وأن من المهم جدا أن يتأنى في تحديد أشخاص رواة إسناده قبل أن يترجم لهم، ويبحث عن نصوص النقاد فيهم لدراستها، إذ من الممكن إن استعجل أن لا يحكم تحديد وتمييز رواة الإسناد، فيذهب جهده سدى، بل يترتب عليه نتائج مخطئة.
وسوف أتناول موضوع (تمييز الرواة) من عدة جوانب، رأيت أن الحديث عنها يجلي الموضوع، ويقربه للباحث، وذلك في ثلاثة مباحث.
стр. 457
المبحث الأول: كثرة وقوع الاشتباه بين الرواة
المتتبع لرواية المأثور ونقده على مر العصور يلاحظ بسهولة وقوع الاشتباه والخلط بين الرواة، وأن ذلك يأخذ خطا تصاعديا في الكثرة كلما تأخر الزمن عن عصر الرواية، حتى استفحل ذلك في الدراسات النقدية المعاصرة.
ويقع مثله أو أكثر منه في التعريف بالأعلام والأشخاص، وإن لم يكن في مجال دراسة نقدية، مثل تحقيق كتب التراث، وفهرستها، وكتابة الرسائل العلمية في التخصصات المختلفة.
ولا شك أن الذي يعنينا هنا في المقام الأول هو ما يتعلق بالدراسة النقدية للمرويات، فقد ينبني على هذا الخلط تصحيح إسناد ضعيف، أو تضعيف إسناد صحيح، ولكن مع ذلك فإن التعرض لوقوع هذا الخلط في غير مجال الدراسة النقدية لا يخلو من فائدة، ولاسيما أن الفصل بين الدراسة النقدية وغيرها -كتحقيق كتاب من كتب أئمة الحديثة- أمر فيه صعوبة.
وفي هذا المبحث أسوق نماذج مما وقفت عليه من الخلط الكلي أو الجزئي بين الرواة والأعلام، وتأتي في المبحثين التاليين نماذج أخرى، وأما استقصاء ذلك فأمر غير ممكن، فلا أبالغ إذا قلت إنه يحتاج إلى مؤلف خاص.
فمن ذلك ما رواه الرامَهُرْمُزي، عن محمد بن جعفر الشَّعِيْري قال: "اطلعت في كتاب رجل ممن زعم أنه جمع حديث يونس بن عبيد، فإذا
стр. 458
قد صدر بما روى يونس، عن الزهري، فقلت: إن يونس لم يرو عن الزهري شيئا، وإذا هو قد غلط بيونس بن يزيد، وظن أنه يونس بن عبيد" (١).
وقال الرامَهُرْمُزي: "كان أبو محمد بن صاعد -مع محله من الحديث وضبطه- جمع حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، فأورد فيه حديثا رواه هاني بن يحيى، عن شعبة، عن عبد الله بن عثمان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لحله ولإحرامه"، ويذكرون أن هذا ليس بابن خُثَيْم، وإنما هو شيخ بصري، يقال له: عبد الله بن عثمان، روى عنه يحيى بن سعيد القطان" (٢).
وذكر عبد الغني المقدسي في "الكمال" في ترجمة (عبد الله بن نافع الصائغ) أنه يروي عن هشام بن عروة، ويروي عنه عبد الوهاب بن بُخْت، فتعقبه المُزِّي بقوله: "ذكر في مشايخه هشام بن عروة، ولم يدركه، إنما يروي عن أسامة، عنه" (٣).
ونقل عنه ابن حجر قوله: "وذكر صاحب "الكمال" في شيوخه هشام بن عروة، ولم يدركه، وفي الرواة عنه عبد الوهاب بن بُخْت، وفي ذلك - بل في إدراك الصائغ لزمانه - نظر ... " (٤).
وأوضح أن حجر أن أصل الوهم في ذلك من ابن عدي، وتبعه
стр. 459
عبد الغني، فقد ساق ابن عدي في ترجمة (الصائغ) حديثا يرويه عبد الوهاب بن بخت، عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، وقال بعده: "وإذا روى عنه مثل عبد الوهاب بن بخت هذا الحديث يكون ذلك دليلا على عدالته ... ، وهذا من رواية الكبار عن الصغار" (١)، قال ابن حجر: "وعبد الله بن نافع المذكور ليس هو الصائغ، بل هو عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، والله أعلم" (٢).
وأخرج الدارقطني من طريق حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما إهاب دُبِغ فقد طهر"، ثم قال: "إسناد حسن" (٣).
وقال ابن حجر عن هذا الحديث: "رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحة، وقال إنه حسن" (٤).
وكذا ذكر كلام الدارقطني ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، والذهبي، فلم يعترضوه بشيء (٥)، إلا أن الذهبي ذكر هذا الحديث في ترجمة حفص بن عبد الله، وذكر أنه تفرد به عن إبراهيم بن طَهْمان (٦).
وظاهر من صنيع هؤلاء الأئمة أنهم ذهبوا إلى أن الذي في الإسناد هو أيوب السَّخْتِيَاني، فهو المشهور بالرواية عن نافع، لكن تكلم أبو
стр. 460
حاتم على هذا الحديث بكلام قوي، ذكر فيه أنه حديث باطل، وأنه يشبه أن يكون أيوب الذي في الإسناد أيوب بن خُوْط، وهو متروك الحديث، وهو يروي عن نافع، ويروي عنه إبراهيم بن طهمان (١).
وقال ابن حجر في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، أبي شيبة الكوفي، ولد أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف": "وأغرب ابن القطان فزعم أنه ضعيف، وكأنه اشتبه عليه بِجَدِّه ... ، وذكر البيهقي في "السنن" حديثا من طريقه، وقال: الحمل فيه على أبي شيبة فيما أظن، ووهم في ذلك، وكأنه ظنه جده إبراهيم بن عثمان فهو المعروف بأبي شيبة أكثر مما يعرف بها هذا، وهو المضعف كما سيأتي" (٢).
وروى الدارقطني من طريق عبد الله بن حماد الآمُلي، عن عبد الملك بن سلمة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن" (٣)، فذكر أبو القاسم بن عساكر في "الأطراف" هذا الإسناد هكذا: "رواه عبد الله بن حماد الآمُلي، عن القعنبي، عن المغيرة بن عبد الرحمن ... " (٤).
ففسر عبد الملك بن سلمة الذي في الإسناد بالقَعْنَبي، وهو ثقة معروف، والصواب أنه عبد الملك بن سلمة المصري، وهو منكر
стр. 461
الحديث، وقد تعقب ابنَ عساكر، ابنُ عبد الهادي وابنُ حجر في ذلك، وذكر ابن عبد الهادي أن الضياء المقدسي قال في كلامه على الطريق المشهور لهذا الحديث -وهو طريق إسماعيل بن عَيَّاش، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عمر (١) -: "إسماعيل بن عَيَّاش تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، غير أن بعض الحفاظ قال: قد روي من غير حديثه، بإسناد لا بأس به"، قال ابن عبد الهادي: "وكأنه أشار إلى ما ذكره الحافظ أبو القاسم" (٢).
وذكر ابن حجر أن ابن سيد الناس صحح هذا الإسناد، وكأنه تبع ابن عساكر أيضا (٣).
وأخرج ابن ماجه من طريق عبد الله بن موسى، عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه مرفوعا: "صائم السفر كالمفطر في الحضر" (٤)، ففسر ابن عساكر عبد الله بن موسى بأنه عبد الله بن موسى بن شيبة الأنصاري، وإنما هو عبد الله بن موسى التيمي، هكذا جاء منسوبا في عدة أصول من "السنن" (٥).
وتكلم على هذا الإسناد أيضا البوصيري، فقال: "هذا إسناد ضعيف منقطع، رواه أسامة بن زيد -هو ابن أسلم- ضعيف، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئا ... " (٦)، ونقل السندي عبارة البوصيري
стр. 462
بلفظ: "في إسناده انقطاع، أسامة بن زيد متفق على تضعيفه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا ... " (١).
