← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1565

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت عتر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (157 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِن حديثِ صحابيٍّ آخَرَ يُشْبِهُه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط فهو الشاهِد (١). ومثالُه في الحديث الذي قدَّمْنَاهُ: ما رواه النَّسائيُّ (٢) من رِوايةِ محمد بن حُنَيْن عن ابنِ عباس عن النبي ﷺ فذَكَرَ مِثْلَ حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ عن ابنِ عُمَرَ سَواءً، فهذا باللفظ. وأمَّا بالمعنى فهو ما رواه البخاريُّ (٣) من رِواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: "فإنْ غُمِّيَ عَليْكُم فأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبانَ ثلاثين". وخَصَّ قومٌ المتابعةَ بما حَصَلَ باللفظِ سواءٌ كان من رواية ذلك الصحابيِّ أَمْ لا، والشاهدَ بما حَصَلَ بالمعنى كذلك. وقد تُطْلَقُ المتابعةُ على الشاهِدِ، وبالعكس، والأمرُ فيه سَهْل (٤). واعلَمْ أنّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ من الجوامع والمسانيد والأجزاء (٥) لذلك الحديثِ الذي يُظَنُّ أنه فَرْدٌ ليُعْلَمَ هل له متابِعٌ أم لا هو الاعتبارُ. وقولُ ابنِ الصلاح "معرفةُ الاعتبارِ والمُتابَعات والشواهد" قد يُوهِمُ أنَّ الاعتبارَ قَسِيمٌ لهما (٦)، وليس كذلك بل هو هيئةُ التوصُّلِ إليهما.

стр. 72

وجميع ما تقدَّمَ من أقسام المقبول تَحصُلُ فائدةُ تقسيمهِ باعتبارِ مَراتِبهِ عند المعارَضَةِ، واللهُ أعلَمُ. ثُمَّ المقبولُ ينقسِمُ أيضًا إلى معمولٍ به وغيرِ معمولٍ به، لأنه إنْ سَلِم من المُعارَضَةِ أيْ لم يَأْتِ خبرٌ يُضَادُّهُ فهو المُحْكَم (١)، وأمثلتهُ كثيرة. وإنْ عُورِضَ فلا يخلو إمّا أنْ يكونَ مُعارِضُه مقبولًا مِثْلَه أو يكونَ مردودًا. فالثاني لا أَثَرَ له لأنَّ القويَّ لا يُؤثِّرُ فيه مُخالَفَةُ الضعيف. وإنْ كانَتْ المعارَضَةُ بِمثلِه فلا يخلو إمّا أنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بين مدلولَيْهِما بغَيْرِ تَعَسُّفٍ أو لا، فإنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ فهو النوعُ المُسَمَّى مُختَلِفَ الحديث (٢). ومَثّلَ له ابنُ الصلاح (٣) بحديث: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَة"، مع حديث: "فِرَّ مِنَ المَجْذُوم فِرارَكَ مِنَ الأسد" وكلاهُما في الصحيح وظاهرُهما التعارض. ووَجْهُ الجَمْعِ بينهما: أنّ هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها لكنّ الله جعلَ مُخالَطَةَ المريضِ بها لِلصحيحِ سببًا لإعدائه مَرَضه،

стр. 73

ثم قد يَتخلَّفُ ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. كذا جَمَعَ بينهما ابن الصلاحِ تَبَعًا لغيره. والأَوْلى في الجمع أنْ يُقالَ: إنَّ نَفْيَه ﷺ للعدوى باقٍ على عُمومه، وقد صحَّ قولهُ ﷺ : "لا يُعْدِي شيءٌ شَيْئًا" (١)، وقولُه ﷺ لمن عارضه بأنَّ البعيرَ الأجربَ يكونُ في الإبل الصحيحة فيخالِطُها فتَجْرَبُ، حيث رَدَّ عليه بقوله: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوّلَ؟! ". يعني أنَّ اللهَ ابتدأَ ذلك في الثاني كما ابتدأَهُ في الأول. وأمّا الأمرُ بالفِرَارِ من المَجْذوم فمِنْ باب سَدِّ الذرائع، لئلّا يتفقَ للشخص الذي خالطه شيءٌ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً لا بالعدوى المَنْفِيَّة، فيَظُنَّ أنَّ ذلك بسبب مُخالطَتِه فيعتقدَ صِحةَ العَدْوى فيقعَ في الحَرَج، فأمر بتجنُّبِه حَسْمًا للمادة. واللهُ أعلم (٢). وقد صنَّفَ في هذا النوعِ الشافعيُّ كتابَ "اختلاف الحديث"، لكنه لم يَقْصِدِ استيعابَه، وصنَّفَ فيه بعدَهُ ابنُ قُتَيْبَةَ (٣) والطَّحَاوِيُّ (٤) وَغَيْرُهما. وإنْ لم يُمكنِ الجمعُ فلا يخلو إمّا أن يُعْرَفَ التاريخُ أَوْ لا، فإنْ عُرِفَ وثَبَتَ المُتأخِّرُ به أو بأصْرَحَ منه فهو الناسِخُ والآخرُ المنسوخُ.

стр. 74

والنسخُ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّرٍ عنه. والناسخُ ما دلَّ على الرفع المذكور. وتسميتهُ ناسخًا مجازٌ لأنَّ الناسخَ في الحقيقة هو اللهُ تعالى. ويُعْرَفُ النسخُ بأمور: أَصْرَحُها ما ورد في النص كحديث بُرَيْدَةَ في صحيح مُسْلِمٍ (١): "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ فَزُورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرةَ". ومنها ما يَجْزِمُ الصحابيُّ بأنه مُتَأخِّرٌ، كقول جابرٍ: "كان آخرُ الأمرينِ من رسول الله ﷺ تركَ الوضوءِ ممّا مَسَّتِ النار" أخرجه أصحابُ السُّنَن (٢). ومنها ما يُعْرَفُ بالتاريخ وهو كثير (٣). وليس منها ما يرويه الصحابيُّ المتأخِّرُ الإسلامِ مُعَارِضًا لِمُتَقَدِّمٍ عنه، لاحتمال أنْ يكونَ سَمِعَهُ من صحابىٍّ آخَرَ أقْدَمَ من المتقدِّم المذكور أو مِثْلِهِ فأرْسَلَهُ، لكنْ إنْ وقَعَ التصرِيحُ بسماعه له من النبي ﷺ فيتجه أن يكونَ ناسِخًا بشرطِ أنْ يكونَ لم يَتحمَّلْ عن النبي ﷺ شيئًا قبلَ إسلامه.

