده، قال أحمد: "ترك الناس حديثه، كان يجلس إلى أزهر، فيحدث أزهر، فيكتب على الأرض: كذب، كذب، وكان خبيث اللسان" (٣). وقال البَرْذَعي: "وسمعته (يعني أبا زرعة) وذكر عبد الله بن سلمة الأفطس، فقال: كان عندي صدوق (كذا)، ولكنه كان يتكلم في عبد الواحد بن زياد، ويحيى القطان، وذكر له يونس بن أبي إسحاق، فقال: لا ينتهي يونس حتى يقول: سمعت البراء، قال لي أبو زرعة:

стр. 379

فانظر كيف يرد أمره (كذا في النسخة)، قال أبو زرعة: كل من لم يتكلم في هذا الشأن على الديانة فإنما يُعْطِب نفسه، كل من كان بينه وبين إنسان حقد أو بلاء يجوز أن يذكره! ! ، كان الثوري، ومالك، يتكلمون في الشيوخ على الدين فنفذ قولهم، ومن يتكلم فيهم على غير الديانة يرجع الأمر عليه" (١). وكذلك إذا تكلم في النقد دون خبرة وعلم، فلا يقبل قوله، كما قال ابن أبي حاتم موضحا منهجه في كتابه "الجرح والتعديل": "وقصدنا بحكايتنا الجرح والتعديل في كتابنا هذا إلى العارفين به العالمين له، متأخرا بعد متقدم، إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهما الله، ولم نحك عن قوم قد تكلموا في ذلك لقلة معرفتهم به" (٢). ومن الشروط ما يضعف الإخلال به قول الناقد، وإن لم يسقطه بالكلية، مثل كون الناقد متكلما فيه، لكنه من قبل حفظه، فلم يتهم بالكذب، فهذا يقبل قوله إذا وافق غيره من النقاد المعتبرين، أو خلا الراوي من توثيق وتضعيف سوى قول هذا الناقد، ومن أقوى الأمثلة على هذا الصنف أبو الفتح الأزدي، له مصنف كبير في الضعفاء، لكنه قد تُكلم فيه، فيورد الأئمة -كالذهبي، وابن حجر- كلامه في الرواة، وربما اعترضوا عليه لهذا السبب، نقل الذهبي قوله في أَبَان بن إسحاق المدني: "متروك"، ثم قال الذهبي: "لا يترك، فقد وثقه أحمد،

стр. 380

والعجلي، وأبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجَرَّح خلقا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيه، وهو المتكلم فيه" (١). وقال الذهبي أيضا في ترجمة السَّرِي بن يحيى البصري: "قال أحمد: ثقة، ثقة، وقال أبو الفتح الأزدي: حديثه منكر، فآذى أبو الفتح نفسه، وقد وقف أبو عمر ابن عبد البر على قوله هذا فغضب أبو عمر، وكتب بإزائه: السري بن يحيى أوثق من مؤلف الكتاب -يعني الأزدي- مئة مَرَّة" (٢). ونقل الذهبي في الحارث بن سُرَيْج النَّقَّال الفقيه أقوال الأئمة المتقدمين في تضعيفه واتهامه، ثم قال: "وقال أبو الفتح الأزدي: تكلموا فيه حسدا، كذا قال الأزدي بجهل" (٣). ونقل ابن حجر توثيق بعض الأئمة لأحمد بن شَبِيْب الحَبَطِي شيخ البخاري، ثم قال: "قال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، غير مرضي، ولا عبرة بقول الأزدي لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟ " (٤).

стр. 381

ومثل هذا يقال في المتشددين، يقبل قولهم في التضعيف إذا وافق غيرهم من النقاد المعتبرين، كما يقبل قولهم في التوثيق، ويعد منقبة للراوي، مثل قول أحمد بن حنبل لابنه صالح حين قدم من البصرة: "لم لم تكتب عن عمرو بن مرزوق؟ فقال: نُهيت، فقال: عفان كان يرضى عمرو بن مرزوق، ومن كان يرضي عفان؟ " (١). وعلق الذهبي على قول ابن المديني المتقدم في عفان، وأبي نُعَيْم، بقوله: "يعني أنه لا يختار قولهما في الجرح لتشديدهما، فأما إذا وثقا أحدا فناهيك به" (٢). الصنف الثاني: من لم يبلغنا عن النقاد بيان منزلته في النقد، وهؤلاء خلق كثير، غير أن أكثرهم من المقلين جدا من النقد، فهؤلاء يستأنس بكلامهم إذا وافق قول غيرهم من النقاد المعتمدين، أو لم يكن في الراوي غير ما ورد عنهم، وأما إذا عارض قولهم قول ناقد معتمد فلا التفات إلى نقدهم. مثال ذلك قول خالد بن خِدَاش: "قال لي الدَّرَاوَرْدي، ومَعْن، وعامة أهل المدينة: لا ترد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، إنه لا يدري ما يقول، ولكن عليك بعبد الله بن زيد" (٣). فقول الدَّرَاوَرْدي، ومَعْن بن القاسم، في عبد الرحمن بن زيد، وأخيه عبد الله، لائق بحالهما، فإن عبد الله مع تضعيف بعض الأئمة له

