← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1565

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت عتر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (157 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال أبو قِلابَةَ: "لو شِئْتُ لَقُلْتُ إنَّ أنسًا رفعَه إلى النبي ﷺ ". أي لو قلت لم أَكذِبْ لأنَّ قولَه: "من السُّنةِ" هذا معناه، لكنَّ إيرادَهُ بالصيغة التي ذَكرَها الصحابة أَوْلى. ومن ذلك قولُ الصحابي: "أُمِرنا بكذا" أو "نُهينا عن كذا"، فالخلافُ فيه كالخِلافِ في الذي قَبْلَه (١) لأنَّ مُطْلَقَ ذلك يَنْصرِفُ بظاهره إلى مَنْ له الأمرُ والنهيُ وهو الرسولُ ﷺ . وخالفَ في ذلك طائفةٌ تمسَّكوا باحتمالِ أنْ يكونَ المرادُ غَيْرَه كأَمْرِ القرآنِ أو الإجماعِ أو بعضِ الخُلَفَاءِ أو الاستنباطِ؟ وأُجيبوا: بأنَّ الأصلَ هو الأولُ وما عَدَاهُ مُحتَمل، لكنّه بالنسبة إليه مَرْجُوحٌ. وأيضًا فمَنْ كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفهمُ عنه أنَّ آمِرَه إلا رئيسُه. وأمَّا قَوْلُ مَنْ قال: يَحْتَمِلُ أنْ يَظُنَّ ما ليس بأمرٍ أمرًا فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّحَ فقال: أَمَرنا رسولُ الله ﷺ بكذا، وهو احتمالٌ ضعيفٌ، لأنَّ الصحابيَّ عَدْلٌ عارِفٌ باللسانِ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بَعْدَ التحقيق. ومن ذلك قولُه: "كُنَّا نفعلُ كذا"، فله حُكْمُ الرفع أيضًا كما تقدم (٢). ومن ذلك أنْ يَحكُمَ الصحابيُّ على فِعْلٍ من الأفعال بأنه طاعةٌ لله أو لِرسوله أو معصيةٌ، كقولِ عمَّار: "مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصى

стр. 107

أبا القاسم ﷺ " (١). فهذا حُكْمُهُ الرَّفْعُ أيضًا لأن الظاهرَ أنَّ ذلك ممَّا تَلَقَّاهُ عنه ﷺ . أو تنتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابي (٢) كذلك، أي مِثْلُ ما تقدَّمَ في كَوْنِ اللفظِ يقتضي التصريحَ بأنَّ المنقولَ هو مِنْ قَوْلِ الصحابي أو مِنْ فِعْلِه أو من تقريرِه، ولا يَجيءُ فيه جميعُ ما تقدَّمَ بلْ مُعْظَمُه، والتشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فيه المساواةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. ولما كان هذا المُختَصرُ شاملًا لجميع أنواع علوم الحديث اسْتطردْتُ منه إلى تعريفِ الصحابيّ ما هو فقُلْتُ: وهو مَنْ لَقِيَ النبيَّ ﷺ مُؤمِنًا به وماتَ على الإسلامِ ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ في الأصَحِّ. والمرادُ باللِّقاء ما هو أعمُّ من المُجَالَسَة والمُمَاشَاة ووصولِ أحدِهما إلى الآخر وإن لم يُكالِمْهُ، ويَدْخُل فيه رُؤيةُ أحدِهما الآخر سَوَاءٌ كان ذلك بنَفْسِه أَمْ بغيرِه. والتعبيرُ باللُّقِىِّ أَوْلى مِن قَوْل بعضِهم: "الصحابيُّ مَنْ رأى النبىَّ ﷺ "، لأنه يُخرِجُ ابنَ أمِّ مكتومٍ (٣) ونَحْوَه من العُمْيانِ، وهم صحابةٌ بِلا تردُّدٍ، و"اللُّقِيُّ" في هذا التعريف كالجنس. وقَوْلي: "مؤمنًا به" كالفَصْل يُخْرِجُ مَنْ حَصَلَ له اللِّقاءُ المذكورُ لكنْ في حالِ كَوْنهِ كافرًا. وقولي: "بِهِ". فَصْلٌ ثانٍ يُخْرِجُ مَنْ لَقِيَهُ مؤمنًا، لكنْ بغيرهِ من

стр. 108

الأنبياء. لكنْ هل يُخرِجُ مَنْ لَقِيَه مؤمنًا بأنه سَيُبْعَثُ ولم يُدركِ البِعثةَ؟ فيه نَظَرٌ (١). وقولي: "وماتَ على الإسلام"، فَصْلٌ ثالثٌ يُخْرِجُ مَنِ ارتدَّ بعد أنْ لَقِيَه مؤمنًا وماتَ على الرِّدَّة كعُبَيد الله بن جَحْشٍ وابنِ خَطَل. وقولي: "ولو تَخَلَّلتْ رِدَّةٌ"، أي بَيْنَ لُقِيِّه له مؤمِنًا به وبينَ مَوتِه على الإسلام، فإنَّ اسمَ الصُّحْبَةِ باقٍ له سَوَاءٌ رَجَعَ إلى الإسلام في حياته ﷺ أَمْ بعدَه، سَوَاءٌ لَقِيَهُ ثانيًا أَمْ لا. وقَوْلي: "في الأصحِّ" إشارةٌ إلى الخِلافِ في المسألة، ويَدُلُّ على رُجْحَانِ الأوَّلِ قِصَّةُ الأشْعثِ بن قيس فإنه كان ممّنِ ارتدَّ، وأُتيَ به إلى أبي بكرٍ الصديق أسيرًا فعادَ إلى الإسلام فقَبِلَ منه وزَوَّجَه أُختَه، ولم يَتَخَلَّفْ أحدٌ عن ذِكرِهِ في الصحابة ولا عَنْ تخريج أحاديثهِ في المسانيد وغيرِها (٢). تنبيهان: لا خَفَاءَ برُجْحَانِ رُتْبَةِ مَنْ لازَمَهُ ﷺ وقَاتَلَ معه أو قُتِلَ تحتَ رايتهِ على مَنْ لم يُلازِمْه أو لم يَحْضُرْ معه مَشْهدًا وعلى مَنْ كلَّمَه يسيرًا أو ماشَاهُ قليلًا أو رآه على بُعْدٍ أو في حالِ الطُّفولية (٣)، وإن كان شَرَفُ الصُّحْبَةِ حاصِلًا للجميع. ومَنْ ليس له منهم سماعٌ منه فحديثُهُ مُرْسَل مِنْ حيثُ الرِّواية،

стр. 109

وهُمْ مع ذلك معدودونَ في الصَّحابةِ لِمَا نالوه من شَرَفِ الرُّؤية. ثانيهما: يُعْرَفُ كَوْنُه صحابيًّا بالتواتر أو الاستفاضة أو الشُّهرة، أو بإخبار بعضِ الصحابة، أو بعضِ الثقاتِ التابعين، أو بإخباره عن نَفْسِه بأنه صحابيٌّ إذا كانتْ دَعْواهُ ذلك تدخُلُ تحتَ الإمكان (١). وقدِ اسْتَشْكَلَ هذا الأخيرَ جَماعةٌ مِنْ حيثُ إنَّ دَعْواهُ ذلك نظيرُ دَعْوى مَنْ قال: أَنا عَدْلٌ، ويحتاجُ إلى تأمُّل. أو تنتهي غايةُ الإسناد إلى التابعى (٢). وهو مَنْ لَقِيَ الصحابىّ كذلك. وهذا مُتَعلِّقٌ باللُّقِىِّ وما ذُكِرَ معَه، إلّا قَيْدَ الإيمانِ به فذلكَ خاصٌّ بالنبي ﷺ (٣)، وهذا هو المُختارُ خِلافًا لِمَنِ اشترطَ في التابعي طُولَ المُلازَمة، أو صِحَّةَ السَّماعِ، أو التمييزَ. وَبَقِيَ بين الصحابة والتابعينَ طبقةٌ أُخرى اخْتُلِفَ في إلحاقِهم بأيِّ القِسْمَيْن وهم: المُخَضْرَمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يَرَوا النبيَّ ﷺ . فَعَدَّهم ابنُ عبدِ البَرِّ في الصَّحابةِ، وادَّعى عِياضٌ وغيرُه أنَّ ابنَ عبد البَرِّ يقول: إنهم صحابةٌ، وفيه نَظَرٌ، لأنه أفصحَ في خُطْبَةِ كِتَابهِ بأنه إنما أَوْرَدَهُم لِيكونَ كتابُه جامعًا مُستوعِبًا لأهل القَرْنِ الأول، والصحيحُ أنهم مَعْدُودونَ في كِبارِ التابعينَ سَوَاءٌ عُرِفَ أنَّ الواحدَ منهم كانَ مُسلِمًا في زمنِ النبىِّ ﷺ كالنَّجَاشِيِّ أَمْ لا، لكنْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ النبىَّ ﷺ ليلةَ الإسراءِ كُشِفَ له عن جميع مَنْ في الأرض فرآهم فينبغي أنْ يُعَدَّ مَنْ كانَ مؤمنًا به

стр. 110

في حياته إذ ذاك وإنْ لَمْ يُلاقِهِ، في الصَّحابةِ، لِحُصول الرؤيةِ في حياته ﷺ (١). فالقِسْمُ الأولُ مما تقدَّمَ ذِكْرُه من الأقسامِ الثلاثة، وهو ما تنتهي إليه غايةُ الإسنادِ هو المرفوعُ، سَوَاءٌ كان ذلك الانتهاءُ بإسنادٍ مُتَّصِلٍ أَمْ لا، والثاني الموقوفُ وهو ما انتهى إلى الصحابيِّ والثالثُ المَقْطوعُ وهو ما انتهى إلى التابعيّ (٢). ومَنْ دُونَ التابعيّ مِنْ أتباع التابعين فَمَنْ بَعْدَهم فيه أيْ في التسمية مِثْلُه أي مِثْلُ ما ينتهي إلى التابعيّ في تسمية جميعِ ذلك مقطوعًا، وإن شئتَ قُلْتَ: موقوفٌ على فُلان. فحَصَلَتِ التفرِقةُ في الاصطلاح بين المقطوع والمُنقَطع، فالمنقطِعُ مِنْ مباحثِ الإسناد كما تقدَّم، والمقطوعُ مِنْ مباحثِ المَتْنِ كما ترى، وقد أَطلقَ بعضُهم هذا في مَوضِعِ هذا وبالعَكْس تجوُّزًا عن الاصطلاح. ويُقالُ للأخيرَيْن أي الموقوفِ والمقطوعِ: الأَثَرُ. والمُسْنَدُ -في قول أهل الحديث: هذا حديثٌ مُسنَدٌ- هو مرفوعُ