وتابع البوصيري في تفسيره أسامة بن زيد الذي في الإسناد بأسامة بن زيد بن أسلم أحد المشايخ المعاصرين، في تعليق له على أحد كتب علوم الحديث، والصواب أن الذي في الإسناد أسامة بن زيد الليثي، وهو المعروف بالرواية عن الزهري، ولم يتفق على تضعيفه فقد اختلفوا فيه (٢).
وذكر ابن الجوزي حديثا في (غسل الأناء من ولوغ الكلب والهر) في إسناده سَوَّار بن عبد الله بن سَوَّار بن عبد الله البصري القاضي، وضعف إسناده بسَوَّار هذا، وأن سفيان الثوري قال فيه: "ليس بشيء" (٣)، وتعقبه ابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، بأنه وهم فاحش، فإن الثوري إنما قال هذا في سَوَّار بن عبد الله الجد (٤)، وهو كما قالا، فإن الحفيد ولد بعد موت الثوري بسنوات (٥).
وتكلم ابن الجوزي أيضا على حديثين ساقهما في (نقض الوضوء بمس الذكر)، وضعفهما بأن في إسنادهما إسحاق الفَرَوي، وقد قال فيه النسائي: "ليس بثقة" (٦)، وتعقبه ابن عبد الهادي بما حاصله أن إسحاق الفَرَوي اثنان، أحدهما: إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفَرَوي،
стр. 463
والثاني إسحاق بن عبد الله بن عبد الرحمن الفَرَوي، وكلمة النسائي في الأول منهما، لكنه في أحد الإسنادين فقط، وأما الإسناد الثاني ففيه إسحاق بن عبد الله الفَرَوي، وهو أسوأ حالا من الأول، فهو متروك الحديث متهم، وأما الأول فهو مختلف فيه (١).
وساق ابن الجوزي حديثا في (عدم نقض الضحك للوضوء) في إسناده أبو شيبة، فقال في الكلام عليه: "ثم إن أبا شيبة -واسمه عبد الرحمن بن إسحاق- ضعيف ... " (٢)، فتعقبه ابن عبد الهادي بأن أبا شيبة الذي في الإسناد إنما هو إبراهيم بن عثمان جد أبي بكر بن أبي شيبة، وأخيه عثمان، وهو أيضا ضعيف (٣).
وابن الجوزي ﵀ كثير الوقوع في الخلط بين الرواة في كتابه "التحقيق في أحاديث التعليق"، فإنه شحنه بالكلام في رواة الأحاديث، ووقع في أوهام كثيرة، نبه على بعضها ابن عبد الهادي في "التنقيح"، وترك البعض الآخر، واعتذر عن ذلك في نهاية كلامه على (أحاديث الجهر بالبسملة) بقوله: "وقد حصل للمؤلف فيما ذكره هنا من الكلام على تضعيف الأحاديث أوهام عديدة، وتقصير كثير، فإنه ضعف غير واحد من الصادقين، وترك الكلام على غير واحد من الضعفاء والمجهولين، كتضعيفه إسماعيل بن أَبَان، وظنه أنه الغَنَوي الكذاب، وإنما هو الورَّاق الثقة ... ، وكظنه أن عطاء الخراساني هو والد يعقوب، وإنما هو والد عثمان، ويعقوب هو ابن عطاء بن أبي
стр. 464
رباح، ولو تتبعنا ما قصر فيه أو وهم- لطال الكلام، والله الموفق للصواب" (١).
وذكر الذهبي حديثا في (النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل) يرويه زهير، عن داود بن عبد الله الأَوْدي، عن حميد الحِمْيري، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ (٢)، ثم تكلم عليه بقوله: "منكر، وزهير -هو ابن محمد- فيه شيء" (٣)، يعني زهير بن محمد الخراساني، وقد جاء على حاشية النسخة في تعقب الذهبي ما نصه: "لا، بل زهير هو ابن معاوية، أحد الثقات الأثبات"، وهو كذلك.
وتكلم ابن عدي على ما رواه ثابت بن موسى الزاهد، عن شَرِيْك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعا: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار (٤)، وذكر أن ثابتا تفرد به عن شَرِيْك، وهو حديث منكر، غلط فيه ثابت في قصة وقعت له مع شَرِيْك، وقد سرقه منه جماعة من الضعفاء فرووه عن شَرِيْك، منهم عبد الحميد بن بَحْر، وعبد الله بن شُبْرُمَة الشريكي وغيرهم (٥)، ونقل كلام ابن عدي هذا العراقي في تعليقه على كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث (٦)، فاعترض على العراقي بعض المعاصرين لابن حجر بأن أبا نُعَيْم أخرجه
стр. 465
في "تاريخه" عن أبي عمرو عثمان بن محمد، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا عبد الله بن شُبْرُمَة الكوفي، قال: حدثنا شَرِيْك به (١)، قال المعترض: "عبد الله بن شُبْرُمَة هو الفقيه الكوفي أحد الأعلام، احتج به مسلم".
وتعقبه ابن حجر بعد أن نقل اعتراضه بقوله: "وأخطأ هذا المتأخر خطأ فاحشا لا مستند له فيه ولا عذر، لأن عبد الله بن شُبْرُمَة هو الشريكي، وهو كوفي أيضا، وأما الفقيه فإنه قديم على هذه الطبقة، ولا يمكن أن يكون بين أبي نُعَيْم وبينه أقل من ثلاثة رجال، وقد وقع بينه وبين الشريكي هنا رجلان فقط، مع التصريح بالتحديث ... " (٢).
ومن العجيب أن أحد المشايخ المعاصرين ذكر كلام ابن حجر في التفريق بين عبد الله بن شُبْرُمَة الشريكي، وعبد الله بن شُبْرُمَة الفقيه، وتخطئه من جمع بينهما، وفي ضمنه نقل ابن حجر عن ابن عدي أن جماعة من الضعفاء سرقوا الحديث من ثابت بن موسى، منهم عبد الحميد بن بحر، وعبد الله بن شُبْرُمَة الشريكي، فعلق الشيخ مفسرا عبد الله بن شُبْرُمَة الشريكي بقوله: "عبد الله بن شُبْرُمَة الكوفي، أحد الفقهاء الأعلام، قد وثقه أحمد، وأبو حاتم ... "، فذهب جهد ابن حجر سدى.
وذكر العراقي في "ذيل الميزان" ترجمة (السَّرِي بن سهل الجُنْدَيْسَابُوري) وفيها: "عن عبد الله بن رُشَيَد، وعنه عبد الصمد بن علي بن مُكْرَم، لا يحتج به ولا بشيخه، قاله البيهقي" (٣)، فذكر ابن حجر
стр. 466
هذه الترجمة في "اللسان"، دون نسبته (الجُنْدَيْسَابُوري)، ثم عقبها بقوله: "قلت: ولعله السَّرِي بن عاصم" (١).
والسَّرِي بن عاصم هو ابن عاصم بن سهل، أبو عاصم الهَمْداني، قد ينسب إلى جده، متهم بوضع الحديث، وهو غير السَّرِي بن سهل الجُنْدَيْسابُوري، فإن هذا يروي عنه عبد الصمد بن علي الطَّسْتي، وعبد الباقي بن قانع، والطبراني، وكل هؤلاء لم يدركوا السَّرِي بن عاصم، فإنه مات سنة ٢٥٨ هـ (٢).
وأخرج أحد الأئمة عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، عن الحجاج، عن حماد، عن حماد، عن رِبْعِي بن حِرَاش، أن شَبَث بن رِبْعِي بَزَق في قبلته، فقال حذيفة: "إن رسول الله ﷺ قال: إذا قام أحدكم -أو قال: الرجل- في صلاته، يقبل الله عليه بوجهه ... " الحديث، فتكلم أحد المشايخ المعاصرين على هذا الإسناد بقوله: "إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، وحماد الأول هو ابن زيد، وحماد الراوي عنه هو ابن أسامة أبو أسامة الكوفي".
ونقل محقق الكتاب الذي أخرج صاحبه هذا الحديث الكلام السابق مسلما به، كما نقله باحث آخر، لكنه زاد الأمر إيهاما حيث قال: أخرج ... عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، عن الحجاج، عن حماد بن أسامة، عن حماد بن زيد، عن رِبْعي، عن حذيفة ... فذكره، فأوهم أن التفسير موجود في المصدر المخرج.