стр. 382

أحسن حالا من أخيه عبد الرحمن (١). الصنف الثالث: النقاد الذين توافرت فيهم شروط النقد، فاعتمد كلامهم في الرواة، وهم خلق كثير أيضا، ويمكن تقسيمهم من حيث واقع الحال ثلاثة أقسام: القسم الأول: غير المشهورين منهم، وهم الذين تكلموا في الرواة على الندرة، مع إمامتهم ومعرفتهم بالنقد، بل منهم من تتلمذ عليه من النقد من هو من النقاد المشهورين، مثل أبي كامل مُظَفَّر بن مُدْرِك، وأبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، والهَيْثَم بن جَمِيل، تتلمذ عليهم أحمد، وابن معين، وغيرهما في النقد (٢)، ومثل أبي سعيد مولى بني هاشم، تتلمذ عليه علي بن المديني (٣). ومن هذا القسم أيضا: عبد الله بن عثمان البصري صاحب شعبة (٤)، ويحيى بن آدم الكوفي (٥)، ووُهَيْب بن خالد البصري (٦)، وأبو إسحاق الأقرع (٧)، والحسن بن علي الحُلْواني (٨)، وخلف بن سالم

стр. 383

المُخَرِّمي (١). وقلة المروي عن الواحد من هؤلاء من النقد قد يكون لأنه هو لم يشأ استخدام علمه، وقد يكون لأسباب أخرى، ولا أطيل بتفصيل هذا هنا. القسم الثاني: الذين اشتهر كلامهم في الرواة، ونقل عنهم -على تفاوت بينهم -، قدر لا بأس به من النقد إذا ما قورنوا بالقسم الأول، مثل سفيان الثوري، ومالك، وسفيان بن عُيَيْنة، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وسليمان بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وأبي بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. القسم الثالث: المشهورون بالنقد، الذين تكلموا في أكثر الرواة، أو في الكثير من الرواة، مثل شعبة، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن سعد، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وزهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن عَمَّار، وعمرو الفلَّاس، والجوزجاني، والبخاري، وأبي داود، ويعقوب بن شيبة، والترمذي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ويعقوب بن سفيان، وزكريا الساجي، والبزار، وصالح جَزَرَة، والنسائي، والعقيلي، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، والحاكم، وغيرهم. ومن هؤلاء من وصلنا كلمهم في الرواة المتكلم فيهم فقط، لكونهم صنفوا في ذلك، كالعقيلي، وابن عدي، أو في الثقات فقط كالعجلي.

стр. 384

فهذا الصنف بأقسامه الثلاثة عليه المعول في نقد الرواة، ومن لم يصلنا من كلامهم شيء -أو وصل القليل- يستفاد منهم من جهة أخرى، وهي انتقاؤهم واختيارهم لمشايخهم الذين يروون عنهم، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثاني. والنظر في هؤلاء النقاد تحكمه أمور ثلاثة تحتها تفاصيلها: الأمر الأول: هناك عوامل عديدة تساهم في تكوين الناقد، وتنمية ملكته النقدية، منها الزمن الذي يعيش فيه، والوسط الذي تربى فيه، واطلاعه على الطرق والروايات، ونظرته إلى الروايات وما وقع فيها من خلل، وآماله في تنقية السنة، والقدر الذي يمكن الوصول إليه في ذلك، بالإضافة إلى الصفات النفسية التي يتصف بها. وقد أدى هذا إلى الاختلاف في المنهج الذي يحكم به على الراوي بعد استخدام وسائل الحكم عليه، فبعض الأئمة إذا سبر حديث الراوي فرآه يغلط في حديث أو حديثين ليَّنه وغمزه بذلك، فهذا نوع من التشدد (١). وبعض الأئمة إذا روى عن الراوي اثنان ارتفعت جهالته، وقد جاء هذا عن محمد بن يحيى الذهلي (٢)، وهو قول البزار (٣)، والدارقطني، وصرح الدارقطني بأن عدالته تثبت برواية اثنين عنه (٤)، بل إن ابن حبان إذا كان دون الراوي ثقة، وفوقه ثقة، ولم يأت بحديث