стр. 111

صحابيٍّ بِسَنَدٍ ظاهِرُهُ الاتصالُ (١). فقَوْلي: "مرفوع" كالجِنْس، وقَوْلي: "صحابىّ" كالفَصْل يَخْرُجُ به ما رَفَعَه التابعيُّ فإنه مُرْسَلٌ، أو مَنْ دُونَه فإنه مُعْضَل، أو مُعَلَّق، وقَوْلي: "ظاهِرُهُ الاتصالُ"، يَخْرُجُ به ما ظاهِرُهُ الانقطاعُ، ويَدْخُلُ ما فيه الاحتمالُ وما يوجدُ فيه حقيقةُ الاتصالِ من باب الأَوْلى. ويُفْهَمُ مِن التقييد بالظهور أنَّ الانقطاعَ الخَفِيَّ كَعَنْعَنَةِ المُدَلِّس، والمُعاصِر الذي لم يَثْبُتْ لُقِيُّه، لا يُخْرِجُ الحديثَ عن كونِه مُسنَدًا لإطباق الأئمة الذين خَرَّجُوا المسانيد (٢) على ذلك. وهذا التعريفُ موافِقٌ لقَولِ الحاكم: المُسْنَدُ ما رواه المُحَدِّثُ عن شيخٍ يَظْهَرُ سَمَاعُهُ منه وكذا شيخُه عن شيخِه مُتَصِلًا إلى صحابيٍّ إلى رسول الله ﷺ . وأمَّا الخطيبُ فقال: "المُسْنَدُ المُتَّصِلُ". فعلى هذا الموقوفُ إذا جاءَ بسَنَدٍ متصلٍ يُسَمَّى عِنْدَه مُسْنَدًا، لكنْ قال: "إنَّ ذلك قد يأتي لكنْ بِقِلَّةٍ". وأَبْعَدَ ابنُ عبدِ البَرِّ حيثُ قالَ: "المُسْنَدُ المرفوعُ"، ولم يَتعرَّضْ للإسنادِ، فإنّه يَصْدُقُ على المُرْسَلِ والمُعْضَلِ والمُنْقَطِعِ إذا كان المَتْنُ مرفوعًا، ولا قائِلَ به (٣). فإنْ قَلَّ عددهُ أي عددُ رجالِ السنَدِ فإمّا أنْ ينتهيَ إلى النبي ﷺ بذلك العَدَدِ القليلِ بالنسبة إلى سنَدٍ آخرَ يَرِدُ به ذلك الحديثُ بعَيْنِهِ بعددٍ كثير، أو ينتهيَ إلى إمامٍ من أئمةِ الحديث ذي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كالحفْظِ والفِقْه والضَّبْطِ

стр. 112

والتصنيف وغيرِ ذلك من الصفاتِ المُقتَضِيَةِ للترجيح، كَشُعْبَةَ ومالِكٍ والثَّوري (١) والشافعىّ والبُخاري ومسلم ونَحْوِهم. فالأول: وهو ما ينتهى إلى النبىِّ ﷺ العُلُوُّ المُطْلَقُ (٢) فإنِ اتفقَ أنْ يكونَ سَنَدهُ صحيحًا كان الغايةَ القُصوى، وإلَّا فصورةُ العُلُوِّ فيه موجودةٌ ما لم يَكُنْ موضوعًا فهو كالعَدَمِ. والثاني: العُلُوُّ النِّسبِيُّ وهو ما يَقِلُّ العددُ فيه إلى ذلك الإمام ولو كان العددُ من ذلك الإمامِ إلى مُنتَهاهُ كثيرًا. وقد عَظُمَتْ رَغْبَةُ المتأخرين فيه حتى غَلَبَ ذلك على كثيرٍ منهم بحيثُ أهملوا الاشتغالَ بما هو أهمُّ منه. وإنما كان العُلُوُّ مرغوبًا فيه لكَوْنِه أَقْرَبَ إلى الصِّحَّةِ وقِلَّةِ الخطأ، لأنه ما مِنْ راوٍ مِنْ رِجالِ الإسنادِ إلَّا والخطأُ جائِزٌ عليه، فكُلَّما كَثُرَتِ الوسائطُ وطالَ السَّنَدُ كَثُرَتْ مَظَانُّ التجويز، وكُلَّما قَلَّتْ قَلَّتْ. فإنْ كانَ في النُّزُولِ مَزِيَّةٌ ليسَتْ في العُلُوِّ كأنْ تكونَ رِجالهُ أَوْثَقَ منه أو أَحْفَظَ أو أَفْقَهَ، أو الاتصالُ فيه أَظْهَرَ، فلا تَرَدُّدَ أنَّ النُّزولَ حِيْنَئِذٍ أَوْلى. وأمَّا مَنْ رَجَّحَ النزولَ مُطْلَقًا واحتَجَّ بأَنَّ كَثْرَةَ البحثِ تقتضي المَشقَّةَ

стр. 113

فَيَعْظُمُ الأجرُ، فذلك ترجيحٌ بأمرٍ أجنبي عمّا يَتعلَّقُ بالتصحيح والتضعيف (١). وفيه أي العُلُوِّ النِّسبِيِّ المُوافَقَةُ: وهي الوصولُ إلى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِنْ غَيْرِ طريقهِ أي الطريقِ التي تَصِلُ إلى ذلك المُصَنِّفِ المُعَيَّنِ. مِثَالُهُ: روى البخاريُّ عن قُتَيْبَةَ (٢) عن مالِكٍ حديثًا، فَلَوْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طريقِهِ كان بَيْنَنَا وبَيْنَ قُتَيْبَةَ ثمانيةٌ، ولَوْ رَوَيْنَا ذلك الحديثَ بِعَيْنِهِ مِنْ طريقِ أبي العبَّاسِ السَّرَّاجِ (٣) عن قُتَيْبَةَ مَثَلًا لَكان بيننا وبين قُتَيْبَةَ فيه سَبْعَةٌ، فقَدْ حَصَلَ لنا المُوافقَةُ مع البخاري في شيخه بعَيْنِه مع عُلُوِّ الإسناد إليه. وفيه أيْ العُلُوِّ النِّسبِيِّ البَدَلُ: وهو الوُصُولُ إلى شَيْخِ شَيْخِهِ كذلك، كأنْ يقَعَ لنا ذلكَ الإسنادُ بعَيْنهِ من طريقٍ أُخرى إلى القَعْنَبِيّ عن مالِكٍ، فيكونَ القَعْنَبِيُّ بدلًا فيه مِنْ قُتَيبةَ، وأَكْثَرُ ما يعتَبرونَ الموافقةَ والبَدَل إذا قارَنَا العُلُوَّ، وإلَّا فَاسْمُ المُوافقةِ والبَدَلِ واقِعٌ بِدُونهِ. وفيه أي العُلُوِّ النِّسْبِيِّ المُسَاوَاةُ: وهي استواءُ عددِ الإسنادِ مِنَ الرَّاوي إلى آخرِهِ أي الإسنادِ مع إسنادِ أَحَدِ المُصَنِّفيْن. كأَنْ يَرْوِيَ النَّسَائِيُّ مَثَلًا حديثًا يقعُ بينَه وبينَ النبيِّ ﷺ فيه أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، فيقَعَ لنا ذلكَ الحديثُ بعَيْنِه بإسنادٍ آخَرَ إلى النبىِّ ﷺ يَقعُ بيننا وبينَ النبىِّ ﷺ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، فنُسَاوِيَ النَّسائِيَّ مِنْ حَيْثُ العَدَدُ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن مُلاحَظَةِ ذلك الإسنادِ الخاصِّ. وفيه أيّ العُلُوِّ النِّسْبِيِّ أيضًا المُصَافَحَةُ: وهي الاستواءُ مع تلميذِ ذلك

стр. 114

المُصَنِّفِ على الوَجْهِ المَشْرُوح أوَّلًا، وسُمِّيَتْ مُصَافَحَةً لأنَّ العادَةَ جَرَتْ في الغالِبِ بالمُصَافَحَةِ بَيْنَ مَنْ تَلاقَيَا، ونحنُ فى هذه الصُّورَةِ كأَنَّا لَقِيْنَا النَّسَائِيَّ، فكأَنَّا صَافَحْنَاهُ. ويُقَابِلُ العُلُوَّ بأقسامِه المذكورةِ النُّزُولُ (١) فيكونُ كلُّ قِسْمٍ مِنْ أقسامِ العُلُوَّ يُقَابِلُهُ قِسْمٌ مِنْ أقسامِ النزولِ، خِلافًا لِمَنْ زَعَمَ أنَّ العُلُوَّ قد يقَعُ غَيْرَ تابِعٍ لِنُزُولٍ. فإنْ تَشَارَكَ الراوي ومَنْ رَوى عنه في أمرٍ مِنَ الأمورِ المُتَعَلِّقَة بالرِّواية مِثْل السِّنِّ واللُّقِىِّ والأَخْذِ عن المشايخِ فهُوَ النَّوْعُ الذي يُقَالُ له: رِوَايةُ الأَقْرَانِ لأنَّه حِينَئِذٍ يكونُ رَاويًا عن قَرِينهِ. وإن رَوَى كلٌّ منهما أيْ القَرِينَيْنِ عنِ الآخرِ فهو المُدَبَّجُ (٢). وهو أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ، فَكُلُّ مُدَبَّجٍ أَقْرَانٌ، وليسَ كُلُّ أَقْرَانٍ مُدَبَّجًا. وقد صنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ في ذلك، وصنَّفَ أبو الشيخ الأَصْبَهَانِيُّ (٣) في الذي قَبْلَهُ. وإذا رَوى الشيخُ عن تلميذِهِ صَدَقَ أنَّ كُلًّا منهما يَروي عن الآخَرِ فَهَلْ يُسَمَّى مُدَبَّجًا؟ فيه بَحْثٌ، والظاهِرُ: لا، لأنَّه مِنْ رِوَايةِ الأكابِرِ عنِ

стр. 115

الأصاغِرِ، والتدبيجُ مأخوذٌ مِنْ دِيْبَاجَتَيْ الوَجْهِ، فيقتضي أنْ يكونَ ذلكَ مُستويًا من الجانبَيْن فلا يَجِيءُ فيه هذا. وإنْ روى الراوي عمَّن هو دُونَه في السِّنِّ أو فى اللُّقِيِّ أو فى المِقْدَارِ فهذا النَّوعُ هو رِوَايةُ الأكابرِ عن الأصاغِرِ (١). ومِنْه أي مِنْ جُمْلَةِ هذا النَّوعِ -وهو أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِهِ- رِوايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، والصَّحابةِ عنِ التابعينَ، والشيخِ عن تلميذِه، ونحوِ ذلك. وفي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ لأنَّه هو الجادَّةُ المَسْلُوكَةُ الغَالِبَةُ. ومِنْه مَنْ رَوى عن أبيه عن جَدِّهِ. وفائِدَةُ مَعْرِفَةِ ذلكَ التمييزُ بينَ مَراتِبِهم وتنزيلُ الناسِ منازِلَهم. وقد صنَّفَ الخطيبُ في رِوايةِ الآباءِ عن الأبناءِ تصنيفًا، وأَفْرَدَ جُزْءًا لطيفًا في رِوايةِ الصَّحَابةِ عن التابعينَ. وجَمَعَ الحافِظُ صلاحُ الدِّينِ العَلائِيُّ (٢) مِنَ المُتأخِّرينَ مُجلَّدًا كبيرًا في معرفَةِ مَنْ رَوى عن أبيه عن جَدِّه عن النبىِّ ﷺ وقَسَّمه أقسامًا، فمِنْهُ ما يعودُ الضميرُ في قولهِ عَنْ جَدِّه على الراوي، ومنه ما يعودُ الضميرُ فيه على أبيه، وبَيَّن ذلكَ وحقَّقَه، وخرّجَ في كُلِّ ترجمةٍ (٣) حديثًا من مَرْوِيِّهِ، وقد لخّصْتُ كتابَه المذكورَ وزِدْتُ عليه. تراجِمَ كثيرةً جدًّا، وأكثرُ ما وقعَ فيه ما تسلسلَتْ فيه الروايةُ عن الآباءِ بأربعةَ عَشَرَ أَبًا.