стр. 467
وهذا التفسير مخطئ، فإن حمادا الأول هو ابن أبي سليمان، والراوي عنه حماد بن سلمة (١)، ولو صح التفسير الذي ذكره الشيخ ومن تابعه -ولا يصح- فالإسناد منقطع، فإن حماد بن زيد لم يدرك رِبْعِي بن حِرَاش كما هو ظاهر من ترجمتيهما (٢).
وتصدى أحد الباحثين لتحقيق أحد كتب أئمة النقد في الجرح والتعديل وعلل الأحاديث، وهو كتاب في غاية الأهمية، أجاد الباحث في جوانب من عمله، وأخفق في جوانب أخرى، المهم منها هنا أخطاؤه في تفسير الرواة، سواء في التعليق على الكتاب، أو في فهرسته، فقد جاء عنده هذا الإسناد: " ... حدثنا هُشَيْم، قال: أخبرنا حجاج، وابن أبي ليلى، عن عطاء ... "، ففسر ابن أبي ليلى بعبد الرحمن تابعي كبير، وهو ثقة، وهُشَيْم لم يدركه، والصواب أنه ولده محمد بن عبد الرحمن الفقيه المشهور، وهو ضعيف في الحديث (٣).
وجاء عنده قول المؤلف لما سئل عن أحاديث الأعمش، عن مجاهد، عمن هي؟ قال: "قال أبو بكر بن عَيَّاش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته -شيء رواه عن مجاهد-؟ قال ... حدثنيه ليث، عن مجاهد"، ففسر ليثا بأنه الليث بن سعد الإمام المعروف، وإنما هو ليث بن أبي سُلَيْم، وهو في الحديث ضعيف جدا" (٤).
стр. 468
وقال المؤلف: "سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدِّث يحيى بن سعيد، عن حماد بن سلمة، عن حجاج، عن الرُّكَيْن بن الربيع، عن حنظلة بن نُعَيْم: "أن المغيرة أجَّل العِنِّيْن من يوم رافعته"، قال يحيى بن سعيد: رواه سفيان، وشعبة، لم يقولا هكذا، كأن يحيى حمل على حجاج".
فعلق عليه بقوله: "حجاج -وإن اختلط- لكن حمادا سمعه قبل اختلاطه، إلا أن هذا الإسناد معلول بما قال يحيى بن سعيد".
هكذا عبارته، وظاهر أنه ظن أن حجاجا المذكور هو حجاج بن محمد المصيصي، فهو الذي اختلط، وهو تفسير عجيب، فإن حجاج بن محمد مات بعد حماد بن سلمة بنحو من أربعين سنة، ولم يدرك الرُّكُيْن بن الربيع، والصواب أن حجاجا هو ابن أرطاة النخعي (١).
وساق المؤلف بإسناده عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن حماد، أثرا من قوله، ففسر حمادا بأنه ابن زيد، وإنما هو حماد بن أبي سليمان الفقيه المشهور.
وذكر المؤلف قصة كتابة وكيع إلى هُشَيْم: "بلغني أنك تفسد أحاديثك بهذا الذي تدلسها"، فكتب هُشَيْم إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، كان أستاذاك يفعلانه: الأعمش، وسفيان"، فعلق عليه المحقق بقوله: "يعني به سفيان بن عُيَيْنة، وقد مضى أنه كان يدلس"، وهو تفسير مخطئ، فالمقصود سفيان الثوري.
ونقل المؤلف عن سفيان قوله في آدم بن علي: "قد رأيته ولم
стр. 469
أسمع منه"، فاعترض المحقق على ذلك بقوله: "ولكن قال في التاريخ الكبير ١/ ٢: ٣٧، والجرح ١/ ١: ٢٦٧: روى عنه الثوري"، وصاحب القول إنما هو سفيان بن عُيَيْنة، فالاعتراض غير وجيه.
وأخرج المؤلف قال: حدثنا سفيان، قال: حدثوني عن إبراهيم بن مُهَاجِر فلم أسمعه حتى مات، سمعه من زياد بن حُدَيْر: "أنا أول من عَشَّر، وما عَشَّرت مسلما ولا معاهدا"، فعلق عليه المحقق معترضا بقوله: "ولكن أخرجه يحيى بن آدم في الخراج ٦٥ رقم ٢٠٤، وأبو عبيد في الأموال ٧٠٩، عن سفيان بن سعيد نفسه، عن إبراهيم بن مُهَاجِر قال: "سمعت زياد بن حُدَيْر يقول: "أنا أول من عَشَّر في الإسلام" قال: وحدثني رجل عنه أنه كان يأخذ من بني تغلب نصف العشر ... ".
وهذا الاعتراض غير وجيه، فسفيان شيخ المؤلف إنما هو سفيان بن عُيَيْنة، والمؤلف لم يلحق الثوري.
ووقع عنده في فهرسة الكتاب تداخل بين أخبار الرواة، مثل حماد بن أبي سليمان، مع حماد بن زيد، وسفيان الثوري، مع سفيان بن عُيَيْنة.
كما تصدى أستاذ فاضل لتحقيق كتاب آخر من كتب الأئمة في الجرح والتعديل، وعلل الأحاديث، وهو كتاب كبير جدا، وقع المحقق فيه في أغلاط في قراءة النص، وهو معذور فيها لكونه غير متخصص، وقد روى المؤلف فيه عن محمد بن فضيل أبي عبد الله البزاز، وأكثر عنه، لكن المحقق عرف به على أنه محمد بن فضيل بن غَزْوان أبو عبد الرحمن الكوفي، والمؤلف لم يدركه، وقد جعلهما المحقق في
стр. 470
الفهرس أيضا شخصا واحدا، وهو ابن غَزْوان، فلا ذكر للآخر عنده.
وجاء في الكتاب قول إسماعيل بن عُلَيَّة: "كنا نرى أن يونس سمعها من أشعث، وأشعث من حفص"، فعلق المحقق بقوله: "أحسبه حفص بن غياث"، كذا قال، والصواب أنه حفص بن سليمان المنقري، وأما حفص بن غياث فهو من تلاميذ أشعث بن عبد الملك لا من شيوخه (١).
واشتغل أحد الباحثين بكتاب مهم لأحد الأئمة، وموضوعه (علل الأحاديث)، ونال بعمله درجة علمية، فأساء إلى الكتاب جدا من جوانب كثيرة، سواء في تحقيق النص، أو في التعليق عليه، ومن ذلك وقوعه في الأخطاء في تفسير الرواة.
فجاء في الكتاب قول أحد الأئمة: "ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد، عن ابن نافع، عن أبيه حديثا"، وظاهر جدا من النص أن ابن نافع هو ابن نافع مولى ابن عمر، لكن المحقق فسره بقوله: "هو عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ"، وهو وهم فاحش، فإن عبد الله بن نافع الصائغ لم يدرك يونس بن عبيد، كما يظهر من ترجمتيهما، فضلا عن أن يروي عنه يونس بن عبيد (٢).
وأثبت المحقق نصا في الكتاب هكذا: "سألت ... عن خليفة بن خياط الذي روى عن عمرو بن شعيب، فقال: هو مقارب الحديث، وهو حديث (كذا) شبابة (كذا) العُصْفُري"، فعرف المحقق بخليفة بن خياط بقوله: "خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العُصْفُري ... ، لقبه
стр. 471
شَبَاب ... "، كذا صنع، والمسئول عنه إنما هو خليفة بن خياط جَدُّ هذا، وفي النص ما يوضح ذلك، وهو قوله: "وهو جَدُّ شَبَاب العُصْفُري"، لكن المحقق أثبت العبارة خطأ هكذا: "وهو حديث شبابة العُصْفُري".
وتصدى أحد الباحثين لتحقيق أسئلة لأحد النقاد، فأكثر فيه جدا من الوقوع في الخلط بين الرواة، ثم رأيته في كتبه الأخرى يقع منه ذلك، ومن طريف ما وقع له أنه ذكر في رسالة له في الجرح والتعديل في ترجمة رِشْدِين بن سعد، عن محمد بن أحمد بن الجُنَيْد، عن ابن معين قوله فيه: "ليس من جِمَال المَحَامِل" (١).
