"صالح صدوق ثقة، ضعيف جدا" (١).
وقال يعقوب بن سفيان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم" (٢).
وربما جاء البيان عن الناقد في نص مستقل، فقد كان أبو الوليد الطيالسي يوثق قيس بن الربيع، ويثني عليه، وروى عمرو بن علي قال: "قلت لأبي الوليد: ما رأيت أحدا أحسن رأيا في قيس منك، قال: إنه كان ممن يخاف الله " (٣).
ومن الأمثلة التطبيقية على تنزيل كلام النقاد على هذا إذا كان ظاهره التعارض: كلام ابن معين في الربيع بن صُبَيْح، والمبارك بن فَضَالة، فقد سأله ابن مُحْرِز عن الربيع بن صُبَيْح، فقال: "ثقة"، ثم سأله عن المبارك بن فَضَالة، فقال: "ليس به بأس، لم يكن بالكذوب، ليس منهما إلا قريب من صاحبه" (٤).
وقال عثمان الدارمي: "سألت يحيى بن معين عن الربيع بن صُبَيْح، فقال: ليس به بأس -كأنه لم يُطْرِه-، قلت: هو أحب إليك أو المبارك؟ قال: ما أقربهما" (٥).
стр. 422
ووثقهما في رواية الدُّوري (١).
وقال في رواية المفَضَّل الغَلَّابي: "صالحان" (٢).
وروى عنه ابن أبي خَيْثَمة توثيقه للمبارك بن فَضَالة، وروى عنه أيضا تضعيفه له (٣)، وكذا ضعف الربيع بين صُبَيْح في روايته (٤).
وسأله عبد الله بن أحمد عن المبارك بن فَضَالة، فقال: "ضعيف الحديث، مثل الربيع بن صُبَيْح في الضعف" (٥).
وقد تقدم في المبحث الأول أن ابن أبي حاتم جعل هذا اختلافا حقيقيا عن يحيى بن معين، وطلب الترجيح بين أقواله من كلام النقاد الآخرين، ولكن يمكن للناظر أن يجعل هذا الاختلاف غير حقيقي، بحمل التوثيق على العدالة، فإنهما مشهوران بالصلاح والعبادة، والربيع أشهرهما، وأما التضعيف فيحمل على الحفظ والضبط، وقد قال الشافعي: "كان الربيع بن صُبَيْح رجلاً غَزَّاءً، وإذا مدح الرجل بغير صناعته فقد وُهِص -يعني دُقَّ-" (٦).
ومن الأمثلة على هذا أيضا غَسَّان بن عبيد الموصلي، وثقه في رواية الدوري، وابن أبي خَيْثَمة، وضعفه في الحديث في رواية ابن الجُنَيْد، وقال في رواية الحسين بن حِبَّان: "أتيناه فإذا هو لا يعرف
стр. 423
الحديث، إلا أنه لم يكن من أهل الكذب، ولكنه لا يعقل الحديث" (١).
وعكس ذلك -وهو توثيق الراوي مع الكلام فيه في شيء من عدالته- كثير جدا، أشهر من أن يمثل له، وقد تقدم أن النقاد يتتبعون سيرة الراوي، فإن وجدوا فيه شيئا يخل بالعدالة أو المروءة تكلموا فيه (٢)، ثم قد يكون ما في الراوي له أثر على روايته، كالكذب في الحديث، أو ارتكابه أمرا يدل على رقة في الدين يخشى منه الكذب معه، فهذا مسقط للراوي وإن كان حافظا ضابطا، فرب حفاظ للحديث متروكون، وقد يكون ما في الراوي ليس له تأثير على روايته، لكونه ثقة في نفسه، مثل كثير من أنواع الابتداع، والعمل للسلطان، وأخذ الأجرة على التحديث، فالناقد يوثق الراوي، ويبين ما فيه مما يراه هو مخلا بالعدالة أو المروءة، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني أن الناقد ربما ترك أمثال هؤلاء مع توثيقه لهم، وتركه لهم من باب التأديب والزجر.
وأما الثاني -وهو الكلام في ضبط الراوي في بعض حالاته، كالزمان، أو المكان، أو الشيوخ، ونحو ذلك- فقد تقدم الكلام على تفصيل حال الراوي في مبحث مستقل في الفصل الأول.
والمقصود هنا أن الناقد قد يطلق التوثيق أو التضعيف ومقصوده في حالة خاصة للراوي هي موضوع تسليم، فلا يكون هناك اختلاف، وقد كان النقاد يخرجون كلام من سبقهم على هذا الأصل، إن أمكن ذلك.
مثاله ما رواه عباس الدوري قال: "سمعت يحيى يقول: قد سمع
стр. 424
يحيى بن سعيد القطان من الجُرَيْري، وكان لا يروي عنه، قال يحيى بن معين: قال عيسى بن يونس: قد سمعت من الجُرَيْري، فقال لي يحيى بن سعيد القطان: لا ترو عنه"، ثم عقبه عباس بقوله: "إنما مذهب يحيى بن سعيد القطان عندنا في هذا -يقول- إن الجُرَيْري قد كان اختلط، لا أنه ليس بثقة" (١).
ونقل يعقوب بن شيبة، عن زكريا بن عدي، عن ابن المبارك قوله: "سِمَاك ضعيف في الحديث"، ثم قال يعقوب: "روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديما مثل شعبة، وسفيان، فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما يُرى أنه فيمن سمع منه بأَخَرة" (٢).
وروى البَرْذَعي، عن أبي زرعة قوله: "ابن نافع الصائغ عندي منكر الحديث، حدث عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري ... "، وأحاديث غيرها مناكير، وله عند أهل المدينة قدر في الفقه ... " (٣)، وروى ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة قوله فيه: "لا بأس به" (٤).
فهذا الاختلاف عن أبي زرعة يمكن تفسيره بحمل التضعيف على التحديث من الحفظ، وكونه لا بأس به أي إذا حدث من كتابه، فهذه حال عبد الله بن نافع (٥).
стр. 425
ورد بعض كلام النقاد إلى بعض النظر إلى اختلاف حال الراوي إنما ينفع إذا لم ينص الناقد على استواء حاله عنده، فأما إذا نص فلا فائدة حينئذٍ، كما في حال شَرِيْك بن عبد الله القاضي، فقد ذهب جماعة من الأئمة إلى أنه تغير حفظه لما استُقْضِي (١)، وكان يحيى بن سعيد يضعفه ولا يروي عنه، وقال له قائل: يقولون: إن شَرِيْك اإنما خلَّط بآخره، فقال: "لم يزل مخلطا" (٢).
ومحمد بن مسلم الطائفي، جاء توثيقه مطلقا عن بعض النقاد (٣)، وجاء عن عبد الرحمن بن مهدي أن كتبه صحاح (٤)، وعن ابن معين قوله: "لم يكن به بأس، ... كان إذا حدث من حفظه -يقول- كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه فليس به بأس" (٥).
وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه قوله: "ما أضعف حديثه -وضعفه أبي جدا-" (٦).
فتضعيف أحمد هذا لا يصلح حمله على التحديث من الحفظ، لما رواه الميموني قال: "سمعت أحمد يقول: إذا حدث محمد بن مسلم من غير كتاب -يعني أخطأ-، قلت: الطائفي؟ قال: نعم، ثم ضعفه على كل حال من كتاب وغير كتاب، فرأيته عنده ضعيفا" (٧).