стр. 116

وإنِ اشتركَ اثنانِ عن شيخٍ وتقدَّم مَوْتُ أحدِهما على الآخَرِ فهو السابِقُ واللَّاحِقُ (١). وأكثرُ ما وَقَفْنَا عليه مِنْ ذلكَ ما بَيْنَ الراوِيَيْنِ فيه في الوَفَاةِ مئةٌ وخمسون سَنَةً، وذلكَ أنَّ الحافِظَ السِّلَفِي (٢) سَمِعَ منه أبو عليِّ البَرَدَانيّ (٣) أحدُ مشايخِهِ حديثًا ورَواهُ عنه وماتَ على رأس الخمس مئة، ثُمَّ كانَ آخِرَ أصحابِ السِّلَفِيِّ بالسَّمَاعِ سِبْطُهُ أبو القاسِمِ عبدُ الرحمن بنُ مكّيّ، وكانَتْ وفاتُه سَنَةَ خَمسينَ وست مئة. ومِنْ قديمِ ذلك أنَّ البُخاريَّ حَدَّثَ عن تلميذِه أبي العباسِ السَّرَّاج أشياءَ في التاريخ وغيرِه، وماتَ سَنَةَ سِتٍّ وخمسينَ ومئتين، وآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عن السَّرَّاجِ بالسَّماعِ أبو الحُسين الخفّاف (٤) وماتَ سَنَةَ ثلاثٍ وتِسعينَ وثلاث مئة، وغالبُ ما يقعُ من ذلك أنَّ المسموعَ منه قد يتأخَّرُ بعدَ أحدِ الراويَيْن عنه زمانًا حتى يَسْمَعَ منه بعضُ الأحداثِ ويعيشَ بعدَ السَّماعِ دَهْرًا طويلًا فيَحْصُلَ مِنْ مجموعِ ذلك نحوُ هذه المُدَّةِ. واللهُ الموفق. وإنْ روى الراوي عن اثنَيْنِ مُتَّفِقَي الاسمِ أو مع اسم الأب أو مع اسمِ الجَدِّ أو مع النِّسبة (٥) ولم يَتميَّزا بما يخُصُّ كُلًّا منهما، فإنْ كانا ثِقَتَيْنِ لم

стр. 117

يَضُرّ، ومِنْ ذلك ما وقَعَ في البخاري في روايته عن أحمدَ غيرَ منسوبٍ عن ابنِ وهب، فإنّه إمّا أحمدُ بن صالح أو أحمد بن عيسى، أو عن محمدٍ غيرَ منسوبٍ عن أهل العراق، فإنه إمَّا محمدُ بن سَلَام، أو محمد بن يحيى الذُّهْلَى، وقد استوعبتُ ذلك في مقدمة شرحِ البخاري. ومَنْ أراد لذلك ضابِطًا كُلِّيًّا يمتازُ أحدُهما عن الآخَرِ فَبِاختِصَاصِه أي الشيخِ المَرْوِي عنه بأحدِهما يتبينُ المُهْمَلُ، ومتى لم يتبيَّنْ ذلك أو كان مُختصًّا بهما معًا فإشكاله شديدٌ فَيُرْجَعُ فيه إلى القرائِن والنَّظَرِ الغالِبِ. وإن روى عن شيخ حديثًا، فجحد الشيخ مَرْوِيَّه: فإنْ كانَ جَزْمًا كأَنْ يقولَ: كَذَبَ عَلَىَّ، أوْ ما رَويتُ هذا، أو نحوَ ذلك، فإنْ وقَعَ منه ذلك، رُدَّ ذلك الخبرُ لِكَذِبِ واحِدٍ منهما لا بعَيْنِه، ولا يكونُ ذلك قادحًا في واحدٍ منهما للتعارُضِ. أو كان جَحْدُهُ احتمالًا كأنْ يقولَ: ما أَذْكُرُ هذا أو لا أَعْرِفهُ، قُبِلَ ذلك الحديثُ في الأصحِّ، لأنَّ ذلكَ يُحْمَلُ على نِسيان الشيخ، وقيل: لا يُقْبَلُ (١) لأنَّ الفَرْعَ تَبَعٌ للأَصْلِ في إثباتِ الحديث، بحَيْثُ إذا ثَبَّتَ الأصلُ الحديثَ ثَبتَتْ روايةُ الفَرْعِ، وكذلك ينبغي أن يكونَ فرعًا عليه وتَبَعًا له في التحقيق. وهذا مُتَعَقَّبٌ (٢) فإنَّ عدالةَ الفَرْعِ تقتضي صِدْقَه، وعَدَمُ عِلْمِ الأصلِ لا يُنَافيه، فالمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي. وأمَّا قياسُ ذلك بالشهادة (٣) فَفَاسِدٌ لأنَّ شهادةَ الفَرْعِ لا تُسْمَعُ مع القُدْرةِ على شهادة الأصل بِخِلافِ الرِّواية فافْتَرقا. وفِيه أي في هذا النوعِ صَنَّفَ الدَّارقُطْنِيُّ كتابَ "مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ"،

стр. 118

وفيه ما يدُلُّ على تقويةِ المَذْهَبِ الصحيح لكَوْنِ كثيرٍ منهم حدَّثوا بأحاديثَ فلمَّا عُرِضَتْ عليهم لم يتذكروها، لكنَّهم لاعتمادِهم على الرُّواةِ عنهم صاروا يَرْوُونَها عن الذين رَوَوْهَا عنهم عن أنفُسِهم، كحديثِ سُهَيْل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُرَيرةَ مرفوعًا في قِصَّة الشاهدِ واليمين (١)، قال عبدُ العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِي (٢): حدَّثَني به ربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن (٣) عن سُهَيْل، فَلَقِيْتُ سُهَيلًا فسألتُه عنه فلَمْ يعرِفْهُ، فقلتُ: إنَّ ربيعةَ حدَّثَني عنك بكَذا، فكان سُهَيلٌ بَعْدَ ذلك يقول: "حدَّثَني ربيعةُ عني أني حدَّثْتُه عن أبي به". ونظائِرهُ كثيرةٌ (٤). وإنِ اتفقَ الرُّواةُ في إسنادٍ من الأسانيدِ في صيغ الأداءِ كسَمِعْتُ فلانًا قال سمعتُ فلانًا، أو حدَّثَنا فلانٌ قال حدثنا فلانٌ، وغيرِ ذلك من الصِّيَغِ، أو غيرِها من الحالاتِ القَوْلية، كَسَمِعْتُ فلانًا يقول: أَشهدُ باللهِ لَقَد حدَّثنى فلانٌ .. إلى آخِرِه، أو الفِعْلِية كقوله: دَخَلْنَا على فلانٍ فأَطْعَمَنا تمرًا .. إلى آخِرِه، أو القَوْلية والفِعْلِية معًا كقوله: حدَّثَني فلانٌ وهو آخِذٌ بِلِحْيَتِه قال: آمنْتُ بالقَدَر. . . إلى آخِرِه (٥) فهو المُسَلْسَل (٦).

стр. 119

وهو من صفات الإسناد، وقد يقعُ التسلسُلُ في مُعظمِ الإسناد، كحديثِ المُسَلْسَل بالأَوَّلِيَّة، فإنَّ السِّلْسِلَةَ تنتهي فيه إلى سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ فَقَطْ، ومَنْ رَواهُ مُسَلْسَلًا إلى مُنْتَهاهُ فَقَدْ وَهِمَ (١). وصِيَغُ الأداءِ المُشَارِ إليه على ثَماني مَراتِبَ (٢): الأولى: سمعْتُ وحَدَّثَني. ثم أَخبرَني وقرأتُ عليه، وهي المرتبة الثانيةُ. ثم قُرِئ عليه وأنا أَسْمَعُ، وهي الثالثة.

стр. 120

ثم أَنبأني، وهي الرابعة. ثم ناوَلَني، وهي الخامسة. ثم شافَهني أي بالإجازَةِ، وهي السادسة. ثم كَتَبَ إليَّ أي بالإجازةِ، وهي السابعة. ثم عَنْ ونَحْوُها من الصِّيَغِ المُحتَمِلةِ للسَّماعِ والإجازة ولِعَدَمِ السَّماعِ أيضًا، وهذا مِثْلُ: قالَ وذكرَ ورَوَى. فاللفظانِ الأوّلانِ مِنْ صِيَغِ الأداءِ وهما: سَمِعْتُ وحدَّثني صالحانِ لِمَنْ سَمِعَ وحدَه مِنْ لفظِ الشيخ، وتخصيصُ التَّحديثِ بما سُمِعَ مِنْ لفظِ الشيخِ هو الشائِعُ بين أهلِ الحديثِ اصطلاحًا، ولا فرقَ بين التحديثِ والإخبارِ مِنْ حيثُ اللغةُ، وفي ادّعاءِ الفَرْقِ بينهما تكلُّفٌ شديد، لكنْ لمَّا تَقَرَّرَ الاصطلاحُ صار ذلك حقيقةً عُرْفِيةً فَتُقَدَّمُ على الحقيقةِ اللُّغوِية، مع أنَّ هذا الاصطلاحَ إنما شاعَ عند المَشَارِقَةِ ومَنْ تَبِعَهم، وأمَّا غَالِبُ المَغَارِبةِ فلَمْ يَستعمِلوا هذا الاصطلاحَ، بَلِ الإخبارُ والتحديثُ عِنْدَهم بمعنًى واحدٍ. فإنْ جَمَعَ الراوي، أي أتى بصيغةِ الجَمْعِ في الصِّيغَةِ الأولى، كأَنْ يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ أو سَمِعْنَا فلانًا يقولُ، فهو دليلٌ على أنّه سَمِعَ منه مع غيرِه، وقد تكونُ النونُ لِلْعَظَمَةِ لكنْ بِقِلَّةٍ. وأَوَّلُها أي المراتبِ أَصْرَحُها أي أَصْرَحُ صِيَغِ الأدَاءِ في سَمَاعِ قائِلِها لأنها لا تَحتَمِلُ الواسطةَ، لكنْ حدَّثني قَدْ تُطلَقُ في الإجازَةِ تَدليسًا. وأرفَعُها مِقْدَارًا ما يقَعُ في الإملاءِ لِمَا فيه من التثبُّتِ والتحفُّظِ. والثالثُ وهو أَخْبَرني، والرابعُ وهو قرأْتُ لِمَنْ قرأَ بنَفْسِه على الشيخِ، فإنْ جَمَعَ كأَنْ يقولَ: أَخْبَرَنَا أو قَرَأْنَا عليه فهو كالخامسِ، وهو قُرِئَ عليه وأنا أسمَعُ. وَعُرِفَ مِنْ هذا أنَّ التعبيرَ بقرأتُ لِمَنْ قرأَ خيرٌ من التعبير بالإخبار، لأنه أَفْصَحُ بصورةِ الحالِ.