ثم عرف الباحث بابن الجُنَيْد هذا بقوله: "أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجُنَيْد الخُتُّلي، قال الخطيب: عنده عن يحيى بن معين سؤالات كثيرة تدل على فهمه، توفي في حدود ٢٦٠ هـ".
وسئل أحد الأئمة عن عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، فقال: "ما أقربه من العمري الصغير"، ففسر أحد الباحثين العمري الصغير بقوله: "هو عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ... "، كذا قال، والصواب أنه أخوه عبد الله بن عمر بن حفص، فهو الذي يعرف بالصغير (٢)، وهم أربعة إخوة في قول أكثر أهل العلم: عبيد الله، وعبد الله، وعاصم، وأبو بكر (٣)، المشهور منهم اثنان: عبيد الله،
стр. 472
وعبد الله، والأول أكبرهما فيقال له: الكبير، ويقال لأخيه: الصغير، تفريقا بينهما، لتقارب كتابة اسميهما، واشتراكهما في كثير من الشيوخ والتلاميذ، وعبيد الله ثقة ثبت، وأما عبد الله فضعيف، مع صلاحه وعبادته (١)، وربما جرى التفريق بينهما بطريقة أخرى، فيقال لعبد الله: المكبر، ويقال لعبيد الله: المصغر، بالنظر إلى اسميهما (٢).
وجاء في كتاب من كتب الرجال المشهورة هذا النص: "وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني أبو عبد الله البصري ... "، وذكر محققه أن المؤلف عرف بأبي عبد الله البصري في الحاشية بقوله: "أبو عبد الله البصري هذا سَوَّار بن عبد الله العنبري القاضي"، فزاده المحقق تعريفا بقوله: "قلت: كان من نبلاء القضاة، روى عنه إسماعيل بن عُلَيَّة، وبشر بن المَفَضَّل، وغيرهما، وكان ورعا، ولكن قال الثوري: ليس بشيء، توفي سنة ١٥٦ هـ".
ولو تركه دون زيادة تعريف لكان أولى، فالوصف الذي زاده المحقق أفسد تعريف المؤلف، إذ هو لجد سَوَّار الذي في الإسناد، وهو سَوَّار بن عبد الله أيضا، والمحقق قد ذكر وفاته سنة ١٥٦ هـ، والراوي عنه هنا أبو بكر بن أبي الدنيا، فلم يلحقه إذن، إذ ولادته
стр. 473
كانت سنة ٢٠٨ هـ (١).
وفي تحقيق لأحد أمهات كتب السنة اشترك فيه عدد من الباحثين قالوا في تخريج حديث أخرجه المؤلف من طريق يعلى بن عبيد، عن فِطْر بن خليفة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو: "أخرجه البخاري .... وأبو داود ... ، والبيهقي .. ، من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن فِطْر بن خليفة، والحسن بن عمرو الفُقَيْمي، والأعمش، عن مجاهد ... ".
والصواب أنهم أخرجوه من طريق سفيان الثوري، وليس ابن عُيَيْنة.
وروى زهير بن معاوية، وشَرِيْك، عن أبي إسحاق، عن الضَّحَّاك بن مُزاحِم، عن ابن عباس حديثا في تلبية النبي ﷺ (٢)، فسئل عنه أبو حاتم فقال: "رواه سفيان، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم- فلم يرفعوه"، قيل له: أيهما أصح؟ فقال: "سفيان، وإسرائيل، أتقن، وزهير متقن، غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق" (٣).
فذكر أحد الباحثين في كتاب جمع فيه بعض أقوال أبي حاتم وأبي زرعة في الرواة، أن أبا حاتم يعني سفيان بن عُيَيْنة، والصواب أنه يعني الثوري، ولا ذكر لابن عُيَيْنة أصلا في المفاضلة بين أصحاب أبي إسحاق (٤).
وساق أحد الباحثين أثرا رواه البيهقي من طريق نافع بن يزيد، عن
стр. 474
يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب (١)، ثم فسر الباحث يحيى بن سعيد بقوله: "يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، أبو سعيد القطان البصري ... "، كذا صنع، والذي في الإسناد إنما هو يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، والباحث نقل تصحيح الإسناد عن النووي، وعلى تفسير الباحث ليحيى بن سعيد لا يكون كذلك، فإن يحيى القطان ولد بعد وفاة سعيد بن المسيب بأكثر من عشرين سنة (٢).
وروى البيهقي عن الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه، كلاما في النظر بين ما روي من أن بلالا يؤذن بليل، وابن أم مكتوم يؤذن بعد ما يطلع الفجر، وبين ما روي بضد ذلك، وأن ابن أم مكتوم هو الذي يؤذن بليل (٣)، فنقل ذلك أحد الباحثين عن البيهقي، لكنه تبرع بتفسير أبي بكر بن إسحاق الفقيه، فظنه ابن خزيمة صاحب "الصحيح"، فهو محمد بن إسحاق، وكنيته أبو بكر، قال الباحث: "وقد نقل البيهقي ... هذا الجمع عن ابن خزيمة فقال ﵀: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ... " فذكره.
وأبو بكر بن إسحاق هذا ليس هو ابن خزيمة، وإنما هو تلميذه أحمد بن إسحاق بن أيوب، أبو بكر النيسابوري، المعروف بالصِّبْغي، ويعرف أيضا بأبي بكر بن إسحاق، والحاكم لم يدرك ابن خزيمة، فإنه ولد بعد وفاة ابن خزيمة بعشر سنوات، وإنما روى وأكثر عن الصِّبْغي (٤).
стр. 475
ونشر أحد الباحثين رسالة في مسألة فقهية، أكثر فيها من الدراسة النقدية للأحاديث والآثار، فوقع في أغلاط عديدة، منها أنه ساق أثرا من طريق عبد الله بن نُمَيْر، وهُشَيْم، كلاهما عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، ثم قال في نقده: "رجاله ثقات، وفيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس، لكن عنعنته عن عطاء مقبولة، لكونه مكثرا عنه ... "، كذا صنع الباحث، وعبد الملك المذكور إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي الكوفي، وليس عبد الملك بن جريج.
هذه بعض النماذج من الأوهام في الخلط بين الرواة وغيرهم من الأعلام، وتركت نماذج أخرى اختصارا، وفي بعضها أوهام فاحشة تعمدت ترك ذكرها حفاظا على ماء وجوهنا نحن الباحثين.
ثم إن غرضي من سرد النماذج السابقة أن يدرك القارئ أمورا ثلاثة:
الأول: أن الوقوع في مثل ذلك أمر معتاد، وقع فيه أئمة كبار، فلا ينبغي أن يستوحش الباحث إذا صدر ذلك منه، وقد رأيت امتعاضا من بعض الباحثين والباحثات حين تنبيههم على ما وقع منهم، وقالت لي إحدى الباحثات بالحرف الواحد: "كيف يليق بمن يعد رسالة دكتوراه أن يخلط بين راو وآخر وهما في الأصل متميزان؟ ".
وكون هذا أمرا معتادا لا عيب فيه مشروط بأن لا يكثر صدوره من الباحث، فإذا كثر منه فهو عيب ولا شك، وكذلك هو عيب -وإن قل- إذا كان الخلط بين رواة أو أعلام متميزين جدا في القضية المعينة التي بين يدي الباحث، فلم يكن هناك سبب يوجب اللبس، ومثله إذا صاحبه عيوب أخرى في البحث والدراسة اجتمعت فأفقدت صاحبها الهيبة
стр. 476
العلمية، وحالت دون الوثوق بما يثبته من معلومات.
الثاني: أننا إذا عرفنا وجود احتمال قوي للوقوع فيه من أي شخص كان، وبلا استثناء، أوجب ذلك على الباحث إذا رأى صدوره من إمام أو باحث آخر أن لا يشنع عليه، ويطلق من العبارات ما يوحي بتهكمه واستغرابه، أو يكثر من وضع علامات التعجب، كما يفعله بعض الباحثين، وليشتغل الباحث بنفسه، فقريبا سيوجد منه ذلك، وربما يكون قد وجد منه في بعض بحوثه وهو لا يشعر.