стр. 75

وأمَّا الإجماعُ فليس بناسخٍ بل يدلُّ على ذلك (١). وإن لم يُعْرَفِ التاريخُ (٢) فلا يخلو إمّا أنْ يُمكنَ ترجيحُ أحدِهما على الآخرِ بوجهٍ من وُجوهِ الترجيح المُتعلِّقَة بالمَتْن أو بالإِسنادِ أوْ لا. فإنْ أمكنَ الترجيحُ تعيَّنَ المصيرُ إليه، وإلَّا فَلا. فصار ما ظاهِرُه التعارُضُ واقعًا على هذا الترتيب: - الجَمْعُ إنْ أمكَنَ. - فاعتبارُ الناسِخِ والمنسوخِ. - فالترجيحُ إنْ تَعَيَّنَ. - ثُمَّ التوقُّفُ عن العمل بأَحدِ الحديثَين. والتعبيرُ بالتوقُّف أولى من التعبير بالتساقُط، لأنَّ خَفَاءَ ترجيحِ أحدِهما على الآخَرِ إنَّما هو بالنسبة للمعتَبِرِ (٣) في الحالة الراهِنَة مع احتمالِ أنْ يظهرَ لغيره ما خَفِيَ عليه. واللهُ أعْلَمُ (٤).

стр. 76

ثُمَّ المردودُ (١): ومُوجِبُ الرَّدِّ إمّا أَنْ يكونَ لِسَقَطٍ من إسنادٍ أو طَعْنٍ في راوٍ على اختلاف وجوه الطعن، أعمُّ من أنْ يكونَ لأمرٍ يَرْجِعُ إلى دِيانة الراوي أو إلى ضَبْطه. فالسَّقَطُ إمَّا أَنْ يكونَ مِن مبادئ السَّنَدِ مِن تَصَرُّفِ مصنِّف، أو من آخره، أي الإسنادِ بعدَ التابعي، أو غير ذلك. فالأول: المُعَلَّقُ، سواءٌ كان الساقِط واحدًا أَمْ أكثرَ (٢). وبينه وبين المُعضَل الآتي ذِكْرهُ عمُومٌ وخصوصٌ مِنْ وجهٍ، فمِنْ حيثُ تعريفُ المُعْضَلِ بأنه: سَقَطَ منه اثنانِ فصاعدًا يَجْتمعُ مع بعض صُوَرِ المُعَلَّقِ، ومِنْ حيثُ تَقْيِيْدُ المُعَلَّقِ بأنه مِن تَصَرُّفِ مُصَنِّفٍ من مبادِئ السَّنَدِ يَفْتَرِق منه؛ إذْ هو أعمُّ مِنْ ذلك (٣).

стр. 77

ومن صُوَرِ المُعَلَّقِ: أَنْ يُحْذَفَ جميعُ السَّنَد ويقال مثلًا: قال رسول الله ﷺ . ومنها: أَنْ يُحْذَفَ إلَّا الصحابيَّ أو إلّا التابعيَّ والصحابيَّ معًا. ومنها: أن يحْذِفَ مَنْ حَدَّثه ويُضِيفَه إلى مَن هو فَوْقه. فإن كان مَنْ فوقَه شيخًا لذلك المُصَنِّف فقد اخْتُلِف فيه هل يُسَمّى تعليقًا أَوْ لا، والصحيحُ في هذا التفصيل: فإنْ عُرِفَ بالنص أو الاستقراء أنَّ فاعلَ ذلك مُدَلِّسٌ قُضيَ به، وإلَّا فتعليقٌ (١). وإنما ذُكِرَ التعليقُ في قِسْمِ المردود للجَهْلِ بحالِ المحذوف، وقد يُحْكَمُ بصحَّتهِ إنْ عُرِفَ بأنْ يجيءَ مُسَمًّى من وَجْه آخر. فإن قال: جميعُ مَنْ أَحْذِفُه ثقاتٌ، جاءَتْ مسألةُ التعديل على الإبهام، والجمهورُ لا يقبل حتى يُسَمَّى (٢).

стр. 78

لكن قال ابنُ الصلاح هنا: إنْ وَقَعَ الحَذْفُ في كتابٍ الْتُزِمَتْ صِحَّتُهُ كالبخاري، فما أَتى فيه بالجزم دلَّ على أنّه ثَبَتَ إسنادُه عندَه، وإنما حُذِفَ لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغَيْر الجَزْمِ ففيه مَقَالٌ، وقد أوضَحْتُ أمثلةَ ذلك في النُّكَتِ على ابن الصلاح (١). والثاني: وهو ما سَقَطَ من آخره مَنْ بَعد التابعيّ هو المُرْسَل. وصورتهُ أنْ يقولَ التابعيُّ -سواءٌ كان كبيرًا أم صغيرًا-: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحَضْرته كذا، ونحوَ ذلك (٢). وإنما ذُكِرَ في قِسْم المردودِ للجَهْل بحالِ المحذوف، لأنه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ صحابيًّا ويَحْتَمِلُ أن يكون تابعيًّا، وعلى الثاني يحتملُ أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقةً، وعلى الثاني يحتملُ أن يكونَ حَمَلَ عن صحابي ويحتملُ أن يكونَ حَمَلَ عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعودُ الاحتمالُ السابق ويتعدَّدُ، أمَّا بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وأَمَّا بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثرُ ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض.

стр. 79

فإنْ عُرِفَ من عادة التابعىّ أنه لا يُرسِلُ إلا عن ثقةٍ فذهب جمهورُ المُحَدِّثين إلى التوقُّف لبقاء الاحتمال وهو أحَدُ قَوْلَيْ أحمد، وثانيهما وهو قولُ المالكيِّين والكوفيين يُقْبَلُ مُطلَقًا (١)، وقال الشافعي: يُقْبَلُ إنِ اعْتَضَد بمجيئه من وجهٍ آخر يُباينُ الطريقَ الأولى، مُسْنَدًا أو مُرْسَلًا، لِيَرْجَحَ احتمالُ كونِ المحذوف ثقةً في نفس الأمر. ونقل أبو بكر الرازي (٢) من الحنفيةِ وأبو الوليد (٣) الباجي من المالكية: أنَّ الراويَ إذا كان يُرْسِلُ عن الثقات وغيرِهم لا يُقْبَلُ مُرْسَلُه اتفاقًا. والقسم الثالث من أقسام السَّقَطِ (٤) من الإسناد: إنْ كان باثنين فصاعدًا مع التوالي فهو المُعْضَل (٥).