стр. 426
وعلى هذا فهو ضعيف عند أحمد، وهو إذا حدث من حفظه أشد ضعفا.
وكان بعض النقاد يفصل في حال ابن لهيعة، فما رواه المتقدمون عنه أصلح مما رواه المتأخرون، وربما عزوا ذلك إلى تغير ابن لهيعة، وجاء عن ابن معين إطلاق القول بتضعيفه (١)، ولا يصلح رد قول ابن معين إلى قول من فصل في حاله، لما رواه ابن مُحْرِز قال: "سألت يحيى بن معين عن ابن لهيعة فقال: ليس هو بذاك، وسمعت يحيى مرة أخرى يقول: ابن لهيعة ضعيف الحديث، وسمعته مرة أخرى: ابن لهيعة في حديثه كله ليس بشيء، وسمعت يحيى مرة أخرى يقول -وسئل عن حديث ابن لهيعة- قال: ابن لهيعة ضعيف في حديثه كله لا في بعضه" (٢).
وقال ابن الجُنَيْد: " ... قلت ليحيى: فسماع القدماء والآخرين من ابن لهيعة سواء؟ قال: نعم، سواء واحد" (٣).
وروى يزيد بن الهَيْثَم عنه قوله: "ابن لهيعة ليس بشيء، تغير أو لم يتغير" (٤).
وغير خاف أن التدقيق في رد بعض النصوص إلى بعض باستخدام تجزئة حال الراوي أمر لابد منه، فليس المقصود هو التخلص من
стр. 427
الاختلاف، وقد رأيت أحد الباحثين نظر في أقوال النقاد في المبارك بن فَضَالة، وأن منهم من ضعفه، ومنهم من وثقه مع رميه بالتدليس، ثم قال: "فالذي يظهر أنه ثقة مدلس، وتضعيف من ضعفه لأجل تدليسه".
والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة أن بعض من ضعفوه نصوا على أن ضعفه من قبل حفظه، وأنه كان يخطئ (١)، فلا يفيد ما ذكره الباحث شيئا.
الجهة الثانية: كلام النقاد أنفسهم، وتوسعهم في استخدام الألفاظ، والخروج بها عن الاصطلاح العام لها، وأكثر ما يكون ذلك بين ألفاظ التعديل نفسها، أو بين ألفاظ الجرح.
فنرى كثيرا استخدام لفظ ثقة، وصدوق، وليس به بأس، وصالح الحديث، ونحو ذلك، كل منها في معنى الآخر، مع أنها في الأصل على مراتب متفاوتة، كما مضى شرحه في المبحث الثالث من الفصل الثاني، فهذا في التعديل.
من ذلك أن الأئمة يطلقون أحيانا كلمة (صدوق) على من هو في الدرجة العليا من الثقة والضبط، فقد تقدم في المبحث الثالث من هذا الفصل وصف ابن المديني لعفان بن مسلم، وأبي نُعَيْم، بأنهما صدوقان.
ووصف أحمد أبا بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف" بأنه صدوق (٢).
стр. 428
وقال ابن معين في عمرو بن علي الفلَّاس: "صدوق" (١).
وكذا قال أبو زرعة في الليث بن سعد، فقيل له: يحتج بحديثه؟ قال: "أي لعمري" (٢).
وقال أبو حاتم في كل من عمرو بن علي الفلاس، ومسلم بن الحجاج، وأبي زرعة الدمشقي: "صدوق"، زاد في عمرو: "كان أرشق من علي بن المديني" (٣).
وكل هؤلاء حفاظ ثقات أثبات.
وقد أكثر أبو حاتم من إطلاق وصف (صدوق) على أمثال هؤلاء ونحوهم.
ومن ذلك أيضا قول أحمد في أبي رَوْق عطية بن الحارث: "ثقة، مقارب الحديث" (٤)، وقال مرة: "ليس به بأس" (٥).
وقال عبد الله بن أحمد في أبي الجَحَّاف داود بن أبي عوف: "قلت له: (يعني لأبيه): ثقة؟ قال: نعم، صالح" (٦).
وقال أحمد أيضا في صَدَقة بن خالد الدمشقي: "ثقة ثقة ثبت، أثبت من الوليد بن مسلم، وهو صالح الحديث" (٧).
وقال في إسماعيل السُّدِّي: "ليس به بأس، هو عندي
стр. 429
ثقة ... " (١).
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: إسماعيل بن سالم؟ قال: بخ، وسمعت أحمد يقول: إسماعيل بن سالم صالح الحديث، قلت له: هو أكبر أو مُطَرِّف؟ قال: هو أكبر" (٢)، وقال فيه في رواية أخرى: "ليس به بأس" (٣)، وقال مرة: "ثقة ثقة بخ" (٤).
وقال ابن معين في سَيَّار صاحب جعفر بن سليمان: "كان صدوقا، ثقة، ليس به بأس، ولم أكتب عنه شيئا قط" (٥).
وقال ابن الجُنَيْد: "قلت ليحيى بن معين: عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتَكي؟ فقال: رازي لا بأس به، قلت: عمرو بن قيس؟ قال: لا بأس به، قلت: ثقتان؟ قال: ثقتان" (٦).
وقال أبو زرعة الدمشقي: "قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم (دُحَيْم): ما تقول في علي بن حَوْشَب الفَزَاري؟ قال: لا بأس به، قلت: ولم لا تقول: ثقة، ولا أعلم إلا خيرًا؟ قال: قد قلت لك إنه ثقة" (٧).
وقال أبو حاتم في أبي الزِّناد: "ثقة، صالح الحديث" (٨).
стр. 430
ومثل هذا يقال في عبارات الجرح، يتوسعون في استخدامها، فكلمة ضعيف، يطلقونها على من ضعفه محتمل، وعلى من هو شديد الضعف، بل ربما أطلقها الناقد على من هو متهم بالكذب عنده، وكذلك ليس بقوي.
ومن أمثلة ذلك قول أحمد في أبي حمزة ميمون القَصَّاب: "ضعيف الحديث" (١)، وقال مرة: "متروك الحديث" (٢)، وقال في رواية: "ليس هو بشيء" (٣)، وقال مرة: "ليس هو بالقوى، وهو ضعيف" (٤).
وقال ابن معين في صِلَة بن سليمان الواسطي: "كان كذابا، ترك الناس حديثه" (٥)، وقال أيضا: "ليس بثقة"، وقال أيضا: "ضعيف" (٦).
وقال أبو حاتم في عمر بن حفص العبدي: "ضعيف الحديث، ليس بقوي، هو علي يَدَيْ عَدْل" (٧).
ولا شك أن التوسع في عبارات التعديل، أو في عبارات الجرح
стр. 431
أمره سهل بالنسبة للتوسع في عبارات الجرح والتعديل معا، فإن هذا موجود أيضا في كلام النقاد، وخاصة بين أدنى عبارات التوثيق، وأعلى عبارات الجرح، وقد يقع بين عبارات التوثيق العالية، وبين عبارات الجرح، وهذا يحتاج إلى مزيد انتباه وتأمل، فكلمة ثقة، وصدوق، ولا بأس به- قد يطلقها الناقد على راو ضعيف، ولا يعني بذلك ارتفاعه عن الضعف، وإنما يعني أن له حظا من وصف الثقة رفعه عن أن يكون متروك الحديث، وهكذا يقال في عبارات الجرح، مثل ضعيف، أو ليس بقوي- قد يطلقها الناقد على راو ثقة عنده، ويقصد أن فيه شيئا من الضعف، فليس هو في المرتبة العليا من الثقة.
