من أهل بلده لم يرووا عن الآخر.
ومنها الرحلة، فقد يرحل أحد الراويين إلى بلد لم يرحل إليه الآخر، فيأخذ عن شيوخه، أو يأخذ عنه أهل ذلك البلد.
ومنها التفاوت في السن، فالراويان وإن جمعتهما طبقة واحدة واشتركا في بعض الشيوخ قد يكون أحدهما أسنّ من الآخر، فيدرك شيوخا لم يدركهم، وقد يُعَمَّر أحدهما فيأخذ عنه جماعة لم يدركوا الآخر.
ولكل هذه الأسباب أمثلة كثيرة.
وقد قام الأئمة بجهد كبير جدا في تتبع شيوخ الراوي، والآخذين عنه، والتقاط ذلك من الأسانيد المتفرقة، ويوجد شيء كثير من ذلك في الكتب الأولى، كتب السؤالات، والتواريخ، ثم لما جاء التصنيف المخصص للرواة اهتموا بذلك أيضا، كما نلاحظه في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"تاريخ بغداد" للخطيب، وغيرهما، فبعد أن يذكر المؤلف اسم الراوي وكنيته ونسبته يعقبه بذكر من روى عنه المترجم له، ومن روى عن المترجم له، على سبيل التمثيل في المكثرين من الرواية، وعلى سبيل الاستقصاء في المقلين منهم.
ولا يختلف اثنان على أن أوفى من جمع شيوخ الراوي والآخذين عنه هو المِزِّي، في كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، يعني رجال أصحاب الكتب الستة، وقد بنى كتابه هذا على كتاب عبد الغني المقدسي: "الكمال في أسماء الرجال"، فيذكر المِزِّي شيوخ المترجم له بعد عبارة (روى عن)، وتلاميذه بعد عبارة (روى عنه)، مرتبا كل قسم على حروف المعجم.
стр. 492
ومع حرص المِزِّي على تتبع شيوخ الراوي والآخذين عنه إلا أنه قد فاته عدد منهم، ذكر طائفة منهم مغلطاي في كتابه الذي أكمل به كتاب المِزِّي، وهو "إكمال تهذيب الكمال".
وكان من المناسب جدا أن يقوم ابن حجر حين جمع بين هذين الكتابين واختصرهما في كتابه "تهذيب التهذيب" بإضافة ما يقف عليه من شيوخ الراوي والآخذين عنه، لاستكمال الفائدة، لكنه نحى منحىً آخر، دفعه إليه أمران، الأول: هاجس كثير من المؤلفين وهو خوف الاستدراك عليهم أو تعقبهم، ولا سيما في مثل هذا الأمر، حيث تفرقت الأسانيد وانتشرت، وأصبح حصر الشيوخ والتلاميذ متعذرا في المكثرين من الرواية، والثاني: قصره فائدة جمع الرواة عن الراوي في رفع الجهالة عنه، فحذف ابن حجر كثيرا من شيوخ المترجم له، والآخذين عنه، إلا في حالات خاصة، وأعاد ترتيبهم على طريقة أخرى غير الترتيب المعجمي (١).
فإذا أراد الباحث تمييز رواة إسناده بهذه الطريقة ابتدأ من أحد رواة الإسناد ممن هو واضح لا يشتبه بغيره، كالصحابي، أو شيخ المؤلف إن كان كذلك، أو راو من وسط الإسناد، ثم انطلق من الراوي الذي اختاره صعودا في تمييز من فوقه في الإسناد، ونزولا في تمييز من دونه في الإسناد، فكل حلقة من سلسلة الإسناد تساعد في الكشف عن الحلقة التي فوقها والتي دونها.
مثال ذلك ما تقدم في المبحث الأول في الحديث الذي أخرجه ابن
стр. 493
ماجه من طريق عبد الله بن موسى التيمي، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه.
فقد تقدم أن بعض الأئمة والباحثين فسروا أسامة بن زيد بأنه أسامة بن زيد بن أسلم، وبالرجوع إلى ترجمة عبد الله بن موسى التيمي، يجد الباحث في شيوخه أسامة بن زيد الليثي، وإلى ترجمة ابن شهاب الزهري يجد في تلاميذه أيضا أسامة بن زيد الليثي، لا ذكر فيهما لأسامة بن زيد بن أسلم، فتحدد من هو أسامة بن زيد إذن.
وبإمكان الباحث -بعد طول تجربة- أن يتكون لديه ضوابط مبنية على هذه الوسيلة، ففائدتها سرعة الكشف إذن، كما تقدم مثله في الوسيلة التي قبلها، وهي النظر في الولادة والوفاة، أو الطبقة، فهذه مكملة لتلك، فقد يحفظ الباحث من روى عن حماد بن سلمة، ولم يرو عن حماد بن زيد، ومن روى عن حماد بن زيد، ولم يرو عن حماد بن سلمة، إذ قد ميز الأئمة ذلك، وذكروا فيهم عددا قليلا من الرواة روى عن الآخر شيئًا يسيرًا (١)، ومثل ذلك في الرواة عن السفيانين (٢).
ومن ذلك أن يعرف الباحث أن مسلما، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، إذا كان بينهم وبين حماد راو واحد فحماد هو ابن زيد، فإنهم لم يرووا عن أحد من أصحاب حماد بن سلمة، فلم يدركوا عامة
стр. 494
أصحابه ومن أدركوهم - وهم قليل - فلم يسمعوا منهم، وأما البخاري وأبو داود، فقد رويا عن بعض أصحاب حماد بن سلمة، كأبي الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل التَّبُوذكي.
وكذلك الحال في سفيان الثوري، وابن عُيَيْنة، فالأربعة الأولون لم يسمعوا من أحد من أصحاب الثوري، فإذا كان بين أحدهم وبين سفيان راو واحد فقط فسفيان هو ابن عُيَيْنة، وأما البخاري وأبو داود فسمعا من بعض أصحاب الثوري، كمحمد بن يوسف الفِرْيابي، ومحمد بن كثير.
ومن هذا الباب قول أحد الباحثين: "يشترك روح بن عبادة، وروح بن أسلم، في الرواية عن حماد (يعني ابن سلمة)، وكثيرا ما يرد في "المسند" اسم روح مبهما، والمراد به روح بن عبادة، لأنه ليس لأحمد رواية عن روح بن أسلم" (١).
وأحمد قد أدرك روح بن أسلم، فوفاته سنة مئتين أو بعدها، لكنه لا يروي عنه (٢).
ويعترض الباحث في تطبيقه لهذه الوسيلة في تمييز الرواة عدة إشكالات، منها أن كثيرا من الرواة يأتون في الأسانيد بكناهم كأن يقول الراوي: حدثنا أبو خالد، أو أبو معاوية، أو يأتون منسوبين إلى آبائهم من غير تسميتهم، كأن يقول: حدثنا ابن شهاب، أو ابن أبي عمر، أو إلى قبيلة أو بلد أو حرفة، كأن يقول: حدثنا التّيْمي، أو الفِرْيابي، أو الخَفَّاف، وربما جاء الراوي بلقبه، كأن يقول: حدثنا الأعمش، أو بُنْدار، أو غُنْدَر.
стр. 495
ولتجاوز هذا يستعين الباحث بفصول خصصها الأئمة للكنى، وللأنساب، وللألقاب، وضعوها بعد نهاية الأسماء، فإن كان الراوي معروف الاسم أحالوا القارئ إلى اسمه، فعليه أن يرجع إلى هناك، وإن لم يعرف له اسم على وجه التحديد ترجموا له هنا.
وقد يحتاج الباحث أن يرجع إلى الكتب المفردة للكنى والأنساب والألقاب، ففي كل منها كتب مفردة.
ومن الإشكالات أيضا أن حصر الشيوخ والتلاميذ أمر متعذر، وحينئذ فقد يكون فات المِزِّي وبعده مغلطاي ذكر راو في شيوخ من روى عنه، وهو له رواية عنه قد تكون هي التي مع الباحث، ومثله في التلاميذ، فينقطع التسلسل على الباحث.