стр. 80

وإلَّا فإنْ كان الساقِطُ باثنين غيرِ متواليَيْن في موضعَيْن مثلًا فهو المُنْقَطِعُ وكذلك إنْ سَقَطَ واحدٌ فقط، أو أكثر من اثنين لكنْ يُشْتَرَطُ عدمُ التوالي (١). ثم إنَّ السَّقَطَ من الإسناد قد يكونُ واضحًا يحصُلُ الاشتراكُ في معرفته، ككونِ الراوي مثلًا لم يُعاصِرْ مَنْ رَوى عنه، أو يكونُ خفيًّا فلا يدرِكُهُ إلا الأئمة الحُذَّاقُ المطلعون على طرقِ الحديث وعِلل الأسانيد. فالأول: وهو الواضح يُدْرَكُ بعدم التلاقي بين الراوي وشيخِه، بكونه لم يُدرِكْ عصرَه، أو أدركَهُ لكنْ لم يجتمعا وليستْ له منه إجازةٌ ولا وِجَادة. ومِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إلى التاريخ لتضمُّنِه تحريرَ مواليدِ الرواةِ ووفَيَاتِهم وأوقاتِ طلبِهم وارتحالِهم (٢). وقدِ افْتَضَحَ أقوامٌ ادَّعَوُا الروايةَ عن شيوخٍ ظهرَ بالتاريخ كَذِبُ دعواهم.

стр. 81

والقسمُ الثاني: وهو الخَفِيُّ: المُدَلَّس (١) -بفتح اللام- سُمِّي بذلك لِكَوْنِ الراوي لم يُسَمِّ مَنْ حَدَّثه وأَوْهَمَ سماعَه للحديث ممَّنْ لم يُحَدِّثه به. واشتقاقُه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاطُ الظلامِ، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء. ويَرِدُ المُدَلَّس بصيغةٍ من صِيَغ الأداء تَحْتَمِلُ وقوعَ اللُّقِيِّ بين المُدلِّس ومَنْ أَسنَدَ عنه، كَعَنْ، وكذا قال. ومتى وقع بصيغة صريحة لا تَجوُّزَ فيها كان كَذِبًا. وحكم مَنْ ثَبَتَ عنه التدليسُ إذا كان عَدْلًا ألَّا يُقْبَلَ منه إلا ما صَرَّحَ فيه بالتحديث على الأصح. وكذا المُرسَلُ الخفي إذا صَدَرَ من معاصِرٍ لَمْ يَلْقَ مَنْ حَدَّث عنه بل بينه وبينه واسطةٌ (٢).

стр. 82

والفرق بين المُدَلَّس والمُرْسَلِ الخفي دقيقٌ، حَصَل تحريرُه بما ذُكِرَ هنا: وهو أنَّ التدليسَ يَختصُّ بمن رَوى عمَّنْ عُرِفَ لِقاؤه إياه، فأمَّا إنْ عاصرَه ولم يُعْرَفْ أنه لقيه فهو المُرْسَلُ الخفيُّ. ومَنْ أَدخل في تعريف التدليس المعاصرةَ ولو بغير لُقِيٍّ لَزِمَه دخولُ المُرسَلِ الخفىّ في تعريفه، والصوابُ التفرقةُ بينهما. ويدلُّ على أنَّ اعتبارَ اللُّقِىِّ في التدليس دونَ المعاصرةِ وحدَها لا بدَّ منه: إطباقُ أهلِ العِلْم بالحديث على أنَّ روايةَ المُخَضْرَمين (١) كأبي عثمان النَّهْدِي (٢)، وقيس بن أبي حازِم (٣)، عن النبي ﷺ من قَبيل الإرسالِ لا مِنْ قَبيل التدليس، ولو كان مُجرَّدُ المعاصَرَة يُكْتَفى به في التدليس لكان هؤلاءِ مُدَلِّسينَ، لأنهم عاصروا النبىَّ ﷺ قَطْعًا، ولكن لم يُعْرَفْ هل لَقُوهُ أمْ لا (٤). وممَّنْ قال باشتراطِ اللقاء في التدليس الإمامُ الشافعي وأبو بكر البزار، وكلامُ الخطيب في الكفاية يقتضيه وهو المُعْتَمَد.

стр. 83

ويُعْرَفُ عدمُ المُلاقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو بِجَزْمِ إمامٍ مُطَّلِع. ولا يكفي أن يقعَ في بعض الطُّرق زيادةُ راوٍ بينهما لاحتمال أن يكونَ من المَزِيد (١). ولا يُحكَمُ في هذه الصورة بحُكْمٍ كُلِّيٍّ لِتعارُضِ احتمالِ الاتصالِ والانقطاع. وقد صنَّفَ فيه الخطيبُ كتابَ "التفصيل لِمُبْهَمِ المراسيل"، وكتابَ "المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد". وانتهَتْ هنا أقسامُ حُكْمِ الساقِطِ من الإسناد. ثُمَّ الطَّعْنُ (٢) يكون بِعَشَرَةِ أشياءَ بعضُها أشدُّ في القَدْحِ من بعض: خمسةٌ منها تتعلقُ بالعدالة، وخمسةٌ تتعلَّقُ بالضَّبْط (٣). ولم يَحْصُلِ

