الفئة الثانية: المعتدلون في النقد، وهؤلاء هم عامة أئمة النقد، كمالك، وابن المبارك، وابن مهدي، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي داود، وأبي زرعة، وابن عدي، وغيرهم.
الفئة الثالثة: المتساهلون في النقد، ويمثل لهم بالعجلي، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والبزار، والحاكم.
وهذا تقسيم إجمالي، فقد يوجد بين أصحاب الفئة الواحدة شيء من التفاوت، فمثلا في الفئة الأولى ينفرد يحيى بن سعيد القطان بكونه أكثرهم تشددا، وقد سبقت الإشارة إلى تشدده عند الحديث عن شرطه في الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
والغرض من هذا التقسيم لخصه الذهبي بقوله بعد أن ذكر الفئة الأولى: "فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب" (١).
ومثّل الذهبي للتشدد والاعتدال بقوله: "بالاستقراء: إذا قال أبو حاتم: ليس بالقوي، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي
стр. 387
الثبت، والبخاري قد يطلق على الشيخ: ليس بالقوي، ويريد أنه ضعيف" (١).
ومثل ما قال الذهبي في الموقف من أحكام المتشدد يقال في المتساهل، وقد جمعهما السخاوي بكلمة موجزة حيث قال: "ولوجود التشدد ومقابله نشأ التوقف في أشياء من الطرفين" (٢)، فإذا وثق المتساهل شخصا قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصا قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصا بعبارة لينة سهلة لم يعارض بها قوة عبارة من معتدل، كما في قول البزار في محمد بن الحسن بن زَبَالة المخزومي: "لين الحديث، لأنه روى أحاديث لم يتابع عليها، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم" (٣)، فمحمد بن الحسن في قول عامة النقاد دون قول البزار هذا بكثير، فمنهم من رماه بالكذب والوضع (٤)، فقول البزار إذا عرفت طريقته في اختيار عبارات التجريح لا معارضة بينه وبين أقوال الأئمة، ومثله قوله في السَّرِي بن إسماعيل: "ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري وجماعة كثيرة، واحتملوا حديثه" (٥).
وفي قول الذهبي عمن ضعفه المتشدد دون بيان السبب، مع توثيق غيره: "فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب"- إشارة إلى أمر هام جدا في قضية التشدد والتساهل، وهي أن التشدد هنا ليس معناه تضعيف من هو ثقة مطلقا، وليس التساهل توثيق
стр. 388
الضعفاء مطلقا، وإلا لخرج المتشدد والمتساهل عن دائرة النقد المقبول، كما تقدم قريبا شرح هذا، وإنما المقصود بالتشدد أن الراوي محلٌّ للنقد والتجريح بأمر يسير، لا يخرجه عن دائرة التوثيق، فينزله المتشدد عن ذلك، أو يكون محلا للنقد والتجريح بأمر متوسط، فينزله المتشدد إلى التضعيف، وهكذا يقال في التساهل، يوثق المتساهل من هم عند الأئمة المعتدلين في المراتب المتوسطة، أو يختار في تجريح الضعيف جدا والمتروك عبارات سهلة لينة، كلين الحديث، أو ليس بالقوي، كما تقدم آنفا بين البخاري وأبي حاتم، وبين البزار وأئمة آخرين، وتقدم أيضا في المقارنة بين منهج يحيى بن سعيد القطان، ومنهج عبد الرحمن بن مهدي وغيره، في حدّ الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
ثم إن الذهبي قد جعل يحيى بن معين من أصحاب الفئة الأولى وهم من عرفوا بالتشدد، وكذا ذكر تشدده في النقد ابن حجر (١)، ولم أتابعهما في ذلك، وذكرته في النقاد المعتدلين، إذ ظهر لي أنه ليس بالمتشدد بالمعنى المراد هنا، فتشدده في العبارة لا في الحكم، بمعنى أنه قد يصدر حكما على راو، ويصدر أحمد حكما عليه بعبارة مختلفة، والمؤدى واحد، ولا شك أن هذا يفعله ابن معين، وقد مضى التمثيل لعباراته القوية التي بالغ فيها (٢).
وعرف عن يحيى أيضا مواجهته للرواة بالنقد، وعدم مداراتهم، وربما تكلم في بعض الأئمة الكبار في أشياء نقلت عنهم لا تصح،
стр. 389
أولهم فيها تأويل، ولعل سبب ذلك كله ولعه الشديد بالنقد، فقد أمعن فيه بما لا مزيد عليه، وله كلمات مأثورة في الدافع له إلى ذلك، وأنه يفعله احتسابا، ومع ذلك فقد لقي من الناس عناء (١)، وأما رفيقه أحمد فكان في الجملة أخف منه عبارة، وأرفق بالرواة، فكان كما قال الذهبي: "سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف واعتدال، وورع في المقال" (٢).
الأمر الثاني: حين يريد أحد النقاد من هؤلاء استخدام وسائله للحكم على راو -وهي الوسائل التي تقدم شرحها في الفصل الأول- قد يتهيأ له من العوامل المساعدة ما يجعل حكمه أقرب إلى الصواب من غيره ممن لم يتهيأ له ذلك العامل المساعد، ومن هذه العوامل:
* قرب الزمن بين الناقد وبين الراوي، ولهذا كان من لقي الشخص وأخذ عنه أعرف به من غيره، وتعليل ذلك ظاهر، فهو أقرب إلى الإحاطة بحديثه، وأقدر على اختبار ضبطه، والنظر في سيرته، وكلما بعد الزمن زادت الوسائط بين الناقد وبين الراوي، فظهر احتمال تحميل الناقد عهدة الخطأ في أحاديث على هذا الراوي، وقد تكون العهدة على غيره، واحتمال نقل أشياء عنه لا تصح.
والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة اعتماد الواحد منهم على
стр. 390
من تقدمه في الزمن، كما في قول علي بن المديني: "إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد" (١).
وليس معنى ذلك أن المتأخر يوافق المتقدم تقليدا، بل هو يستخدم الوسائل أيضا في نقد الراوي، وربما خالف من سبقه، كما تقدم شرحه (٢)، وإنما المقصود أن المتأخر يضع في اعتباره حين ينظر في الوسائل التي يحكم بها على الراوي قول من سبقه، إن كان قد بلغه، ولهذا فإن من تأخر منهم -كالعقيلي، وابن حبان، وابن عدي- يسوق في ترجمة الراوي أقوال من تقدم من النقاد، ثم يذكر بعض حديث الراوي، ثم يصدر حكمه هو، ويبقى هو ناقدا أصيلا في الرواة الذين لقيهم أو عاصرهم.
* قرب المكان، فقد تعارف المحدثون على أن يعتني المحدث أولا بأهل بلده ومروياتهم، ثم بعد ذلك يرحل إلى البلاد الأخرى، ثم بعد رحلته يعود إلى بلده (٣)، فالحاصل من كل هذا أن الناقد يكون اطلاعه على أحوال أهل بلده أقوى من غيره من الغرباء، وقد أولى النقاد أنفسهم هذا الجانب عنايتهم، فكانوا يسألون الناقد عن شيوخ بلده ومروياتهم، ويعتمدون عليه، مثل مالك في أهل المدينة، كما تقدمت الإشارة إليه في كلام لأحمد (٤).
стр. 391
وقال علي بن الحسين بن الجُنَيْد في محمد بن عبد الله بن نُمَيْر الكوفي: "كان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، يقولان في شيوخ الكوفيين ما يقول ابن نُمَيْر فيهم" (١).
وقال ابن معين في أبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهِر الدمشقي: "كل من ثبت أبو مُسْهِر من الشاميين فهو مثبت" (٢).