ومن أمثلة ذلك يزيد بن عطاء الواسطي قال فيه أحمد: "كان ثقة، مقارب الحديث" (١)، وقال في رواية: "ليس به بأس -ثم قال-: حديثه مقارب" (٢)، وفي رواية: "ليس بحديثه بأس" (٣)، وفي رواية: "ليس بالقوي في الحديث" (٤).
وإسماعيل بن زكريا الخُلْقاني، وثقه أحمد في رواية الفضل بن زياد (٥)، وقال في رواية أبي داود: "ما كان به بأس" (٦)، وفي رواية عبد الله: "حديثه حديث مقارب (٧)، وفي رواية الميموني: "أما
стр. 432
الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف هكذا -يريد بالطلب-" (١)، وفي رواية أحمد بن ثابت: "ضعيف الحديث" (٢).
وبنحو ما جاء عن أحمد فيه جاء عن ابن معين (٣).
ويظهر من العرض السابق لقضية توسع النقاد في استخدام الألفاظ أنه يتبين بعد جمع أقوال الناقد كلها، وضمها إلى أقوال النقاد الأخرى، ومع هذا فهناك أحوال يكثر فيها استخدام التوسع في الألفاظ، فلابد أن يقف الباحث معها لأول وهلة، وإن كان لم ينظر بعد في أقوال الناقد الأخرى، وفي أقوال النقاد الآخرين، وهذه الأحوال هي:
أولا: حكاية أقوال النقاد، فقد جرى التوسع حين يحكي التلميذ قول شيخه، أو يحكي الناقد قول ناقد آخر، فقد يقول في راو: ضعفه فلان، أو تكلم فيه فلان، أو جرحه فلان، ويعني بذلك تضعيفه له تضعيفا خفيفا، ويقول هذه العبارات أو نحوها في راو ويعني بذلك تجريحه له تجريحا شديدا، فقد يكون رماه بالكذب، وربما كانت الحكاية بصيغة نقل النص.
مثال ذلك قول ابن عدي في آخر ترجمة أبان بن أبي عَيَّاش: "وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة"، وشعبة قد جَرَّحَه
стр. 433
تجريحا شديدا، ذكر ابن عدي شيئا منه في أول الترجمة (١).
وقول ابن عدي في ترجمة بشر بن نُمَيْر: "وهو ضعيف كما ذكروه"، وأقوال النقاد التي ساقها ابن عدي تدل على أنه مترك الحديث عندهم (٢).
وقوله في بركة بن محمد الحلبي: "وله من الأحاديث البواطيل عن الثقات غير ما ذكرته، وهو ضعيف كما قال عبدان"، وقد روى ابن عدي في أول ترجمته بعد أن روى لعبدان حديثا في إسناده بركة قول عبدان: "هات حديث المسلمين، أنا قد رأيت بركة هذا بحلب، وتركته على عمد، ولم أكتب عنه، لأنه كان يكذب" (٣).
ومثله في التعديل، قد يقول: وثقه فلان، ولا يعني بذلك أنه قال فيه: ثقة، فقد يكون قال فيه: لا بأس به، أو صدوق، أو صالح الحديث، ونحو ذلك، وقد يقول: قواه فلان، أو رفعه، أو أثنى عليه، أو رأيته يطريه، ونحو ذلك، في راو، ويقولها في راو آخر، وليس عبارة الناقد واحدة فيهما.
ثانيا: التوثيق والتضعيف الجماعي، وأعني به أن يصف الناقد مجموعة من الرواة جملة واحدة بأنهم ثقات، فهذا يقع التسامح فيه كثيرا، فقد يكون بينهم من هو في درجة الصدوق، أو صالح الحديث، بل قد يكون فيهم سيء الحفظ، والضعيف غير المتروك، وهكذا يقال في التضعيف، قد يصف الناقد جماعة من الرواة بوصف واحد، وبينهم
стр. 434
عند التدقيق تفاوت.
ومن صور هذا:
* قول النقاد: شيوخ فلان كلهم ثقات، أو إذا روى فلان عن شيخ وسماه فهو ثقة، أو فلان لا يروي إلا عن ثقة، ونحو ذلك، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
* أن يسأل الناقد عن جماعة من الرواة كالإخوة -مثلا-، أو يذكرهم ابتداء، فيصدر حكما شاملا لهم، بتوثيق أو تضعيف، وقد يكون بينهم تفاوت في الدرجة حتى عند الناقد نفسه، وقد تقدم ذكر نماذج للأحكام الجماعية في مبحث المقارنة بين الرواة في المبحث الثالث من الفصل الأول.
* قول الناقد في ذكر مخالفة لراو: خالفه حفاظ ثقات، أو خالفه ثقات، ثم يسردهم.
كما في قول الدارقطني في تعليل حديث روي عن قتادة، عن أنس: "اتفق عليه معمر، وأبو عَوَانة، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وسعيد بن بشير، فرووه عن قتادة، عن أبي العالِيَة، وتابعهم عليه سَلَم بن أبي الذَّيَّال، عن قتادة فأرسله، فهؤلاء خمسة ثقات ... " (١).
وسعيد بن بشير المذكور قال فيه الدارقطني: "ليس بقوي في الحديث" (٢)، وضعفه الجمهور من قبل حفظه (٣).
ووصف جماعة فيهم الحجاج بن أرطاة بأنهم حفاظ
стр. 435
ثقات (١)، وقد قال في حجاج: "ضعيف" (٢)، وقال أيضا: "لا يحتج به" (٣)، و"لا يحتج بحديثه" (٤).
وكذلك وصف جماعة فيهم علي بن غُرَاب بأنهم حفاظ ثقات (٥)، وعلي بن غُرَاب قال فيه هو: "كوفي يعتبر به" (٦)، وهو شيعي مختلف فيه (٧).
* وصف الناقد لرواة إسناد بأنهم ثقات، فهذا يكثر منه البزار، والدارقطني، وغيرهما.
ومما يتنبه له في قضية الأحكام الجماعية أن بعض الناقلين لأقوال النقاد قد يذكر قول الناقد في الراوي مفردا، وعند التدقيق يتبين أنه إنما حكم عليه بهذا الحكم مجموعا مع غيره، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في آخر المبحث الأول من هذا الفصل.
ثالثا: التوثيق والتضعيف النسبي، ويقصد به أن الناقد حيث يصدر حكمه على الراوي لم يصدره بإطلاق، بل قصد به حالة معينة للراوي، أو قاله وهو يقارنه بغيره، فهذا الحكم تارة يكون على ظاهر اللفظ، وتارة يكون بملاحظة النسبية، وهذا هو المراد هنا، ويندرج تحته ثلاث صور:
стр. 436
الصورة الأولى: توثيق الراوي أو تضعيفه في شيء معين، كروايته عن شيخ بعينه، أو عن أهل بلد معين، أو في فترة زمنية معينة، أو فيما حدث به في بلد معين، أو يفرق بين حفظه وكتابه، على ما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول.
فهذا لابد فيه من التدقيق في كلام الناقد؛ إذ يحتمل أن تكون النسبية مقصودة، فقد يكون الراوي في الحال الذي وثق فيه في أعلى مراتب التعديل، وحينئذٍ فتضعيفه في بعض حالاته لابد أن يراعى فيه حالته العامة؛ إذ يحتمل أن يكون مقصود الناقد أنه في تلك الحالة دون ما هو عليه الراوي أصلا، لا تضعيفه على ما جرى عليه الاصطلاح.