стр. 84

الاعتناءُ بتمييز أحدِ القِسْمين من الآخر لمصلحةٍ اقتضَتْ ذلك، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في مُوجِبِ الرَّدِّ على سبيل التَّدَلِّي، لأنَّ الطعنَ إمّا أنْ يكونَ: - لِكَذِبِ الراوي في الحديث النبوي: بأنْ يرويَ عنه ﷺ ما لم يَقُلْه مُتعمِّدًا لذلك. - أو تُهْمَتِه بذلك: بألَّا يُرْوَى ذلك الحديثُ إلّا مِنْ جهتهِ ويكونَ مُخالِفًا للقواعدِ المعلومة، وكذا مَن عُرِفَ بالكذب في كلامه وإنْ لم يظهرْ منه وقوعُ ذلك في الحديث النبوي، وهذا دونَ الأول. - أو فُحْشِ غَلَطِه: أيْ كَثْرَتهِ. - أو غَفْلته عن الإتقان. - أو فِسْقِهِ: أي بالفِعْل والقول (١) ممّا لم يَبْلُغِ الكُفْرَ، وبينَه وبينَ الأول عمومٌ، وإنما أُفْرِدَ الأولُ (٢) لِكَوْنِ القَدْحِ به أَشَدَّ في هذا الفَنِّ، وأمّا الفِسْقُ بالمُعْتَقَدِ فسيأتي بيانهُ. - أو وَهَمِهِ: بأنْ يرويَ على سبيل التوهُّم. - أو مُخَالفَتِه: أي للثقات. - أو جَهَالَتهِ: بألَّا يُعْرَفَ فيه تعديلٌ ولا تجريح معيَّن. - أو بدعته: وهي اعتقادُ ما أُحدث على خِلافِ المعروف عن النبيّ ﷺ لا بمعاندةٍ بل بِنَوعِ شُبْهَةٍ (٣).

стр. 85

- أو سوءِ حِفْظِه: وهي عبارةٌ عمَّنْ يكونُ غَلَطهُ أَقَلَّ مِنْ إصابَتِه. فالقِسْمُ الأول: وهو الطَّعْنُ بِكَذِبِ الراوي في الحديث النبوي هو الموضوع (١). والحُكْمُ عليه بالوَضْع إنما هو بطريق الظَّنِّ الغالِبِ لا بالقَطْعِ، إذْ قَدْ يَصْدُقُ الكَذُوبُ، لكنْ لِأهلِ العِلْم بالحديثِ مَلَكَةٌ قويةٌ يُميّزونَ بها ذلك، وإنما يقومُ بذلك منهم مَنْ يكونُ اطِّلاعُه تامًّا، وذِهْنُه ثاقِبًا، وفَهْمُه قويًّا، ومَعْرِفَتهُ بالقرائن الدَّالَّةِ على ذلك مُتَمَكِّنَةً. وقد يُعْرَفُ الوَضْعُ بإقرارِ واضِعِه قال ابن دقيق العيد (٢): "لكنْ لا يُقْطَعُ بذلك، لِاحتمالِ أنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإقرارِ" انتهى. وفَهِمَ منه بعضُهم (٣) أنه لا يُعمَلُ بذلك الإقرارِ أصلًا، وليسَ ذلك مُرادَه، وإنما نفى القَطْعَ بذلك، ولا يَلْزَمُ مِنْ نَفْي القَطْع نَفْيُ الحُكْمِ، لأنَّ الحُكْمَ يَقَعُ بالظَّنِّ الغالبِ وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لَمَا سَاغَ قَتْلُ المُقِرِّ بالقَتْلِ ولا رَجْمُ المُعترِف بالزِّنا، لِاحتمالِ أنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعترفا به. ومن القرائنِ التي يُدْرَكُ بها الوضعُ ما يُؤْخَذُ من حال الراوي، كما وَقع

стр. 86

للمأمون بن أحمد (١) أنه ذُكِرَ بحضرته الخلافُ في كَوْنِ الحَسَنِ (٢) سَمِعَ من أبي هريرة أَوْ لا، فسَاقَ في الحالِ إسنادًا إلى النبيّ ﷺ أنه قال: "سَمِعَ الحَسَنُ من أبي هُريرةَ". وكما وَقَعَ لغياث بن إبراهيم (٣) حيثُ دَخَلَ على المهدي (٤) فوجدَه يلعبُ بالحَمَام فَسَاقَ في الحال إسنادًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "لا سَبَقَ إلَّا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حافِرٍ (٥) أو جَنَاحٍ" فزاد في الحديث "أو جَنَاحٍ" فعَرَفَ المَهْديُّ أنه كَذَبَ لأجلهِ فأَمَرَ بذَبْحِ الحمَامِ. ومنها ما يُؤخَذُ من حال المَرويِّ كأَنْ يكونَ مُناقِضًا لنص القرآن أو السُّنَّة المُتواتِرة، أو الإجماعِ القَطْعِيّ، أو صريح العَقْلِ، حيثُ لا يَقْبلُ شيءٌ من ذلك التأويل (٦). ثُمَّ المَرْوِيُّ تَارَةً يَخترعُه الواضِعُ، وتارَةً يَأخُذُ كلامَ غيرِه كبعضِ

стр. 87

السَّلَفِ الصالح، أو قدماءِ الحكماء، أو الإسرائيليات، أو يَأخُذُ حديثًا ضعيفَ الإسنادِ فيركِّبُ له إسنادًا صحيحًا لِيَرُوجَ. والحامِلُ لِلواضِع على الوَضْعِ: إمّا عَدَمُ الدِّيْنِ كالزنادِقَة، أوْ غَلَبةُ الجهل كبعض المتعبِّدين، أو فَرْطُ العصبيَّةِ كبعض المُقَلِّدين، أو اتباعُ هوى بعض الرؤساء، أو الإغرابُ لِقَصْد الاشتهار. وكلُّ ذلك حرامٌ بإجماعِ مَنْ يُعْتَدُّ به، إلا أنَّ بعضَ الكَرَّامية (١)، وبعضَ المُتصوِّفةِ نُقِلَ عنهم إباحةُ الوَضْعِ في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعِله نشأ عن جهلٍ، لأن الترغيبَ والترهيبَ من جُملةِ الأحكامِ الشرعية، واتفقوا على أنَّ تَعَمُّدَ الكَذِبِ على النبيّ ﷺ من الكبائر، وبالَغ أبو محمد الجُويني (٢) فكفّر من تَعَمَّدَ الكَذِبَ على النبي ﷺ . واتفقوا على تحريم روايةِ الموضوع إلّا مقرونًا ببيانه لقوله ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عني بحديثٍ يُرَى أنه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبِيْن" (٣) أخرجه مسلم. والقِسْمُ الثاني من أقسام المردود: وهو ما يكون بسبب تُهمَةِ الراوي بالكَذِبِ هو المتروكُ (٤). والثالثُ: المُنْكَرُ على رأي من لا يشترِطُ في المُنْكَرِ قَيْدَ المُخَالَفَةِ وكذا