الثالث: من يطلع على النماذج السابقة وغيرها ينبغي أن يوجد ذلك في نفسه خيفة، وأن يحركها لمزيد الاهتمام بتمييز الرواة، والبعد -ما أمكنه- عن الخلط بينهم، وأن يتعرف على أسباب وقوع الاشتباه بين الرواة، وعلى الوسائل التي تعين على التمييز بينهم، فإلى المبحثين التاليين.
стр. 477
المبحث الثاني: أسباب وقع الخلط بين الرواة
يقع الخلط بين الرواة لأسباب عديدة، بعضها يرجع إلى الرواة أنفسهم، وهذه بالتأمل وتدقيق النظر يمكن أن تعود في جملتها إلى سبب واحد، وهو: اشتراك الراوي مع غيره في صفة أو أكثر، كأن يشتركا في الاسم واسم الأب والجد، وفي الكنية، أو في بعض ذلك، وفي الطبقة، وفي الشيوخ والتلاميذ.
ثم الاشتراك في الاسم والكنية قد يكون وقع اتفاقا دون قصد، كما هو الغالب، وقد يكون ذلك بفعل بعض الرواة، بأن يسمي الراوي أو يكنيه بما يشتبه فيه مع غيره، وهو ما يعرف بتدليس الشيوخ، وربما كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفا.
والاشتراك في الاسم أو الكنية كثيرا ما يكون جزئيا، بحيث لو ذكر اسمه مع اسم أبيه، أو مع اسم أبيه واسم جده، أو ذكر اسمه مع كنيته لتميز، لكن الرواة يقتصرون على الأقل، فيقول الراوي: حدثنا سفيان، أو حدثنا حماد، أو حدثنا حجاج، وهناك جماعة بهذا الاسم، وأطلق الأئمة على هذا النوع اسم: المهمل، وقد أكثر البخاري من استعماله في "صحيحه" بالنسبة لشيوخه، فيقول: حدثنا أحمد، أو حدثنا محمد، أو حدثنا إسحاق، وفي شيوخه جماعة بهذا الاسم، أو يقول: حدثنا أحمد بن محمد، وهناك جماعة بهذا الاسم أيضا (١)، وكذلك يقع مع
стр. 478
غيره من الأئمة (١).
واقتصار الرواة على الأقل الغرض منه الاختصار في الغالب الأحوال، وقد يفعل الراوي ذلك للإيهام، ولكي يشتبه بغيره، وهو أيضا نوع من تدليس الشيوخ، يعظم خطره إذا كان أحد الراويين ثقة، وكان الآخر ضعيفا، فقد كان الوليد بن مسلم يروي عن الإمام الأوزاعي فيقول: حدثنا أبو عمرو، ويروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي -وهو متروك الحديث- فيقول: حدثنا أبو عمرو، يوهم أنه الأوزاعي (٢)، ويروي بَقِيَّة بن الوليد، عن سعيد بن عبد الجبار الزُّبَيْدي، وعن زُرْعة بن عمرو الزُّبَيْدي، وكلاهما ضعيف الحديث جدا، فيقول في روايته عنهما: حدثنا الزُّبَيْدي، يوهم أنه محمد بن الوليد الزُّبَيْدي الثقة الحافظ (٣).
والاشتراك في بعض الصفات بين الرواة أهم سبب في حدوث الاشتباه في أصل الترجمة، بمعنى أن يقع الاشتباه بين شخصين هل هما راو واحد أو اثنان؟ ومع تميز الراويين لا يزال هذا السبب يوجب الاشتباه، فيقع الخلط بينهما في الإسناد المعين موضع الدراسة، ويلاحظ هذا بسهولة في النماذج التي سقتها في المبحث الأول.
كما يمكن ملاحظة تأثير هذا السبب في النصوص التي عالجها الأئمة لإزالة الاشتباه، وتفسير الراوي المشتبه به في الإسناد، وربما
стр. 479
فعلوا ذلك بسؤال الراوي عنه، ليفسر لهم شيخه، فمن ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد قال: "حدثني أبي قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب قال: رأيت سعيد بن جبير يقبل ابنا له رجلا، قال عبد الرحمن: فقلت له: حبيب بن أبي ثابت؟ قال: لا، قلت: حبيب بن أبي عَمْرة؟ قال: لا، قلت: فمن حبيب؟ قال: شيخ لنا، قال أبي: أظنه حبيب بن أبي الأَشْرس" (١).
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث سفيان: (يتنفس في الإناء) أعني حديث سفيان، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس- قلت: هو الجَزَري، أعني عبد الكريم هو أبو أمية؟ قال: الجزري" (٢).
ومراد أبي داود السؤال عن عبد الكريم الموجود في إسناد هذا الحديث هل هو عبد الكريم أبو أمية البصري المعروف بابن أبي المُخَارِق، أو هو عبد الكريم بن مالك الجَزَري؟ فإن الأول متروك الحديث، والثاني ثقة ثبت، وكلاهما يروي عن عكرمة مولى ابن عباس، ويروي عنه سفيان بن عُيَيْنة (٣)، فأخبره أحمد بأنه الجَزَري.
وقال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر كتاب الخمسمئة الذي لمُقَاتِل بن حَيَّان، فجعل يستحسنه -لم يعن مُقَاتِل بن سليمان، ولكن ابن حَيَّان-" (٤).
وقال عبد الله بن أحمد: "حدثني أبي -وقرأته على أبي-: حدثنا
стр. 480
الأسود بن عامر، قال: حدثنا الحسن -يعني ابن صالح-، عن أيوب، عن مجاهد: "أنه سجد سجدة، ثم لم يسجد الأخرى حتى مات"، قال أبي: ليس هو عندي أيوب السَّخْتِيَاني، أُراه أيوب بن عائذ، أو غيره" (١).
وكان سفيان الثوري يروي عن أبي هاشم، وله غير شيخ يكنى بأبي هاشم، فاشتغل الأئمة بعده بتمييزهم، من ذلك قول عبد الله بن أحمد: "قال أبي: قال وكيع في حديث سفيان: عن أبي هاشم، عن جَهْم بن دينار، عن إبراهيم، قال أبي: هو أبو هاشم الرُمَّاني" (٢).
وقال عبد الله بن أحمد أيضا: "سألت أبي قلت: سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي البختري: "قيل لشريح: إنك أحدثت في قضائك؟ قال: إنهم أحدثوا فأحدثنا"، قال أبي: لا أدري من هو، وليس هو أبو (كذا) هاشم الرُمَّاني" (٣).
وقال عبد الله أيضا: "قال أبي: قلت لوكيع: يا أبا سفيان: في حديث سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد: (فابعثوا حكما من أهله) - من أبو هاشم؟ فسكت، قال أبي: وهو إسماعيل بن كثير -يعني المكي-" (٤).
وقال يحيى بن معين: "يروي سفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو بن يحيى بن قِمْطَة، ويروي عن عمرو بن يحيى بن عمارة، ويروي عن عمرو بن
стр. 481
دينار، ويروي عن عمرو بن عبيد" (١).
وأخرج الترمذي حديثا من رواية عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وقال بعده: " ... وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح هو ثقة" (٢).
ثم إن الاشتراك في الاسم قد يكون سببه تصحيفا في الاسم، فيؤدي ذلك إلى اشتباهه بآخر، وتفسيره به خطأ، وقد كان التصحيف في المخطوطات كثيرا، ثم ازداد في عصر الطباعة، ولا سيما في الطبعات التجارية للكتب، فيتحول -مثلا- اسم شعبة إلى سعيد، وبسر إلى بشر، وبريد إلى يزيد، وعبيد الله إلى عبد الله، أو العكس.
وكذلك تفريق الاسم الواحد، أو جمع الاسمين، فلفظ (بن) يتحرف كثيرا إلى (عن)، فيتفرق الاسم، والعكس كذلك.
وقد لاحظ الأئمة أثر التصحيف في الاشتباه بين الرواة، فنبهوا عليه، كما قال ابن محرز: "سمعت يحيى (يعني ابن معين) وقيل له: حَرِيز بن عثمان يحدث عن عبد الله بن بِشْر، قال: نعم، وعن عبد الله بن بُسْر" (٣).