стр. 121

تنبيهٌ: القِراءةُ على الشيخِ أحدُ وجوهِ التحمُّل عندَ الجمهورِ، وأَبْعَدَ مَنْ أبى ذلك مِنْ أهلِ العراقِ، وقدِ اشتدَّ إنكارُ الإمامِ مالكٍ وغيرهِ من المَدَنِيّينَ عليهم في ذلك، حتى بالَغَ بعضُهم فرجَّحَها على السَّماعِ مِنْ لفظِ الشيخ، وذَهَبَ جَمْعٌ جَمٌّ مِنْهُمُ البخاريُّ -وحَكَاهُ في أوائلِ صحيحهِ عن جماعةٍ مِنَ الأئمَّةِ- إلى أنَّ السَّماعَ مِنْ لَفْظِ الشيخِ والقراءةَ عليه يعني في الصِّحَّة والقُوَّةِ سَوَاءٌ، واللهُ أَعْلَمُ. والإنباءُ مِنْ حَيْثُ اللُّغةُ واصطلاحُ المُتقدِّمين بمعنى الإخبارِ، إلَّا في عُرْفِ المُتأخِّرين فهو للإِجَازة كَعَنْ، لأنَّها في عُرْفِ المتأخِّرين لِلإجازَة. وعَنْعَنَةُ (١) المُعاصِرِ مَحمُولَةٌ على السَّماعِ، بِخِلافِ غَيْرِ المُعاصِرِ فإنَّها تكونُ مُرْسَلَةً أو مُنْقَطِعَةً، فَشَرْطُ حَمْلِها على السَّماعِ ثبوتُ المُعاصَرَةِ (٢)

стр. 122

إِلَّا من المُدَلِّس فإنها ليسَتْ محمولةً على السَّماعِ. وقيل: يُشتَرَطُ في حَمْلِ عَنْعَنَةِ المُعاصِرِ على السَّماعِ ثُبوتُ لِقَائِهما أي الشيخِ والراوي عنه ولو مرَّةً واحدةً؛ لِيحصلَ الأمنُ من باقي مُعَنْعَنِهِ عن كَوْنِه من المُرْسَلِ الخَفِىِّ، وهو المُختارُ تَبَعًا لِعليّ بن المَدِيني والبُخاريِّ وغيرِهما مِنَ النُّقَّادِ (١). وأَطلَقُوا المُشافَهةَ في الإجازَةِ المُتَلَفَّظِ بها تجوُّزًا، وكذا المُكَاتَبةَ في الإجازَةِ المكتوبِ بها، وهو موجودٌ في عبارةِ كثيرٍ من المُتأخِّرين، بخلافِ المُتقدِّمين فإنَّهم إنَّما يُطْلِقُونها فيما كتَبَ به الشيخُ من الحديثِ إلى الطالبِ سَوَاءٌ أذِنَ له في رِوَايتهِ أَمْ لا، لا فيما إذا كَتَبَ إليه بالإجازَةِ فَقَطْ. واشترطوا في صِحَّةِ الرِّوايةِ بالمُنَاوَلَةِ اقتِرانَها بالإذْنِ بالرِّواية. وهي -إذا حَصَلَ هذا الشرطُ- أَرْفَعُ أنواعِ الإجازة، لِمَا فيها مِنَ التعيينِ والتشخيص. وصُورَتُها أنْ يَدْفَعَ الشيخُ أصلَه أو ما قامَ مقامَه للطالبِ، أو يُحْضِرَ

стр. 123

الطالبُ الأصلَ لِلْشيخِ، ويقولَ له في الصورتَين: هذا رِوايتي عن فُلانٍ فارْوِهِ عني، وشَرْطُهُ أيضًا أنْ يُمَكِّنَهُ منه إمَّا بالتمليكِ وإمَّا بالعاريّة لِيَنْقُلَ منه ويُقَابِلَ عليه، وإلَّا إنْ ناوَلَهُ واسْتَرَدَّ في الحالِ فلا يتبيَّنُ لها زِيادةُ مَزِيَّةٍ على الإجازةِ المُعيَّنةِ، وهي أنْ يُجيزَهُ الشيخُ بروايةِ كِتَابٍ مُعَيَّنٍ ويُعَيِّنَ له كيفيةَ روايتهِ له. وإذا خَلَتْ المُناولَةُ عنِ الإذْنِ لم يُعْتَبَرْ بها عندَ الجمهورِ، وجَنَحَ مَنْ اعتبرَها إلى أنَّ مُناوَلَتَه إيَّاهُ تقومُ مَقامَ إرسالِه إليه بالكِتابِ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلد. وقد ذَهَبَ إلى صِحَّةِ الرِّوايةِ بالكِتابةِ المُجَرَّدةِ جماعةٌ من الأئمَّةِ، ولو لم يُقْرَنْ ذلك بالإذْنِ بالرِّوايةِ، كأنَّهم اكْتَفَوْا في ذلك بالقَرينةِ، ولم يَظْهَرْ لي فَرْقٌ قويٌّ بينَ مُنَاوَلَةِ الشيخِ مِنْ يَدِهِ للطالِبِ وبَيْنَ إرسالهِ إليه بالكِتَابِ مِنْ موضعٍ إلى آخَرَ إذا خَلا كلٌّ منهما عن الإذْنِ. وكذا اشترطوا الإذْنَ في الوِجَادَةِ: وهي أنْ يَجِدَ بِخَطٍّ يُعْرَفُ كاتبُه فيقولُ: "وَجَدْتُ بخَطِّ فُلانٍ" (١). ولا يَسُوغُ فيه إِطَلاقُ أخبرني بمُجَرَّد ذلك، إلَّا إِنْ كانَ له منه إِذْنٌ بالرِّواية عنه، وأَطْلَقَ قومٌ ذلك فَغُلِّطُوا. وكذا الوصيَّةِ بالكِتَابِ: وهو أنْ يُوصيَ عندَ موتهِ أو سَفَرِه لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بأصْلِه أو بأُصولِه، فقد قال قومٌ مِنَ الأئمَّة المتقدِّمين: يجوز له أنْ يرويَ تلك الأصولَ عنه بمجرد هذه الوصيةِ، وأبى ذلك الجمهورُ إِلَّا إِنْ كان له منه إِجازةٌ. وكذا اشترطوا الإذْنَ بالرِّوايةِ في الإعلامِ: وهو أنْ يُعْلِمَ الشيخُ أحدَ الطَّلَبةِ بأنَّني أَروي الكتابَ الفُلانِيَّ عن فلانٍ.

стр. 124

فإنْ كان له منه إِجازةٌ اعتُبِر، وإلَّا فلا عِبْرَةَ بذلك (١)، كالإِجازةِ العامَّةِ في المُجَاز له، لا في المُجَازِ به، كأنْ يقولَ: أَجَزْتُ لِجميعِ المسلمينَ، أو لِمَنْ أدرَك حياتي، أو لأهْلِ الإقليم الفُلانيّ، أو لأهلِ البَلَدِ الفُلانيّة، وهو أقربُ إلى الصِّحَّةِ لِقُرْبِ الانحصارِ. وكذا الإجازة لِلْمَجهولِ، كأنْ يكونَ مُبهَمًا أو مُهْمَلًا. وكذا الإجَازَة لِلْمَعْدُومِ كأنْ يقولَ: أجَزْتُ لِمَنْ سَيُولدُ لِفُلانٍ، وقد قيل: إنْ عَطَفَه على موجودٍ صَحَّ، كأنْ يقولَ: أجزْتُ لكَ ولمَنْ سَيُولَدُ لكَ، والأقربُ عدمُ الصِّحَّةِ أيضًا. وكذلك الإجازةُ لموجودٍ أو معدومٍ عُلِّقَتْ بشرطِ مشيئةِ الغَيْر، كأنْ يقولَ: أجَزْتُ لكَ إنْ شاءَ فُلانٌ، أو أجزْتُ لِمَنْ شاءَ فلانٌ، لا أَنْ يقولَ: أجزْتُ لكَ إنْ شِئْتَ. وهذا في الأصحِّ في جميع ذلك. وقد جوَّزَ الروايةَ بجميع ذلك -سِوَى المجهولِ ما لم يُبَيَّنِ المرادُ منه- الخطيبُ وحَكَاهُ عن جماعةٍ منْ مشايخِه، واستَعملَ الإجازةَ للمعدومِ من القُدماءِ أبو بكر بنُ أبي داود (٢) وأبو عبدِ الله بنُ مَنْدَهْ (٣)، واستَعملَ المُعَلَّقةَ منهم أيضًا أبو بكر بنُ أبي خَيْثَمَةَ (٤)، وروى بالإجازة

стр. 125

العامَّةِ جَمْعٌ كثيرٌ جَمَعَهُمْ بعضُ الحُفّاظِ في كتابٍ ورتَّبَهم على حروفِ المعجمِ لكَثْرَتِهم، وكُلُّ ذلك كما قالَ ابنُ الصلاحِ تَوسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ، لأنّ الإجازةَ الخاصةَ المعيَّنة مُخْتَلَفٌ في صِحَّتها اختلافًا قويًّا عند القُدَماء، وإنْ كانَ العملُ استقرَّ على اعتبارِها عندَ المتأخِّرين فهي دُونَ السماعِ بالاتفاقِ، فكيف إذا حَصَلَ فيها الاسترسالُ المذكورُ؟ فإنها تزدادُ ضعْفًا، لكنَّها في الجُملةِ خيرٌ من إيرادِ الحديثِ مُعْضَلًا. والله تعالى أَعْلَمُ. وإلى هنا انتهى الكلامُ في أقسام صِيَغِ الأدَاءِ. ثم الرُّواةُ إنِ اتفقَتْ أسماؤُهُم وأسماءُ آبائِهم فَصَاعِدًا واختلَفَتْ أشخاصُهُم سَوَاءٌ اتَّفَقَ في ذلك اثنانِ منهم أو أكثرُ، وكذلك إذا اتفَق اثنانِ فصاعدًا في الكُنْيَةِ والنِّسْبَةِ فهو النَّوعُ الذي يُقَالُ له المُتَّفِقُ والمُفْتَرِق (١). وفائدةُ معرفتِه خَشْيَةُ أنْ يُظَنَّ الشخصانِ شخصًا واحدًا، وقد صنَّفَ فيه الخطيبُ كتابًا حافِلًا، وقد لَخَّصْتُه وزِدْتُ عليه شيئًا كثيرًا. وهذا عَكْسُ ما تقدَّم (٢) من النوع المُسَمَّى بالمُهْمَلِ لأنه يُخْشَى منه أن يُظَنَّ الواحدُ اثنَيْن، وهذا يُخْشَى منه أنْ يُظَنَّ الاثنانِ واحِدًا. وإنِ اتفقَتِ الأسماءُ خَطًّا واختلفَتْ نُطْقًا سَوَاءٌ كان مرجعُ