стр. 88

الرابعُ والخامسُ. فَمَنْ فَحشَ غَلَطُه أو كَثُرتْ غَفْلَتُه أو ظَهَرَ فِسْقُه فحديثهُ مُنْكَر (١). ثُمَّ الوَهَمُ: وهو القِسْمُ السادس، وإنما أفْصَحَ به لطُولِ الفَصْلِ -إنِ اطُّلِعَ عليه أيْ الوَهَمِ بالقرائنِ الدالَّةِ على وَهَمِ راوِيه- مِنْ وَصْلِ مُرْسَلٍ أو مُنْقَطِعٍ أو إِدْخالِ حديثٍ في حديث، أو نحو ذلك من الأشياءِ القادِحة وتَحصُلُ معرفةُ ذلك بكَثرَةِ التتبُّع وجَمْعِ الطُّرُق- فهذا هو المُعَلَّل (٢) (٣). وهو من أَغْمَضِ أنواع علوم الحديث وأَدَقِّها، ولا يقومُ به إلا مَنْ رَزَقَه اللهُ تعالى فَهْمًا ثاقبًا وحِفْظًا واسِعًا ومعرفةً تامَّة بمراتبِ الرواة، ومَلَكَةً قويةً بالأسانيد والمُتُون، ولهذا لم يَتَكَلَّمْ فيه إلَّا القَليلُ مِنْ أهلِ هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة (٤)، وأبي حاتم، وأبي زُرْعة، والدَّارقُطْني، وقد تَقْصُرُ عبارةُ المُعَلِّل عن إقامةِ الحُجَّةِ على دَعْواهُ كالصَّيْرَفِيِّ في نقد الدينار والدِّرْهَم (٥).

стр. 89

ثُمَّ المُخَالَفَةُ (١) وهى القِسْمُ السابع: إِنْ كانَتْ واقعةً بسببِ تغيير السياقِ أيْ سياقِ الإسنادِ فالواقعُ فيه ذلك التغييرُ هو مُدْرَجُ (٢) الإسناد وهو أقسام: الأول: أنْ يَرويَ جماعةٌ الحديث بأسانيدَ مُختلِفَةٍ، فَيَرْويَهُ عنهم راوٍ فيَجْمَعَ الكُلَّ على إسنادٍ واحدٍ من تلك الأسانيدِ ولا يُبَيِّنَ الاختلافَ. الثاني: أنْ يكونَ المَتْنُ عند راوٍ إلَّا طَرَفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راوٍ عنه تامًّا بالإسناد الأول. ومنه: أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفًا منه فيسمَعهُ عن شيخه بواسِطة، فيرويَهُ راوٍ عنه تمامًا بِحذْفِ الواسِطة. الثالث: أن يكونَ عند الراوي مَتْنَانِ مُخْتَلِفَان بإسنادَيْن مُختَلِفَيْن، فيرويَهُما راوٍ عنه مُقْتَصِرًا على أَحَدِ الإسنادين، أو يرويَ أحدَ الحديثين بإسناده الخاصِّ به لكنْ يزيدَ فيه مِنَ المَتْنِ الآخرِ ما ليس في الأول. الرابع: أنْ يَسُوقَ الإسناد فيَعْرِضَ له عارِضٌ، فيقولَ كلامًا من قِبَل نَفْسِه، فيَظُنَّ بعضُ مَنْ سَمِعَه أنَّ ذلك الكلامَ هو مَتْنُ ذلك الإسنادِ فيرويَهُ عنه كذلك (٣).

стр. 90

هذه أقسامُ مُدْرَجِ الإسنادِ. وأما مُدْرَجُ المَتْنِ: فهو أنْ يقعَ في المَتْنِ كلامٌ ليس منه. فتارَةً يكونُ في أولِه، وتارَةً في أثنائه، وتارةً في آخره وهو الأكثرُ، لأنه يقعُ بعطفِ جُملةٍ على جُملةٍ، أو بدَمْجِ موقوفٍ من كلام الصحابةِ أو مَنْ بَعْدَهم بمرفوعٍ من كلامِ النبي ﷺ مِنْ غيرِ فَصْلٍ، فهذا هو مُدْرَجُ المَتْنِ. ويُدْرَكُ الإدراجُ بورود رِوايةٍ مُفَصِّلةٍ للقَدْرِ المُدْرَج فيه. أو بالتنصيصِ على ذلك من الراوي، أو مِنْ بعضِ الأئمةِ المُطَّلِعين، أو باستحالةِ كَوْنِ النبيِّ ﷺ يقولُ ذلك (١). وقد صنَّفَ الخطيبُ في المُدْرَج كتابًا، ولخَّصتُه وزِدْتُ عليه قَدْرَ ما ذَكَر مرتين أو أكثر، ولله الحمدُ (٢). أو إنْ كانتِ المُخالَفةُ بتقديمٍ أو تأخير أي في الأسماءِ كمُرَّةَ بن كَعْبٍ وكَعْب بن مُرَّة، لأنَّ اسمَ أحدِهما اسمُ أبي الآخر فهذا هو المقلوبُ (٣)،

стр. 91

ولِلخطيب فيه كتابُ "رافِع الارتياب". وقد يَقعُ القلبُ في المَتْن أيضًا كحديث أبي هريرةَ عند مُسلمٍ في السبعة الذين يُظِلُّهم اللهُ في عَرْشهِ فَفِيه: "ورجلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ أخفاها حتى لا تَعْلَمَ يمينهُ ما تُنْفِقُ شِمالُه"، فهذا مما انْقَلبَ على أحدِ الرواةِ، وإنما هو: "حتى لا تَعلمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينهُ" كما في الصحيحَيْن (١). أو إنْ كانتِ المُخالَفَةُ بزيادةِ راوٍ في أثناءِ الإسناد ومَنْ لم يزِدْها أتقنُ ممَّنْ زادَها فهذا هو المزيدُ في مُتَّصِل الأسانيد (٢). وشَرْطُه أن يقعَ التصريحُ بالسماعِ في موضعِ الزيادةِ، وإلَّا فمتَى كان مُعَنْعَنًا مثلًا ترجَّحَتِ الزيادةُ. أو كانتِ المُخالَفةُ بإبدالهِ أي الراوي ولا مُرَجِّحَ لإحدى الروايتين على الأخرى فهذا هو المُضْطرِبُ (٣).