وينقطع كذلك بأمر آخر، وهو أن المِزِّي وإن كان قد ذكر أنه سيثبت الشيخ في ترجمة التلميذ مع شيوخه ثم يعيد التلميذ في ترجمة الشيخ مع الآخذين عنه، وعلل ذلك بقوله: "لتكون كل ترجمة شاهدة للأخرى بالصحة، والأخرى شاهدة لها بذلك" (١)، إلا أنه في ثنايا الكتاب ربما اكتفى بذكر الشيخ في ترجمة التلميذ، دون أن يذكر التلميذ في ترجمة الشيخ، أو العكس، وكأنه فعل ذلك اختصارا، مثاله: إسحاق بن عيسى البغدادي المعروف بابن الطباع، يروي عن حماد بن سلمة، وقد ذكر المِزِّي هذا في ترجمته لكنه لم يذكره في الرواة عن حماد (٢)، ومثله أمية بن خالد القَيْسي (٣)، وذكر المِزِّي في الرواة عن
стр. 496
إياس بن معاوية: حماد بن سلمة، ولم يذكر إياسا في شيوخ حماد (١).
وعلى الباحث إذا انقطع التسلسل أن يختار حلقة أخرى من حلقات الإسناد، أو يقرأ تراجم كل من يحتمل أن يكون هو الذي في الإسناد، وينظر في شيوخهم وتلاميذهم.
ومن الإشكالات أيضا أن يجد في ترجمة الراوي أكثر من شيخ يوافق من فوقه في الإسناد، أو في تلاميذه كذلك، كأن يكون الإسناد فيه عطاء، عن ابن عباس، فإذا ذهب إلى ترجمة ابن عباس وجد فيها أربعة ممن اسمه عطاء يروون عن ابن عباس، أو كان في الإسناد: حفص بن غياث، عن أشعث، فإذا ذهب إلى ترجمة حفص بن غياث وجد فيها ثلاثة ممن اسمه أشعث يروي عنهم حفص.
وهذا الإشكال يمكن تجاوزه بإحدى طريقتين:
الأولى: مشروطة بأن يكون الإسناد الذي مع الباحث من أحد كتب الأئمة الستة، وذلك أن المِزِّي التزم أن يذكر فوق كل شيخ من شيوخ صاحب الترجمة من أخرج للمترجم له عن ذلك الشيخ، بالرمز لهم، وفوق كل تلميذ من تلاميذ المترجم له من أخرج روايته عن المترجم له منهم، بالرمز لهم كذلك، وهذه الرموز وضعها طابعوا الكتاب بعد اسم الشيخ أو التلميذ، فإن كانت رواية المترجم له عن ذلك الشيخ، أو رواية التلميذ عن المترجم له خارج هذه الكتب أغلفه المزي دون رمز.
فبإمكان الباحث أن يستفيد من هذه الرموز لتحديد الراوي الذي في
стр. 497
الإسناد، كما في رواية حفص بن غياث، عن أشعث، فقد ذكر المِزِّي في شيوخه أشعث بن سَوَّار، وأشعث بن عبد الله الحُدَّاني، وأشعث بن عبد الملك الحُمْراني، وذكر رمز البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي، وابن ماجه، عند أشعث بن سَوَّار، ولم يضع رمزا عند الآخرين (١)، فإذا كان الإسناد الذي مع الباحث مأخوذا من أحد الكتب الثلاثة عرف أنه أشعث بن سَوَّار.
ولابد من الحذر في التعامل مع هذه الرموز، فالرواة كثيرون، وهي عرضة للسقط والتصحيف؛ فقد أخرج ابن ماجه إسنادا فيه رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء عن عكرمة، عن ابن عباس (٢)، وبالرجوع إلى ترجمة خالد، وإلى ترجمة يزيد، لا نجد رمز ابن ماجه في رواية يزيد، عن خالد (٣)، ولهذا أمثلة أخرى.
الثانية: الرجوع إلى من دون الراوي الذي وجدنا جماعة يتفقون في اسمه، للنظر عمن يروي منهم؟ أو مراجعة تراجمهم، للنظر عن أيهم يروي؟ .
ويستمر الإشكال إذا كان من دون ذلك الراوي يروي عن اثنين أو أكثر ممن اتفقوا في الاسم، ويمكن تجاوز هذا عن طريق الرموز، كما تقدم آنفا، وإن لم يمكن فيبقى الإشكال دون أن يحل عن طريق النظر في التلاميذ والشيوخ، ولا بد من الاستعانة بوسيلة أخرى.
وهناك أمر آخر مهم في الاستعانة بالشيوخ والتلاميذ لتمييز الراوي،
стр. 498
وهو أن أصل وضع الراوي في شيوخ المترجم له، أو في تلاميذه، مبني على اجتهاد من جمع الشيوخ والتلاميذ، وقد يخالف في اجتهاده هذا، فتكون المسألة محل نظر، أو يخطئ في هذا الاجتهاد، ولا يكون قد روى عنه، كما تقدم مثاله في ذكر ابن عدي، وعبد الغني المقدسي، هشام بن عروة في شيوخ عبد الله بن نافع الصائغ، وعبد الوهاب بن بخت في تلاميذه.
والخلاصة أن من وسائل تمييز الرواة: النظر في الشيوخ والتلاميذ، لكن هذه الوسيلة غير كافية لوحدها في أحيان كثيرة.
النوع الثالث: كتب الأطراف:
والمقصود بها الكتب التي ألفها الأئمة في ترتيب أحاديث كتاب، أو كتب معينة على الأطراف، بذكر طرف من الحديث أو ما يدل عليه، مرتبين أطرافها على الأسانيد، ابتداء من الصحابة رضوان الله عنهم، فأحاديث كل صحابي لوحدها، مع ترتيب الصحابة على حروف المعجم، الرجال، ثم النساء، وإن كان الصحابي مكثرا من الرواية كأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، رتبوا أحاديثهم بترتيب الرواة عنهم على حروف المعجم كذلك، ثم إن كان الراوي عن الواحد منهم مكثرا عنه، كنافع، عن ابن عمر، أو عروة، عن عائشة، رتبوا أحاديثه على الرواة عنه كذلك، وهكذا، مع تفاوت بين هذه الكتب في مراعاة هذا التفريع.
وبعد أن يصل المؤلف إلى نهاية تفريعه يسوق أحاديث الراوي بذكر أطرافها، مراعيا طريقة معينة في ترتيبها، ويسوق مع كل حديث أسانيد المؤلفين الذين أخرجوا الحديث، إلى أن يصل بها إلى الراوي الذي
стр. 499
انتهى التفريع إليه فينص على ذلك بقوله: (عنه به)، أو (عنه بهذا).
وهذه الأسانيد منهم من يسوقها بألفاظ الأداء كما هي في تلك الكتب، ومنهم من يسوقها بالعنعنة مساقا واحدا.
وألف الأئمة من هذا النوع كتبا كثيرة، طبع منها: "أطراف الأفراد والغرائب للدارقطني" لابن طاهر القيسراني، و"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للمِزِّي، وهو في أطراف الكتب الستة ولواحقها، و"إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي" لابن حجر، وهو في أطراف "مسند أحمد"، و"إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" لابن حجر، وهو في أطراف "موطأ مالك"، و"مسند الشافعي"، و"مسند أحمد"، "و"سنن الدارمي"، و"منتقى ابن الجارود"، و"مستخرج أبي عوانة"، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي، و"صحيح ابن خزيمة"، و"صحيح ابن حبان"، و"المستدرك" للحاكم، فهذه عشرة، ثم أضاف إليها ابن حجر "سنن الدارقطني" لكون "صحيح ابن خزيمة"، لم يكمل عنده (١).
وقد بذل هؤلاء الأئمة جهدا كبيرا في تمييز الرواة وتسميتهم، فغدت كتب الأطراف وسيلة مهمة بالنسبة للباحث تعينه على تمييز رواة إسناده.
ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن مؤلفي كتب الأطراف قاموا بتوزيع الأحاديث على رواتها مستعينين حين يشتبه الرواة بمجموعة من وسائل تمييز الرواة التي يجري الحديث عنها الآن، وأهمها وسيلة جمع الطرق الآتية بعد هذه، وحينئذٍ فاعتمادنا على آراء هؤلاء إنما هو اعتماد
стр. 500
بالواسطة، بمعنى أنني قلدت من ذهب إلى أن الذي في الإسناد هو فلان، ولا أنفصل عن هذا التقليد إلا بتأمل الأدلة التي استند إليها والنظر فيها، كما تقدم التنبيه عليه أيضا في النوع الذي قبل هذا.
يدل على ما تقدم أن أصحاب كتب الأطراف يختلفون فيما بينهم في تعيين الراوي وتسميته، وربما اختلف رأي الإمام الواحد، فقد تقدم مناقشة المِزِّي لابن عساكر حين ذهب إلى أن عبد الله بن موسى الذي يروي عن أسامة بن زيد، عن الزهري- هو عبد الله بن موسى بن شيبة، وذكر المِزِّي أنه عبد الله بن موسى التيمي (١).
ومثله رواية قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن عُمَارة بن غَزِّيَّة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر مرفوعا: "ليس من البر الصيام في السفر" (٢)، وضعه المِزِّي في ترجمة (محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر)، وتعقبه ابن حجر بأنه محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارَة، هكذا جاء مسمى في طرق أخرى إلى قتيبة، وقد ذكر المِزِّي أحدها (٣).
ومن ذلك أيضا أن محمد بن جحادة، روى عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعا: "في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين مئة عام" (٤)، فذكر المِزِّي هذا الحديث في ترجمة عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة (٥)، وكذا ذكره ابن حجر في "أطراف المسند" (٦)، لكنه في
стр. 501
"النكت الظراف على الأطراف" قال متعقبا المزِّي: "عطاء في رواية الترمذي غير منسوب، وأظنه عطاء بن يسار، فقد أخرجه البخاري، من طريق هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة نحو هذا" (١)، وجزم في "فتح الباري" بأنه عطاء بن يسار (٢).
وروى كامل بن العلاء أبو العلاء، عن أبي صالح ذكوان السمان، وهو ثقة ثبت، وعن أبي صالح ميناء مولى ضباعة، وهو شبيه بالمجهول، وكل منهما يروي عن أبي هريرة، وأخرج أحمد من طريق كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عدة أحاديث، فذكر ابن حجر بعضها في أبي صالح ذكوان، وبعضها في أبي صالح مولى ضباعة، وتردد في أكثرها فذكره هنا وهنا.
وحينئذ فالباحث ملزم بدراسة الأمر، ولا يصح له تقليد ابن حجر، أما فيما تردد فيه فالأمر ظاهر، وأما فيما جزم فيه فالاحتمال أن يكون الصواب غير ما ذكره، وقد رأيت أحد الباحثين في الحديث الذي ذكره ابن حجر في ترجمة أبي صالح السمان، وهو حديث أبي هريرة: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهر ... " الحديث- جزم بأنه أبو صالح السمان، وقال إن إسناده حسن من أجل كامل بن العلاء، بينما ذهب باحث آخر إلى أنه أبو صالح مولى ضباعة، وضعف الحديث به، ولم يشر واحد من الباحثين إلى الاحتمال الآخر، ويعالجه.
والخلاصة أن كتب الأطراف وسيلة مهمة لتمييزه الرواة، يتم عن
стр. 502
طريقها الاستفادة من جهود الأئمة الآخرين، لكنها في المواضع التي يشتد فيها الاشتباه ويعارضها قرينة أخرى غير كافية لوحدها.
وهناك أمر آخر مهم ينبغي التنبه له، وهو تصرفات بعض محققي كتب الأطراف، واجتهاداتهم في تفسير بعض الرواة، ولا يكون ذلك صوابًا، من ذلك أن المِزِّي ساق من "سنن النسائي الكبرى" هذا الإسناد: عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، عن يحيى بن سعيد ... (١)، فأضاف المحقق بعد اسم حماد: (بن سلمة)، وهو اجتهاد مخطئ، إنما هو حماد بن زيد، هكذا سماه الدولابي في روايته للحديث عن يحيى بن حبيب (٢)، ويحيى بن حبيب ليس له رواية عن حماد بن سلمة، ولم يدركه (٣).
النوع الرابع: طرق الحديث الأخرى:
من أهم وسائل تمييز الرواة ولا سيما حين يشتد الاشتباه النظر في الطرق الأخرى للحديث، فقد يوجد في بعض الطرق زيادة بيان لأحد الرواة كان مشتبها مع غيره في الطريق الذي مع الباحث، فتميز بالطريق الجديد.
والطرق التي يحصل بها تمييز الرواة على قسمين:
القسم الأول: الطرق إلى المؤلفين ، وأعني بها الروايات عن المؤلف صاحب الإسناد الذي مع الباحث، فقد يوجد في بعض الروايات لكتاب من كتب السنة ما يفسر من كان مهملا في الرواية
стр. 503
أخرى، ولا سيما مع تعدد الروايات وتشعبها، كما في "صحيح البخاري" مثلا، أو "سنن أبي داود".
ونلاحظ استفادة أصحاب الأطراف من هذه الروايات، كالمِزِّي في "تحفة الأشراف"، وابن حجر في "النكت الظراف"، وقد تقدم مثالان على حسن استفادة المِزِّي من تعدد نسخ الكتاب الواحد (١).
كما يمكن ملاحظة هذه الاستفادة بسهولة في الفصل الذي عقده ابن حجر لتفسير المهملين من شيوخ البخاري في "صحيحه" (٢)، وفي أثناء الشرح كذلك.
ومن هنا ندرك أهمية نشر كتب السنة محققة تحقيقا علميا، مع مراعاة مقارنة روايات الكتاب ونسخه عن المؤلف.
ولم يتفطن أحد الباحثين لاختلاف النسخ والروايات عن المؤلف، فعد ما جاء في بعضها مغايرا للآخر من الأخطاء التي تقع في الأسانيد، وذلك حين جمع ما وقف عليه من هذه الأخطاء في رسالة له سماها: "الأخطاء الإسنادية وتصويبها"، فذكر من ذلك ما رواه البخاري، عن محمود بن غيلان المَرْوَزي، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كدا، ... " الحديث (٣)، قال الباحث: "ذكر محمود بن غيلان المَرْوَزي -هكذا منسوبا- فيه نظر، لأن الحافظ قال في "الفتح" ٣: ٤٣٨: تنبيهات: محمود في الطريق الثانية من حديث عائشة هو ابن غيلان، ولما ذكر
стр. 504
الحافظ الِمزِّي هذه الرواية في تحفة الأشراف ١٢: ١٣٠ حديث ١٦٧٩٧ قال: خ في الحج، عن محمود -ولم ينسبه- والله أعلم".
وذكر الباحث مثل هذا أيضا عن نسبة محمد بن سلام في الحديث الذي أخرجه البخاري، عن محمد بن سلام، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة ... " الحديث (١).
ولم يحكم الباحث صنيعه هذا، فما عده خطأ ليس كذلك، وإنما هو من اختلاف الروايات (٢)، والنص المثبت لـ"صحيح البخاري" مع "فتح الباري" لابن حجر على رواية غير الرواية التي يشرح عليها ابن حجر، فابن حجر لم يثبت نص الحديث قبل شرحه خشية الإطالة (٣)، فلما جاء عهد الطباعة أثبت طابعو الكتاب نص "الصحيح"، ولكن من رواية أخرى، لعدم توافر الرواية التي يشرح عليها ابن حجر عندهم، ولهذا نجد اختلافا كثيرا -وإن كان في الغالب غير مؤثر- بين النص المثبت، وبين النص الذي يشرحه ابن حجر، وعلى طريقة الباحث ينبغي أن تعد هذه الاختلافات أخطاء، وهذا بعيد جدا عن التحقيق.
ويشكل على الاستفادة مما يرد في الروايات والنسخ الأخرى عن المؤلف- وقوع الاختلاف بينها أحيانا، فيحتاج إلى الترجيح بوسائل أخرى، أو يبقى الاحتمال قائما، كما في الحديث الذي أخرجه النسائي، عن حُمَيْد بن مَخْلَد، عن محمد بن كُنَاسَة، عن هشام بن
стр. 505
عروة، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "غَيِّروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود"، ففي بعض روايات "السنن" عن النسائي: أخبرنا حميد بن مَخْلَد بن الحسين، وفي بعضها: أخبرنا حميد بن مَخْلَد بن زَنْجُوْيَه، وفي بعضها: أخبرنا حميد بن مَخْلَد (١).