وعكسه كذلك أن يقوى الراوي في بعض حالاته بالنسبة للبعض الآخر، أي أنه أحسن حالا من هذه، لا أنه ارتفع فيها عن حيز الضعف.
فعند تحديد درجة الراوي في إحدى حالتيه لابد -بالإضافة إلى التدقيق في ألفاظ الناقد نفسها من مراعاة حاله الأخرى، ويتأكد هذا إذا كان الناقد قد استخدم أفعل التفضيل، فقد تكون على غير بابها أصلا.
مثال ذلك الإمام الأوزاعي، هو في عموم حاله في الذروة العليا من الثقة والضبط، ولكن تكلم بعض النقاد في روايته عن يحيى بن أبي كثير، وذلك أنه احترق ما كتبه عنه، وقيل: ضاع (١)، فصار يحدث بما
стр. 437
حفظه- فوقع في أغلاط، قال أحمد: "حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب" (١)، وقال أيضًا: "لم يكن يحفظه جيدا، فيخطئ فيه، وكان يروي عن يحيى، عن أبي قِلَابة، عن أبي المُهَاجِر، وإنما هو أبو المُهَلَّب" (٢).
وذكر لأحمد حديث الأوزاعي، عن يحيى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ سئل: متى كنت نبيا؟ ... "، فقال: "هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيرا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير ... " (٣)، وكذا أشار أبو داود إلى خطئه في روايته عن الأوزاعي (٤).
فهذا الكلام في رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير يراعي فيه حال الأوزاعي بصفة عامة، فقد كان حافظا متثبتا، وأخطأ في بعض حديثه عن يحيى بن أبي كثير، فهو فيه أيضا ثقة، بل هو عندهم معدود في كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، كما نص عليه جماعة من النقاد، منهم أحمد، وأبو داود، وابن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم (٥).
стр. 438
ونص جماعة من النقاد على أن أبا معاوية محمد بن خازم الضرير هو المقدم في الأعمش بعد سفيان الثوري (١)، وأما في غير الأعمش فقد تكلم في روايته، قال أحمد: "أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظا جيدا" (٢).
وهذا المعنى توارد عليه جمع من النقاد غير أحمد، منهم ابن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الرحمن بن خِرَاش (٣).
وقد نصوا على بعض شيوخه، فقال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ " (٤).
وقال أبو داود أيضا: "سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله ... " (٥).
وكذا قال ابن معين: "روى أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر أحاديث مناكير" (٦).
فهذا الكلام في أبي معاوية لا ينظر إليه وحده، بل لابد من مراعاة حاله في الأعمش، فهو فيه ثقة ثبت، وهو في غيره ثقة أيضا، مع ماله من أوهام، قال ابن مُحْرِز: "سألت يحيى عن أبي معاوية، قلت: كيف هو في غير حديث الأعمش؟ فقال: ثقة، ولكنه يخطئ" (٧).
стр. 439
وتكلم الأئمة كثيرا في حفظ شَرِيْك بن عبد الله، وأنه يخطئ كثيرا إذا حدث من حفظه، وخاصة بعد توليه القضاء (١)، وقد نص أحمد على أن من كتب عنه بواسط من كتابه فحديثه أصح، وأشار إلى ذلك ابن المديني وغيره (٢).
ومع هذا فتقوية شَرِيْك في كتابه يراعى فيه الكلام في حفظه، فتحديثه من كتابه أقوى، ولكنه مع ذلك يخطئ أيضا، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة، عن شَرِيْك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحيانا، فقال له فضل الصائغ: إن شَرِيْكا حدث بواسط بأحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل: بواطيل" (٣).
وقد قال يحيى بن سعيد القطان: "نظرت في أصول شَرِيْك، فإذا الخطأ في أصوله" (٤)، وفي رواية: "رأيت تخليطا في أصول شَرِيْك " (٥).
وسئل أبو حاتم عنه وعن أبي بكر بن عَيَّاش أيهما أحفظ؟ فقال: "هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابا" (٦).
وما يقال في شَرِيْك يقال مثله في جماعة كثيرين من الرواة، كابن لهيعة، قد قوى بعض الأئمة روايته قبل تغيره، وخص بعضهم ذلك
стр. 440
برواية العبادلة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وأنها أصح من روايته بعد تغيره (١)، فذهب بعض الباحثين إلى تصحيح حديثه أو تحسينه من رواية هؤلاء عنه، ولا يظهر ذلك، فإن المقصود بتقوية روايته قبل تغيره: أي بالنسبة لروايته في آخر عمره، فإنه ضعف جدا، وصار يقرأ كل ما دفع إليه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، فرواية المتقدمين عنه أقل ضعفا، صالحة للاعتبار.
وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول ذكر نماذج لمن كان ثقة في حال، وتكلم في روايته في حال أخرى، أو زادوا في تقويته في حال أخرى، ومن هو أصلا ضعيف، قووه في بعض حالاته، أو زادوا في تضعيفه، ومنه يدرك ضرورة مراعاة النسبية في مثل هذه الأحوال.
الصورة الثانية: مقارنة الراوي بغيره، فقد درج النقاد كثيرا على القيام بالمقارنة بين الرواة، إما لأنهم سئلوا عنهم جميعا، أو لتقريب مرادهم للسامع، وقد تقدم شرح ذلك وتفصيله في المبحث الثالث من الفصل الأول.
والذي يهمنا هنا هو أن تلك المقارنات يلزم للاستفادة منها جيدا ملاحظة النسبية فيها، فالناقد بصدد مقارنة بين راويين أو أكثر، ولا شك أن هذا يختلف عن إطلاق حكم مستقل في الراوي.
ومراعاة النسبية هنا تكون أولا بالتدقيق في كلام الناقد، إذ يحتمل أن يكون أقحم في المقارنة أمورا أخرى غير درجة الراوي، مثل كثرة محفوظه، أو صلاحه وفضله، أو فقهه، أو نحو ذلك، وهذا أيضا قد
стр. 441
تقدم شرحه بأمثلته في ذلك المبحث.
ثم -وهذا هو المهم- تراعى النسبية في ألفاظ الناقد المتعلقة بدرجته في الرواية؛ إذ قد يطلق الناقد توثيق أحدهما ومقصوده بالنسبة للآخر، ولو حكم عليه مفردا لم يوثقه، أو يضعفه كذلك ومقصوده بالنسبة للآخر.
قال أبو الوليد الباجي موضحا ذلك: "اعلم أنه قد يقول المعدل: فلان ثقة، ولا يريد أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: فلان لا بأس به، ويريد أنه يحتج بحديثه، وإنما ذلك حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يسأل عن الرجل الفاضل في دينه المتوسط حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره، وقد يسأل عنه غير هذا الوجه فيقول: لا بأس، فإذا قيل: أهو ثقة؟ قال: الثقة غير هذا ...
وقد روى عباس بن محمد الدوري، عن ابن معين أنه قال: محمد بن إسحاق ثقة، وليس بحجة، وأصل ذلك أنه سئل عنه، وعن موسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: محمد بن إسحاق ثقة، وليس بحجة، فإنما ذهب إلى أنه أمثل في نفسه من موسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي ... " (١).