стр. 126

الاختلاف النَّقْطَ أم الشكلَ فهو المُؤتَلِفُ والمُخْتَلِف (١). ومَعْرِفتهُ مِنْ مُهِمَّاتِ هذا الفنِّ حتى قال عليُّ بنُ المَدِيني: أشدُّ التصحيفِ ما يقعُ في الأسماءِ، ووجَّهَهُ بعضُهم بأنه شيءٌ لا يدخُلُه القياسُ، ولا قَبْلَه شيءٌ يدُلُّ عليه ولا بَعْدَه، وقد صنَّفَ فيه أبو أحمدَ العسكريُّ لكنَّه أضافَه إلى كتابِ التصحيفِ له، ثُمَّ أفردَهُ بالتأليف عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ فَجَمَعَ فيه كِتَابَيْنِ: كتابٌ في مُشْتَبِهِ الأسماءِ، وكتابٌ في مُشْتَبِهِ النِّسْبَةِ، وجمَعَ شيخهُ الدارقطنيُّ في ذلك كتابًا حافلًا ثم جَمَعَ الخطيبُ ذَيلًا. ثم جَمَعَ الجميعَ أبو نصر بنُ (٢) ماكولا في كتابه "الإكمال"، واستدركَ عليهم في كتاب آخر جَمَعَ فيه أوهامَهم وبَيَّنها، وكتابُه مِنْ أجْمَعِ ما جُمِعَ في ذلك، وهو عُمْدَةُ كُلِّ مُحَدِّثٍ بعدَه، وقد استدركَ عليه أبو بكر بنُ نُقْطَةَ ما فاتَه أو تجدَّدَ بعدَه في مُجلَّدٍ ضَخْمٍ، ثم ذَيَّلَ عليه منصورُ بن سَليم -بفتح السين (٣) - في مُجلَّدٍ لطيف، وكذلك أبو حامد بنُ الصابوني (٤). وجمَعَ الذهبي (٥) في ذلك كتابًا مُختصَرًا جِدًّا اعتمدَ فيه على الضَّبْطِ

стр. 127

بالقَلَمِ فكَثُرَ فيه الغَلَطُ والتصحيفُ المُبايِنُ لموضوعِ الكتابِ. وقد يسَّرَ اللهُ تعالى بتوضيحه في كتابٍ سمَّيتهُ "تبصيرَ المُنْتَبِه بتحرير المُشْتَبِهِ" وهو مجلَّدٌ واحدٌ فضَبَطته بالحروفِ على الطريقة المَرضِيَّة وزِدْتُ عليه شَيئًا كثيرًا مما أهمَلَهُ، أو لم يَقِفْ عليه، وللهِ الحمدُ على ذلك. وإنِ اتَّفقتِ الأسماءُ خَطًّا ونُطقًا واختَلَفَ الآباءُ نُطقًا مع ائتلافِهما (١) خَطًّا، كمحمدِ بنِ عَقيل -بفتح العين- ومحمدِ بن عُقَيْل -بضَمِّها-: الأولُ نَيسابورِيّ والثاني فِرْيابيٌّ، وهما مشهورانِ وطبقتُهُما متقارِبةٌ، أو بالعكس: كأنْ تختلفَ الأسماءُ نُطقًا وتأتلفَ خَطًّا وتتفقَ الآباءُ خَطًّا ونُطقًا كشُرَيْحِ بن النعمانِ وسُرَيْج بن النعمان، الأولُ بالشينِ المُعْجَمة والحاءِ المُهْمَلة وهو تابعيٌّ يَروي عن عليٍّ ﵁، والثاني بالسين المُهْمَلَةِ والجيمِ وهو من شُيوخِ البخاريّ فهو النوعُ الذي يُقالُ له المُتَشَابه (٢). وكذا إنْ وَقَعَ ذلك الاتفاقُ في الاسمِ واسمِ الأب والاختلافُ في النِّسبَةِ، وقد صنَّفَ فيه الخطيبُ كتابًا جليلًا سمَّاه "تلخيصُ المُتَشَابِه" ثُمَّ ذَيَّلَ عليه أيضًا بما فاته أَوَّلًا وهو كثيرُ الفائدةِ. ويَتركَّبُ منه وممَّا قَبْلَه أنواعٌ: منها: أَنْ يَحصُلَ الاتفاقُ أو الاشتباهُ في الاسمِ واسمِ الأبِ مثلًا إِلّا في

стр. 128

حرفٍ أو حرفَيْن فأكثرَ مِنْ أحدِهما أو مِنْهُما. وهو (١) على قِسْمَين: إمّا بأنْ يكونَ الاختلافُ بالتغيير مع أنَّ عددَ الحروفِ ثابِتةٌ في الجِهتَين. أو يكونَ الاختلافُ بالتغيير مع نُقْصَانِ بعضِ الأسماءِ عن بعضٍ. فَمِنْ أمثلةِ الأوّلِ: محمدُ بنُ سِنَانٍ -بكسرِ المُهمَلَةِ ونونَيْنِ بينَهما ألِفٌ- وهُمْ جماعةٌ منهم العَوَقِيّ -بفتح العين والواو ثم القاف- شيخُ البخاري، ومحمدُ بن سَيَّارٍ -بفتح المُهْمَلَة وتشديدِ الياء التحتانيةِ وبَعْدَ الألفِ راءٌ- وهُمْ أيضًا جماعةٌ منهم اليَمَانيُّ شيخُ عُمَرَ بنِ يُونُسَ. ومنها: محمدُ بنُ حُنَينٍ -بضمِّ المُهْمَلَةِ ونونَيْن الأولى مفتوحةٌ بينهما ياءٌ تحتانيةٌ- تابعيٌّ يَروي عن ابنِ عبّاسٍ وغيرهِ، ومحمدُ بنُ جُبَيْرٍ -بالجيم بَعْدَها مُوَحَّدَةٌ وآخِرَه راءٌ- وهو محمدُ بنُ جُبَيْرِ بنُ مُطْعِم تابعيٌّ مشهورٌ أيضًا. ومن ذلك: مُعَرِّفُ بنُ واصل كوفيٌّ مشهورٌ، ومُطَرِّفُ بنُ واصلٍ -بالطاءِ بَدَلَ العَيْن- شيخٌ آخَرُ يروي عنه أبو حُذَيْفَةَ النَّهْدِي. ومنه أيضًا: أحمدُ بنُ الحُسين صاحبُ إبراهيمَ بنِ سَعْدٍ وآخرون، وأَحْيَدُ بنُ الحُسيْن مِثْلُه لكنْ بدلَ الميمِ ياءٌ تحتانيةٌ، وهو شيخٌ بُخاريٌّ يروي عنه عبدُ الله بنُ محمدٍ البِيكَنْدِي. ومن ذلك أيضًا: حَفْصُ بنُ مَيْسَرةَ شيخٌ مشهورٌ من طبقةِ مالِكٍ، وجعفرُ بنُ مَيْسَرَةَ شيخٌ لِعُبَيْدِ الله بنِ موسى الكُوفيّ، الأولُ بالحاءِ المُهْمَلَةِ والفاءِ بعدَها صادٌ مُهْمَلَةٌ، والثاني بالجيمِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ بعدَها فاءٌ ثم راءٌ.

стр. 129

ومِنْ أمثلةِ الثاني (١): عبدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ وهُمْ جماعةٌ، منهم في الصَّحابةِ صاحِبُ الأذانِ واسمُ جَدِّه عبدُ رَبِّه، وراوي حديثِ الوُضوءِ واسمُ جَدِّهِ عاصِمٌ، وهُما أنصاريَّانِ، وعبدُ الله بنُ يزيدَ بزيادةِ ياءٍ في أوّلِ اسمِ الأبِ والزاي مكسورةٌ، وهُمْ (٢) أيضًا جماعةٌ منهم في الصَّحابَةِ الخَطْمِيُّ يُكْنَى أبا موسى وحديثُه في الصحيحَيْن، والقارِئُ له ذِكْرٌ في حديثِ عائِشةَ (٣)، وقد زَعَمَ بعضُهم أنّه الخَطْمِيّ وفيه نَظَرٌ. ومنها: عبدُ اللهِ بنُ يحيى وهُمْ جماعةٌ، وعبدُ اللهِ بنُ نُجَيّ -بضَمِّ النُّونِ وفتحِ الجيمِ وتشديدِ الياءِ- تابعيٌّ معروفٌ يَرْوِي عن عليِّ. أو يحصلَ الاتفاقُ (٤) في الخَطِّ والنُّطْقِ لكنْ يحصُلَ الاختلافُ أو الاشتباهُ بالتقديم والتأخير إمّا في الاسمَيْن جُملةً (٥)، أو نحوِ ذلك كأنْ يَقَعَ التقديمُ والتأخيرُ في الاسمِ الواحدِ في بعضِ حُرُوفِه بالنسبة إلى ما يَشْتَبِهُ به. مثالُ الأولِ: الأسودُ بنُ يزيدَ، ويزيدُ بنُ الأسودِ، وهو ظاهرٌ، ومنه عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، ويزيدُ بنُ عبدِ الله. ومثالُ الثاني: أيوبُ بنُ سَيّارٍ، وأيوبُ بنُ يَسارٍ، الأولُ مَدَنِيٌّ مشهورٌ ليس بالقويِّ، والآخَرُ مجهولٌ.