стр. 92

وهو يقعُ في الإسناد غالبًا. وقد يَقعُ في المَتْن. لكنْ قَلّ أنْ يَحْكُمَ المُحَدِّثُ على الحديث باضطرابٍ بالنسبة إلى اختلافٍ في المَتْنِ دونَ الإسناد. وقد يقعُ الإبدال عَمْدًا لِمَنْ يُرادُ اختبارُ حِفْظِهِ امتحانًا مِن فاعله، كما وقع للبخاري (١) والعُقَيْلي (٢) وغيرهما. وشرطُه ألَّا يستمرّ عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقعَ الإبدالُ عَمْدًا لا لمصلحةٍ بل للإغراب مثلًا فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غَلَطًا فهو من المقلوب أو المُعَلَّل. أو إن كانتِ المُخالَفةُ بتغيير حرفٍ أو حروف مع بقاء صورة الخطِّ في السِّياق فإن كان ذلك بالنسبة إلى النَّقْطِ فالمُصحَّف. وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحَرَّف (٣). ومعرفَةُ هذا النوعِ مُهِمَّة، وقد صنَّف فيه العسكري (٤) والدارقطني

стр. 93

وغيرهما، وأَكْثَرُ ما يقعُ في المُتُون، وقد يَقعُ في الأسماء التي في الأسانيد. ولا يجوزُ تَعَمُّدُ تغيير صورة المَتْن مُطلَقًا، ولا الاختصارُ منه بالنَّقْص، ولا إبدالُ اللفظ المُرادِف باللفظ المرادف له إلَّا لِعالِمٍ بمدلولاتِ الألفاظ وبما يُحيلُ المعاني، على الصحيح في المسألتين. أمَّا اختصارُ الحديثِ: فالأكثرون على جَوَازِهِ بِشَرْط أنْ يكونَ الذي يَختصِرُهُ عالمًا، لأنَّ العالِمَ لا يَنْقُصُ من الحديث إلَّا ما لا تَعَلُّقَ له بما يُبقيه منه، بحيثُ لا تختلفُ الدَّلالةُ ولا يَخْتَلُّ البيانُ، حتى يكونَ المذكورُ والمحذوفُ بمنزلة خبَرَيْن، أو يدلَّ ما ذَكَرَهُ على ما حذَفه، بخلاف الجاهِلِ فإنه قد يَنْقُصُ ما له تَعَلُّقٌ كَتَرْكِ الاستثناء. وأمَّا الرِّوايةُ بالمعنى: فالخلافُ فيها شهيرٌ والأكثرُ على الجَوَاز أيضًا، ومِنْ أَقْوى حُجَجِهم الإجماعُ على جَوَازِ شَرْحِ الشريعة لِلْعَجَمِ بلسانهم للعارِف به، فإذا جازَ الإبدالُ بِلُغَةٍ أُخرى فَجَوَازهُ باللُّغةِ العربية أَوْلى. وقيل: إنَّما تجوزُ في المُفردات دونَ المُرَكَّباتِ، وقيل: إنَّما تَجُوزُ لِمَنْ يَسْتَحْضِرُ اللفظَ لِيَتَمَكَّنَ من التصرُّفِ فيه. وقيل: إنما تجوزُ لِمَنْ كان يحفَظُ الحديثَ فنَسِيَ لفظهُ وبَقِيَ معناهُ مُرتَسمًا في ذِهْنِه فَلَهُ أن يَرْوِيَه بالمعنى لمَصْلَحَةِ تَحْصيلِ الحُكْمِ منه، بِخلافِ مَنْ كانَ مُستَحْضِرًا لِلَفْظِهِ. وجميعُ ما تقدَّمَ يتعلَّقُ بالجوازِ وعَدَمهِ، ولا شكَّ أنّ الأَولى إيرادُ الحديثِ بألفاظه دون التصرُّف فيه. قال القاضي عِياض: "ينبغي سَدُّ بابِ الرِّواية بالمعنى لئَلّا يتسلَّطَ مَن

стр. 94

لا يُحْسِنُ مِمَّنْ يَظُنُّ أنّه يُحْسِنُ كما وَقَعَ لِكَثيرٍ مِنَ الرُّواةِ قديمًا وحديثًا". واللهُ المُوفِّق (١). فإنْ خَفِيَ المعنى بأنْ كانَ اللفظُ مُستعمَلًا بِقِلَّةٍ احْتِيجَ إلى الكُتُبِ المُصَنَّفَة في شَرْحِ الغريب (٢). كَكِتابِ أبي عُبيد القاسمِ بنِ سلَّام (٣) وهو غيرُ مُرَتَّبٍ، وقَدْ رتَّبهُ الشيخُ مُوَفَّقُ الدِّين بنُ قُدَامَة (٤) على الحروف، وأَجْمَعُ منه كتابُ أبي عُبَيدٍ الهَرَوي (٥)، وقد اعتنى به الحافظُ أبو موسى المَدِيني (٦)، فنَقَّبَ عليه

стр. 95

واستدرَكَ، وللزمخشريّ (١) كتابٌ اسمهُ "الفائِق" حَسَنُ الترتيب، ثُمَّ جَمَعَ الجميعَ ابنُ الأثير (٢) في "النِّهاية"، وكتابهُ أَسْهَلُ الكُتُبِ تناوُلًا مع إعْوَازٍ قليلٍ فيه. وإنْ كانَ اللفظُ مُستعمَلًا بكَثْرة لكنْ في مَدْلُولهِ دِقَّةٌ احْتيجَ إلى الكُتُب المُصنَّفَة في شرح معاني الأخبار وبيانِ المُشْكِل منها (٣). وقد أكثرَ الأئمَّة من التصانيف في ذلك كالطَّحَاوي والخَطَّابِي وابن عَبْد البَرِّ (٤) وغيرهم. ثُمَّ الجَهالَةُ بالراوي: وهي السببُ الثامِنُ في الطَّعْنِ. وسببُها أَمْرانِ: أحدُهما: أنَّ الرَّاوِيَ قد تَكْثُرُ نُعُوتُه من اسمٍ أو كُنيةٍ أو لَقَبٍ أو صِفَةٍ أو حِرْفَةٍ أو نَسَبٍ، فَيَشْتَهِرُ بشيءٍ منها (٥)، فَيُذْكَرُ بغير ما اشْتَهَرَ بهِ لِغَرَضٍ من الأغراض فَيُظَنُّ أنه آخَرُ، فيَحْصُلُ الجَهْلُ بِحالِهِ. وصَنَّفوا فيه أيْ في هذا النَّوعِ الموضح لأوْهَامِ الجَمْعِ والتفريق، أَجَادَ