ومن صريح الأمثلة لما تقدم قول عثمان الدارمي: "سألته (يعني ابن معين) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، كيف حديثهما؟ فقال:
стр. 442
ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المَقْبُري؟ فقال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف". (١)
وقد ظهر لي أن أحكام النقاد على راو -وإن جاءت مطلقة- تتأثر كثيرا بمن حوله، فإذا كان الراوي له أقران من الحفاظ الأثبات، أو كان أهل بيته كذلك، وهو دونهم قليلا، بدا الكلام فيه أشد مما يناسب حاله لو كان فردا، ذلك أن الناقد حين يطلق القول فيه في ذهنه قوة أقرانه، أو أهل بيته، وقد يفهم ذلك من السؤال الذي طرح عليه، وعكسه كذلك، قد يقوى النقاد راويا، وهم يلاحظون أقرانه، أو أهل بيته ممن هم دونه، وهذه مسألة دقيقة، أراها بحاجة إلى مزيد تأمل.
ومن أمثلة مراعاة الأئمة المتأخرين للتوثيق والتضعيف النسبي حين نظرهم في أقوال النقاد قول ابن القطان في سعد بن سعيد الأنصاري: "ضعيف، ولكن معنى ذلك أنه بالنسبة إلى من فوقه، وبالقياس إلى من هو أقوى منه، وقد أخرج له مسلم ﵀" (٢).
وقال الدارقطني بعد أن ذكر حديثا للحسن بن عبيدالله النخعي خالفه فيه الأعمش: "الحسن ليس بالقوي، ولا يقاس بالأعمش" (٣)، فذكر ابن حجر أن هذا تضعيف له بالنسبة للأعمش (٤).
ومما يحتاج إلى التنبه له في المقارنة بين الرواة ما تقدم التنبيه عليه في الصورة الأولى وهو استخدام النقاد كثيرا لأفعل التفضيل، وهي
стр. 443
تتفاوت تفاوتا كبيرا بحسب من قيلت فيه، بل ربما كانت على غير بابها، وقد يحتاج الناقد إذا استخدمها إلى بيان مراده، خشبة أن يفهم منها معنى آخر، فقد يقول الناقد: فلان أوثق من فلان، ثم ينبه إلى أن الأدنى أيضا ثقة، خشية أن يفهم من كلامه غير ذلك، أو يقول: فلان أصح حديثا من فلان، أو أحب إلي من فلان، ثم ينبه إلى أن الأعلى أيضا ضعيف، وإنما ذلك بالنسبة للآخر.
سئل أحمد عن حَرِيْز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، فقال: "حَرِيْز أحب إلي، وأعجب إلى من صفوان، وما بصفوان بأس" (١).
وقال عبد الله بن أحمد: "سألته عن محمد بن سالم أبي سهل، فقال: هو شبه المتروك، [و] سألته عن أشعث بن سَوَّار، فقال: هو أمثل من محمد بن سالم، ولكنه على ذاك ضعيف -يعني الأشعث" (٢).
وقال إسحاق بن هانئ: "سألته عن الربيع بن بدر، فقال: لا يسوى حديثه شيئا، ثم قال: الربيع بن بدر، ومثنى بن الصَّبَّاح، أحب إلي من عطاء بن عجلان، ولا يكتب حديثه" (٣).
وقال إسحاق أيضا: "سألته عن النَّضْر بن إسماعيل مؤذن مسجد الكوفة، فقال: ضعيف الحديث، وقال: هو مثل محمد بن السَّمَّاك، إلا أن محمد بن السَّمَّاك كان أثبت منه" (٤).
стр. 444
وقال أيضا: "قلت لأبي عبد الله: أبو حمزة ميمون الذي روى عن إبراهيم؟ قال: ليس هو بشيء، قلت له: فأيما أصح حديثا هو أو عُبَيْدة؟ قال: عُبَيْدة عندي أصح حديثا" (١).
وعُبَيْدة هذا هو ابن مُعَتِّب، وقد قال فيه أحمد: "ترك الناس حديثه" (٢).
وقال الحسين بن حِبَّان: "سألت أبا زكريا -يعني يحيى بن معين- قلت: إذا اختلف أبو الوليد، وعفان، في حديث عن حماد بن سلمة، فالقول قول من هو؟ قال: القول قول عفان، قلت: فإن اختلفوا في حديث عن شعبة؟ قال: القول قول عفان، قلت: وفي كل شيء؟ قال: نعم، عفان أثبت منه وأَكْيَس، وأبو الوليد ثقة ثبت" (٣).
وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى يقول: عَبَّاد بن العَوَّام ثقة صدوق، مأمون، مَقْنَع، جائز الحديث، هو والله أوثق من يزيد بن هارون، أفيزيد ليس ثقة؟ بلى والله إنه لثقة، وإن عَبَّادا لأوثق منه" (٤).
وقال أيضا: "سمعت يحيى وقيل له: ابن عجلان مثل عبيد الله بن عمر؟ فقال: ابن عجلان ثقة، وعبيد الله أثبت منه" (٥).
وقال أيضا: "سمعت يحيى وقيل له: كَثِير بن زيد مدني؟ قال:
стр. 445
نعم، ضعيف، وكَثِير بن عبد الله بن مِلْحَة أيضا ضعيف، كلاهما، ولكن ذاك خير من هذا" (١).
وسئل أبو زرعة، عن محمد بن سلمة بن كُهَيْل، فقال: "هو عندي قريب من يحيى بن سلمة، إلا أن يحيى ضعيف جدا، ومحمد عندي ضعيف، إلا أن محمدا قل من روى عنه" (٢).
الصورة الثالثة: تتركب من الصورتين السابقتين، فالراوي يقارن بغيره ولكن في حالة معينة كروايتهم عن شيخ معين، أو في التحديث من الحفظ والكتاب.
فهذا أيضا تلاحظ فيه النسبية، أولا من جهة احتمال أن يكون المقارن لحظ معنى آخر غير القوة في الرواية، مثل كثرة الرواية عن الشيخ، أو العلم بأحواله، ونحو ذلك، وهذا قد تقدم شرحه في المبحث الثالث من الفصل الأول، وثانيا -وهو المقصود هنا- أن يكون المقارن حين أطلق العبارة أراد حال أحدهما بالنسبة للآخر في الشيء الذي جرت المقارنة فيه بينهما، فلابد من ملاحظة حال كل منهما مفردا، وحال من وضع أساسًا للمقارنة، وعطف عليه الآخر.
ومن أمثلة ذلك ما رواه المفَضَّل الغَلَّابي عن ابن معين في موسى بن عُقْبة: "ثقة، كانوا يقولون في روايته عن نافع: فيها شيء"، قال الغَلَّابي: "وسمعت يحيى بن معين يضعف موسى بن عُقْبة بعض التضعيف" (٣).
стр. 446
فهذا تضعيف نسبي، يلاحظ فيه قوة موسى بن عُقْبة في غير نافع، كما يلاحظ فيه أقران موسى بن عُقْبة من أصحاب نافع الكبار، يدل على هذا قول ابن معين نفسه في رواية ابن الجُنَيْد، قال ابن الجُنَيْد: "سئل يحيى وأنا أسمع عن موسى بن عُقْبَة، فقال: مدني ثقة، قال يحيى بن معين: ليس موسى بن عُقْبَة في نافع مثل مالك، وعبيد الله بن عمر" (١).