стр. 130

خاتمة ومن المُهِمِّ عندَ المُحَدِّثينَ معرفةُ طبقاتِ الرُّواةِ. وفائدتهُ: الأمنُ من تداخُلِ المُشتَبِهيْن، وإمكانُ الاطّلاع على تبيينِ المُدَلِّسين، والوقوفُ على حقيقةِ المُرادِ من العَنْعَنَةِ. والطبقةُ في اصطلاحِهم: عبارةٌ عن جماعةٍ اشتركوا في السِّنِّ ولقاءِ المشايخِ. وقد يكونُ الشخصُ الواحِدُ من طبقتَيْن باعتبارين، كأنسِ بنِ مالكٍ ﵁، فإنه مِنْ حَيْثُ ثُبوتُ صُحْبَتِه للنبىِّ ﷺ يُعَدُّ في طبقةِ العَشَرة مثلًا، ومِنْ حيثُ صِغَرُ السِّنِّ يُعَدُّ في طبقةٍ بعدَهم، فمَنْ نَظَرَ إلى الصحابة باعتبارِ الصُّحْبَةِ جَعَلَ الجميعَ طبقةً واحدةً كما صنعَ ابنُ حِبَّانَ وغيرُه، ومَنْ نَظَر إليهم باعتبارِ قَدْرٍ زائدٍ كالسَّبْقِ إلى الإسلام أو شهودِ المشَاهد الفاضلةِ جَعَلَهم طبقاتٍ، وإلى ذلك جَنَحَ صاحبُ الطبقاتِ أبو عبدِ الله محمدُ بن سَعْدٍ البغداديُّ (١)، وكتابُه أجمعُ ما جُمِعَ في ذلك. وكذلك مَنْ جاءَ بعدَ الصحابةِ وهمُ التابعونَ: مَنْ نَظَر إليهم باعتبارِ الأخْذِ عن بعضِ الصَّحابةِ فقد جَعَلَ الجميعَ طبقةً واحدةً كما صنعَ ابنُ

стр. 131

حِبَّانَ أيضًا، ومَنْ نَظَرَ إليهم باعتبارِ اللِّقَاءِ قَسَّمَهم كما فَعَلَ محمدُ بنُ سَعْدٍ، ولكلٍّ منهما وَجْهٌ. ومِنَ المُهِمِّ أيضًا معرِفَةُ مواليدِهم ووَفَياتِهم (١)، لأنَّ بمعرفَتِها يحصُلُ الأمْنُ مِنْ دَعوى المُدَّعي لِلِقاءِ بعضِهم وهو في نَفْسِ الأمرِ ليس كذلك. ومن المُهِمِّ أيضًا معرفةُ بُلْدَانِهم وأوطانِهم (٢)، وفائدتُه الأمنُ مِنْ تداخُلِ الاسمَيْنِ إذا اتَّفقَا لكنِ افْتَرقَا بالنَّسَبِ. ومن المُهِمِّ أيضًا معرفةُ أحوالِهم تعديلًا وتجريحًا وجَهَالةً (٣)، لأنَّ

стр. 132

الراويَ إمّا أنْ تُعْرَفَ عَدالَتُه أو يُعْرَفَ فِسْقُه أوْ لا يُعْرَفَ فيه شيءٌ من ذلك. ومن أهمِّ ذلك بَعْدَ الاطّلاع مَعْرفةُ مَرَاتِبِ الجَرْحِ والتعديلِ؛ لأنّهم قد يَجْرَحونَ الشخصَ بما لا يَسْتَلْزِمُ رَدَّ حديثهِ كُلِّه، وقد بيَّنا أسبابَ ذلك فيما مضى وحصَرناها في عَشَرة، وتقدَّمَ شرحُها مُفَصَّلًا (١). والغرضُ هنا ذِكْرُ الألفاظِ الدَّالَّةِ في اصطلاحِهم على تلكَ المراتبِ. ولِلْجَرْحِ مراتِبُ: أَسْوَؤُها الوَصْفُ بما دَلَّ على المُبالَغَةِ فيه، وأَصْرَحُ ذلك التعبيرُ بأفْعَلَ كأَكْذَبِ الناسِ، وكذا قولهم: إليه المُنتهى في الوَضْعِ، أو هو رُكْنُ الكَذِبِ ونحوَ ذلك. ثم دجَّالٌ أو وَضَّاعٌ أو كذَّاب، لأنَّها وإنْ كانَ فيها نوعُ مُبَالَغَةٍ لكنَّها دُونَ التي قَبْلَها. وأَسْهَلُها أي الألفاظِ الدَّالَّةِ على الجَرْحِ قَولُهم: فُلانٌ لَيِّنٌ أو سَيِّئُ الحِفْظِ أو فيه أدنى مَقَالٍ. وبينَ أَسْوَإ الجَرْحِ وأَسْهلِه مراتِبُ لا تَخْفَى. [فـ]ـقولهم (٢): متروكٌ، أو ساقِطٌ، أو فاحِشُ الغَلَطِ، أو مُنْكَرُ الحديث (٣)، أَشدُّ مِنْ قولِهم: ضعيفٌ أو ليس بالقويِّ أو فيه مَقَالٌ. ومن المُهِمِّ أيضًا معرفةُ مراتبِ التعديلِ: وأَرْفَعُها الوصفُ أيضًا بما دَلَّ على المُبالَغَةِ فيه، وأَصْرَحُ ذلك التعبيرُ بأَفْعَلَ كأَوْثَقِ الناسِ، أو أَثْبَتِ الناسِ، أو إليه المُنْتَهى في الثَّبْتِ. ثُمَّ ما تأكَّدَ بصفةٍ من الصفاتِ الدَّالَّةِ على التعديل، أو صفتين: كَثِقَةٍ

стр. 133

ثِقَةٍ أو ثَبْتٍ ثَبْت، أو ثِقَةٍ حافِظٍ، أو عدلٍ ضابطٍ، أو نحوِ ذلك. وأدْنَاها ما أَشْعَرَ بالقُربِ مِنْ أَسْهَلِ التجريحِ: كَشَيخٍ، وَيُرْوَى حديثُه، ويُعْتَبَر به، ونحوِ ذلك. وبينَ ذلك مراتبُ لا تَخفَى (١).

стр. 134

وهذه أحكامٌ تتعلَّقُ بذلكَ ذُكِرَتْ ههنا لِتَكْمِلَةِ الفائدةِ، فأقولُ: تُقْبَلُ التزكيةُ مِنْ عارِفٍ بأسبابِها لا مِن غيرِ عارِفٍ، لئَلّا يُزَكّىَ بمجردِ ما ظَهرَ له ابتداءً مِنْ غَيْرِ مُمارَسَةٍ واختبارٍ، ولو كانَتِ التزكيةُ صادِرَةً مِنْ مُزَكٍّ واحدٍ على الأَصحِّ، خِلافًا لِمَنْ شَرَطَ أنَّها لا تُقْبَلُ إلّا مِن اثنَيْنِ إلحاقًا لها بالشهادةِ في الأصحِّ أيضًا. والفَرْقُ بينهما أنَّ التزكيةَ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الحُكْمِ فلا يُشْتَرَطُ فيها العَددُ، والشهادةُ تَقَعُ مِنَ الشاهِدِ عند الحاكِمِ فافْتَرقَا. ولو قيلَ: يُفَصَّلُ بينَ ما إذا كانَتِ التزكيةُ في الراوي مُسْتَنِدَةً من المُزَكِّي إلى اجتهادِه، أو إلى النَّقْلِ عن غَيْرِهِ لَكَانَ مُتجهًا، فإنه إنْ كان الأوَّلَ فلا يُشتَرطُ العَددُ أصلًا، لأنه حِيْنئِذٍ يكونُ بِمَنْزِلَةِ الحاكِمِ، وإنْ كانَ الثانيَ فَيَجري فيه الخِلافُ، وتبيَّنَ أنه أيضًا لا يُشتَرطُ العددُ لأنَّ أصلَ النَّقْلِ لا يُشْتَرطُ فيه العددُ فكذا ما تفرَّعَ عنه. واللهُ أَعْلَمُ. وينبغي ألَّا يُقْبَلَ الجَرْحُ والتعديلُ إلا مِنْ عَدْلٍ مُتَيَقِّظِ، فلا يُقْبَلُ جَرْحُ مَنْ أَفْرَطَ فيه فَجَرَحَ بما لا يقتضي رَدَّ حديثِ المُحَدِّثِ، كما لا تُقْبَلُ تزكيةُ مَنْ أَخَذَ بِمُجرَّدِ الظاهرِ فأَطْلَقَ التزكيةَ. وقال الذهبيُّ -وهو مِنْ أهلِ الاستقراءِ التامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ-: "لَمْ يَجتمع اثنانِ مِنْ عُلَماءِ هذا الشأنِ قَطُّ على توثيقِ ضعيفٍ ولا على تضعيفِ ثِقَةٍ" انَتهى (١). وَلهذا كان مذهبُ النَّسائيِّ ألَّا يُتْرَكَ حديثُ الرجُلِ حتى يجتمعَ الجميعُ على تَرْكِه.

стр. 135

وَلْيَحْذَرِ المتكلمُ في هذا الفنِّ من التَّسَاهُلِ في الجَرْحِ والتعديلِ فإنَّه إنْ عدّلَ بغَيْرِ تَثَبُّتٍ كانَ كالمُثْبِتِ حُكمًا ليس بثابتٍ، فَيُخْشَى عليه أنْ يدخُلَ في زُمْرَةِ مَن رَوى حديثًا وهو يَظُنُّ أنه كذِبٌ، وإن جَرحَ بغيرِ تحرُّزٍ أَقْدَمَ على الطَّعْنِ في مُسلمٍ بريءٍ من ذلك ووَسَمه بِمِيْسَمِ سُوءٍ يَبقى عليه عارُهُ أبدًا، والآفَةُ تَدْخُلُ في هذا تارَةً من الهَوى والغَرَضِ الفاسِدِ -وكلامُ المُتقَدِّمين سالِمٌ من هذا غالِبًا- وتارَةً مِنَ المُخَالَفَةِ في العقائِدِ وهو موجودٌ كثيرًا قديمًا وحديثًا. ولا ينبغي إطلاقُ الجَرْحِ بذلك، فقد قَدَّمْنَا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعَة (١). والجَرْحُ مُقَدَّمٌ على التعديل، وأَطْلَقَ ذلك جماعةٌ، ولكنْ محلُّهُ إنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا (٢) مِنْ عارِفٍ بأسبابهِ، لأنه إنْ كانَ غيرَ مُفَسَّرٍ لم يَقْدَحْ فيمَنْ ثَبَتَتْ عدالَتُه، وإنْ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ عارِفٍ بالأسبابِ لم يُعْتَبر به أيضًا. فإنْ خَلا المجروحُ عن تعديلٍ قُبِلَ الجَرْحُ فيه مُجمَلًا (٣) غيرَ مُبَيَّنِ السببِ إذا صَدَرَ مِنْ عارِفٍ على المُختارِ، لأنه إذا لم يَكُنْ فيه تعديلٌ فهو في حَيِّزِ المجهولِ، وإعمالُ قَوْلِ المُجرِّحِ أَوْلى من إِهمالِه. ومالَ ابنُ الصلاحِ في مِثْلِ هذا إلى التوقُّفِ فيه (٤).