وسئل أبو حاتم عن حديث رواه عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن محمد بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر ... ، فقال: "ليس هذا محمد بن عَمْرو، وإنما هو محمد بن عُمَر الذي يعرف
стр. 482
بالمحْرِم، وكان واهي الحديث، وهذا عندي حديث باطل" (١).
ومن أمثلة الخلط بين الرواة بسبب التصحيف أن أحد الباحثين خرّج حديثا من "سنن البيهقي" من طريق الحسين بن محمد بن زياد القَبَّاني، عن عبد الله بن سعيد، عن معاذ بن هشام الدَّسْتُوائي، عن أبيه ... (٢)، فعرف عبد الله بن سعيد بأنه أبو سعيد الأشج الكوفي، فهو يروي عن معاذ بن هشام (٣)، ثم تبين أن الاسم وقع فيه تصحيف، والصواب: عبيد الله بن سعيد، وهو أبو قدامة اليشكري السرخسي (٤).
ومر أحد الباحثين في كتاب حققه في "علل الأحاديث" بهذا الإسناد: "حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا محمد بن فضل، عن فرات بن أحنف، عن عقبة بن حُرَيْث ... "، فعرف محمد بن فضل بقوله: "محمد بن الفضل السَّدُوسي، أبو الفضل البصري، لقبه عارم ... "، وهذا التعريف مخطئ، وإنما هو محمد بن فضيل بن غَزْوان، وقع تصحيف في اسمه، وقد ترجم الباحث لفرات بن أحنف بقوله: "فرات بن أحنف بن أبي بحر الهلالي ... ، وعنه عبد الواحد بن زياد، ومحمد بن فضيل".
وأخرج أحد الأئمة حديثا من طريق شَرِيْك، عن ابن إسحاق، عن
стр. 483
الأسود، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه ... "، كذا وقع في النسخة، فعلق عليه محقق الكتاب بقوله: "إسناده ضعيف، لضعف شَرِيْك القاضي، وفيه ابن إسحاق أيضا وقد عنعن".
كذا قال، والصواب أنه أبو إسحاق السبيعي، وقع فيه تصحيف، وللحديث عن شَرِيْك، عن أبي إسحاق طرق كثيرة، وكذلك لأبي إسحاق من غير طريق شَرِيْك، على اختلاف فيه على أبي إسحاق حيث زاد بعضهم عبد الرحمن بن الأسود (١).
ومر بأحد الباحثين في تحقيقه لكتاب من كتب (السؤالات) هذا النص في جواب الإمام على سؤال عن حديث: "رواه أيوب، ومالك، وعبيد الله، وبرد بن سنان، ومحمد بن إسحاق، والمعْمَري، وجماعة عن نافع، عن ابن عمر فقط ... ".
فعرف الباحث (المعْمَري) بقوله: "المعْمَري: محمد بن حميد اليشكري أبو سفيان المعْمَري البصري ... "، كذا صنع الباحث، ولم يصب في هذا التعريف، وأوقعه في ذلك التصحيف في نسبته، إما في أصل النسخة، أو أن الباحث لم يقرأها جيدا، وصوابها: "العُمَري"، وهو عبد الله بن عمر العُمَري، أخو عبيد الله المذكور في النص، ومحمد بن حميد المعْمَري لا يروي عن نافع، بل الظاهر أنه لم يدركه أصلا (٢).
стр. 484
ونشر أحد الباحثين كتابا في سؤالات أحد الأئمة، وجاء عنده هذا النص عن عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد القطان، فقلت له: ولا هيثم؟ قال: هيثم، وما رأينا مثل يحيى".
ففسر الباحث هيثما بقوله: "لعله: الهَيْثَم بن خارجة، أبو يحيى المَرْوَزي ... ".
والنص وقع فيه سقط وتصحيف، والصواب أنه هُشَيْم، وليس هيثم، وهو هُشَيْم بن بَشِير (١).
وأخرج أحد الأئمة في "مسنده" حديثا من طريق الأصبغ بن زيد، عن سعيد بن راشد، عن زيد، عن علي، عن فاطمة ﵂، هكذا وقع في النسخة، وبناء عليه استظهر محقق الكتاب أن زيدا هو زيد بن وهب، فهو يروي عن علي، وأن عليا هو علي بن أبي طالب على الغالب، فهو يروي عن فاطمة، وإلا حفيدها علي بن الحسين.
وهذا الإسناد وقع فيه تحريف، والصواب: عن زيد بن علي، عن فاطمة، وزيد هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وغني عن القول أن ما تقدم من مسببات الخلط بين الرواة يصحبها في الغالب سبب جوهري يعود إلى الناقد نفسه، ألا وهو الاستعجال في تحرير المعلومة، وقد تكون هذه صفة ملازمة للباحث، كما هو شأن بعض الباحثين، فتطغى على بحثه كله، وتفقده قيمته، وقد يكون وقع ذلك في قضية معينة، إما بسبب ضيق الوقت، أو تقليد الغير ممن وقع في الخطأ.
стр. 485
والتأمل في النماذج التي سقتها في هذا المبحث وفي المبحث الذي قبله يكشف تأثير هذا السبب بقوة في الاشتباه والخلط بين الرواة، فغالب تلك النماذج لو تمعن فيها أصحابها قليلا لما وقعوا في الخطأ، وبعضها يكفي فيه النظر إلى الطبقة والوفاة، فبها يتبين أن الراوي المفسر خطأ لم يدرك من فوقه في الإسناد، وحينئذ لا يصح تفسيره به، وبعضها في النص نفسه ما يمنع الوقوع في الخطأ، لولا الاستعجال.
ومن غريب ما وقع في تمييز الرواة مع ظهوره من النص نفسه، أن أحد الباحثين مر به في كتاب يحققه وسئل مؤلفه عن حديث عيسى بن يونس، عن مَعْمَر بن راشد، عن الرزاز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري ... الحديث.
وعلق المحقق على كلمة (الرزاز) بقوله: "كذا هو في الأصل ولم يتعين لي".
وظاهر جدا من باقي النص أنه تحريف، وصوابه: "الزهري"، فقد أجاب المؤلف على السؤال بقوله: "أخطأ فيه عيسى، إنما رواه مَعْمَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد ... ، وليس هو عن الزهري، إنما هو عن يحيى بن أبي كثير".
كما يلاحظ في النماذج السابقة أيضا بروز تقليد الأئمة والباحثين لغيرهم، والاسترواح كثيرا إلى ما توصل إليه الآخرون، وأكثر من ذلك البناء عليه بإصدار حكم على الإسناد، أو سوق الإسناد مفسرا خطأ ونسبة ذلك إلى المصدر المخرج.
стр. 486
المبحث الثالث: الوسائل المساعدة على تمييز الرواة
هناك وسائل عدة تعين الباحث على تمييز الرواة، يعتمد حسن الاستفادة منها على جهد الباحث، ومدى اطلاعه عليها، ودقته في التعامل معها، وإنما يصلب عود الباحث في هذه الناحية بكثرة التطبيق والمران، والصبر والتحمل، وعدم الملل والسآمة، والبعد عن التقليد ومتابعة الآخرين دون بحث، ثم التأني في الجزم بتعيين الراوي موضع البحث.
ويمكن تلخيص هذه الوسائل في ستة أنواع:
النوع الأول: الولادة والوفاة:
من أهم وسائل تمييز الرواة وعدم الخلط بينهم النظر في ولادة الراوي الذي وقع في البال أنه هو الذي في الإسناد، والنظر كذلك في وفاة من فوقه في الإسناد، للتأكد من إدراكه له، ثم في وفاة هذا الراوي وولادة من دونه في الإسناد، للتأكد أيضا، وإن لم يتهيأ في الحالتين أو إحداهما معرفة سنة الولادة والوفاة فيلجأ إلى تحديد الطبقة، بالاستعانة بالكتب التي لها عناية بذلك، مثل "التاريخ الأوسط" للبخاري، فإنه قسمه إلى فصول، وجعل كل عشر سنوات في فصل مستقل، ومثل "طبقات ابن سعد"، "وطبقات خليفة بن خياط، وكتاب "تقريب التهذيب" لابن حجر، فقد اعتنى بذلك.