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه ابن مُحْرِز قال: "سمعت يحيى وسئل عن أصحاب سفيان من هم؟ قال: المشهورون: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وابن المبارك، وأبو نُعَيْم، هؤلاء الثقات، قيل له: فأبو عاصم، وعبد الرزاق، وقَبِيْصَة، وأبو حذيفة؟ قال: هؤلاء ضعفاء" (٢).
فتضعيف المذكورين في سفيان الثوري لابد فيه من ملاحظة شيئين: حال هؤلاء في غير الثوري، ثم حالهم في الثوري مقارنة بالمذكورين قبلهم، وهم الطبقة الأولى من أصحاب الثوري، وهم فيه ثقات أثبات، فهذا الضعف نسبي إذن، فهم الطبقة الثانية من أصحابه، وقد قال ابن أبي خَيْثَمة: "سمعت يحيى بن معين وسئل عن أصحاب الثوري أيهم أثبت؟ قال: هم خمسة: يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، فأما الفِرْيابي، وأبو حذيفة، وقَبِيْصَة، وعبيد الله، وأبو عاصم،
стр. 447
وأبو أحمد الزُّبَيْرِي، وعبد الرزاق، وطبقتهم، فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم، دون أولئك في الضبط والمعرفة" (١).
وقال الدارمي بعد أن سأله عن جماعة من كبار أصحاب سفيان، وعن غيرهم: "قلت: فيحيى بن يمان؟ فقال: أرجو أن يكون صدوقا، قلت: فكيف هو في حديثه؟ فقال: ليس بالقوي، قلت: فعبيد الله بن موسى؟ فقال: ثقة، ما أقربه من ابن اليمان، قلت: فقَبِيْصَة، فقال: مثل عبيد الله، قلت: فالفارِيَابي؟ قال: مثلهم، قلت: فعبد الرزاق في سفيان؟ فقال: مثلهم، قلت: وأبو حذيفة؟ فقال: مثلهم، قلت: فيعلى؟ فقال: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره" (٢).
وذكر ابن حجر قول أحمد في قَبِيْصَة بن عُقْبَة: "كان كثير الغلط، وكان ثقة لا بأس به، وهو أثبت من أبي حذيفة، وأبو نُعَيْم أثبت منه"، ثم قال ابن حجر: "هذه الأمور نسبية ... " (٣).
وفي النصوص السابقة عن ابن معين مثال جيد للتوثيق والتضعيف الجماعي، فإن أصحاب سفيان من الطبقتين ليسوا في درجة واحدة، بل بينهم تفاوت، وهذا يكثر في تحديد طبقات الأصحاب، يذكرهم الأئمة إجمالا على طبقات، ثم يفاضلون أيضا بين أصحاب الطبقة الواحدة.
هذا ما تيسر لي جمعه والحديث عنه من ضوابط النظر في نصوص
стр. 448
النقاد في الجرح والتعديل، وقد يكون هناك غير ما ذكرت، مما قد فاتني التنبه له، أو تعمدت إغفاله لقلة الحاجة إليه، أو أنه يندرج تحت ما ذكر.
وأختم الحديث عن هذا الموضوع المهم بثلاث مسائل تتعلق بعموم الضوابط السابقة.
المسألة الأولى: في شرح الضوابط والتمثيل لها أكثرت من التعويل على حال الراوي، وأنها تساعد على النظر في إسناد النص، أو في سلامته، أو في قائله، أو في دلالته، وهذا أمر قد يشكل على البعض تصوره، إذ نحن نريد معرفة حال الراوي من نصوص النقاد، ونحن الآن نعالج نص الناقد بالنظر في حال الراوي، فهذا دور في الاستدلال ظاهر.
وغير خاف أن هذا اعتراض صحيح، ولابد من الانفصال عنه، وطريقة ذلك أن يقال: ما نعالجه ونحتاج فيه إلى النظر في حال الراوي هو جزء من نصوص النقاد في الراوي، والحال التي يُعَوَّل عليها في معالجة هذا النص أو تلك النصوص هي عموم حال الراوي من نصوص النقاد الأخرى المتضافرة في الدلالة على حاله، فهو رد للجزء إلى الكل، وينقطع الدور حينئذ.
يضاف إلى ذلك أمر آخر، وهو أن النظر إلى حال الراوي كثيرا ما يكون عاملا مساعدا، أي ليس الاعتماد عليه وحده، ومثل هذا يتسامح فيه في وقوع نوع من الدور في الاستدلال.
وهذا لا يمنع من التأكيد على ضرورة التأني في الاستفادة من حال الراوي في معالجة نصوص النقاد، إذ قد يكون الدور حقيقيا كاملا، لقلة النصوص الأخرى عن النقاد في الراوي، وخلو النص موضع النظر
стр. 449
عن العوامل المساعدة.
المسألة الثانية: الضوابط السابقة هي في النظر في أقوال النقاد في عصر النقد -عصر الرواية-، وعليه فلا يدخل في هؤلاء النقاد المتأخرون، كالمِزِّي، والذهبي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم، فهؤلاء ليسوا نقادا بالمعنى المراد للكلمة، أي أن استخدامهم لوسائل نقد الرواة الماضية في الفصل الأول محدود جدا، وإنما نظرهم في أقوال النقاد في تلك الفترة، فإذا قال الذهبي -مثلا- عن راو ما إنه ثقة، أو صدوق، ونحو ذلك، فإنما يريد أنه ثقة حسب اجتهاده في نصوص النقاد، وتطبيق الضوابط السابقة عليها.
فالباحث وهو ينظر في نصوص النقاد وفق الضوابط السابقة يستعين باجتهاد الأئمة المتأخرين، وقد يجد تفاوتا بين ما توصل إليه كل منهم، بل قد يجد تفاوتا بين أقوال الواحد منهم، وإن كان هذا في الغالب اختلاف عبارة أكثر من كونه اختلافا حقيقيا في نتيجة الاجتهاد، وعلى الباحث أن يلقي باله لتطبيقات هؤلاء الأئمة لتلك الضوابط، ليتدرب عليها، فكثيرا ما ينصون على الدليل الذي اعتمدوه في الجمع بين الروايات، أو في رد بعضها، أوفي الترجيح بينها، وهذه هي الضوابط.
ولهذا السبب يذهب كثير من الباحثين والمشرفين على إعداد الرسائل العلمية إلى أنه لا بأس أن يعتمد الباحث على حكم إمام متأخر، كالذهبي، وابن حجر، ويستندون في ذلك إلى أن الباحث سيقوم لو أراد أن يصل إلى حكم في الراوي بتطبيق ضوابط هؤلاء الأئمة، وحينئذٍ فإمامتهم ترجح أن يكون قولهم هو الصواب.
стр. 450
وليس عندي اعتراض كبير على هذا الرأي، لكن يلزم التنبه لأمرين، الأول: أن هؤلاء الأئمة يلجؤون إلى الاختصار كثيرا في عرض نتيجة الحكم على الراوي، مراعاة لمنهجهم في تأليف كتاب مختصر جدا، مثل "الكاشف" للذهبي، أو "التقريب" لابن حجر، ومراعاة أيضا لكونهم يعطون حكما عاما على الراوي، دون الخوض في التفاصيل، وعليه فإنهم يدعون -أحيانا- في خلاصة الحكم النص على استثناء حالة معينة للراوي، كتضعيفه في شيخ معين له، أو أكثر، ومن تتبع أحكام هذين الإمامين لم تعوزه الأمثلة على ذلك.