стр. 136

فصل ومِنَ المُهِمِّ في هذا الفَنِّ معرفةُ كُنى المُسَمَّيْنَ مِمَّنْ اشْتَهَرَ باسمهِ وله كُنْيَةٌ لا يُؤمَنُ أن يأتيَ في بعضِ الرواياتِ مَكْنِيًّا، لئَلّا يُظَنَّ أنه آخَرُ، ومعرفةُ أسماءِ المُكَنَّيْنَ (١)، وهو عَكْسُ الذي قَبْلَه، ومعرفةُ مَنِ اسمُه كُنْيَتُهُ، وهُمْ قليلٌ، ومعرفةُ مَنِ اختُلِفَ في كُنْيَتِه، وهُمْ كثيرٌ، ومعرفةُ مَنْ كثُرَتْ كُنَاهُ، كابْنِ جُرَيْج له كُنْيتانِ: أبو الوليدِ، وأبو خالدٍ. أو كثُرَتْ نُعُوتُه وألقابُه. ومعرفةُ مَنْ وافقَتْ كُنيَتُه اسمَ أبيهِ، كأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ المَدَنىّ أحدِ أتْباعِ التابعينَ، وفائدةُ معرفتِه نَفْيُ الغَلَطِ عمَّنْ نَسَبَهُ إلى أبيه فقال: أخبرَنا ابنُ إسحاقَ فَنُسِبَ إلى التصحيفِ وأنَّ الصوابَ أنا أبو إسحاقَ، أو بالعكسِ، كإسحاقَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبِيعي، أو وافقتْ كُنيَتُه كُنيةَ زوجتِه، كأبي أيوبَ الأنصاريّ وأمِّ أيوبَ، صَحابيَّانِ مشهورانِ، أو وافقَ اسمُ شيخهِ اسمَ أبيه، كالرَّبيعِ بنِ أنسٍ عن أنسٍ، هكذا يأتي في الرِّواياتِ فَيُظَنُّ أنه يَروي عن أبيه -كما وَقَعَ في الصحيحِ عن عامرِ بنِ سَعْدٍ عن سَعْدٍ وهو أَبوهُ- وليس أنسٌ شيخُ الربيعِ والدَه، بَلْ أبوه بَكْرِيٌّ، وشيخُه أنصارِيٌّ، وهو أنَسُ بنُ مالكٍ الصحَابيُّ المشهورُ، وليس الربيعُ المذكورُ مِنْ أَولادِهِ. ومعرفة مَنْ نُسِبَ إلى غيرِ أبيهِ (٢)، كالمِقْدَادِ بنِ الأسودِ نُسِبَ إلى الأسودِ الزُّهْرِيِّ لِكَوْنِه تَبنَّاهُ، وإنما هو المِقْدادُ بنُ عمرٍو، أو إلى أُمِّه كابْنِ عُلَيّة، هو إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ مِقْسَمٍ، أحَدُ الثِّقَاتِ،

стр. 137

وعُلَيَّةُ اسمُ أُمِّه اشتَهَرَ بها، وكان لا يُحِبُّ أنْ يُقالَ له ابنُ عُلَيَّةَ، ولِهذا كان يقولُ الشافِعيُّ: أَخْبَرَنَا إسماعيلُ الذي يُقَالُ له ابنُ عُلَيَّةَ. أو نُسِبَ إلى غَيرِ ما يَسْبِقُ إلى الفَهْم (١)، كالحَذَّاءِ، ظاهِرُهُ أنه منسوبٌ إلى صناعَتِها أو بَيْعِها، وليسَ كذلك، وإنّما كان يُجالِسُهم فَنُسِبَ إليهم، وكَسُلَيمانَ التَّيْمِىّ لم يكُنْ من بَني التَّيْمِ ولكنْ نزَلَ فيهم. وكذا مَنْ نُسِبَ إلى جَدِّهِ فلا يُؤْمَنُ الْتِباسُه، كَمَنْ وافَقَ اسْمُهُ اسمَهُ واسمُ أبيه اسمَ الجَدِّ المذكورِ (٢). ومعرفةُ مَنِ اتفقَ اسمُه واسمُ أبيه وجدِّه كالحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بن عَلىِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵃، وقد يقعُ أكثرُ مِنْ ذلك وهو مِنْ فُرُوعِ المُسَلْسَلِ. وقد يَتفقُ الاسمُ واسمُ الأبِ مع الاسمِ واسمِ الأبِ فصاعدًا، كأبي اليُمْنِ الكِنْدِيّ هو زيدُ بنُ الحَسَنِ بنِ زَيْدِ بنِ الحَسَنِ بنِ زَيْد بنِ الحَسَنِ. أو يَتَّفِقُ اسمُ الراوي واسمُ شيخِهِ وشيخِ شيخِه فصاعدًا: كَعِمْرانَ عن عِمْرانَ عن عِمْرانَ، الأول: يُعْرَفُ بالقصيرِ، والثاني: أبو رَجَاءٍ العُطَارِدِيُّ، والثالثُ: ابنُ حُصَينٍ الصحابيُّ. وكَسُلَيمانَ عن سُلَيمانَ عن سُلَيمانَ، الأولُ: ابنُ أحمدَ بنِ أيوبَ الطَّبَرانِيُّ، والثاني: ابنُ أحمدَ الواسِطِيّ، والثالثُ: ابنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمشقيُّ المعروفُ بابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيل. وقد يَقَعُ ذلك (٣) للراوي ولِشَيْخِه معًا، كأبي العلاءِ الهَمَذَانيِّ

стр. 138

العَطَّارِ، مشهورٌ بالرِّوايةِ عن أبي عليٍّ الأصبهانيّ الحدَّادِ، وكُلٌّ منهما اسمُه الحَسَنُ بنُ أحمدَ بنِ الحَسَن بنِ أحمدَ بنِ الحسنِ بنِ أحمدَ، فاتَّفقَا في ذلك، وافْتَرقا في الكُنْيةِ والنِّسْبَةِ إلى البَلدِ والصِّنَاعَةِ، وصنَّفَ فيه أبو موسى المَدِيني جُزْءًا حافِلًا. ومعرفةُ مَنِ اتَّفَقَ اسمُ شيخِه والراوي عنه، وهو نوعٌ لطيفٌ لم يَتعرَّضْ له ابنُ الصلاحِ، وفائدتُه رَفْعُ اللَّبْسِ عمَّنْ يَظُنُّ أنَّ فيه تكرارًا أو انقلابًا، فمِن أمثلتِه، البخاريُّ: رَوى عن مسلمٍ ورَوى عنه مسلمٌ، فشَيخُه مسلِمُ بنُ إبراهيمَ الفَرادِيسي (١) البَصْريّ، والراوي عنه مسلمُ بنُ الحَجَّاجِ القُشَيريُّ صاحبُ الصحيحِ، وكذا وَقَعَ ذلك لِعَبْدِ بنِ حُمَيْد أيضًا: رَوى عن مسلمِ بنِ إبراهيمَ، ورَوى عنه مسلمُ بنُ الحجَّاجِ في صحيحهِ حديثًا بهذه الترجمةِ بعَيْنِها. ومنها يحيى بنُ أبي كَثِير: رَوى عن هِشَامٍ وروى عنه هِشامٌ: فشيخُهُ هِشامُ بنُ عُروَةَ وهو من أقْرانِه والراوي عنه هشامُ بنُ أبي عبدِ الله الدَّسْتَوَائيّ، ومنها ابنُ جُرَيْجٍ: رَوى عن هشامٍ ورَوى عنه هِشامٌ، فالأَعلى ابنُ عُرْوَةَ، والأَدنى ابنُ يوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ. ومنها الحَكَمُ بنُ عُتَيْبةَ: يَروي عن ابنِ أبي لَيْلى، وعنه ابن أبي ليلى، فالأَعلى عبدُ الرَّحمنِ، والأَدْنى محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المذكورِ، وأمثلتُه كثيرةٌ. ومِنَ المُهِمِّ في هذا الفَنِّ معرِفَةُ الأسماءِ المُجَرَّدَةِ (٢). وقد جَمَعَها جماعةٌ مِنَ الأئمةِ: فَمِنْهُم مَنْ جَمَعَها بغَيْرِ قَيْدٍ، كَابْنِ سَعْدٍ في "الطبقاتِ"، وابنِ

стр. 139

أبي خَيْثَمَةَ والبخاريِّ في "تاريخِهما"، وابنِ أبي حاتِمٍ في "الجَرْحِ والتعديلِ". ومنهم مَنْ أَفْردَ الثقاتِ، كالعِجْلِيّ (١) وابنِ حِبَّانَ وابنِ شاهينَ (٢). ومنهم مَنْ أَفْردَ المجروحينَ كابنِ عَدِيٍّ (٣) وابنِ حِبّانَ أيضًا. ومنهم مَنْ تَقَيَّدَ بكتابٍ مخصوصٍ، "كَرِجالِ البخاريِّ" لأبي نَصْرٍ الكَلَاباذي (٤)، و"رجالِ مُسلِمٍ" لأبي بكرِ بنِ مَنْجُويَه (٥)، ورجالِهما معًا لأبي الفَضْلِ ابنِ طاهرٍ، و"رجالِ أبي داودَ" لأبي عليٍّ الجَيَّانِيّ (٦)، وكذا رجالِ التِّرمِذيِّ ورجالِ النَّسائيِّ لِجماعةٍ من المَغارِبَةِ، ورجالِ السِّتَّةِ -الصحيحَيْنِ وأبي داودَ والترمذيّ والنَّسائيّ

стр. 140

وابنِ ماجَه- لِعَبْدِ الغَنىّ المَقْدِسِىّ (١) في كتابه "الكَمَالُ"، ثُمَّ هَذَّبَهُ المِزِّيُّ (٢) في "تهذيب الكمالِ"، وقد لخَّصْتُه وزِدتُ عليه أشياءَ كثيرةً وسمَّيْتُه "تهذيب التهذيبِ" وجاءَ مع ما اشتملَ عليه من الزياداتِ قَدْرَ ثُلُثِ الأصْلِ. ومِنَ المُهِمِّ أيضًا معرفَةُ الأسماءِ المُفْرَدَةِ (٣): وقد صنَّفَ فيها الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ هارونَ البِرْديجي (٤)، فَذَكَرَ أشياءَ تعقَّبوا عليه بعضَها. من ذلك قولُه: صُغْدِيُّ بنُ سِنَانٍ أحدُ الضُّعَفَاءِ وهو بضَمِّ المُهْمَلَةِ -وقد تُبْدَلُ سِينًا مُهْمَلَةً- وسُكونِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها دالٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ ياءٌ كَيَاءِ النَّسَبِ، وهو اسمُ عَلَمٍ بلَفْظِ النَّسَبِ. وليسَ هو فردًا، ففِي الجَرْحِ والتعديلِ لابْنِ أبي حاتِمٍ: صُغْدِيٌّ الكَوفيُّ وَثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ وفَرَّقَ بينَه وبينَ الذي قَبْلَه فَضَعَّفَهُ، وفي تاريخ العُقَيْلىّ: صُغْدِيُّ بنُ عبدِ اللهِ يَروي عن قتَادةَ: قال العُقَيليُّ: "حديثهُ غَيْرُ مَحفوظٍ". انتهى. وأَظُنُّه هو الذي ذَكَرَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ، وأمَّا كَوْنُ العُقَيليِّ ذَكَرَهُ في الضُّعَفَاءِ فإنَّما هو لِلحديثِ