стр. 385

منكر، ولم يعلم فيه جرحا فهو ثقة عنده (١)، وكل هذا بإطلاقه فيه تسامح، وقد تقدم من كلام يحيى بن معين وغيره أن ارتفاع الجهالة عن الراوي برواية غيره لابد فيها من النظر في الراوي عنه، هل ينتقي شيوخه أو لا؟ مع مراعاة أمور أخرى (٢). ووصف الناقد بالتشدد أو الاعتدال أو التساهل موجود في نصوص النقاد أنفسهم، في وصف بعضهم لبعض، كما في كلام ابن المديني والترمذي، في الموازنة بين يحيى بن سعيد القطان وغيره من النقاد، وقد تقدم ذكره في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ومن ذلك أيضا قول الجوزجاني في عثمان البُرِّي: "كذاب، كذبه الثوري على سهولته" (٣). وبناء على ما تقدم تم تقسيم النقاد إلى ثلاث فئات (٤): الفئة الأولى: المتشددون في النقد، ويمثل لهم بشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، والجوزجاني، وأبي حاتم الرازي، والنسائي (٥).

стр. 386

الفئة الثانية: المعتدلون في النقد، وهؤلاء هم عامة أئمة النقد، كمالك، وابن المبارك، وابن مهدي، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي داود، وأبي زرعة، وابن عدي، وغيرهم. الفئة الثالثة: المتساهلون في النقد، ويمثل لهم بالعجلي، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والبزار، والحاكم. وهذا تقسيم إجمالي، فقد يوجد بين أصحاب الفئة الواحدة شيء من التفاوت، فمثلا في الفئة الأولى ينفرد يحيى بن سعيد القطان بكونه أكثرهم تشددا، وقد سبقت الإشارة إلى تشدده عند الحديث عن شرطه في الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني. والغرض من هذا التقسيم لخصه الذهبي بقوله بعد أن ذكر الفئة الأولى: "فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب" (١). ومثّل الذهبي للتشدد والاعتدال بقوله: "بالاستقراء: إذا قال أبو حاتم: ليس بالقوي، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي

стр. 387

الثبت، والبخاري قد يطلق على الشيخ: ليس بالقوي، ويريد أنه ضعيف" (١). ومثل ما قال الذهبي في الموقف من أحكام المتشدد يقال في المتساهل، وقد جمعهما السخاوي بكلمة موجزة حيث قال: "ولوجود التشدد ومقابله نشأ التوقف في أشياء من الطرفين" (٢)، فإذا وثق المتساهل شخصا قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصا قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصا بعبارة لينة سهلة لم يعارض بها قوة عبارة من معتدل، كما في قول البزار في محمد بن الحسن بن زَبَالة المخزومي: "لين الحديث، لأنه روى أحاديث لم يتابع عليها، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم" (٣)، فمحمد بن الحسن في قول عامة النقاد دون قول البزار هذا بكثير، فمنهم من رماه بالكذب والوضع (٤)، فقول البزار إذا عرفت طريقته في اختيار عبارات التجريح لا معارضة بينه وبين أقوال الأئمة، ومثله قوله في السَّرِي بن إسماعيل: "ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري وجماعة كثيرة، واحتملوا حديثه" (٥). وفي قول الذهبي عمن ضعفه المتشدد دون بيان السبب، مع توثيق غيره: "فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب"- إشارة إلى أمر هام جدا في قضية التشدد والتساهل، وهي أن التشدد هنا ليس معناه تضعيف من هو ثقة مطلقا، وليس التساهل توثيق