стр. 96

فيه الخطيبُ وسبَقَه إليه عبدُ الغَني هو ابنُ سعيدٍ المصري وهو الأزْدِيّ أيضًا (١)، ثم الصُّورِيّ (٢). ومِنْ أمثلتهِ: محمدُ بن السائبِ بن بِشْرٍ الكَلْبِىّ (٣). نسَبَهُ بعضُهم إلى جَدِّه، فقال: محمدُ بنُ بِشْرٍ، وسمَّاهُ بعضُهم حمَّادَ بنَ السائب، وكنَّاهُ بعضُهم أبا النَّضْر، وبعضُهم أبا سعيد، وبعضهم أبا هِشَام، فصار يُظَنُّ أنه جماعةٌ وهو واحِدٌ، ومَنْ لا يَعْرِفُ حقيقةَ الأمر فيه لا يَعْرِفُ شيئًا من ذلك. والأمرُ الثاني: أنَّ الراويَ قد يكونُ مُقِلًّا من الحديث فلا يَكْثُرُ الأَخْذُ عنه. وقد صنَّفوا فيه الوُحْدَانَ وهو من لم يَرْوِ عنه إلَّا واحدٌ ولو سُمِّيَ. فَمِمَّنْ جَمَعَه مُسلِمٌ (٤) والحسنُ بنُ سفيانَ (٥) وغيرُهما. أَوْ لا يُسَمَّى الراوي اختِصارًا من الراوي عنه (٦)، كقوله: أَخبرَني

стр. 97

فُلانٌ، أو شَيْخٌ، أو رَجُلٌ، أو بعضُهم، أو ابنُ فلانٍ. ويُستدَلُّ على معرفةِ اسمِ المُبْهَم بورودِه من طريقٍ أُخرى مُسَمًّى. وصَنَّفوا فيه المُبْهَمات. ولا يُقْبَلُ حَديثُ المُبْهَم ما لم يُسَمَّ، لأنَّ شرطَ قَبولِ الخَبَرِ عَدَالةُ رُواتهِ، ومَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لا يُعرَفُ عَيْنهُ فكيف عَدالَتُه؟ وكذا لا يُقْبلُ خَبَرُه وَلَو أُبْهِمَ بلَفْظِ التعديل. كأَنْ يقولَ الراوي عنه: أَخْبَرَني الثِّقَةُ، لأنه قد يكونُ ثِقةً عِنْدَه مجروحًا عند غيره. وهذا على الأصَحِّ في المسألة، ولهذه النُّكْتَةِ لم يُقْبَلِ المرسَلُ ولو أرسَلَه العَدْلُ جازِمًا به لهذا الاحتمال بعَيْنهِ. وقيل: يُقْبَلُ تمسُّكًا بالظاهر إذِ الجَرْحُ على خِلافِ الأَصْل، وقيل: إِنْ كانَ القائِلُ عالِمًا أَجزأَهُ ذلك في حقِّ مَنْ يوافِقُه في مَذْهَبِه، وهذا ليس من مباحثِ عُلُومِ الحديث (١) والله تعالى المُوَفِّق. فإنْ سُمِّيَ الراوي وانفردَ راوٍ واحدٌ بالرِّواية عنه فهو مجهولُ العَيْنِ (٢)

стр. 98

كالمُبْهَم إِلَّا أنْ يُوثِّقَه غَيْرُ مَنْ يَنْفرِدُ به عنه على الأصحّ، وكذا مَنْ ينفردُ عنه إذا كان متأهِّلًا لذلك. أو إِنْ روى عنه اثنانِ فصاعدًا ولم يُوَثَّقْ فهو مجهولُ الحال، وهو المَستُور (١). وقَدْ قَبِلَ روايتَه جماعةٌ بغَيْرِ قَيْدٍ، ورَدَّها الجمهورُ. والتحقيقُ أَنَّ رِوايةَ المستور ونحوه مِمَّا فيه الاحتمالُ؛ لا يُطلَقُ القولُ بِرَدِّها ولا بِقَبولها، بَلْ يُقالُ: هي موقوفةٌ إلى اسْتِبانَةِ حَالهِ، كما جَزمَ به إمامُ الحَرَمَيْنِ، ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَنْ جُرِحَ بَجَرْحٍ غَيْرِ مُفَسَّرٍ (٢). ثُمَّ البِدْعَةُ: وهي السببُ التاسِعُ من أسباب الطَّعْنِ في الراوي: وهي إمَّا أنْ تكونَ بِمُكَفِّرٍ كأنْ يعتقدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ (٣)، أو بِمُفَسِّقٍ.

стр. 99

فالأولُ: لا يَقْبَلُ صاحبَها الجمهورُ، وقيل: يُقْبَل مُطْلَقًا، وقيل: إِنْ كانَ لا يعتقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لِنُصْرَةِ مَقَالَتِهِ قُبِل. والتحقيقُ أنَّه لا يُرَدُّ كلُّ مُكَفَّر ببدعةٍ لأنَّ كُلَّ طائفةٍ تدَّعي أنَّ مُخالِفِيها مُبْتَدِعةٌ، وقد تُبالِغُ فَتُكَفِّرُ مُخَالِفَها، فلو أُخِذَ ذلكَ على الإطلاقِ لاستَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أنَّ الذي تُرَدُّ روايتهُ مَنْ أَنْكَر أمرًا متواتِرًا من الشَّرْع معلومًا من الدِّين بالضرورة، وكذا مَنِ اعتقدَ عكسَه، فأمّا مَنْ لم يَكُنْ بهذه الصفة وانضمَّ إلى ذلك ضَبْطُه لِمَا يَرْويه مع وَرَعهِ وتَقْوَاهُ فلا مانِعَ مِنْ قَبولِهِ (١). والثاني: وهو مَنْ لا تقتضي بِدْعَتُهُ التكفيرَ أصلًا، وقد اختُلِف أيضًا في قَبولِهِ ورَدِّه: فقيل: يُرَدُّ مُطْلَقًا. وهو بعيدٌ، وأكثرُ ما عُلِّلَ به أنَّ في الرِّواية عنه تَرويجًا لأمْرِه وتنويهًا بذِكْرِه، وعلى هذا فينبغي ألَّا يُرْوَى عن مُبْتَدِعٍ شيءٌ يُشارِكُه فيه غيرُ مُبْتَدِع، وقيل: يُقْبَلُ مُطْلَقًا (٢) إلا إنِ اعتَقَدَ حِلَّ الكذب كما تقدَّم، وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته، لأن تزيينَ بدعته قد يَحمِلُه على تحريف الرِّواياتِ وتَسْويتِها على ما يقتضيه مذهبُه، وهذا في الأصحِّ. وأغربَ ابنُ حِبَّان فادَّعى الاتفاقَ على قَبولِ غيرِ الدَّاعِيَةِ مِنْ غَيْرِ