стр. 141

الذي ذَكَرهُ وليسَتِ الآفَةُ منه، بَلْ هي مِنَ الراوي عنه: عَنْبَسَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ. واللهُ أعلَمُ (١). ومِنْ ذلك سَنْدَرٌ -بالمُهْمَلَةِ والنونِ بوَزْنِ جَعْفَر- وهو مَوْلَى زِنْباعٍ الجُذَامِيّ، له صُحْبَةٌ ورِوايةٌ، والمشهورُ أنه يُكْنَى أبا عبدِ الله، وهو اسمٌ فَرْدٌ لم يَتَسَمَّ به غيرُهُ فيما نَعْلَمُ. لكنْ ذَكَرَ أبو موسى في الذَّيْلِ على معرفةِ الصَّحَابةِ لابنِ منده: سَنْدَرٌ أبو الأسودِ، ورَوى له حديثًا، وتُعُقِّبَ عليه ذلك، فإنه هو الذي ذَكَرَهُ ابنُ منده، وقد ذكرَ الحديثَ المذكورَ محمدُ بنُ الربيعِ الجِيْزِي في تاريخ الصحابة الذين نزَلوا مِصْرَ في ترجمة سَنْدَرٍ مَوْلى زِنْباعٍ، وقد حَرَّرْتُ ذلك في كِتابي في الصحابة (٢). وكذا معرفةُ الكُنَى المُجَرَّدَةِ والألقابِ (٣)، وهي تارَةً تكونُ بلَفْظِ الاسمِ، وتارَةً تكون بلَفظِ الكُنْيَةِ، وتَقَعُ نِسْبَةً إلى عاهةٍ أو حِرْفَةٍ. وكذا الأنسابِ، وهي تارَةً تَقَعُ إلى القبائلِ، وهو في المُتَقدِّمين أكثريّ بالنِّسبةِ إلى المتأخرين، وتارَةً إلى الأوطانِ، وهذا في المُتأخِّرينَ أكثريٌّ بالنِّسبةِ إلى المتُقدِّمينَ، والنِّسْبَةُ إلى الوطَنِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تكونَ بِلادًا أو ضِياعًا أو سِكَكًا أو مُجاوَرَةً، وتقعُ إلى الصنائعِ كالخيَّاطِ، والحِرَفِ كالبَزَّازِ. ويقعُ فيها الاتفاقُ والاشتباهُ كالأسماءِ، وقد تقعُ الأنسابُ ألقابًا كخالدِ بنِ مَخْلَدٍ القَطَوَانىِّ كان كوفيًّا ويُلَقَّبُ القَطَوانىَّ، وكان يَغْضَبُ منها. ومِنَ المُهِمِّ أيضًا معرفَةُ أسبابِ ذلك أي الألقابِ. ومعرفةُ المَوالي من أعلى أو أسفل، بالرِّقِّ وبالحِلْفِ أو بالإسلام،

стр. 142

لأنَّ كلَّ ذلك يُطْلقَ عليه مَوْلَى، ولا يُعْرَفُ تمييزُ ذلك إلا بالتنصيصِ عليه. ومعرفَةُ الإخوةِ والأخَوَاتِ: وقد صنَّفَ فيه القدماءُ كَعَلِيِّ بن المَدِينىّ. ومِنَ المُهِمِّ أيضًا معرفةُ آدابِ الشيخِ والطالب: ويَشتركانِ في تَصحيحِ النِّيَّةِ، والتّطَهُّرِ من أعراضِ الدُّنيا، وتحسينِ الخُلُقِ. ويَنفَرِدُ الشيخُ بأنْ يُسْمِعَ إذا احْتِيجَ إليه، ولا يحدِّثَ ببلدٍ فيه أَوْلَى منه، بَلْ يُرْشِدَ إليه، ولا يَتْرُكَ إسماعَ أَحَدٍ لِنِيَّةٍ فاسِدَةٍ، وأنْ يتَطَهَّرَ ويجلِسَ بِوَقَارٍ، ولا يُحَدِّثَ قائِمًا ولا عَجِلًا ولا في الطريقِ إلّا إنِ اضْطُرَّ إلى ذلك، وأنْ يُمْسِكَ عنِ التحديثِ إذا خَشِيَ التغيُّرَ أو النِّسيانَ لِمرَضٍ أو هَرَمٍ، وإذا اتخذَ مَجلِسَ الإملاءِ أنْ يكونَ له مُسْتَمْلٍ يَقِظٌ. ويَنفَرِدُ الطَّالِبُ بأنْ يُوَقِّرَ الشيخَ ولا يُضْجِرَه، ويُرْشِدَ غيرَه لِمَا سَمِعَهُ، ولا يَدَعَ الاستفادةَ لِحَياءٍ أو تَكَبُّرٍ، ويَكْتُبَ ما سَمِعَهُ تامًّا، ويَعتَنيَ بالتقييدِ، والضَّبْطِ، ويُذَاكِرَ بِمَحْفُوظِهِ لِيَرْسَخَ في ذِهْنِه. ومِنَ المُهِمِّ معرفَةُ سِنِّ التَّحَمُّلِ والأداءِ: والأصحُّ اعتبارُ سِنِّ التحَمُّلِ بالتَّمييزِ، هذا في السَّماعِ، وقد جَرتْ عادةُ المُحَدِّثينَ بإحضارِهم الأطفالَ مجالسَ الحديثِ، ويَكْتُبونَ لهم أنهم حَضَرُوا، ولا بُدَّ في مِثْلِ ذلك مِنْ إجازَةِ المُسْمِع. والأصحُّ في سِنِّ الطَّلَبِ بنَفْسِه أنْ يتأهَّلَ لِذلكَ. ويَصِحُّ تَحمُّلُ الكافرِ أيضًا إذا أدَّاهُ بَعْدَ إسلامِه، وكذا الفاسِقِ من بابِ الأَوْلى إذا أَدَّاهُ بَعْدَ تَوبتِهِ وثُبُوتِ عَدَالَتِه. وأمَّا الأداءُ فقد تقدَّمَ أنه لا اختِصاصَ له بزمنٍ مُعَيَّنٍ بل يُقَيَّدُ بالاحتياجِ والتأهُّل لِذلك، وهو مُختَلِفٌ باختلافِ الأشخاصِ. وقال ابنُ خَلَّادٍ (١):

стр. 143

إذا بَلَغَ الخمسينَ، ولا يُنْكَرُ عِنْدَ الأرْبَعينَ، وتُعُقِّبَ بِمَنْ حَدَّثَ قَبْلَها كَمَالِكٍ. ومِنَ المُهِمِّ معرفةُ صِفَةِ كتابةِ الحديثِ: وهو أنْ يَكْتُبَه مُبَيَّنًا مُفَسَّرًا، ويَشْكُلَ المُشْكِلَ منه ويَنْقُطَهُ، ويَكْتُبَ السَّاقِطَ في الحاشيةِ اليُمنى ما دامَ في السَّطْرِ بقيَّةٌ، وإلَّا فَفِي اليُسرى. وصِفَةِ عَرْضِه، وهو مقابلَتُهُ مع الشَّيخِ المُسْمِعِ أو مع ثِقَةٍ غَيْرِهِ أو مع نَفْسِه شيئًا فشيئًا. وصِفَةِ سَماعِهِ، بأنْ لا يَتشاغلَ بما يُخِلُّ به مِنْ نَسْخٍ أو حديثٍ أو نُعاسٍ، وصِفَةِ إسماعِه كذلك، وأنْ يكونَ ذلك مِنْ أَصْلِه الذي سَمِعَ فيه أو مِنْ فَرْعٍ قُوبِلَ على أَصْلِه، فإنْ تَعَذَّرَ فَلْيَجْبُرْهُ بالإجازَةِ لِمَا خَالَفَ إِنْ خَالَفَ. وصِفَةِ الرِّحْلَةِ فيه، حَيْثُ يَبتدِئُ بحديثِ أهلِ بَلَدِهِ فَيَسْتَوعِبُهُ ثُمَّ يَرْحَلُ فيُحَصِّلُ في الرِّحْلَةِ ما ليس عِنْدَه، ويكونُ اعتِناؤهُ بتَكْثيرِ المسموعِ أَوْلَى من اعتِنائِه بتكْثِيرِ الشُّيوخِ. وصِفَةِ تصنِيفهِ: وذلك إمّا على المسَانيدِ بأنْ يَجْمَعَ مُسْنَدَ كُلِّ (١) صحابِيٍّ على حِدَةٍ، فإنْ شاءَ رتَّبهُ على سَوَابِقِهم، وإنْ شاءَ رتَّبَه على حُرُوفِ المُعْجَمِ، وهو أَسْهَلُ تَنَاوُلًا. أو تصنيفُه على الأبوابِ الفِقْهيَّة أو غيرها بأنْ يَجْمَعَ في كُلِّ بابٍ ما وَرَدَ فيه مِمَّا يَدُلُّ على حُكْمِهِ إثباتًا أو نَفْيًا، والأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ على ما صَحَّ أو حَسُنَ، فإنْ جمعَ الجميعَ فَلْيُبَيِّنْ عِلَّةَ الضعيفِ. أو تصنيفُه على العِلَل فيذْكُرُ المَتْنَ وطُرُقَهُ وبيانَ اختلافِ نَقَلَتِه،

стр. 144

والأحسنُ أنْ يُرَتِّبَها على الأبواب لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُها. أو يَجمَعُه على الأطْرافِ فَيذْكُرُ طَرَفَ الحديثِ الدَّالَّ على بقيَّتهِ ويَجْمَعُ أسانيدَهُ إمَّا مُسْتَوعِبًا وإمَّا مُتَقَيِّدًا بِكُتُبٍ مَخصوصةٍ. ومِنَ المُهِمِّ معرفةُ سَبَبِ الحديثِ (١): وقد صنَّفَ فيه بعضُ شُيوخِ القاضي أبي يَعْلَى بنِ الفَرَّاءِ الحَنْبَلِيّ (٢) وهو أبو حَفْصٍ العُكْبَرِي (٣). وقد ذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ بنُ دَقِيق العِيْدِ أنَّ بعضَ أهلِ عصرِه شَرَعَ في جَمْعِ ذلك، وكأنَّه ما رأى تصنيفَ العُكْبَريِّ المذكورَ.

стр. 145

وصَنَّفُوا في غَالِبِ هذه الأنواعِ على ما أَشَرْنَا إليه غَالِبًا. وهي -أَيْ هذه الأنواعُ المذكورةُ في هذه الخاتمةِ- نَقْلٌ مَحْضٌ، ظاهِرَةُ التعريفِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عنِ التمثيلِ، وحَصْرُهَا مُتَعَسِّرٌ، فَلْتُراجَعْ لها مَبْسُوطاتُها، لِيَحْصُلَ الوُقوفُ على حَقائِقِها. واللهُ المُوَفِّقُ والهادِي، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، عليه تَوكَّلْتُ وإليه أُنِيْبُ. * * * هذا آخِرُ ما تيسَّرَ وتحرَّرَ، وللهِ الحمدُ على ما أَلْهَمَ وعَلَّمَ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمدٍ وآلِهِ وصَحْبهِ وسَلَّمَ. وسَلامٌ على المُرسَلِينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ حَقَّقَهُ عَلَى نُسْخَةٍ مَقْرُوءَة عَلَى المُؤَلِّفِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ نُورُ الدِّينِ عِتْر رَئِيسُ قِسْمِ عُلُومِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ بجَامِعَةِ دِمَشْق أستَاذُ التّفسِيرِ وَالحَدِيث في كُليَّاتِ الشَّريعَةِ وَالآداب بِجَامِعَتَي دِمَشقَ وَحَلَبَ
следующие страницы →