стр. 388

الضعفاء مطلقا، وإلا لخرج المتشدد والمتساهل عن دائرة النقد المقبول، كما تقدم قريبا شرح هذا، وإنما المقصود بالتشدد أن الراوي محلٌّ للنقد والتجريح بأمر يسير، لا يخرجه عن دائرة التوثيق، فينزله المتشدد عن ذلك، أو يكون محلا للنقد والتجريح بأمر متوسط، فينزله المتشدد إلى التضعيف، وهكذا يقال في التساهل، يوثق المتساهل من هم عند الأئمة المعتدلين في المراتب المتوسطة، أو يختار في تجريح الضعيف جدا والمتروك عبارات سهلة لينة، كلين الحديث، أو ليس بالقوي، كما تقدم آنفا بين البخاري وأبي حاتم، وبين البزار وأئمة آخرين، وتقدم أيضا في المقارنة بين منهج يحيى بن سعيد القطان، ومنهج عبد الرحمن بن مهدي وغيره، في حدّ الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ثم إن الذهبي قد جعل يحيى بن معين من أصحاب الفئة الأولى وهم من عرفوا بالتشدد، وكذا ذكر تشدده في النقد ابن حجر (١)، ولم أتابعهما في ذلك، وذكرته في النقاد المعتدلين، إذ ظهر لي أنه ليس بالمتشدد بالمعنى المراد هنا، فتشدده في العبارة لا في الحكم، بمعنى أنه قد يصدر حكما على راو، ويصدر أحمد حكما عليه بعبارة مختلفة، والمؤدى واحد، ولا شك أن هذا يفعله ابن معين، وقد مضى التمثيل لعباراته القوية التي بالغ فيها (٢). وعرف عن يحيى أيضا مواجهته للرواة بالنقد، وعدم مداراتهم، وربما تكلم في بعض الأئمة الكبار في أشياء نقلت عنهم لا تصح،

стр. 389

أولهم فيها تأويل، ولعل سبب ذلك كله ولعه الشديد بالنقد، فقد أمعن فيه بما لا مزيد عليه، وله كلمات مأثورة في الدافع له إلى ذلك، وأنه يفعله احتسابا، ومع ذلك فقد لقي من الناس عناء (١)، وأما رفيقه أحمد فكان في الجملة أخف منه عبارة، وأرفق بالرواة، فكان كما قال الذهبي: "سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف واعتدال، وورع في المقال" (٢). الأمر الثاني: حين يريد أحد النقاد من هؤلاء استخدام وسائله للحكم على راو -وهي الوسائل التي تقدم شرحها في الفصل الأول- قد يتهيأ له من العوامل المساعدة ما يجعل حكمه أقرب إلى الصواب من غيره ممن لم يتهيأ له ذلك العامل المساعد، ومن هذه العوامل: * قرب الزمن بين الناقد وبين الراوي، ولهذا كان من لقي الشخص وأخذ عنه أعرف به من غيره، وتعليل ذلك ظاهر، فهو أقرب إلى الإحاطة بحديثه، وأقدر على اختبار ضبطه، والنظر في سيرته، وكلما بعد الزمن زادت الوسائط بين الناقد وبين الراوي، فظهر احتمال تحميل الناقد عهدة الخطأ في أحاديث على هذا الراوي، وقد تكون العهدة على غيره، واحتمال نقل أشياء عنه لا تصح. والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة اعتماد الواحد منهم على

стр. 390

من تقدمه في الزمن، كما في قول علي بن المديني: "إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد" (١). وليس معنى ذلك أن المتأخر يوافق المتقدم تقليدا، بل هو يستخدم الوسائل أيضا في نقد الراوي، وربما خالف من سبقه، كما تقدم شرحه (٢)، وإنما المقصود أن المتأخر يضع في اعتباره حين ينظر في الوسائل التي يحكم بها على الراوي قول من سبقه، إن كان قد بلغه، ولهذا فإن من تأخر منهم -كالعقيلي، وابن حبان، وابن عدي- يسوق في ترجمة الراوي أقوال من تقدم من النقاد، ثم يذكر بعض حديث الراوي، ثم يصدر حكمه هو، ويبقى هو ناقدا أصيلا في الرواة الذين لقيهم أو عاصرهم. * قرب المكان، فقد تعارف المحدثون على أن يعتني المحدث أولا بأهل بلده ومروياتهم، ثم بعد ذلك يرحل إلى البلاد الأخرى، ثم بعد رحلته يعود إلى بلده (٣)، فالحاصل من كل هذا أن الناقد يكون اطلاعه على أحوال أهل بلده أقوى من غيره من الغرباء، وقد أولى النقاد أنفسهم هذا الجانب عنايتهم، فكانوا يسألون الناقد عن شيوخ بلده ومروياتهم، ويعتمدون عليه، مثل مالك في أهل المدينة، كما تقدمت الإشارة إليه في كلام لأحمد (٤).
следующие страницы →