وقال الخليلي في عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحَيْم: "يعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم" (٣).
ومن تطبيقات ذلك ما روى عبد الله بن عثمان المَرْوَزي، قال: "قال عبد الله (يعني ابن المبارك): أهل البصرة ينكرون حديث الجَلْد بن أيوب، ويقولون: شيخ ليس بصاحب حديث، قال ابن المبارك: وأهل مصره أعلم به من غيرهم" (٤).
وسأل محمد بن عبد الله الحضرمي الكوفي المعروف بمُطَيَّن أحمد بن حنبل، عن يحيى الحِمَّاني الكوفي: أكان ثقة؟ فقال أحمد: "أنتم أعرف بمشايخكم" (٥).
وقال المروذي: "سألته (يعني أحمد) عن قَطَن الذي روى عنه مغيرة، فقال: لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة، قلت: إن جريرا ذكره بذكر سوء، قال: لا أدري، جرير أعرف به وببلده" (٦).
стр. 392
وقال العجلي في عبد السلام بن حرب: "هو عند الكوفيين ثقة ثبت، والبغداديون يستنكرون بعض حديثه، والكوفيون أعلم به" (١).
وقال الآجُرِّي: "سألت أبا داود عن عَتَّاب بن بَشِير، فقال: سمعت أحمد يقول: تركه عبد الرحمن بن مهدي بأَخَرَة، قال أبو داود: ورأيت أحمد كف عن حديثه، وذاك أن الخَطَّابي حدثه عنه بحديث، فقال لي أحمد: أبو جعفر -يعني النُفَيْلي- يحدث عنه؟ قلت: نعم، قال: أبو جعفر أعلم به -يعني النُفَيْلي-" (٢).
* القرب في أمور أخرى، كالقرابة، أو الرفقة في طلب الحديث، كما في قول ابن معين لما بلغه أن سَعْدُوْيَه يثني على داود بن عمرو الضَّبِّي: "سَعْدُوْيَه أعرف بمن كان يطلب الحديث معه منا" (٣).
الأمر الثالث: وهو ضد الذي قبله، أي أن الناقد -مع إمامته في النقد وتقدمه فيه في الجملة-قد يظهر في نقده لبعض الرواة تخلف شرط من شروط الناقد الماضية، فيعامل حينئذٍ في نقده هذا كما لو كان الشرط قد تخلف فيه جملة، فيقدم كلام غيره عليه، ويتأنى في اعتماده إذا لم يكن فيه جرح ولا تعديل لغيره.
وهذا الأمر يقضي على مبررات تقديم قول الناقد دائما، بمعنى أن الناقد قد يكون معه سبب خاص يوجب تقديمه، كأن يكون من أهل بلد الراوي، ولكن قام سبب آخر في الناقد يمنع من قبول كلامه، أو قد يكون متشددا ووثق راويا، ولكن تبين من نقده أنه قد تخلف فيه أحد
стр. 393
الشروط، فلا يفيد توثيقه مع تشدده.
وللأمر الثالث هذا صور، من أهمها:
* التحامل على الراوي، ومعناه: أن يتكلم في راو بتحامل وعدم إنصاف، فيطلق فيه جرحا لا يناسبه، ثم قد يكون هذا سجية من الناقد في رواة أهل بلد معين، أو ناحية معينة، وربما كان هذا البلد بلد الناقد نفسه، إما بسبب اعتقاده هو لمذهب مخالف لما عليه أولئك، فيتأثر حين كلامه فيهم بما يعتقد، وقد يكون هذا البلد هو بلد الناقد، والأسباب مختلفة.
فمن ذلك قول شعبة في سعد بن إبراهيم الزهري المدني: "ما رأيت رجلا أوقع في رجال أهل المدينة من سعد بن إبراهيم، ما كنت أرفع له رجلا منهم إلا كذبه، فقلت له في ذلك، فقال: إن أهل المدينة قتلوا عثمان" (١).
وقال ابن الجُنَيْد: "سألت يحيى بن معين، عن الربيع بن حبيب أبي سلمة، فقال: شيخ بصري ثقة، فقلت: إن يحيى القطان سئل عنه، قال: هو نحو عمر بن الوليد الشَّنِّي، فقال يحيى: الربيع بن حبيب ثقة، وعمر بن الوليد ثقة، ثم قال لي يحيى بن معين: لم يكن عامة مشايخ البصريين يسوون عند يحيى بن سعيد شيئا، فذكر هماما وغيره" (٢).
وأشار جماعة من الأئمة إلى أن أبا إسحاق الجوزجاني فيه انحراف عن علي بن أبي طالب ﵁ (٣)، وذكر ابن حجر -
стр. 394
وأشار إليه ابن عدي قبله- أن الجوزجاني يتحامل على أهل الكوفة (١)، ودافع عن الجوزجاني بعض الباحثين، لكن المتأمل في عبارات الجوزجاني في حقهم يرى مصداق ما قاله ابن حجر.
ومن غريب ما وقع لأحد النقاد من الانحراف عن جماعة معينة ما ذكره ابن معين عن أبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهِر الدمشقي، قال ابن الجُنَيْد: "سمعت يحيى بن معين وذكر أبا مُسْهِر، فقال: كان يبغض الموالي، قال لي يوما: عندك حديث في الموالي في عيبهم؟ قلت ليحيى: فممن كان أبو مُسْهِر؟ قال: كان عربيا غَسَّانيا" (٢).
وقد يكون التحامل على شخص بعينه، وأكثر ما يكون هذا بين الأقران، فالنقاد بشر لا يُدَّعى فيهم العصمة، كما قال الذهبي، وقد يصدر من الواحد منهم في حال الغضب، أو مقابلة إساءة بمثلها ما يعرف منه أن الناقد لم ينصف، ولهذا قال غير واحد من الأئمة إن كلام الأقران بعضهم ببعض يطوى ولا يروى (٣).
* المحاباة، وهو ضد الذي قبله، أي أن الناقد يعطي الراوي درجة فوق ما يستحق لأمر دفعه إلى ذلك، دون أن يشعر في كثير من
стр. 395
الأحيان، كأن يكون شيخا له، أو رحل إليه، أو تفرد عن أقرانه بالرواية عنه، أو أحسن إليه (١).
قال الذهبي: "وقد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه، أو في حال شيخه- ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك، والعصمة للأنبياء وحكام القسط" (٢).
وهاتان الصورتان -التحامل، والمحاباة- كالقطرة في البحر، فهما نادرتان جدا بالنسبة لعموم كلام النقاد في الرواة، وما تحلوا به من الإنصاف والعدل، ولكن قد يحتاج إلى النظر فيهما في أحيان قليلة (٣).
* قلة الخبرة بالراوي، فالرواة كثيرون جدا، لا يجمعهم زمان ولا مكان، ووسائل الحكم عليهم واسعة أيضا، كما تقدم شرحها في الفصل الأول، والناقد قد تعوزه الوسائل للحكم على الراوي فيصرح بأنه لا يعرفه، وربما حكم عليه اعتمادا على غيره، كما تقدم إيضاحه، وليس بالغريب أن يعتقد الناقد تمكنه من الوسيلة، فيصدر حكمه عليه، ولا يكون في حقيقة الأمر متمكنًا.
وهذا أيضا قد يكون في أهل بلد معين، أو ناحية معينة، يعرف عن الناقد عدم خبرته بهم، كما في قول إسماعيل القاضي المالكي: "إنما يعتبر بمالك في أهل بلده، فأما الغرباء فليس يحتج به فيهم" (٤).
стр. 396
وكذا جاء معناه عن أحمد (١).