وعلى هذا فالباحث -مع اكتفائه بحكم الأئمة المتأخرين- يلزمه الوقوف على أقوال النقاد المتقدمين، فقد يكون فيها شيء يحتاجه الباحث في حديثه الذي يبحث فيه، لا يصح له إغفاله.
مثال ذلك الإمام عبد الرزاق، قال فيه ابن حجر: "ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع" (١).
ففي عبد الرزاق -أخذا من كلام الأئمة- استثناء لم يشر إليه ابن حجر، فروايته عن عبيد الله بن عمر العمري متكلم فيها، وكذلك بعض سماعه من سفيان الثوري، كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول، ومثل هذا ليس بالقليل.
الثاني: تتأثر اجتهادات هؤلاء الأئمة في النظر في نصوص النقاد بالقدر الذي يقف عليه الناظر منهم في هذه النصوص، وخاصة في غير المشهورين من الرواة، فابن حجر مثلا يحكم على أحد الرواة بحكم في
стр. 451
"تقريب التهذيب" استخلصه من نصوص النقاد التي ساقها في "تهذيب التهذيب"، ولكنه مع حرصه التام على ذكر كل ما يقف عليه من كلام النقاد، ما كان في أصل كتابه وهو "تهذيب الكمال" للمزي، أو ما زاده عليه مغلطاي في كتابه "إكمال تهذيب الكمال"، أو ما وقف عليه هو بنفسه- مع هذا فقد فاته الشيء الكثير من نصوص النقاد، وقد يكون ما فاته ذا أثر كبير في استخلاص الحكم على الراوي، وهذا أكثر ما يظهر في غير المشهورين من الرواة (١).
وقد اتضح مما تقدم أن ما يفعله كثير من الباحثين في نقلهم لنصوص النقاد فيمن يترجمون له بقولهم مثلا: وثقة أحمد، وابن معين، والذهبي، أو قولهم: قال أبو داود، والعجلي، وابن حجر: "ثقة"- ينبئ عن عدم تصور معنى توثيق أحمد، وابن معين، وأبي داود، والعجلي، ومعنى توثيق الذهبي، وابن حجر.
وأدق من ذلك أن بعض الباحثين حين يتصدى لشرح مصطلح ما قد ينصب الاختلاف في معناه بين ناقد متقدم، وبين إمام متأخر، فيقول مثلا: قولهم: منكر الحديث، فيه قولان، الأول: لأحمد، والبخاري، وسائر النقاد المتقدمين، ثم يذكر معناه عندهم، الثاني: للذهبي، ثم يذكر معناه عنده.
وقد رأيت من يفعله، وغير خاف أن الذهبي حين أطلق معنى هذا المصطلح ليس مراده أن يخالف الأولين، وأن يأتي بجديد، وإنما هو اجتهد ونظر في إطلاق الأولين لهذا المصطلح، فشرح مرادهم به،
стр. 452
سواء وفق في هذا الاجتهاد أو كان الصواب بخلاف ما ذهب إليه.
وقضية استفادة الناقد من كلام من تقدمه من النقاد بدأت مبكرة جدا، كما تقدم شرحه في المبحث الرابع من الفصل الأول، وكلما تأخر الزمن زادت ضرورة نظر الناقد في أقوال من سبقه، ولهذا نجد من تأخر عن القرن الثالث قليلا -كابن حبان، وابن عدي، والدارقطن- نظره في غالب الرواة خليط من سبر أقوال النقاد قبله، ومن نظره هو في أحاديث الراوي، ثم اختيار رأي له هو.
وأما المتأخرون فنظرهم -كما أسلفت- تمخض في كلام النقاد في الراوي.
الثالثة: لا يختلف اثنان من المشتغلين بعلم السنة على أهمية الجرح والتعديل في نقد السنة، غير أن هذا لا يمنع من القول إنه جزء من النقد، وليس النقد كله، فدرجة الراوي حين النظر في الإسناد كله، ثم في الأسانيد الأخرى- حلقة في سلسلة حلقات، يتوصل بها أخيرا إلى الحكم على الحديث، وفي كثير من الأحاديث ليس لدرجة الراوي تأثير كبير على هذا الحكم، لسبب بسيط جدا، وإن كان خفي تصوره على أكثر المتصدين لنقد السنة في عصرنا وقبله أيضا، وهذا السبب هو أن الحكم على الحديث سابق عند النقاد الأولين على الحكم على الراوي، فالحكم الذي يصدره الناقد على الراوي من أهم وسائله -كما تقدم شرحه في المبحث الأول من الفصل الأول- النظر في أحاديث الراوي، ومقارنتها بحديث غيره، لمعرفة ما أصاب فيه وما أخطأ، وما شاركه فيه غيره مما تفرد به، فالحكم بالخطأ على أول حديث يقف عليه الناقد إذن ليس مبنيا على درجة الراوي، فالراوي لم يتحدد
стр. 453
درجته عند الناقد بعد، حتى يفرغ من النظر في أحاديثه.
وهذا يفسر قول النقاد كثيرا عن حديث ما: حديث منكر، أو خطأ، وفلان ثقة، أو لا بأس به، فالحديث إذن منكر، أو خطأ بغض النظر عن درجة راويه.
والإشكال الكبير الواقع في الدراسات النقدية هو قلب الصورة، أي الاعتماد على درجة الرواة في الحكم على أحاديثهم اعتمادا كليا أو شبه كلي، وربما زادوا على ذلك برد كلام النقاد استنادا إلى هذه الدرجة.
وهذه القضية ليست من السهولة بحيث أعالجها في هذه العجالة، ولذلك فإنني سوف أعود إلى تأكيدها وشرحها في مناسبات قادمة، فهي قطب الرحى بالنسبة للدراسات النقدية للسنة النبوية.
وغرضي من ذكرها هنا ما رأيته من عمل بعض الباحثين في التدقيق جدا في درجة الراوي، وكثرة التعقب على الأئمة المتأخرين كالذهبي، وابن حجر، فيما استخلصوه من أحكام على الرواة، فإذا قال الواحد منهم: فلان صدوق، تعقبه الباحث بأنه ثقة له أوهام، أو ثقة يهم، أو إذا قال: صدوق، قال: بل صدوق يخطئ، أو إذا قال: لين الحديث، تعقبه بأنه صالح الحديث، ونحو ذلك، فيقع التدقيق في عبارات متقاربة جدا، هي محل نظر واجتهاد، ولا تأثير لها يذكر في الحكم النهائي على الحديث.
стр. 454
الفصل الرابع: تمييز رواة الإسناد
وفيه مدخل وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: كثرة وقوع الاشتباه بين الرواة.
المبحث الثاني: أسباب وقوع الخلط بين الرواة.
المبحث الثالث: الوسائل المساعدة على تمييز الرواة.
стр. 455
مدخل:
يكثر من البشر الوقوع في الخلط بين الأمور المتشابهة، فربما صافح شخص شخصا آخر يظنه صاحبه الذي قابله منذ فترة، ثم يتبين له أنه غيره، وقد يرى شخص شيئا يعجبه كقماش ونحوه، فإذا ذهب ليشتريه اشتبه عليه بغيره، ولم يستطع تحديده لكثرة ما يقرب منه، وربما قصد شخص بيتا قد جاءه منذ فترة، أو أرشد إليه، فطرق باب بيت آخر يظنه هو.
وهكذا يوجد الاشتباه بين الأشياء في كافة نواحي الحياة، ويقع فيه الإنسان مرارا وتكرارا، ولا فكاك له منه، وهو دال على نقص البشر وفقرهم وحاجتهم.