ويمكن ملاحظة اختلاف الروايات عن المؤلف في تفسير المهملين في الفصل الذي عقده ابن حجر لتفسير المهملين من شيوخ البخاري، وقد أشرت إليه آنفا.
واختلاف الروايات والنسخ عن المؤلف أمر مشهور.
القسم الثاني: الطرق بعد المؤلفين ، وأعني بها متابعات رواة الإسناد، إما عند المؤلف صاحب الإسناد الأصل، أو في كتب أخرى، فمن جاء مهملا في رواية قد يأتي مفسرا في رواية أخرى.
وتعد الاستفادة في تمييز الراوي المشتبه به من جمع الطرق أشهر وسيلة لتمييز الرواة، والاعتماد عليها في الغالب حين يشتد الاشتباه، بل إن بعض وسائل دفع الاشتباه -ككتب الأطراف- إنما تمر في الأغلب عبر هذه الوسيلة، وسيأتي -بعون الله تعالى- باب مستقل لجمع الطرق والنظر فيها، لكنني هنا أستعجل ما يتعلق بالمقام، فأنبه على أمرين:
الأمر الأول: يقوي تفسير الراوي المشتبه به إذا جاء ذلك في متابعة للراوي عن الراوي عنه، أو في متابعة لمن دونه في الإسناد، ويضعف هذا التفسير إذا كانت المتابعة للراوي عن المشتبه به.
مثال ذلك قول أحمد: "قلت لوكيع: يا أبا سفيان، في حديث
стр. 506
سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد: (فابعثوا حكما من أهله) - مَنْ أبو هاشم؟ فسكت"، قال أحمد: "وهو إسماعيل بن كثير -يعني المكي-" (١).
وتعيين أحمد لأبي هاشم وأنه إسماعيل بن كثير المكي، وليس أبا هاشم الرُّمَّاني يحيى بن دينار، من شيوخ سفيان، ومن تلاميذ مجاهد، استدل عليه أحمد برواية يحيى بن سعيد القطان هذا الأثر بعينه عن سفيان، وفي روايته: عن إسماعيل أبي هاشم (٢).
وذكر ابن عساكر في "الأطراف" ما رواه النسائي، عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل، عن حُمَيْد، عن أنس قال: "كان شعر رسول الله ﷺ إلى نصف أذنيه" (٣) - في ترجمة (إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس)، فتعقبه المِزِّي، وذكره في ترجمة (إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن عُلَيَّة، عن حُمَيْد، عن أنس)، واعتمد المِزِّي على أنه جاء منسوبا (إسماعيل بن إبراهيم) في رواية الترمذي، عن علي بن حجر (٤).
ومثل ذلك حديث النسائي، عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل، عن حُمَيْد، عن أنس: "كان لأهل الجاهلية يومان من كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة ... " الحديث (٥)، فقد فسر ابن عساكر إسماعيل بابن عُلَيَّة، فتعقبه المِزِّي بأنه إسماعيل بن جعفر،
стр. 507
هكذا جاء مفسرا في رواية ابن خزيمة لهذا الحديث عن علي بن حُجْر (١).
فمتابعة الترمذي للنسائي في الحديث الأول، ومتابعة ابن خزيمة للنسائي في الحديث الثاني- متابعتان للراوي الذي هو النسائي، عن شيخه علي بن حجر، الذي هو الراوي عن الراوي المشتبه به وهو إسماعيل، فالترمذي وابن خزيمة كلاهما روى حديثه عن شيخ النسائي علي بن حُجْر، وسميا شيخ علي بن حُجْر مفسرا، فيترجح جدا أن شيخ علي بن حُجْر في الحديث الأول على ما سمي في رواية الترمذي، وفي الحديث الثاني على ما سمي في رواية ابن خزيمة، ويبعد أن يقال: لعل علي بن حُجْر روى الحديثين كليهما عن الشيخين: إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن إبراهيم، فهذا احتمال عقلي، والمدار على ترجيح وجود ذلك من جهة الرواية، وهو بعيد.
ومن الأمثلة أيضا ما رواه محمد بن يحيى الذهلي، عن الحجاج، عن حماد، عن حماد، عن رِبْعي، عن حذيفة، وقد تقدم ذكره في المبحث الأول من هذا الفصل، وأن بعض الباحثين فسر حمادا الأول بحماد بن زيد، والراوي عنه فسره بحماد بن أسامة أبي أسامة، والصواب أن الأول حماد بن أبي سليمان، والراوي عنه حماد بن سلمة، والذي أدرك رِبْعي بن حِرَاش ويروي عنه إنما هو حماد بن أبي سليمان، ولم يدركه حماد بن زيد.
وأيضا فلو كان الأول حماد بن زيد لم يحتج فيه الحجاج بن منهال إلى واسطة، فإنه قد سمع منه، ولا يقال: لم لا يكون إذن هو شيخ
стр. 508
الحجاج بن منهال في هذا الإسناد؟ لا يقال هذا لأن حماد بن زيد لا يروي عن حماد بن أبي سليمان، والمعروف بالرواية عنه إنما هو حماد بن سلمة، فهو أسن من حماد بن زيد، وقد سمع منه الحجاج بن منهال (١).
والأهم من ذلك -وهو الشاهد هنا- أن ابن عبد البر أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد مفسرا، من طريق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا حجاج، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حماد بن أبي سليمان، عن رِبْعي بن حِرَاش، عن حذيفة (٢).
ومن الأمثلة على وقوع المتابعة للراوي عن المشتبه به رواية محمد بن جحادة، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا: "في الجنة مئة درجة ... " الحديث -وقد تقدم ذكرها في هذا المبحث-، فإن المِزِّي وابن حجر ذكراه في ترجمة (عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة)، إلا أن ابن حجر في كتابين آخرين له رجح أنه عطاء بن يسار، واستدل على ذلك بأن هلال بن علي قد رواه عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة.
فاستدلال ابن حجر وترجيحه صحيح لا غبار عليه، ولكن ليس هو في قوة أن تأتي رواية عن محمد بن جحادة -وهو الراوي عن المشتبه به- فيها نسبة عطاء، وأنه ابن يسار، أو متابعة لمن دون محمد بن جحادة في الإسناد كذلك، إذ يحتمل في استدلال ابن حجر أن يكون شيخ محمد بن جحادة: عطاء بن أبي رباح، وشيخ هلال بن علي: عطاء بن يسار.
стр. 509
ومثله ما تقدم أيضا في المبحث الذي قبل هذا، وهو ما أخرجه البيهقي من طريق الحسين بن محمد بن زياد القَبَّاني النيسابوري، عن عبد الله بن سعيد، عن معاذ بن هشام، عن أبيه ... ، وفسر أحد الباحثين عبد الله بن سعيد بأنه أبو سعيد الأشج، فهو يروي عن معاذ بن هشام، ولكن تبين أن الإسناد فيه تصحيف، وأن الصواب: عبيد الله -بالتصغير- ابن سعيد، وهو أبو قدامة اليَشْكُري السَّرَخْسي نزيل نيسابوري، فقد أخرجه أبو أحمد الحاكم عن أحمد بن محمد الماسَرْجِسي، عن أبي قُدَامة عبيد الله بن سعيد اليَشْكري، عن معاذ بن هشام به (١).
فهذا الدليل غير تام، إذ يحتمل أن يكون شيخ الحسين بن محمد القَبَّاني عبد الله بن سعيد أبا سعيد الأشج، وشيخ الماسَرْجَسي أبا قدامة عبيد الله بن سعيد، ولكن تأيد وقوع التصحيف، وأن شيخهما واحد بقرينة أخرى، وهي أن الحسين بن محمد القَبَّاني إنما يروي عن عبيد الله بن سعيد أبي قدامة اليكشري، وهو من أهل بلده، ولم تذكر له رواية عن الآخر (٢).