ونلاحظ بكثرة استعانة النقاد بهذه الوسيلة في تمييز الرواة في الحالة المعينة، ومن ذلك قول أحمد: "كل شيء روى ابن جريج، عن
стр. 487
عمر بن عطاء، عن عكرمة، فهو عمر بن عطاء بن وَرَاز، وكل شيء روى ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس، فهو عمر بن عطاء بن أبي الخُوَار، كان كبيرًا، قيل له: أيروي ابن أبي الخُوَار، عن عكرمة؟ قال: لا، من قال: عمر بن عطاء بن أبي الخُوَار فقد أخطأ ... " (١).
والناظر في النماذج التي سقتها في المبحث الأول يدرك بسهولة أنه كان بالإمكان تفادي الوقوع في خطأ تعيين الراوي بالنظر في الولادة والوفاة، أو في الطبقة.
فالباحث الذي فسر سَوَّار بن عبد الله الذي يروي عنه ابن أبي الدنيا وقد ولد سنة ٢٠٨ هـ بأنه سَوَّار بن عبد الله المتوفى سنة ١٥٦ هـ لم يراجع الولادة والوفاة، وإلا لم يفسره به، ولأدرك خطأه بسهولة.
وكذلك الباحث الذي يحقق كتابا يروي فيه مؤلفه عن سفيان، ثم يفسره المحقق بأنه سفيان الثوري، والمؤلف ولد بعد وفاة الثوري بسنوات.
ومثله من فسر أبا بكر بن إسحاق الفقيه الذي يروي عنه الحاكم بأنه ابن خزيمة، والحاكم لم يدرك ابن خزيمة، وإنما ولد بعد وفاته بعشر سنوات.
ومن ذلك أن أحد الباحثين ذكر حديثا رواه أبو حفص ابن شاهين قال: حدثنا جعفر بن أحمد، أنا الشَّحَّام، ثنا عبد الأعلى بن واصل، ثنا محمد بن الصلت ... (٢).
стр. 488
ثم قال الباحث: "وأشار الحافظ ابن حجر في "نزهة الألباب في الألقاب" ١: ٣٩٦ إلى أن الشَّحَّام هو عثمان بن مسلم، ولم أقف عليه".
كذا قال الباحث، وابن حجر إنما ذكر أن الشحام لقب عثمان بن مسلم، لكنه لم يذكر أنه الذي في الإسناد كما يوهمه كلام الباحث، ثم لو نظر الباحث في ترجمة عثمان الشَّحَّام لأدرك أنه لا يصح تفسير الذي في الإسناد به، فإن عثمان هذا يروي عن عكرمة مولى ابن عباس، وأبي رجاء العطاردي، وغيرهما، ويروي عنه إسرائيل بن يونس، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم (١)، فأين هو من طبقة شيوخ شيوخ ابن شاهين المتوفى سنة ٣٨٥؟ وهذا على فرض صواب الإسناد، وأنه لم يقع فيه تحريف (٢).
والباحث بعد طول مران سيتكون لديه حصيلة من الضوابط مبنية على النظر في الولادة والوفاة، أو ما يقوم مقامهما، فتقوم هذه الضوابط لديه مقام البحث في الحالة المعينة، وفائدتها حينئذ اختصار والوقت.
مثال ذلك أن يعرف الباحث أن ابن أبي شيبة، وأحمد، ومن في طبقتهم، إذا قالوا: حدثنا سفيان، لا يمكن أن يكون سفيان الثوري، كما
стр. 489
وقع تفسيره به خطأ من بعض الباحثين، لأنهم لم يدركوه.
ويعرف الباحث -مثلا- أن البخاري، ومسلما، وابن ماجه، إذا قالوا: حدثنا ابن نُمَيْر، فهو محمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وليس والده عبد الله، وكلاهما يعرف بابن نُمَيْر، لكنهم لم يدركوا الأب، وأما إذا روى أحمد، وابن معين، وابن أبي شيبة، ومن في طبقتهم، عن ابن نُمَيْر فهو الأب.
وإذا روى النسائي عن رجل، عن حماد، فهو ابن زيد، وليس ابن سلمة، إذ لم يدرك أحدا من أصحاب حماد بن سلمة.
وظاهر مما تقدم أن النظر في الولادة والوفاة، أو الطبقة، إنما يفيد في نفي أن يكون هذا الراوي هو الموجود في الإسناد، وذلك في حال عدم الإدراك، أما إفادته الجزم بتعيين الراوي في حال اتحاد الطبقة، وكونه يمكن أن يروي عمن فوقه، ويروي عنه من دونه، فذلك مخصوص بحال أن يتم تصفية الرواة المشتبه بهم، فلم يبق إلا واحد هو الذي يمكن تفسيره به، أما إذا لم يتم ذلك، وكان في الرواة أكثر من واحد في الطبقة الواحدة فلا يجزم بتعيين أحدهم.
ثم هناك أمر آخر قد يعترض به على النفي أيضا، وهو أن رواية الراوي عمن لم يدركه موجودة بكثرة، وهو ما يعرف بالإرسال، فقد يكون الراوي هو الموجود في الإسناد وإن لم يدرك من فوقه، أو لم يدركه من دونه.
ومثاله ما عرض للأئمة مما نحن بصدده أن أبا حاتم سئل عن حديث رواه عبد الله العمري، عن حميد الطويل، عن رجل من أهل البصرة قال: "سئل ابن عمر عن رجل واقع أهله قبل أن يرمي
стр. 490
الجمرة ... "، فقال: "هو (يعني الراوي الذي لم يسم) علي البارقي الأزدي"، وقال أيضا: "روى هذا الحديث الحسن بن صالح وغيره، عن ليث بن أبي سليم، عن حميد، عن ابن عمر، نحو هذا الكلام، فكنت أحسب أن حميدا هذا شيخ أدرك ابن عمر، حتى تبين لي بعد أنه حميد الطويل، عن علي البارقي" (١).
وهذا الاعتراض وارد، لكن في أحيان كثيرة يوجد التصريح بالتحديث، فلا إرسال إذن، وأيضا فإن رواية الراوي عمن لم يدركه قلَّت كثيرا في الطبقات المتأخرة، وتوجد بكثرة في طبقة التابعين وتابعيهم، ومع وجود الإرسال في الطبقات المتقدمة، فالوقوف على أن ذلك الراوي الذي يريد الباحث تفسير من في الإسناد به لم يدرك من فوقه في الإسناد، أو لم يدركه من دونه- يثير ريبة في نفس الباحث تمنعه من الجزم بأنه هو، حتى يتأكد بوسائل أخرى.
والخلاصة أن النظر في الولادة والوفاة وسيلة مهمة جدا لتمييز رواة الإسناد، لكنه لا يكفي لوحده في أحيان كثيرة.
النوع الثاني: الشيوخ والتلاميذ:
وفائدته لتمييز راو في الإسناد من جهة أن كثيرا من الرواة وإن اشتركوا في الاسم والطبقة قد ينفرد بعضهم عن بعض في الأخذ عن بعض الشيوخ، أو في رواية بعض التلاميذ عنه.
ولهذا أسباب كثيرة، منها اختلاف البلدان، فيأخذ هذا الراوي عن جماعة من أهل بلده، لم يأخذ عنهم الآخر، ويروي عنه كذلك جماعة
стр. 491
من أهل بلده لم يرووا عن الآخر.
ومنها الرحلة، فقد يرحل أحد الراويين إلى بلد لم يرحل إليه الآخر، فيأخذ عن شيوخه، أو يأخذ عنه أهل ذلك البلد.
ومنها التفاوت في السن، فالراويان وإن جمعتهما طبقة واحدة واشتركا في بعض الشيوخ قد يكون أحدهما أسنّ من الآخر، فيدرك شيوخا لم يدركهم، وقد يُعَمَّر أحدهما فيأخذ عنه جماعة لم يدركوا الآخر.
ولكل هذه الأسباب أمثلة كثيرة.