وقال الآجُرِّي: "قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى (يعني ابن معين)، أو علي بن عبد الله (يعني ابن المديني)؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء" (٢).
وذكر الذهبي مثل هذا عن البخاري، وأنه ليس بالخبير برجال الشام (٣)، وقال ابن رجب: "والبخاري ﵀ يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشام" (٤).
وقد يكون هذا في راو بعينه، يظهر أن الناقد لم يتمكن من وسيلة الحكم عليه كما ينبغي، ومع ذلك أصدر حكمه عليه، ولهذا قرائن، منها أن يكون نظر في بعض حديثه، كما قال ابن المديني في عبد السلام بن حرب: "كنت أستنكر بعض حديثه، حتى نظرت في حديث من يكثر عنه، فإذا حديثه مقارب، عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسرا، فكانوا يجمعون غرائبه في مكان، فكنت أنظر إليها مجموعة فأستنكرها" (٥).
ومنها أن يستنكر عليه شيئا، والعهدة فيه على غيره، كما في صنيع العقيلي في (عمر بن الحكم بن ثوبان)، فقد ذكر في ترجمته حديثا خطأ، لكن العهدة فيه على من دونه وهو موسى بن عُبَيْدة (٦).
стр. 397
ومثله صنيع ابن حبان في ترجمة (علي بن موسى الرضا) (١).
وكأن يذكر الناقد في ترجمته أحاديث ليست له، وإنما هي لآخر يوافق اسمه، اشتبها عليه، كما في صنيع ابن حبان في ترجمة (عَبَّاد بن راشد) (٢)، وصنيع ابن عدي في ترجمة (عثمان بن عبد الرحمن الجمحي البصري) (٣).
وكذلك إذا ظهر من كلام الناقد أنه تناقض في حكمه على الراوي، كما يقع من ابن حبان كثيرا، حيث يذكر الراوي في "الثقات"، ويذكره في "المجروحين" بعبارة شديدة، مثل ذكره لعَوْبَد بن أبي عِمْران الجَوْني في "ثقاته" (٤)، وذكره له في "المجروحين"، وقال فيه: "كان ممن ينفرد عن أبيه بما ليس من حديثه توهما على قلة روايته، فبطل الاحتجاج بخبره" (٥).
ولهذا قال ابن حجر: "ذكره ابن حبان في "الثقات" بقلة توفيق" (٦).
والصورة الأخيرة هذه -أعني قلة الخبرة بالراوي- يفزع إليها كثيرا حين يتفرد الناقد عن الجمهور في حكمه على راو، ولم يظهر لذلك سبب بين، فتلقى عهدة ذلك على أن الناقد لم يحكم نظره في هذا الراوي كما ينبغي، ولذلك أمثلة كثيرة جدا، وربما كان في كلام
стр. 398
الناقد ما يشير إلى أنه لم يَخْبُره جيدا، كما في قول أبي داود: "قلت لأحمد: كيف حديث عبد الحميد -يعني ابن سليمان-؟ قال: ما أدري، إلا أنه -ما أرى- كان به بأسا، وكان مكفوفا، وكان ينزل مدينة أبي جعفر" (١).
وعبد الحميد هذا اتفق النقاد على تضعيف حديثه (٢).
وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة، وقد كتبت عنه" (٣).
وجمهور العلماء على تضعيف حديثه، بل كذبه أحمد، والدارقطني (٤)، وخرج المعلمي توثيق ابن معين له على أنه -وأمثاله ممن لقيهم ابن معين فقواهم وليسوا كذلك- قد استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، فظن أن حديثه مستقيما (٥)، وهذا هو معنى ما ذكرت آنفا من أن الإمام قد يظن أنه خَبَر الراوي، ولا يكون كذلك.
стр. 399
المبحث الرابع: دلالة النص
من المهم جدا بالنسبة للناظر في أقوال النقاد أن ينعم النظر في النصوص المنقولة عنهم، بحيث يضع النص في موضعه المناسب ويأخذ منه دلالته المناسبة لا يزيد ولا ينقص، بقدر الإمكان.
وهو محتاج لهذا النظر في غالب ما ينقل عن النقاد، وعليه فالتأكد من دلالة النص أهم ضوابط النظر في أقوال النقاد، وإنما أخرته لأن الباحث -باستخدامه للضوابط الثلاثة الماضية- قد يستغني عنه، ويفرغ من النص ابتداء قبل النظر في دلالته، كأن يجزم مثلا بعدم ثبوته عمن نسب إليه، أو كونه وقع فيه تحريف، أو سقط منه شيء، أو أن قائله لا يعتمد عليه في النقد، أو ظهر منه التحامل، ونحو ذلك.
والنظر في دلالة النص وماذا يفيد يتقدمه شيئان مهمان، أحدهما: النظر في النص من جهة كونه قصد به الجرح أو التعديل، أو لم يقصد به ذلك، ومعنى هذا أن هناك نصوصا يذكرها بعض الأئمة الذين جمعوا أقوال النقاد، وكذلك بعض الباحثين، يذكرونها في معرض سرد أقوال النقاد في الراوي جرحا أو تعديلا، وهي عند التمعن لا صلة لها بالجرح والتعديل، تتعلق بأمور أخرى في الراوي أو المروي، وقد تقدم نماذج لذلك في المبحث الثاني (سلامة النص) في الكلام على حكاية أقوال النقاد حسب فهم الناقل لنقدهم.
ومن ذلك أيضا أن أحد الباحثين ذكر قول أبي بكر بن عَيَّاش: "كان الأعمش إذا حدث ثلاثة أحاديث قال: قد جاءكم السيل، يقول
стр. 400
أبو بكر: وأنا مثل الأعمش" (١)، وقول محمد بن عبيد الطَّنَافِسي: "أكثر ما سمعت من الأعمش في مجلس واحد تسعة أحاديث، أو أحد عشر حديثا، وذلك أنه أتاه عمر الثوري -أخو سفيان- فانبسط إليه، ثم قال: ما هذا السيل؟ " (٢)، وفسر الباحث هذا على أن الأعمش يمدح نفسه بقوة الحفظ.
وما ذهب إليه الباحث ليس هو المراد من النصين، وإنما المراد بيان عُسْر الأعمش في الرواية، فكان لا يحدثهم في المجلس الواحد إلا بحديث أو حديثين، فإذا زاد على ذلك عدَّه سيلا جارفا، وعُسْر الأعمش في الرواية أمر مشهور (٣).
وذكر الباحث أيضا قصة أخرى للأعمش مع أصحابه، فهم منها أن الأعمش يمدح نفسه بقوة الحفظ وتميزه عليهم، فذكر ما رواه عَثَّام بن علي قال: "قيل للأعمش: ألا تموت فنحدث عنك؟ فقال: كم من حُبٍّ أصبهاني قد انكسر على رأسه كِيْزان كثيرة" (٤).
والمعنى الصحيح للنص أن أصحاب الأعمش تمنوا -على سبيل الدعابة-أن يموت الأعمش فيحدثون عنه، لأنه مادام حيا فالطلاب سيقصدونه هو، فإذا مات احتاجوا لتلامذته فرووا عنهم، فداعبهم هو بأن هذا لن يتحقق لهم، وسيعمر هو ويموتون قبله، وضرب لهم المثل الذي ذكره.