الأمر الثاني: رغم أهمية الاعتماد على الطرق الأخرى في تمييز رواة الإسناد إلا أن الباحث ملزم بتدقيق النظر حين يعتمد على هذه الوسيلة، إذ يتطرق إليها الضعف من جهتين:
الجهة الأولى: تعارض الطرق في تفسير الراوي المهمل،
стр. 510
وحينئذ فلابد من التأني في الجزم بتفسير معين، والبحث عن مزيد مرجحات وقرائن.
مثال ذلك أن النسائي روى عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل، عن حُمَيْد، عن أنس: "قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخي النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ... " الحديث (١)، حوله المزِّي من ترجمة (إسماعيل بن عُلَيَّة، عن حُمَيْد، عن أنس) إلى ترجمة (إسماعيل بن جعفر، عن حُمَيْد، عن أنس)، وضمه إلى ما رواه البخاري، عن قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن حُمَيْد، عن أنس (٢).
واستدلال المزِّي برواية قتيبة استدلال صحيح، لكنه معارض برواية الترمذي لهذا الحديث بعينه، عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن عُلَيَّة-، عن حُمَيْد، عن أنس، وكذا أخرج النسائي آخره عن إسحاق بن راهويه، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، وذكرهما المزِّي في ترجمة (إسماعيل بن عُلَيّة، عن حُمَيْد) (٣)، وحينئذ فيحتمل أن يكون شيخ علي بن حُجْر إسماعيل بن جعفر، كما يحتمل أن يكون إسماعيل بن عُلَيِّة، ولعل المزِّي نظر إلى المتن، فإن القدر الذي ذكره النسائي من رواية علي بن حُجْر، عن إسماعيل، أقرب إلى لفظ إسماعيل بن جعفر.
الجهة الثانية: التفسير المخطئ للراوي من قبل أحد رواة الإسناد، ومعنى ذلك أنه قد يكون مع الباحث راو غير مفسر، مشتبه
стр. 511
بغيره، فيقف على إسناد آخر للحديث وفيه تفسير ذلك الراوي بما يتميز به عن غيره، لكن هذا التفسير بعد التأمل يتبين أنه مخطئ.
وهذا الكلام قد يبدو غريبا على بعض الناس، إذ يمكن أن يفهم منه طرح الثقة بالطرق الأخرى في تفسير الراوي، وليس هذا هو المقصود قطعا، فجمع الطرق أهم وسيلة لتمييز الراوي إذا اشتبه بغيره، ولكن لابد من لفت الانتباه إلى أخطاء رواة الإسناد في التفسير، مما يلزم معه ضرورة الاستقصاء في جمع الطرق حين يشتد الاشتباه، واستخدام وسائل متعددة للتمييز، ويتأكد هذا إذا جاء التفسير مفصولا عن الاسم، بأن يأتي في الإسناد: حدثنا فلان -هو ابن فلان-، أو: يعني ابن فلان.
ويمكن أن تقرب المسألة إلى ذهن القارئ إذا أدرك أن رواة الإسناد -ابتداء من الراوي عن المشتبه به، مرورا بمؤلف الكتاب، ثم الإسناد إلى المؤلف- هم من جملة نقاد السنة في كثير من الأحيان، فكما يجتهد الدارس للإسناد في تفسير راو، وقد يخطئ في ذلك، كما تقدم شرحه في المبحث الأول، وربما أقحم اجتهاده في أثناء الإسناد، فيسوق الإسناد مفسرا من أحد مصادر التخريج، مع أن التفسير ليس في المصدر- يجتهد أحد الرواة فيفسر راويا ممن فوقه، وقد يخطئ في ذلك أيضا، وربما أمكن تحديد من قام بتفسير الراوي، وربما لم يمكن ذلك.
ونظرا لأهمية هذه القضية، وقلة من يراعيها من الباحثين- سأذكر أمثلة من وقوع التفسير المخطئ للراوي من قبل أحد رواة الإسناد.
والطريف في الأمر أن الخطأ ربما وقع من الراوي عن الراوي
стр. 512
المشتبه به، فيسمع الراوي من شيخ، ثم يروي عن آخر يظنه هو شيخه، ومن أمثلة ذلك أن زهير بن معاوية يروي عن واصل بن حيان أحاديث عدة، فذكر أحمد، وابن معين، في رواية عنه، وأبو حاتم أن زهيرا إنما سمع من صالح بن حيان، فاشتبه عليه بواصل بن حيان، ونص ابن معين على أنه لم يره أصلا، وذكر أبو حاتم أنه لم يدركه، وقال ابن معين في رواية إنه سمع منهما جميعا، فجعلهما واحدا (١).
وواصل بن حيان ثقة، وصالح بن حيان ضعيف (٢).
وروى أبو أسامة حماد بن أسامة أحاديث عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فذكر جماعة من الأئمة أنه غلط فيه، وإنما سمع عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وكذلك حسين الجعفي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حديثين، فذهب جمهور الأئمة إلى أنه إنما سمعهما من ابن تميم، وجعل البخاري ذلك حكما عاما فيما رواه الكوفيون عن ابن جابر من المناكير، فقال: "أهل الكوفة يروون عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير، وإنما أرادوا -عندي- عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو منكر الحديث، وهو بأحاديثه أشبه منه بأحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر".
وسبب هذا الغلط أن المشهور عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو من كبار العلماء الثقات في الشام، فقدم عبد الرحمن بن يزيد بن تميم
стр. 513
الكوفة، مع يزيد بن يزيد بن جابر أخو عبد الرحمن، فسمعوا منه، وقال لهم: أنا عبد الرحمن بن يزيد، فظنوه ابن جابر، ويقال: إن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قدم الكوفة بعد ذلك بزمن (١).
وقد قرأت بحثا لأحد الإخوة صحح فيه حديثا يرويه أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بناه على ثقة الرواة، واتصال الإسناد، فأخبرته بكلام الأئمة حول رواية أبي أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فعاد وضعف الحديث.
وروى يحيى بن سُلَيم أبو بَلْج الواسطي، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، أحاديث استنكرها الإمام أحمد، وذكر أنه لا يعلم أن عمرو بن ميمون يروي عن ابن عباس، وقال عبد الغني الأزدي إن أبا بَلْج أخطأ في اسم عمرو بن ميمون هذا، وليس هو بعمرو بن ميمون المشهور، إنما هو ميمون أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن سَمُرَة، وهو ضعيف، قال ابن رجب: "وليس هذا ببعيد" (٢).
وروى صدقة بن يزيد -وهو ضعيف-، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "قال الله تعالى: إن عبدا صححته، ووسعت عليه، لم يزرني في كل خمسة أعوام لمحروم"، وقد استنكره الأئمة بهذا الإسناد، وإنما يعرف من حديث العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال ابن عدي: "لعل صدقة هذا سمع بذكر
стр. 514
العلاء، فظن أنه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان هذا الطريق أسهل عليه، وإنما هو: العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد" (١).
ويحتمل أن يكون من هذا الباب رواية بَشِير بن سليمان أبي إسماعيل، عن سَيَّار، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود مرفوعا: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ... " الحديث، هكذا رواه جماعة عن بَشَير، لم ينسبوا سَيَّارا، ورواه آخرون عنه، عن سَيَّار أبي الحكم، ورواه آخرون عنه، عن سَيَّار أبي حمزة، وقد خطَّأ الأئمة من قال: عن سَيَّار أبي الحكم، والصواب: عن سَيَّار أبي حمزة، لكن من الأئمة من أشار إلى أن الخطأ من بَشِير، كان يخطئ في شيخه، ظنه سَيَّارا أبا الحكم العنزي البصري أو الواسطي، إنما شيخه سَيَّار أبو حمزة الكوفي، روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأشار بعض الأئمة إلى أن الخطأ ممن دون بَشِير (٢).