وفي البحوث العلمية في جميع الفنون يقع الاشتباه لدى الباحثين، فقد يعرف الباحث بمدينة، والمقصود غيرها، أو يعرف بفرقة، والمراد فرقة أخرى، أو يصف كتابا فيخلط المعلومات عنه بكتاب آخر، وما أكثر ذلك، ناهيك عن الاشتباه في الحقائق وما يحتاج إلى اجتهاد، فالأمر كما قال ابن الصلاح: "لم يزل الاشتراك من مظان الغلط في كل علم" (١).
ولهذا السبب فإن وقوع الباحث في الخطأ في تمييز رواة الإسناد الذي يقوم بدراسته أمر متوقع، وهو حين وقوعه من الخطورة بمكان، إذ معناه القضاء مبكرا على دراسته للإسناد بأنها خطأ، ومن أجل هذا جعلت الحديث عنه في الفصل الأخير هذا، ليستحضر الباحث أهميته،
стр. 456
وأن من المهم جدا أن يتأنى في تحديد أشخاص رواة إسناده قبل أن يترجم لهم، ويبحث عن نصوص النقاد فيهم لدراستها، إذ من الممكن إن استعجل أن لا يحكم تحديد وتمييز رواة الإسناد، فيذهب جهده سدى، بل يترتب عليه نتائج مخطئة.
وسوف أتناول موضوع (تمييز الرواة) من عدة جوانب، رأيت أن الحديث عنها يجلي الموضوع، ويقربه للباحث، وذلك في ثلاثة مباحث.
стр. 457
المبحث الأول: كثرة وقوع الاشتباه بين الرواة
المتتبع لرواية المأثور ونقده على مر العصور يلاحظ بسهولة وقوع الاشتباه والخلط بين الرواة، وأن ذلك يأخذ خطا تصاعديا في الكثرة كلما تأخر الزمن عن عصر الرواية، حتى استفحل ذلك في الدراسات النقدية المعاصرة.
ويقع مثله أو أكثر منه في التعريف بالأعلام والأشخاص، وإن لم يكن في مجال دراسة نقدية، مثل تحقيق كتب التراث، وفهرستها، وكتابة الرسائل العلمية في التخصصات المختلفة.
ولا شك أن الذي يعنينا هنا في المقام الأول هو ما يتعلق بالدراسة النقدية للمرويات، فقد ينبني على هذا الخلط تصحيح إسناد ضعيف، أو تضعيف إسناد صحيح، ولكن مع ذلك فإن التعرض لوقوع هذا الخلط في غير مجال الدراسة النقدية لا يخلو من فائدة، ولاسيما أن الفصل بين الدراسة النقدية وغيرها -كتحقيق كتاب من كتب أئمة الحديثة- أمر فيه صعوبة.
وفي هذا المبحث أسوق نماذج مما وقفت عليه من الخلط الكلي أو الجزئي بين الرواة والأعلام، وتأتي في المبحثين التاليين نماذج أخرى، وأما استقصاء ذلك فأمر غير ممكن، فلا أبالغ إذا قلت إنه يحتاج إلى مؤلف خاص.
فمن ذلك ما رواه الرامَهُرْمُزي، عن محمد بن جعفر الشَّعِيْري قال: "اطلعت في كتاب رجل ممن زعم أنه جمع حديث يونس بن عبيد، فإذا
стр. 458
قد صدر بما روى يونس، عن الزهري، فقلت: إن يونس لم يرو عن الزهري شيئا، وإذا هو قد غلط بيونس بن يزيد، وظن أنه يونس بن عبيد" (١).
وقال الرامَهُرْمُزي: "كان أبو محمد بن صاعد -مع محله من الحديث وضبطه- جمع حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، فأورد فيه حديثا رواه هاني بن يحيى، عن شعبة، عن عبد الله بن عثمان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لحله ولإحرامه"، ويذكرون أن هذا ليس بابن خُثَيْم، وإنما هو شيخ بصري، يقال له: عبد الله بن عثمان، روى عنه يحيى بن سعيد القطان" (٢).
وذكر عبد الغني المقدسي في "الكمال" في ترجمة (عبد الله بن نافع الصائغ) أنه يروي عن هشام بن عروة، ويروي عنه عبد الوهاب بن بُخْت، فتعقبه المُزِّي بقوله: "ذكر في مشايخه هشام بن عروة، ولم يدركه، إنما يروي عن أسامة، عنه" (٣).
ونقل عنه ابن حجر قوله: "وذكر صاحب "الكمال" في شيوخه هشام بن عروة، ولم يدركه، وفي الرواة عنه عبد الوهاب بن بُخْت، وفي ذلك - بل في إدراك الصائغ لزمانه - نظر ... " (٤).
وأوضح أن حجر أن أصل الوهم في ذلك من ابن عدي، وتبعه
стр. 459
عبد الغني، فقد ساق ابن عدي في ترجمة (الصائغ) حديثا يرويه عبد الوهاب بن بخت، عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، وقال بعده: "وإذا روى عنه مثل عبد الوهاب بن بخت هذا الحديث يكون ذلك دليلا على عدالته ... ، وهذا من رواية الكبار عن الصغار" (١)، قال ابن حجر: "وعبد الله بن نافع المذكور ليس هو الصائغ، بل هو عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، والله أعلم" (٢).
وأخرج الدارقطني من طريق حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما إهاب دُبِغ فقد طهر"، ثم قال: "إسناد حسن" (٣).
وقال ابن حجر عن هذا الحديث: "رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحة، وقال إنه حسن" (٤).
وكذا ذكر كلام الدارقطني ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، والذهبي، فلم يعترضوه بشيء (٥)، إلا أن الذهبي ذكر هذا الحديث في ترجمة حفص بن عبد الله، وذكر أنه تفرد به عن إبراهيم بن طَهْمان (٦).
وظاهر من صنيع هؤلاء الأئمة أنهم ذهبوا إلى أن الذي في الإسناد هو أيوب السَّخْتِيَاني، فهو المشهور بالرواية عن نافع، لكن تكلم أبو
стр. 460
حاتم على هذا الحديث بكلام قوي، ذكر فيه أنه حديث باطل، وأنه يشبه أن يكون أيوب الذي في الإسناد أيوب بن خُوْط، وهو متروك الحديث، وهو يروي عن نافع، ويروي عنه إبراهيم بن طهمان (١).
وقال ابن حجر في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، أبي شيبة الكوفي، ولد أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف": "وأغرب ابن القطان فزعم أنه ضعيف، وكأنه اشتبه عليه بِجَدِّه ... ، وذكر البيهقي في "السنن" حديثا من طريقه، وقال: الحمل فيه على أبي شيبة فيما أظن، ووهم في ذلك، وكأنه ظنه جده إبراهيم بن عثمان فهو المعروف بأبي شيبة أكثر مما يعرف بها هذا، وهو المضعف كما سيأتي" (٢).
وروى الدارقطني من طريق عبد الله بن حماد الآمُلي، عن عبد الملك بن سلمة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن" (٣)، فذكر أبو القاسم بن عساكر في "الأطراف" هذا الإسناد هكذا: "رواه عبد الله بن حماد الآمُلي، عن القعنبي، عن المغيرة بن عبد الرحمن ... " (٤).
ففسر عبد الملك بن سلمة الذي في الإسناد بالقَعْنَبي، وهو ثقة معروف، والصواب أنه عبد الملك بن سلمة المصري، وهو منكر