стр. 401
وذكر أحد الباحثين -وهو يتكلم عن المرتبة الثانية من مراتب التعديل -ما نصه: "قولهم: فلان يجزئ -أي أنه يكفي بمفرده، وتقوم به الحجة، لاسيما إن قاله أحد المتعنتين، وإن كان يحتمل أعلى من ذلك، فقد قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزئ، وسفيان الثوري يجزئ. (النبلاء ٧/ ٢١٧)، وهذا اللفظ بمفرده أقل أحواله المرتبة الثالثة، ويكون بمعنى لا بأس به، ولكن عند الإطلاق فمحله هنا، والله أعلم".
كذا قال الباحث، وقد أبعد جدا عن فهم المراد من النص، فالنص لا علاقة له بالجرح والتعديل، والباحث تصرف فيه ليوافق ما فهمه منه، فهو هكذا في "النبلاء": "قال وكيع: قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزئ، وقال سفيان الثوري: يجزئ".
ومعنى النص أن شعبة يرى أن الراوي إذا روى حديثا بإسناده، ثم رواه بإسناد آخر لا يجزئ أن يقول في المتن: مثله، أي مثل الحديث السابق، بل عليه أن يسوق المتن للإسناد الثاني أيضا، وأما سفيان الثوري فيرى أنه يجزئه أن يقول: مثله (١).
وعكس ما تقدم، أن يكون النص دالا على جرح أو تعديل ثم يخرجه من ينظر فيه عن دلالته إلى معنى آخر، مثال ذلك أن أحد
стр. 402
الباحثين علق على النص التالي: "حضرت ... يعرض عليه الحديث عن مشايخه، فعرض عليه حديث عن سفيان بن وكيع، فأبى أن يسمعه"- علق عليه بقوله: "وهذا يعني ترك رواية ذلك الحديث لسقوطه وضعفه الشديد".
كذا قال الباحث، فرَّغ النص من مضمونه الحقيقي إلى شيء آخر، فما قاله غير مقصود من النص، فقد يكون الحديث صحيحا محفوظا، وإنما الغرض منه أن هذا الإمام قد ترك التحديث عن سفيان بن وكيع لضعفه الشديد عنده، فالمقصود الراوي لا المروي.
وقد يواجه الباحث اختبارا صعبا في عبارات وردت عن النقاد؛ إذ يقع اختلاف بين بعض النقاد ممن تأخر عنهم في تفسير كلماتهم، هل أرادوا بها جرحا أو تعديلا، أو ليس كذلك؟
مثال ذلك أن الذهبي قال في ترجمة عُمَارة بن غَزِّيَّة: "ذكره العقيلي بثقاته (كذا في النسخة) في كتاب الضعفاء، وما قال فيه شيئا يلينه أبدا، سوى قول ابن عُيَيْنة: جالسته كم مرة فلم أحفظ عنه شيئا، فهذا تغفل من العقيلي، إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله" (١)، ونقل هذا ابن حجر عن الذهبي (٢).
وما ذكره الذهبي محتمل، ويكون ابن عُيَيْنة أراد بيان واقع الحال، وأنه لم يقدر له أن يسمع منه شيئا في مجالسته له، لكن لكلمة ابن عُيَيْنة تكملة عند العقيلي، يحتمل أن يكون العقيلي أرادها، فروى بإسناده عن علي بن المديني قال: "قلت لسفيان: كنت جالست عُمَارة بن غَزِّيَّة؟
стр. 403
قال: نعم، جالسته كم من مرة، فلم أحفظ عنه شيئا، ثم قال لي سفيان: إيش روى؟ قلت: ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: "من سأل وله أُوْقِيَّة" (١)، قال سفيان: هذا؟ وحدثناه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار" (٢).
فيحتمل أن يكون العقيلي أخذ من سوق سفيان للحديث عن زيد بن أسلم أن سفيان ينقد عُمَارة بن غَزِيَّة في ذكره هذه اللفظة في حديث أبي سعيد، فحدث سفيان بحديث أبي سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد (٣)، والحديث له طرق كثيرة جدا إلى أبي سعيد في "الصحيحين" وغيرهما وليس فيه هذه الجملة (٤).
وبعد أن كتبت هذا تبين لي أمر آخر في مراد سفيان في تعليل رواية عُمَارة بن غَزِيَّة، فالأقرب أنه يريد أن هذه الجملة إنما تحفظ من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلا، فحدث به سفيان كذلك (٥)، وهذا المرسل قد رواه مالك، وسفيان الثوري، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد في قصة له (٦)، فهذا هو الإسناد المعروف لهذه الجملة.
стр. 404
وهذا كله في تفسير مراد سفيان بالإسناد الذي ذكره، وأن العقيلي فهم منه غمز سفيان لعُمَارة، وهو فهم قريب، وأما تحميل الخطأ عُمَارة فهذا يحتاج إلى نظر آخر ليس هنا مجال ذكره.
الثاني: نصوص أئمة النقد في الرواية -وكذا في الأمور الأخرى المتعلقة بنقد السنة- يجب فهمها وتنزيلها على أساس مصطلحاتهم هم، لا على أساس آخر، كالرجوع بها إلى أصل اللغة، ونحو ذلك، فإن لم تكن الكلمة ضمن مصطلح عام فتفسر بمساعدة قرائن الأحوال، مع التأني الشديد في التفسير، وتقليب الكلمة مرات عديدة، حتى يحصل الاطمئنان للمعنى الذي فهم منها.
وإنما قلت ذلك لأن القضية مزلة قدم، فربما تصدى بعض الناظرين في كلام النقاد لتفسير كلامهم فنقلوه من الجرح إلى التعديل، أو العكس، أو فسروه بما هو جرح شديد، وليس كذلك، وقد تقدم في قضية حكاية أقوال النقاد في المبحث الثاني (سلامة النص) نماذج لهذا.
ومن ذلك أيضا أن ابن القطان ذكر قول مالك في شعبة مولى ابن عباس: "ليس بثقة"، ثم عقبه بقوله: "مالك لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة "ثقة"، وقد كانوا لا يطلقونها إلا على العدل الضابط، كما قال ابن مهدي: حدثنا أبو خَلْدة، فقيل له: كان ثقة؟ قال: بل الثقة شعبة، وسفيان، ففرق بين الثقة وغيره، ويظهر من أقوالهم في هذا أن هذه اللفظة إنما تقال لمن هو في الطبقة العليا من العدالة، وربما قالوا أيضا: ليس بثقة للضعيف أو المتروك، فإذن هو لفظ يَتَفَسَّر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك" (١).
стр. 405
فقوله: "وربما قالوا أيضا ... " يفهم منه أن أكثر ما يعنون بعبارة "ليس بثقة"، أنه لم يبلغ الدرجة العليا من الثقة، أو في أقل الأحوال يفهم منه ورود ذلك عنهم بكثرة، وما قرره ابن القطان محل تعقب، فهذا إن كان سائغا لغة فالاصطلاح بخلافه، كما قال ابن حجر بعد أن أورد أول كلام ابن القطان: "هذا التأويل غير سائع، بل لفظة "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد ... " (١).
وما قرره ابن حجر ظاهر جلي، فإن كانت هذه العبارة غير لائقة بحال شعبه مولى ابن عباس فلابد من البحث عن مخرج آخر غير ما ذهب إليه ابن القطان.
وذكر ابن القطان أيضا قول أبي حاتم في سعد بن سعيد الأنصاري: "مود"، ثم قال: "واختلف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يخففها، أي هالك، ومنهم من يشددها، أي حسن الأداء" (٢).
كذا قال ابن القطان، ووافقه عليه جماعة من الأئمة والباحثين (٣)، وظاهر جدا أن ابن القطان ذهب إلى معناها من جهة اللغة، فراح يفسرها به، غير أن معناها الاصطلاحي غير ما ذكره، وقد شرح ابن أبي حاتم مراد والده حين نقل عنه هذه اللفظة، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي، قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع" (٤).