وأما وقوع الخطأ في التفسير من أحد الرواة ممن دون الراوي عن المشتبه به فله أمثلة كثيرة، من ذلك أن ابن أبي شيبة روى عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عمن سمع ابن عمر قال: "يستتاب المرتد ثلاثًا" (٣)، ورواه أحمد، عن وكيع قال: حدثنا سفيان، عن
стр. 515
عبد الكريم الجزري، عن رجل، عن ابن عمر، وعلق أحمد على تفسير وكيع لعبد الكريم بأنه الجزري بقوله: "ابن مهدي قال: قال سفيان -في حديث المرتد- قال: هو أبو أمية، حدثني به سفيان، قال أحمد: ونسخناه من كتاب الأشجعي: عن سفيان، عن عبد الكريم البصري -قال أحمد: هو أبو أمية- مثل هذا الحديث" (١).
فقد فسر وكيع شيخ شيخه بأنه عبد الكريم الجزري، وهو ثقة ثبت، وإنما هو عبد الكريم أبو أمية البصري المعروف بابن أبي المُخَارِق، وهو متروك الحديث.
وروى يعقوب بن سفيان قال: حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن: "أنه دخل على عمر فوجده يصلي الظهر ... " الحديث، ثم قال يعقوب: "وبلغني أن أبا نعيم كان يقول: عبد الرحمن بن عوف، فقيل له: إنما هو عبد الرحمن بن عَبْد القاري، فاقتصر على عبد الرحمن، ولم ينسبه" (٢).
وروى يعقوب أيضا عن أبي نُعيْم، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة، أن عبد الله بن أبي بكر حدثه، أن النبي ﷺ قال: - فذكر الحديث -، ثم قال يعقوب: "رواه بعض من لا يوثق بروايته فقال: أن عبد الله بن أبي بكر الصديق حدثه، وإنما هو عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم" (٣).
وروى شعبة بن الحجاج، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن
стр. 516
زُرَارة، عن محمد بن عمرو بن حسن بن علي بن أبي طالب، عن جابر مرفوعا في قصة: "ليس من البر الصيام في السفر"، ورواه يحيى بن أبي كثير واختلف عنه، فقيل عنه: عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، وقيل عنه: عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني من سمع جابرا، وقيل عنه: عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر، وقيل عنه: عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر، وقيل عنه: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر.
وعلى رواية من قال عن يحيى بن أبي كثير: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان اعتمد ابن حبان، فأخرج الحديث في "صحيحه" وفيه زيادة: "فعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها"، وحسن إسناد الحديث هذا بهذه الزيادة ابن القطان، وتابعهما بعض الباحثين، فعندهم أن هذا طريق آخر إلى جابر متصل.
والصواب أن يحيى بن أبي كثير إنما يروي الحديث عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وهو شيخ شعبة في الإسناد السابق، ولم يسمع من جابر، ويحيى بن أبي كثير، تارة يبهم الواسطة بين محمد هذا وبين جابر، وتارة يحذفها، وأما من نسبه عن يحيى فقال: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فهو وهم، سببه أن الذي يروي عن جابر وسمع منه هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فلما أسقط يحيى الواسطة بين محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وبين جابر، ظن بعض رواة الإسناد أنه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فنسبه كذلك، وكذا من قال عن يحيى: عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر، هو وهم أيضا (١).
стр. 517
وذكر الرامَهُرْمُزي أن أبا خليفة الفضل بن الحُبَاب- روى عن مُسَدَّد، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن إياد، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد، حديثا في (الغيبة) - فغلط فيه، وظن أنه عبيد الله بن إياد بن لَقِيط، وإنما هو عبيد الله بن أبي زياد القَدَّاح المكي (١).
وقد رواه كذلك عن عبيد الله بن أبي زياد القَدَّاح: عبد الله بن المبارك، ومحمد بن بكر البُرْسَاني (٢).
ولعبيد الله بن أبي زياد القَدَّاح، عن شَهْر بن حَوْشَب أحاديث غير هذا، من رواية عيسى بن يونس وغيره عنه (٣).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" -وعنه ابن ماجه- عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: "كان آخر ما عهد إليّ النبي ﷺ أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا"، وسقط من "المصنف" جملة (عن أشعث) من الإسناد (٤).
وقد رواه ابن حزم، من طريق ابن وَضَّاح، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن أشعث -هو ابن عبد الملك الحُمْراني-، عن الحسن به (٥).
стр. 518
وظاهر جدا أن تفسير الأشعث ليس في أصل الرواية، وإنما هو من ابن وَضَّاح، أو من دونه، وهو وهم فيما يظهر، فأشعث ليس ابن عبد الملك، وإنما هو أشعث بن سَوَّار، كما جزم به المزِّي (١).
وأشعث بن سَوَّار، وأشعث بن عبد الملك، وإن كانا يرويان عن الحسن، ويروي عنهما حفص بن غياث- إلا أن حفص بن غياث مكثر من الرواية عن أشعث بن سَوَّار، ثم إن الحديث معروف بأشعث بن سَوَّار، فقد رواه عنه أبو زبيد عبثر بن القاسم، والفضيل بن عياض (٢)، وهما إنما يرويان عن أشعث بن سَوَّار (٣).
وذكر ابن ناصر الدين الدمشقي أن النسائي أخرج عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن محمد النُفَيْلي، عن زهير بن محمد، عن محمد بن جحادة ... حديثا (٤).
والموجود عند النسائي عن (زهير) غير منسوب (٥)، وكأن ابن ناصر الدين لما رآه كذلك ظنه زهير بن محمد الخراساني، وإنما هو زهير بن معاوية الجُعْفي الكوفي (٦).
وروى الدارقطني والحاكم من طريق الخطيب بن ناصح، عن عبد العزيز الداروردي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر
стр. 519
مرفوعًا: "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ"، وصححه الحاكم، ثم روياه أيضا من طريق حمزة بن عبد الواحد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر (١).
وقد تكلم البيهقي علي هذين الطريقين بكلام في غاية الإحكام، لولا خشية الإطالة لنقلته ملخصا، بين فيه أن تسمية موسى وأنه ابن عقبة وهم، وأن أصل الرواية في هذين الطريقين: (عن موسى) غير منسوب، وقد جاءت طرق أخرى عن الداروردي وغيره نُسب فيها موسى وأنه ابن عُبَيْدة الرَّبَذي، والحديث مشهور به، مرة يرويه عن نافع، ومرة عن عبد الله بن دينار (٢).
وقد يكون سبب الخطأ في التفسير تصحيف وقع في النص.
فقد أخرج الطبراني من طريق أبي نُعَيْم، عن سفيان الثوري، عن نَهْشَل بن مُجَمِّع الضَّبِّي، عن أبي غالب، وأبي قَزَعَة سُوَيْد بن حُجَير، عن ابن عمر حديثا في التوديع، كذا جاء فيه: (وأبي قَزَعَة سُوَيْد بن حجير)، وهو تفسير من أحد الرواة المتأخرين بعد أبي نعيم -فيما يظهر- نشأ عن تصحيف، والصواب: (عن أبي غالب، وقَزَعة)، هكذا جاء من روايات متضافرة عن سفيان الثوري، وجاء عنه من طرق أخرى بذكر أحدهما، وكذا رواه محمد بن فضيل، عن نَهْشَل، عن قَزْعة، وكذا رواه أبو سِنَان ضِرار بن صُرَد، عن قزَعَة (٣)، وقَزَعَة هو ابن يحيى،
стр. 520
ويقال: ابن الأسود، أبو الغادية البصري، وأبو قَزَعة سُوَيْد بن حُجَيْر لم يذكروا له رواية عن ابن عمر (١).
وروى ابن أبي حاتم، عن محمد بن عوف قال: قال يحيى بن معين: حدثنا الحجاج بن محمد الأعور، عن أبي عُبَيْدة -يعني عبد الواحد بن واصل- قال: "كان عنده ابن سمعان، ومحمد بن إسحاق، فقال ابن سمعان: حدثني مجاهد ... " (٢).
فقوله: يعني عبد الواحد بن واصل، تفسير مبني -فيما يظهر- على تصحيف وقع في الكنية، وصوابها: عن أبي عبيد الله، وهو أبو عبيد الله صاحب المهدي، كذا في سائر المراجع (٣).