وقد قام الأئمة بجهد كبير جدا في تتبع شيوخ الراوي، والآخذين عنه، والتقاط ذلك من الأسانيد المتفرقة، ويوجد شيء كثير من ذلك في الكتب الأولى، كتب السؤالات، والتواريخ، ثم لما جاء التصنيف المخصص للرواة اهتموا بذلك أيضا، كما نلاحظه في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"تاريخ بغداد" للخطيب، وغيرهما، فبعد أن يذكر المؤلف اسم الراوي وكنيته ونسبته يعقبه بذكر من روى عنه المترجم له، ومن روى عن المترجم له، على سبيل التمثيل في المكثرين من الرواية، وعلى سبيل الاستقصاء في المقلين منهم.
ولا يختلف اثنان على أن أوفى من جمع شيوخ الراوي والآخذين عنه هو المِزِّي، في كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، يعني رجال أصحاب الكتب الستة، وقد بنى كتابه هذا على كتاب عبد الغني المقدسي: "الكمال في أسماء الرجال"، فيذكر المِزِّي شيوخ المترجم له بعد عبارة (روى عن)، وتلاميذه بعد عبارة (روى عنه)، مرتبا كل قسم على حروف المعجم.
стр. 492
ومع حرص المِزِّي على تتبع شيوخ الراوي والآخذين عنه إلا أنه قد فاته عدد منهم، ذكر طائفة منهم مغلطاي في كتابه الذي أكمل به كتاب المِزِّي، وهو "إكمال تهذيب الكمال".
وكان من المناسب جدا أن يقوم ابن حجر حين جمع بين هذين الكتابين واختصرهما في كتابه "تهذيب التهذيب" بإضافة ما يقف عليه من شيوخ الراوي والآخذين عنه، لاستكمال الفائدة، لكنه نحى منحىً آخر، دفعه إليه أمران، الأول: هاجس كثير من المؤلفين وهو خوف الاستدراك عليهم أو تعقبهم، ولا سيما في مثل هذا الأمر، حيث تفرقت الأسانيد وانتشرت، وأصبح حصر الشيوخ والتلاميذ متعذرا في المكثرين من الرواية، والثاني: قصره فائدة جمع الرواة عن الراوي في رفع الجهالة عنه، فحذف ابن حجر كثيرا من شيوخ المترجم له، والآخذين عنه، إلا في حالات خاصة، وأعاد ترتيبهم على طريقة أخرى غير الترتيب المعجمي (١).
فإذا أراد الباحث تمييز رواة إسناده بهذه الطريقة ابتدأ من أحد رواة الإسناد ممن هو واضح لا يشتبه بغيره، كالصحابي، أو شيخ المؤلف إن كان كذلك، أو راو من وسط الإسناد، ثم انطلق من الراوي الذي اختاره صعودا في تمييز من فوقه في الإسناد، ونزولا في تمييز من دونه في الإسناد، فكل حلقة من سلسلة الإسناد تساعد في الكشف عن الحلقة التي فوقها والتي دونها.
مثال ذلك ما تقدم في المبحث الأول في الحديث الذي أخرجه ابن
стр. 493
ماجه من طريق عبد الله بن موسى التيمي، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه.
فقد تقدم أن بعض الأئمة والباحثين فسروا أسامة بن زيد بأنه أسامة بن زيد بن أسلم، وبالرجوع إلى ترجمة عبد الله بن موسى التيمي، يجد الباحث في شيوخه أسامة بن زيد الليثي، وإلى ترجمة ابن شهاب الزهري يجد في تلاميذه أيضا أسامة بن زيد الليثي، لا ذكر فيهما لأسامة بن زيد بن أسلم، فتحدد من هو أسامة بن زيد إذن.
وبإمكان الباحث -بعد طول تجربة- أن يتكون لديه ضوابط مبنية على هذه الوسيلة، ففائدتها سرعة الكشف إذن، كما تقدم مثله في الوسيلة التي قبلها، وهي النظر في الولادة والوفاة، أو الطبقة، فهذه مكملة لتلك، فقد يحفظ الباحث من روى عن حماد بن سلمة، ولم يرو عن حماد بن زيد، ومن روى عن حماد بن زيد، ولم يرو عن حماد بن سلمة، إذ قد ميز الأئمة ذلك، وذكروا فيهم عددا قليلا من الرواة روى عن الآخر شيئًا يسيرًا (١)، ومثل ذلك في الرواة عن السفيانين (٢).
ومن ذلك أن يعرف الباحث أن مسلما، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، إذا كان بينهم وبين حماد راو واحد فحماد هو ابن زيد، فإنهم لم يرووا عن أحد من أصحاب حماد بن سلمة، فلم يدركوا عامة
стр. 494
أصحابه ومن أدركوهم - وهم قليل - فلم يسمعوا منهم، وأما البخاري وأبو داود، فقد رويا عن بعض أصحاب حماد بن سلمة، كأبي الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل التَّبُوذكي.
وكذلك الحال في سفيان الثوري، وابن عُيَيْنة، فالأربعة الأولون لم يسمعوا من أحد من أصحاب الثوري، فإذا كان بين أحدهم وبين سفيان راو واحد فقط فسفيان هو ابن عُيَيْنة، وأما البخاري وأبو داود فسمعا من بعض أصحاب الثوري، كمحمد بن يوسف الفِرْيابي، ومحمد بن كثير.
ومن هذا الباب قول أحد الباحثين: "يشترك روح بن عبادة، وروح بن أسلم، في الرواية عن حماد (يعني ابن سلمة)، وكثيرا ما يرد في "المسند" اسم روح مبهما، والمراد به روح بن عبادة، لأنه ليس لأحمد رواية عن روح بن أسلم" (١).
وأحمد قد أدرك روح بن أسلم، فوفاته سنة مئتين أو بعدها، لكنه لا يروي عنه (٢).
ويعترض الباحث في تطبيقه لهذه الوسيلة في تمييز الرواة عدة إشكالات، منها أن كثيرا من الرواة يأتون في الأسانيد بكناهم كأن يقول الراوي: حدثنا أبو خالد، أو أبو معاوية، أو يأتون منسوبين إلى آبائهم من غير تسميتهم، كأن يقول: حدثنا ابن شهاب، أو ابن أبي عمر، أو إلى قبيلة أو بلد أو حرفة، كأن يقول: حدثنا التّيْمي، أو الفِرْيابي، أو الخَفَّاف، وربما جاء الراوي بلقبه، كأن يقول: حدثنا الأعمش، أو بُنْدار، أو غُنْدَر.
стр. 495
ولتجاوز هذا يستعين الباحث بفصول خصصها الأئمة للكنى، وللأنساب، وللألقاب، وضعوها بعد نهاية الأسماء، فإن كان الراوي معروف الاسم أحالوا القارئ إلى اسمه، فعليه أن يرجع إلى هناك، وإن لم يعرف له اسم على وجه التحديد ترجموا له هنا.
وقد يحتاج الباحث أن يرجع إلى الكتب المفردة للكنى والأنساب والألقاب، ففي كل منها كتب مفردة.
ومن الإشكالات أيضا أن حصر الشيوخ والتلاميذ أمر متعذر، وحينئذ فقد يكون فات المِزِّي وبعده مغلطاي ذكر راو في شيوخ من روى عنه، وهو له رواية عنه قد تكون هي التي مع الباحث، ومثله في التلاميذ، فينقطع التسلسل على الباحث.
وينقطع كذلك بأمر آخر، وهو أن المِزِّي وإن كان قد ذكر أنه سيثبت الشيخ في ترجمة التلميذ مع شيوخه ثم يعيد التلميذ في ترجمة الشيخ مع الآخذين عنه، وعلل ذلك بقوله: "لتكون كل ترجمة شاهدة للأخرى بالصحة، والأخرى شاهدة لها بذلك" (١)، إلا أنه في ثنايا الكتاب ربما اكتفى بذكر الشيخ في ترجمة التلميذ، دون أن يذكر التلميذ في ترجمة الشيخ، أو العكس، وكأنه فعل ذلك اختصارا، مثاله: إسحاق بن عيسى البغدادي المعروف بابن الطباع، يروي عن حماد بن سلمة، وقد ذكر المِزِّي هذا في ترجمته لكنه لم يذكره في الرواة عن حماد (٢)، ومثله أمية بن خالد القَيْسي (٣)، وذكر المِزِّي في الرواة عن