стр. 406
ويظهر من نصوص أخرى زيادة إيضاح لتفسير ابن أبي حاتم للكلمة، وأن معناها أنه ليس بحافظ لحديثه، وإنما اعتماده على كتابه، قال أبو داود: "قلت لأحمد: عُقَيْل -هو ابن خالد- عندك أكبر من يونس -هو ابن يزيد الأَيلي-؟ قال: لا أدري، عُقَيْل، ويونس، يؤدون الألفاظ، ومعمر كان يحفظ الألفاظ، لا يؤدي" (١).
وذكر إسحاق بن هانئ أن أحمد سئل عن أصحاب الزهري فقدم مالكا، وبعده معمر، ثم سئل عن يونس، وعُقَيْل، فقال: "هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظا فيحذف منها -من الأحاديث-، وكان أطلبهم للعلم" (٢).
وقال أبو طالب: "سئل أحمد: أيما أثبت شَرِيْك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شَرِيْك، قلت: من أحب إليك: يونس، أو إسرائيل، في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل، لأنه صاحب كتاب" (٣).
ونقل نحوه عن أحمد أيضا الفضل بن زياد (٤).
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: إسرائيل أحب إليك شَرِيْك؟ قال: إسرائيل إذا حدث من كتابه لا يغادر، ويحفظ من كتابه" (٥).
стр. 407
وقال أبو حاتم في محمد بن جعفر غندر: "كان صدوقا، وكان مؤديا، وفي شعبة ثقة" (١).
ومحمد بن جعفر قد قواه الأئمة جدا في كتابه، وخاصة في شعبة (٢).
فظهر مما تقدم أن التأدية مصطلح خاص عندهم لمن لا يحفظ، ويحدث من كتابه.
وذكر ابن الأثير عن الشافعي أنه قال: "كان مُجَالِد يُجْلَد"، ثم قال ابن الأثير: "أي كان يتهم ويرمى بالكذب، وقيل: فلان يُجْلَد بكل خير: أي يظن به، فكأنه وضع الظن موضع التهمة" (٣).
ونقل هذا عن ابن الأثير أحد الباحثين، وأيده بما رواه عمرو بن علي قال: "سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبد الله: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة -يعني عن مُجَالِد-، قال: تكتب كذبا كثيرا، لو شئت أن يجعلها لي مُجَالِد كلها: عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله-فعل" (٤).
وبنى الباحث على ما تقدم أن ما وقع عند ابن حبان تصحيف، حيث روى بإسناده إلى حَرْمَلة بن يحيى قال: "سمعت الشافعي يقول: الحديث عن حرام بن عثمان حرام، والحديث عن مُجَالِد يُجَالِد
стр. 408
الحديث، وعن أبي العالية الرياحي رِيَاح" (١)، يعني أن الصواب ما ذكره ابن الأثير: "كان مُجَالِد يُجْلَد".
وظاهر جدا أن ابن الأثير فزع إلى اللغة لتفسير كلمة الشافعي كما وصل إليه لفظها، دون النظر في قرائن الأحوال، فإذا صرفنا النظر عن البحث عن الصواب في لفظ الشافعي، إذ يحتمل أن يكون ما رواه ابن حبان هو الصواب، ووقوع التصحيف في العبارة كما هي عنده إلى ما ذكره ابن الأثير قريب جدا، إذا صرفنا النظر عن ذلك، وكان الوارد عن الشافعي هو لفظ ابن الأثير فقط، فحمله على أنه يرمي مُجَالِدا بالكذب فيه نظر كبير، فالظاهر أن الشافعي أراد أن يبين ضعف مُجَالِد باشتقاق كلمة من اسمه، فعل ذلك تفننا، دون النظر إلى معناها اللغوي الدقيق، وقد سئل الشافعي عن مُجَالِد فقال: "هو مُجَالِد" (٢)، وحال مجالدٍ عند بقية النقاد يبعد تفسير ابن الأثير لكلمة الشافعي، فلم ينقل عن أحد منهم تكذيبه لمجَالِد، وإنما ضعفوه فقط، وأنه كان يخطئ كثيرا، يرفع الموقوف ويصل المرسل، وكلمة يحيى القطان السابقة ليس المقصود بها الكذب المتعمد، وإنما المقصود بها الخطأ -وسيأتي توضيح هذا قريبا-، وأقوال يحيى القطان الأخرى فيه تدل على ذلك (٣).
ومن ذلك أيضا أن العراقي جعل قول أبي حاتم المتقدم في عدد من الرواة: "هو على يَدَيْ عَدْل" من ألفاظ التعديل، حملها على
стр. 409
ظاهرها، فكان ينطقها بكسر الدال، وتعقبه ابن حجر، وأوضح أنها من ألفاظ التجريح الشديد (١)، وهو كما قال (٢).
وعلق أحد الباحثين على قول شعبة في سَلْم بن قيس البصري: "سَلْم ذاك الذي كان يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين"- بقوله: "يقصد به شعبة اتهامه بالكذب، كما يظهر".
وما قاله الباحث غير ظاهر من النص بل هو احتمال ضعيف فيه، وتدل النصوص الأخرى في رؤية سلم للهلال على أن شعبة يرميه بالتغفيل وعدم الضبط، لا التهمة بالكذب (٣).
وربما يواجه الباحث في قضية تنزيل اللفظة على مصطلح أئمة النقد أنهم استخدموا المصطلح الواحد في معنيين مختلفين فيتضاعف الجهد حينئذ، ويلزمه مزيد تأنّ وإنعام نظر.
فمن ذلك مصطلح (التخليط) قد يراد به الاختلاط الذي هو التغير، وقد يراد به الاضطراب والخطأ (٤).
ومنه أيضا مصطلح (الكذب) استخدمه النقاد بمعنى تعمد الكذب، واستخدموه بمعنى الخطأ، وبينهما فرق كبير بالنسبة للراوي الموصوف به، واستخدامه بالمعنيين جارٍ على أصل اللغة (٥)، وذكر ابن حبان أن أهل الحجاز يسمون الخطأ كذبا (٦).
стр. 410
ولا شك أن أكثر استخدام النقاد له على المعنى الأول، وأما الثاني فيعبرون عنه بمصطلحات أخرى، كالخطأ، والوهم، والغلط، ومع هذا فإن استخدامهم له بهذا المعنى ليس بالنادر، وأصل ذلك قول عمر بن الخطاب ﵁ في خطبته المشهورة: "من عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي" (١).
ومن أمثلته في كلام النقاد ما تقدم آنفا في قول يحيى القطان لمن أراد أن يكتب السيرة عن وهب بن جرير، عن مُجَالِد: "تكتب كذبا كثيرا".
وروى عبد الله بن أحمد قال: "سمعت أبي يقول: قال عفان: جاء أبو جُزَي -واسمه نَصَر بن طَرِيف- إلى جرير بن حازم يشفع لرجل يحدثه جرير، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: "كانت قَبِيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة"، قال: فقال أبو جُزَي: كذب والله، ما حدثنا قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن، قال أبي: وهو قول أبي جُزَي، وأخطأ جرير" (٢).
وقال أبو مُسْهِر في عمرو بن واقد الدمشقي: "كان يكذب من غير أن يتعمد" (٣).