وقضية خطأ الراوي في تفسير راو ممن فوقه في الإسناد أمر مشهور جدا عند النقاد، وهو يندرج تحت عموم أخطاء الرواة على من فوقهم، مثل تغيير صيغة تحديث، أو زيادة راو، وغير ذلك، وكان بعض الأئمة يوصي بالستر على الواهم، ومعناه إغفال موضع الخطأ إن أمكن، فيحذف النسبة -مثلا- إن كانت خطأ، كما في قول البَرْذَعي: "قال النُّفَيْلي: سترت على زهير أحاديث مما وهم فيها، ورأيته يومي إلى هذا غير مرة، أن الفَهِم يجب عليه إذا وَهَم شيخ جليل في شيء أن يستر
стр. 521
عليه -أو نحو هذا-، ولا يحدث به عنه على الوهم ... " (١).
النوع الخامس: النظر في متن الحديث وإسناده:
ومعناه أنه إذا اشتبه على الناقد راو في الإسناد فإنه ينظر في متن الحديث وفي إسناده، لعل فيهما ما يفيد في تعيين هذا الراوي، فقد يكون صاحب الحديث معروفا به مشهورا عنه، وقد يكون الناقد يميز أحاديث الراوي من أحاديث من اشترك معه في الاسم أو قاربه في الرسم، وقد يستدل بنكارة المتن أو الإسناد على ترجيح تفسير الراوي وتمييزه.
وبادئ ذي بدء فإن من يتهيأ له ما تقدم هم أئمة الحديث ونقاده الكبار، كما قال الحاكم بعد أن ذكر أن الثوري، وشعبة، يرويان عن أبي إسحاق السبيعي، وعن أبي إسحاق الهَجَري، وأنهما جميعا مكثران عن أبي الأحوص الجُشَمي: "فلا يقع التمييز في مثل هذا الموضوع إلا بالحفظ والدراية، فإن الفرق بين حديث هذا وذاك عن أبي الأحوص يطول شرحه" (٢).
وقال ابن حبان يصف أئمة الجرح والتعديل في كلام له طويل نفيس: " ... حتى إذا قال وكيع بن الجراح: حدثنا النَّضْر، عن عكرمة، ميزوا حديث النَّضْر بن عَرَبي من النَّضَر الخَزّاز، أحدهما ضعيف والآخر ثقة، وقد رويا جميعا عن عكرمة، وروى وكيع عنهما، وحتى إذا قال حفص بن غياث: حدثنا أشعث، عن الحسن، ميزوا
стр. 522
حديث أشعث بن عبد الملك، من أشعث بن سَوَّار، وأحدهما ثقة والآخر ضعيف، وقد رويا جميعا عن الحسن، وروى عنهما حفص بن غياث، وحتى إذا قال عبد الرزاق: حدثنا عبيد الله، عن نافع، وعبد الله، عن نافع، ميزوا حديث ها من حديث ذاك، لأن أحدهما ثقة والآخر ضعيف، فإن أسقط من اسم عبيد الله (ياء) علموا أنه من حديث عبيد الله بن عمر، وإذا زيد في اسم عبد الله (ياء) قالوا: هذا من حديث عبد الله بن عمر، حتى خلَّصوا الصحيح من السقيم ... " (١).
ويتأكد انفرادهم باستخدام هذه الوسيلة إذا كانت هي الدليل المعتمد عليه، كما في تحديد شيخ إبراهيم بن طهمان هل هو أيوب السَّخْتِيَاني، أو أيوب بن خُوْط، في حديث نافع، الماضي في المبحث الأول من هذا الفصل، فإن أبا حاتم إنما رجح تفسيره بابن خُوْط لنكارة الحديث عن ابن عمر.
ومن ذلك أيضا ما رواه الآجُرِّي قال: "سمعت أبا داود يقول: إسماعيل بن بن سالم سمع من أبي صالح ذكوان، ومن أبي صالح باذام، (الأول ثقة ثبت، والثاني ضعيف)، قيل: هذا يشتبه؟ قال: إن حديث هذا لا يخفى من حديث هذا" (٢).
وقول ابن حبان في رواية حسين بن واقد، عن الأيوبين: أيوب السَّخْتِيَاني، وأيوب بن بن خُوْط، قال: "قد كتب عن أيوب السَّخْتِيَاني، وأيوب بن خُوط، جميعا، فكل حديث منكر عنده عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، إنما هو أيوب بن خُوْط، وليس بأيوب
стр. 523
السَّخْتِيَاني" (١).
فمثل هذه النصوص باستطاعة الباحث تطبيقها على أفرادها من الأحاديث، فإذا روى إبراهيم بن طهمان، أو حسين بن واقد، عن أيوب، ولم يسمه، ولم يأت الحديث من رواية شخص لا يروي عن أيوب بن خُوْط- فهذا دليل على نكارته، وأن أيوب في الإسناد هو ابن خُوْط، وليس السَّخْتِيَاني.
ومن ذلك أيضا أن البَرْذَعي صاحب أبي زرعة الرازي قال: "قلت: ثابت بن سَرْج الدَّوْسي؟ قال: مجهول، لا أعرفه إلا في حديث روى عنه الوليد بن مسلم، عن سالم، ولا أحسبه ابن عبد الله بن عمر، هو عندي لسالم بن عبد الله المحاربي أشبه، وإن كان مرسلا" (٢).
وبإمكان الباحث المتمرس أن يشارك الأئمة في استخدام هذه الوسيلة أيضا فيما لم يأت به نص عنهم، ولكن بتأن، وحذر شديد.
مثال ذلك أن جماعة كثيرين، منهم سفيان بن عُيَيْنة، وابن جريح، وأبو حمزة السُّكَّري- رووا عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعا (حديث كفارة إتيان الحائض)، ومنهم من وقفه على ابن عباس، وفي أكثر الطرق جاء (عبد الكريم) مهملا غير منسوب، وجاء في طرق صحيحة نسبته وأنه أبو أمية البصري المعروف بابن أبي المُخَارِق، وهو متروك الحديث، ورواه عنه عبد الله بن مُحَرَّر أحد المتروكين فقال فيه: عبد الكريم بن مالك (٣).
стр. 524
فإذا انضم إلى ذلك نكارة الحديث مرفوًا، فهو أجدر أن يكون من رواية أبي أمية البصري، لا من رواية ابن مالك الجَزَري- اتضح بجلاء أن من فسره بالجَزَري، أو قال: يحتمل أن تكون الرواية عن الاثنين، فقوله بعيد جدا (١).
أما إذا كانت هذه الوسيلة بمساعدة وسيلة أخرى فالأمر أخف.
ومثاله الحديث الذي رواه قتيبة بن سعيد، وسفيان بن وكيع، وعثمان بن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مُقَاتِل بن حَيَّان، عن قتادة، عن أنس مرفوعا: "إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس" الحديث (٢).
قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه قتيبة بن سعيد، وابن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مُقَاتِل، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ (وساق الحديث)، قال أبي: مُقَاتِل هذا هو مُقَاتِل بن سليمان، رأيت
стр. 525
هذا الحديث في أول كتاب وضعه مُقَاتِل بن سليمان، وهو حديث باطل لا أصل له ... " (١).
وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال: "هذا كلام موضوع" (٢).
وحينئذٍ فمتن الحديث أحرى أن يكون من رواية مُقَاتِل بن سليمان الوضاع المشهور، لا من رواية مُقَاتِل بن حَيَّان الثقة المعروف، وانضم إلى ذلك كونه في كتاب مُقَاتِل بن سليمان، والأقرب أن يكون الراوي عنه وهو هارون أبو محمد أخطأ في تسمية شيخه، ظنه مُقَاتِل بن حَيَّان، وهو مُقَاتِل بن سليمان، هذا إن كان صادقا في روايته للحديث عن مُقَاتِل بن سليمان، إذ يحتمل أن يكون وجده في كتابه فرواه عنه، فهو شيخ مجهول، كما قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وبالبصرة لا يعرفون من حديث قتادة إلا من هذا الوجه، وهارون أبو محمد شيخ مجهول" (٣).
ويقابل ذلك ما إذا عارض القرينة في المتن قرينة أخرى أقوى منها، كما وقع لابن الجوزي في حديث عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا: "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد، كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة"، فقد استنكر ابن الجوزي متن الحديث كما هو على ظاهره، وفسر عبد الكريم بأبي أمية البصري المعروف بابن أبي المُخَارِق، وهو
стр. 526
متروك الحديث (١).