стр. 411
ومنه أيضا مصطلح (ليس من أصحاب الحديث)، أو (ليس بصاحب حديث)، أو (ليس من أهل الحديث) أو (ليس من فرسان الحديث) - يريدون به تارة أنه ليس من المعتنين بالحديث الضابطين له، فعلى هذا فهو جرح في الراوي، ويقولون: فلان من أصحاب الحديث، فهو توثيق له، وكثيرا ما يريدون به أنه ليس من المعتنين بالحديث رواية ورحلة ونقدا، أي ليس من صيارفة الحديث ونقاده، العارفين بطرق الرواية، وكيفية السماع، ومثله إذا قالوا: (صاحب حديث) أو (هو من أصحاب الحديث)، يعني أن له معرفة بذلك.
فمن استعماله في الجرح والتعديل قول أيوب في فَرْقَد السَّبَخي: "لم يكن صاحب حديث" (١)، وكذا قال أحمد فيه: "رجل صالح، ليس هو بقوي الحديث، لم يكن صاحب حديث" (٢).
وقال مالك: "ربما جلس إلينا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث" (٣).
وقال ابن المبارك: "كان أهل البصرة ينكرون حديث الجَلَد بن أيوب، ويقولون: شيخ ليس بصاحب حديث" (٤).
стр. 412
وقال أحمد في صالح المُرِّي: "كان صاحب قصص، يقص، ليس هو صاحب آثار وحديث، ولا يعرف الحديث" (١)، وكذا قال ابن عدي: " ... وليس هو بصاحب حديث ... " (٢).
وقال البخاري في عبد العزيز بن يحيى المدني: "ليس من أهل الحديث، يضع الحديث" (٣).
ومن استعماله بمعنى المعرفة بالنقد قول خلف بن سالم المُخَرِّمي: "سمعت إسماعيل بن عُلَيَّة يقول: كنا نرى عند حميد -يعني الطويل-، وسليمان -يعني التيمي-، وابن عَوْن، الرجل والرجلين، فنأتي شعبة فنرى الناس عليه، ثم قال خلف: كان أصحاب الحديث يريدون حسن المعرفة بالرجال، وبمعرفة الحديث" (٤).
وروى عبد الخالق بن منصور، قال: "سئل يحيى بن معين عن أبي بكر الأعين، فقال: ليس هو من أصحاب الحديث"، عقب عليه الخطيب بقوله: "عنى يحيى بذلك أنه لم يكن من الحفاظ لعلله، والنقاد لطرقه، مثل علي بن المديني ونحوه، وأما الصدق والضبط لما سمعه فلم يكن مدفوعا عنه" (٥).
وروى الخطيب أيضا بإسناده عن محمد بن حاتِم الكِنْدي قوله:
стр. 413
"سألت يحيى بن معين عن خلف البزار فسمعته يقول: خلف البزار لم يكن يدري أَيْش الحديث، إنما كان يبيع البِزْر"، ثم عقب عليه الخطيب بقوله: "أحسب أن الكِنْدي سأله عن حفاظ الحديث ونقاده، فأجابه يحيى بهذا القول، والمحفوظ ما ذكرناه من توثيق يحيى له" (١).
وقال ابن معين في يزيد بن هارون: "ليس من أصحاب الحديث، لأنه كان لا يميز، ولا يبالي عمن روى" (٢).
وقال البَرْذَعي: "حضرت أبا زرعة، وهو يقرأ على رجل من أهل طوس، وكان الرجل يسأله، فيقول: سعيد بن أسد، عن فلان، فيقرأ عليه، فقال له أبو زرعة: إذا سألت فقل: حديث عائشة، عن النبي ﷺ في كذا وكذا، وحديث النبي ﷺ في كذا وكذا، فجعل الرجل يسأل كما كان يسأل، فقال: الله المستعان! أنا أجهد أن أجعلك من أصحاب الحديث، وأنت تأبى إلا أن تمضي على علاتك" (٣).
ومنه أيضا تكرار الاسم أو الكنية، فيستعمل كثيرا في التوثيق والتفخيم، قال سفيان بن عُيَيْنة: "كنت عند الزهري يوما وأتاه ابن جريح، فقال له: يا أبا بكر إني أريد أن أعرض عليك كتابا، فقال الزهري: إن سعدا (يعني ابن إبراهيم الزهري) قد كلمني في ابنيه، وهو
стр. 414
سعد -وربما قال سفيان: وسعد سعد-، فلما خرجت من عند الزهري قال ابن جريج: أما رأيتَه يَفْرُق من سعد؟ " (١).
وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي، قلت له: أثبت من عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: نعم، إلا أن عبد الرحمن رجل ثقة، خيار، صالح، مسلم، وعبد الرحمن عبد الرحمن" (٢).
وعلى هذا مشى الترمذي في تفسير كلمة أيوب السَّخْتِيَاني في أبي الزبير المكي، فروى عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن أيوب قال: "حدثني أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير -قال سفيان بيده يقبضها-"، ثم قال الترمذي: "إنما يعني به الإتقان والحفظ" (٣).
غير أن جماعة من الأئمة -منهم أحمد وغيره- فسروا قول أيوب بأنه يريد تضعيفه (٤)، وقد جاء عن أيوب فيه ما يؤيد تفسير الجماعة لقوله (٥).
وكذا فسر نُعَيْم بن حماد صنيع سفيان بن عُيَيْنة في تكراره لاسم أبي الزبير، فقال: "سمعت سفيان يقول: حدثني أبو الزبير، وهو أبو
стр. 415
الزبير -أي كأنه يضعفه-" (١).
ومما يواجهه الباحث أيضا أن تكون العبارة غير داخلة في مصطلح عام، ويتحقق الباحث من كونها جرحا أو تعديلا في الراوي، ولكن تحديد المراد بها على وجه الدقة يقع فيه اختلاف، فقد ذكر ابن القطان أسامة بن زيد الليثي، ونقل فيه بعض آراء النقاد، ومن ذلك أن يحيى القطان تركه، وأن أحمد قال فيه: "ليس بشيء، روى عن نافع أحاديث مناكير"، ثم قال ابن القطان: "وعلة يحيى القطان في تركه غير علة أحمد بن حنبل هذه، وذلك ما ذكر عمرو بن علي الفلَّاس في كتابه قال: كان يحيى القطان حدثنا عن أسامة بن زيد، ثم تركه، قال: يقول: سمعت سعيد بن المسيَّب، على النكرة لما قال، انتهى كلامه، وهذا أمر منكر كما ذكر، فإنه بذلك يساوي شيخه ابن شهاب، وذلك لا يصح له" (٢).
ونقل هذا ابن حجر، ثم تعقب ابن القطان بقوله: "ولم يرد يحيى القطان بذلك ما فهمه عنه، بل أراد ذلك في حديث مخصوص، يتبين من سياقه اتفاق أصحاب الزهري على روايته عنه، عن سعيد بن المسيَّب بالعنعنة، وشذ أسامة فقال عن الزهري: سمعت سعيد بن المسيَّب، فأنكر عليه القطان هذا لا غير" (٣).
وما ذكره ابن حجر محتمل، فهذه طريقة معروفة لأئمة النقد،
стр. 416
يختصرون بها الكلام، فإذا لم يمكن حمل الكلام على ظاهره يلجأ إليها، وكذلك إذا أمكن حمله على ظاهره وكان هناك قرينة على أن الظاهر غير مراد، ومن لم يفهم طريقتهم يظن في الكلام سقطا، فقد مر أحد الباحثين الفضلاء بقول أحد النقاد: "روى سعيد: "من باع عبدا وله مال"، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عمر، ورواه هشام، وهمام، عن عكرمة -وهو ابن خالد-، عن الزهري"، وعلق عليه الباحث بقوله: " ... وأما الإسناد الثاني فعلته التعليق والانقطاع، لأنه لم يثبت أن هشاما، وهماما من تلاميذ عكرمة بن خالد، بل شيخهما في هذا الحديث هو قتادة، وقد سقط من الإسناد هنا ... ".
ومن عرف طريقة النقاد في هذا أدرك بسهولة أنه لا سقط في كلام هذا الناقد، ومراده أنهما يرويانه عن قتادة على صفة في الإسناد غير التي يرويها سعيد بن أبي عَرُوبة عنه، ومثل هذا يعرف من السياق، أو من الطرق الأخرى.
ونلاحظ أن ابن حجر في تعقبه على ابن القطان لم يذكر قرينة على ما فهمه من كلام يحيى القطان، فلم يشر إلى الحديث الذي وقع فيه لأسامة بن زيد مخالفة، وحينئذ ما فهمه ابن القطان من كلام يحيى يبقى احتمالا قويا، فقد كان أسامة بن زيد يذكر أنه سمع من سعيد بن المسيَّب، قال يعقوب بن سفيان: "حدثني أبو الطاهر بن السَّرْح، قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: "لا ربا إلا فيما كيل أو وزن، فيما أكل أو شرب"، قال ابن وهب: لم يسمع أسامة إلا هذا الحديث وحده من سعيد بن المسيَّب" (١)، فلا يبعد
стр. 417
أن يكون يحيى القطان ينكر هذا على أسامة بن زيد.
ويلاحظ أن كل ما تقدم في هذا المبحث كان في الحديث عن عبارات تصدر من النقاد لا تدخل تحت مصطلح معين في الجرح والتعديل، يتأكد الباحث منها هل فيها جرح أو تعديل، أو ليس كذلك، وإذا كان فيها جرح أو تعديل فمن أيهما؟ وما درجته؟ وفي عبارات تدخل تحت مصطلح للأئمة لكنه من المصطلحات غير المشهورة، وقد يكون يستخدم في معنيين، فالباحث ملزم في كل ما تقدم أن ينعم النظر، ويدقق في العبارة، حتى يصل إلى المعنى الذي أراده قائلها، أو يقارب ذلك، ولا يشطح بعيدا.
والقارئ في كتب الجرح والتعديل الأولى -كتب السؤالات والعلل- سيرى كَمًّا غير قليل من هذه العبارات، وكثيرٌ منه لم ينقل في الكتب الجامعة، فمن المناسب جدا للباحث أن يتمرن على معالجة مثل هذه العبارات، فيقوم بتحليلها، وتقليبها على أوجه، حتى يصل إلى التفسير الصحيح لها، وهو محتاج لهذا في مجالات أخرى -غير الجرح والتعديل- يتحدث عنها النقاد (١)، فإذا تمرن عليها أيضا تدرج في بناء شخصيته الناقدة، وأمكنه الدخول في مناقشات علمية جادة عميقة، تمنح القارئ ثقة بما يتوصل إليه من نتائج.
стр. 418
غير أن ما تقدم قصدت به أن يكون توطئة لأمر لا يقل عنه أهمية، بل هو أهم منه من جهة أخرى، وهي كثرة ما يواجه الباحث منه، فهو المقصود الأول بهذا المبحث، وأعني بهذا النظر في دلالة نصوص النقاد التي تدخل ضمن مصطلحات مشهورة متداولة، مثل قولهم: فلان ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو ليس بشيء، أو متروك الحديث، وما يجري مجراها، فإن هذه الألفاظ قد اصطلح على معناها، وعلى أساس هذه المعاني تم وضع مراتب الجرح والتعديل التي تقدم الحديث عنها في المبحث الثالث من الفصل الثاني، غير أن هذه الأحكام قبل تنزيلها على المصطلح العام تحتاج إلى نظرة شمولية، يراعى فيها سياق الكلام نفسه، وكلام الناقد في الراوي مجتمعا، مضموما إلى كلام النقاد الآخرين.
وسبب الحاجة إلى ذلك أن النقاد في ذلك العصر لشيوع النقد، وكون المستمع لهم من أهل النقد أيضا- يطلقون أحكاما على الرواة ولا يريدون بها الحكم المطلق الذي تفيده بناء على الاصطلاح العام، فتنزيلها عليه مباشرة وقبل النظرة الشاملة قد يؤدي إلى خلل في الحكم النهائي على الراوي، وكثيرا ما ينتج عن هذا التنزيل بروز اختلاف بين كلام الناقد الواحد، أو بين كلام النقاد، ربما أحوج إلى تضعيف رواية، أو نسبة ناقد إلى التشدد أو التساهل، أو إلى قلة الخبرة بالراوي، والحقيقة أنه لا وجود للاختلاف أصلا.
وقد أفاض جماعة من الأئمة والباحثين الذين ينظرون في كلام النقاد الأولين وفق ضوابط النظر-كأبي الوليد الباجي، والذهبي، وابن حجر، والسخاوي، والمعلمي، وشيخنا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن
стр. 419
محمد العبد اللطيف- أفاضوا في الحديث عن هذا الجانب المهم من ضوابط النظر في أقوال النقاد، معتمدين في ذلك على كلمات متفرقة للنقاد أنفسهم، وعلى النظر والتأمل.
ولتقريب فهم هذا الموضوع، وتسهيل تطبيقه على الباحث، رأيت أن أجمع شتات الكلام فيه في جهتين، إذا راعاهما الباحث، ودقق النظر فيهما أمكنه التعامل مع كلام النقاد بسهولة.
الجهة الأولى: الراوي نفسه، فينظر الباحث في الراوي الذي يريد دراسة أقوال النقاد فيه هل وثق في بعض حالاته، وضعف في البعض الآخر؟ فإن كان كذلك أمكن تنزيل التوثيق المطلق أو التضعيف المطلق مما ظاهره التعارض على الجانب اللائق به.
وتجزئة حال الراوي قد يكون في أصل شرطي العدالة والضبط، بأن يكون متكلما في الراوي في أحدهما، موثقا في الآخر، وقد يكون في الضبط فقط وتفاوته في الراوي، إما في الزمان، أو المكان، أو الشيوخ، أو بين كتاب الراوي وحفظه، ونحو ذلك.
فأما الأول فإن كثيرا من الرواة موصوفون بالصلاح والفضل والعبادة والخشوع، لكنهم من جهة الضبط والحفظ تكلم فيهم، فلا بعد حينئذ أن يصدر عن الناقد عبارة توثيق مطلق مرتفع أو دونه، وقد يصدر عن هذا الناقد أو عن ناقد آخر في الراوي نفسه عبارة تضعيف مطلق، ولا تعارض بينهما، ويكون المراد بالتوثيق حينئذٍ أنه صادق في نفسه لا يتعمد الكذب.
يدل على هذا أن الناقد ربما جمع بين التوثيق والتضعيف في نص واحد، وقد يشير إلى جهة التوثيق أو التضعيف، كقول أحمد في
стр. 420
الحسن بن أبي جعفر: "كان شيخا صالحا، ولكن كانت عنده أحاديث مناكير، وليس هو بشيء" (١).
وقال عمرو بن علي في يحيى بن أبي أُنَيْسة: "صدوق، وكان يَهِم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه إلا من لا يعلم" (٢).
وقال في الحسن بن عُمَارة: "رجل صالح صدوق، كثير الخطأ والوهم، متروك الحديث" (٣).
وقال ابن معين في أبي بكر بن عَيَّاش: "أبو بكر بن عَيَّاش رجل صدوق، ولكنه ليس بمستقيم الحديث" (٤).
وقال البخاري في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "صدوق، إلا أنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه -وضعف حديثه جدا-" (٥).
ونقل الترمذي عن البخاري قوله في صالح المُرِّي: "هو ضعيف الحديث، ذاهب الحديث"، ثم قال الترمذي: "صالح المُرِّي رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط" (٦).