وهو مستمسك صحيح فإن المتن فيه نكارة، لكن عارض هذا التفسير ما هو أقوى منه، ذلك أنه وإن كان ما ورد في بعض الروايات في التصريح بنسبته (الجَزَري) محل نظر- إلا أن عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي الجَزَري معروف بالرواية عن عبد الكريم الجَزَري، وهو من أخص أصحابه، ولا تعرف له رواية عن عبد الكريم بن أبي المُخَارِق (٢).
النوع السادس: ضوابط في تمييز الرواة:
اهتم الأئمة بموضوع الاشتباه بين الرواة، فعالجوا ما قابلهم من ذلك في كل حديث بعينه، كما تقدمت أمثلته في الأنواع السابقة، كما قاموا بجهد آخر يوازي ذلك، الغرض منه إفادة الآخرين حين يواجهون اشتباها في الإسناد بين راويين أو أكثر، فدونوا ضوابط بها يستطيع من جاء بعدهم تمييز الراوي الذي في إسناده.
ولا يتوقف الأمر على ما نقل إلينا من هذه القواعد، فبإمكان الباحث الآن تسجيل ما يتوصل إليه باستقرائه.
وليس معنى هذا أن أنواع الوسائل السابقة يستغنى عنها، بل أهميتها للباحث باقية، ولا غناء له عنها، إذ المنقول من هذه الضوابط
стр. 527
إنما يشمل عددا محدودا من الرواة، وبعضها أغلبي، يحتاج الباحث معه إلى التأكد بوسيلة أخرى، خشية أن يكون ما أمامه من غير الغالب، وأيضا فالباحث يوصى دائما بإعمال الفكر، وإجالة النظر، والبعد عن التقليد المحض.
وأقوى الضوابط ما كان منصوصا عن الراوي عن المشتبه به، كما في قول عفان: "إذا قلت لكم: أخبرنا حماد -ولم أنسبه- فهو ابن سلمة" (١).
ويلي ذلك ما كان من كلام أحد الأئمة، وقد يكون بناه على نص عن الراوي لم يصل إلينا، أو على استقرائه هو، ومن أقدم ما وقفت عليه من ذلك ما رواه أحمد، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال: "كان سعيد بن جبير إذا قال: قال عبد الله، فهو ابن عباس، وإذا قال: ابن عمر، فهو ابن عمر" (٢).
وقال سلمة بن سليمان المَرْوَزي في قصة: "إذا قيل بمكة: عبد الله، فهو ابن الزبير، وإذا قيل بالمدينة: عبد الله، فهو ابن عمر، وإذا قيل بالكوفة: عبد الله، فهو ابن مسعود، وإذا قيل بالبصرة: عبد الله، فهو ابن عباس، وإذا قيل بخراسان: عبد الله، فهو ابن المبارك" (٣).
كذا قال سلمة في ابن عباس، وابن الزبير، والمشهور ما قاله الخليلي: "إذا قال المصري: عن عبد الله -ولا ينسبه- فهو ابن عمرو -
стр. 528
يعني ابن العاص-، وإذا قال المكي: عن عبد الله -ولا ينسبه- فهو ابن عباس" (١).
وذكر محمد بن يحيى الذهلي، ثم الرامَهُرْمُزي، والمِزِّي، والذهبي، أن موسى بن إسماعيل التَّبُوذكي، وحجاج بن منهال -زاد المِزِّي، والذهبي: وهُدْبة بن خالد- إذا روى أحدهم عن حماد، ولم ينسبه، فهو ابن سلمة، وأن محمد بن الفضل المعروف بعَارِم، وسليمان بن حرب، إذا روى أحدهما عن حماد، ولم ينسبه، فهو ابن زيد (٢).
ومثل هذا وقع في سفيان الثوري، وابن عُيَيْنة، قال الذهبي بعد أن أشار إلى تقدم سفيان الثوري في الطبقة: "فمتى رأيت القديم قد روى فقال: حدثنا سفيان -وأبهم- فهو الثوري، وهم: كوكيع، وابن مهدي، والفِرْيابي، وأبي نُعَيْم، فإن روى واحد منهم عن ابن عُيَيْنة بَيَّنه" (٣).
وذكر الحاكم مجموعة من الضوابط في تمييز بعض الرواة الذين يشتد الاشتباه بينهم (٤)، لولا خشية الإطالة لنقلت كلامه.
ويعكر على الاستفادة مما يقرره الأئمة وغيرهم من ضوابط أن يكون الضابط لم يتحرر جيدا، فقد ذكر ابن حجر أن البخاري إذا روى عن محمد بن يوسف وأطلق فهو الفِرْيابي، وليس البِيْكَندي (٥)، والموجود في "صحيح البخاري" لا يتفق مع هذا الضابط، فقد روى
стр. 529
البخاري، في موضعين عن محمد بن يوسف وأطلق، وهو البِيْكَندي، أمكن تمييزه عن الفِرْيابي عن طريق شيوخه، وفي موضعين آخرين بقي الأمر مشتبها، ولم يأت مفسرا بالبِيْكَندي إلا في موضع واحد، اختلفت فيه الروايات عن البخاري، ففي بعضها: "حدثنا محمد بن يوسف -هو البِيْكَندي-"، وفي بعضها: "حدثنا محمد بن سلام"، وفي أكثرها: "حدثنا محمد" غير منسوب (١)، فلم يمكن الاستفادة من الضابط الذي ذكره ابن حجر في "الصحيح" على أقل الأحوال.
وذكر أحد الباحثين ضابطا في رواية أحمد عن سفيان فقال: "إذا قال: عن سفيان، عن الزهري، فالمراد سفيان بن عُيَيْنة، لا سفيان بن وكيع، لأن من عادته ﵀ أنه إذا روى عن سفيان بن وكيع نسبه إلى أبيه".
كذا قال الباحث، والظاهر أنه ذهب إلى أن القائل في "المسند": حدثنا سفيان بن وكيع هو أحمد، يشير إليه قوله: "لأن من عادته"، لكن الأمر ليس كذلك، فالقائل عبد الله بن أحمد، فهو من الزوائد (٢)، ومثله في "فضائل الصحابة" (٣)، وإنما روى أحمد في "المسند" عن سفيان بن وكيع كلمة لوالده وكيع بن الجراح، في عبد الرزاق، وأنه يشبه رجال أهل العراق (٤)، ثم إن سفيان بن وكيع لم يلحق الزهري أصلا، فلو سُلِّم ما قاله الباحث لم نحتج إلى ضابط.
стр. 530
كما يعكر على الاستفادة أيضا ما يتطرق إلى الضوابط في هذه القضية وغيرها من احتمال كونها أغلبية، إذ قد يتبين بعد بحث أن الضابط أغلبي، وليس مطردا، وحينئذ فيعمل بالضابط ما لم يعارضه ما هو أقوى منه.
مثال ذلك ما تقدم آنفا أن الكوفي إذا قال: عن عبد الله، فهو ابن مسعود، وقد أخرج الرامَهُرْمُزي من طريق مُسَدَّد، عن يحيى بن سعيد القطان، ومن طريق إسماعيل بن عمر الواسطي، كلاهما عن سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارْق، ورَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك آخر آية تقرؤها" (١).
فالناظر في الإسناد لأول وهلة لا يخالجه شك أن عبد الله هو ابن مسعود، بناء على الضابط السابق، لكن عارض ذلك ما هو أقوى منه، إذ رواه أبو داود عن مُسَدَّد بهذا الإسناد، فصرح بعبد الله، وأنه عبد الله بن عمرو، وهكذا جاء من طرق أخرى عن سفيان، وعاصم بن أبي النَّجُود (٢)، وعبد الله بن عمرو بن العاص قدم الكوفة مع معاوية فسمع منه أهلها.
وذكر ابن حجر بعض الضوابط في تفسير رواة مهملين في "صحيح البخاري" نقلا عن الفِرَبْري راوي "الصحيح" عن البخاري، ثم قال ابن