وقال يعقوب بن شيبة في عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعَم: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح" (٧)، وفي الربيع بن صُبَيْح:
стр. 421
"صالح صدوق ثقة، ضعيف جدا" (١).
وقال يعقوب بن سفيان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم" (٢).
وربما جاء البيان عن الناقد في نص مستقل، فقد كان أبو الوليد الطيالسي يوثق قيس بن الربيع، ويثني عليه، وروى عمرو بن علي قال: "قلت لأبي الوليد: ما رأيت أحدا أحسن رأيا في قيس منك، قال: إنه كان ممن يخاف الله " (٣).
ومن الأمثلة التطبيقية على تنزيل كلام النقاد على هذا إذا كان ظاهره التعارض: كلام ابن معين في الربيع بن صُبَيْح، والمبارك بن فَضَالة، فقد سأله ابن مُحْرِز عن الربيع بن صُبَيْح، فقال: "ثقة"، ثم سأله عن المبارك بن فَضَالة، فقال: "ليس به بأس، لم يكن بالكذوب، ليس منهما إلا قريب من صاحبه" (٤).
وقال عثمان الدارمي: "سألت يحيى بن معين عن الربيع بن صُبَيْح، فقال: ليس به بأس -كأنه لم يُطْرِه-، قلت: هو أحب إليك أو المبارك؟ قال: ما أقربهما" (٥).
стр. 422
ووثقهما في رواية الدُّوري (١).
وقال في رواية المفَضَّل الغَلَّابي: "صالحان" (٢).
وروى عنه ابن أبي خَيْثَمة توثيقه للمبارك بن فَضَالة، وروى عنه أيضا تضعيفه له (٣)، وكذا ضعف الربيع بين صُبَيْح في روايته (٤).
وسأله عبد الله بن أحمد عن المبارك بن فَضَالة، فقال: "ضعيف الحديث، مثل الربيع بن صُبَيْح في الضعف" (٥).
وقد تقدم في المبحث الأول أن ابن أبي حاتم جعل هذا اختلافا حقيقيا عن يحيى بن معين، وطلب الترجيح بين أقواله من كلام النقاد الآخرين، ولكن يمكن للناظر أن يجعل هذا الاختلاف غير حقيقي، بحمل التوثيق على العدالة، فإنهما مشهوران بالصلاح والعبادة، والربيع أشهرهما، وأما التضعيف فيحمل على الحفظ والضبط، وقد قال الشافعي: "كان الربيع بن صُبَيْح رجلاً غَزَّاءً، وإذا مدح الرجل بغير صناعته فقد وُهِص -يعني دُقَّ-" (٦).
ومن الأمثلة على هذا أيضا غَسَّان بن عبيد الموصلي، وثقه في رواية الدوري، وابن أبي خَيْثَمة، وضعفه في الحديث في رواية ابن الجُنَيْد، وقال في رواية الحسين بن حِبَّان: "أتيناه فإذا هو لا يعرف
стр. 423
الحديث، إلا أنه لم يكن من أهل الكذب، ولكنه لا يعقل الحديث" (١).
وعكس ذلك -وهو توثيق الراوي مع الكلام فيه في شيء من عدالته- كثير جدا، أشهر من أن يمثل له، وقد تقدم أن النقاد يتتبعون سيرة الراوي، فإن وجدوا فيه شيئا يخل بالعدالة أو المروءة تكلموا فيه (٢)، ثم قد يكون ما في الراوي له أثر على روايته، كالكذب في الحديث، أو ارتكابه أمرا يدل على رقة في الدين يخشى منه الكذب معه، فهذا مسقط للراوي وإن كان حافظا ضابطا، فرب حفاظ للحديث متروكون، وقد يكون ما في الراوي ليس له تأثير على روايته، لكونه ثقة في نفسه، مثل كثير من أنواع الابتداع، والعمل للسلطان، وأخذ الأجرة على التحديث، فالناقد يوثق الراوي، ويبين ما فيه مما يراه هو مخلا بالعدالة أو المروءة، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني أن الناقد ربما ترك أمثال هؤلاء مع توثيقه لهم، وتركه لهم من باب التأديب والزجر.
وأما الثاني -وهو الكلام في ضبط الراوي في بعض حالاته، كالزمان، أو المكان، أو الشيوخ، ونحو ذلك- فقد تقدم الكلام على تفصيل حال الراوي في مبحث مستقل في الفصل الأول.
والمقصود هنا أن الناقد قد يطلق التوثيق أو التضعيف ومقصوده في حالة خاصة للراوي هي موضوع تسليم، فلا يكون هناك اختلاف، وقد كان النقاد يخرجون كلام من سبقهم على هذا الأصل، إن أمكن ذلك.
مثاله ما رواه عباس الدوري قال: "سمعت يحيى يقول: قد سمع
стр. 424
يحيى بن سعيد القطان من الجُرَيْري، وكان لا يروي عنه، قال يحيى بن معين: قال عيسى بن يونس: قد سمعت من الجُرَيْري، فقال لي يحيى بن سعيد القطان: لا ترو عنه"، ثم عقبه عباس بقوله: "إنما مذهب يحيى بن سعيد القطان عندنا في هذا -يقول- إن الجُرَيْري قد كان اختلط، لا أنه ليس بثقة" (١).
ونقل يعقوب بن شيبة، عن زكريا بن عدي، عن ابن المبارك قوله: "سِمَاك ضعيف في الحديث"، ثم قال يعقوب: "روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديما مثل شعبة، وسفيان، فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما يُرى أنه فيمن سمع منه بأَخَرة" (٢).
وروى البَرْذَعي، عن أبي زرعة قوله: "ابن نافع الصائغ عندي منكر الحديث، حدث عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري ... "، وأحاديث غيرها مناكير، وله عند أهل المدينة قدر في الفقه ... " (٣)، وروى ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة قوله فيه: "لا بأس به" (٤).
فهذا الاختلاف عن أبي زرعة يمكن تفسيره بحمل التضعيف على التحديث من الحفظ، وكونه لا بأس به أي إذا حدث من كتابه، فهذه حال عبد الله بن نافع (٥).
стр. 425
ورد بعض كلام النقاد إلى بعض النظر إلى اختلاف حال الراوي إنما ينفع إذا لم ينص الناقد على استواء حاله عنده، فأما إذا نص فلا فائدة حينئذٍ، كما في حال شَرِيْك بن عبد الله القاضي، فقد ذهب جماعة من الأئمة إلى أنه تغير حفظه لما استُقْضِي (١)، وكان يحيى بن سعيد يضعفه ولا يروي عنه، وقال له قائل: يقولون: إن شَرِيْك اإنما خلَّط بآخره، فقال: "لم يزل مخلطا" (٢).
ومحمد بن مسلم الطائفي، جاء توثيقه مطلقا عن بعض النقاد (٣)، وجاء عن عبد الرحمن بن مهدي أن كتبه صحاح (٤)، وعن ابن معين قوله: "لم يكن به بأس، ... كان إذا حدث من حفظه -يقول- كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه فليس به بأس" (٥).
وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه قوله: "ما أضعف حديثه -وضعفه أبي جدا-" (٦).
فتضعيف أحمد هذا لا يصلح حمله على التحديث من الحفظ، لما رواه الميموني قال: "سمعت أحمد يقول: إذا حدث محمد بن مسلم من غير كتاب -يعني أخطأ-، قلت: الطائفي؟ قال: نعم، ثم ضعفه على كل حال من كتاب وغير كتاب، فرأيته عنده ضعيفا" (٧).