стр. 100

تفصيلٍ (١). نَعَمْ الأَكْثَرُ على قَبولِ غيرِ الدَّاعِيَةِ إلَّا أَنْ يرويَ ما يُقَوِّي بِدْعتَه فَيُرَدَّ على المذهب المختارِ، وبه صرَّح الحافظُ أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجاني (٢) شيخُ أبي داودَ والنَّسائي في كتابه "مَعْرِفةُ الرِّجال"، فقال في وَصْف الرُّواةِ: "ومنهم زائِغٌ عن الحقِّ -أي عن السُّنَّةِ- صادِقُ اللَّهْجَةِ فليسَ فيه حِيْلَةٌ إلَّا أنْ يُؤخَذَ مِنْ حديثهِ ما لا يكونُ مُنْكَرًا إذا لم يُقَوِّ به بِدْعَتَه" انتهى. وما قالَهُ مُتَّجِهٌ لأنَّ العِلَّةَ التي لها رُدَّ حديثُ الدَّاعيةِ وارِدَةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المَرْويِّ يوافِقُ مذهبَ المُبتَدِعِ ولو لمْ يكُنْ داعِيَةً، والله أعلم. ثُمَّ سُوءُ الحِفْظِ: وهو السببُ العاشرُ من أسباب الطَّعْنِ، والمرادُ به مَنْ لم يَرْجَحْ جانبُ إصابتهِ على جانبِ خَطَئِه، وهو على قِسْمين: إِنْ كانَ لازِمًا للراوي في جميع حالاتِه فهو الشاذُّ على رأي بعضِ أهلِ الحديث (٣). أو إِنْ كان سُوءُ الحِفْظِ طارِئًا على الراوي، إمَّا لكِبَرِه، أو لِذَهابِ بَصَرِه، أو لاحتراقِ كُتبهِ، أو عَدَمِها، بأنْ كان يعتمدُها فرَجَعَ إلى حِفْظِه فَسَاءَ فهذا هو المُخْتَلِطُ (٤). والحُكْمُ فيه أنَّ ما حَدَّثَ به قَبْلَ الاختلاطِ إذا تَمَيَّزَ قُبِلَ، وإذا لم

стр. 101

يَتميزْ تُوُقِّفَ فيه، وكذا من اشْتَبَهَ الأمرُ فيه، وإنما يُعرَفُ ذلك باعتبارِ الآخِذينَ عنه (١). ومتى تُوبعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بمُعْتَبَرٍ (٢)، كأَنْ يكونَ فوقَه أو مِثلَه لا دُونَه، وكذا المُخْتَلِطُ الذي لم يتميَّزْ والمستورُ والإسناد المُرسَلُ وكذا المُدَلَّس إذا لم يُعْرَفْ المحذوفُ منه: صار حديثُهم حَسَنًا لا لِذَاتِهِ، بَلْ وَصْفُه بذلك باعتبار المجموع من المَتابعِ والمتابَعِ، لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم احتمالُ أن تكونَ روايتهُ صوابًا أو غيرَ صَوابٍ على حدٍّ سَوَاء، فإذا جاءتْ مِن المُعْتَبَرِين روايةٌ موافِقَةٌ لأحدهم رُجِّحَ أحدُ الجانبين من الاحتمالين

стр. 102

المذكورَيْن، ودَلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ محفوظٌ، فارتقى من درجة التوقُّفِ إلى درجة القَبول. ومع ارتقائه إلى درجة القَبولِ فهو مُنْحَطٌّ عن رُتْبَةِ الحَسَنِ لِذَاتِه، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عن إطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليه. وقدِ انْقَضى ما يتعلَّقُ بالمَتْنِ مِنْ حيثُ القَبولُ والرَّدُّ. ثُمَّ الإسنادُ وهو الطريقُ المُوصِلَةُ إلى المَتْنِ. والمَتْنُ: هو غايةُ ما ينتهي إليه الإسنادُ مِنَ الكَلام. وهو إمَّا أن ينتهيَ إلى النبىّ ﷺ ويقتضى لفظُه -إمّا تصريحًا أو حُكمًا- أنَّ المنقولَ بذلك الإسناد من قوله ﷺ أو من فعله أو من تقريره. مثالُ المرفوعِ من القَوْل تصريحًا: أن يقولَ الصحابيُّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو: حدَّثَنا رسولُ الله ﷺ بكذا، أو يقولَ هو أو غيرُه: قال رسول الله ﷺ كذا، أو: عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا، ونحوَ ذلك. ومثالُ المرفوعِ من الفعل تصريحًا: أنْ يقولَ الصحابيُّ: رأيتُ رسولَ الله ﷺ فَعَلَ كذا، أو يقولَ هو أو غيرهُ: كان رسولُ الله ﷺ يفعلُ كذا. ومثالُ المرفوعِ من التقرير تصريحًا: أنْ يقولَ الصحابيُّ فَعَلْتُ بحَضْرةِ النبيِّ ﷺ كذا، أو يقولَ هو أو غيرُه: فَعَلَ فلانٌ بحَضْرة النبيِّ ﷺ كذا، ولا يَذْكُرَ إنكارَهُ لذلك. ومثالُ المرفوع مِنَ القَوْل حُكمًا لا تصريحًا: ما يقولُ الصحابيُّ -الذي لم يَأخذْ عن الإسرائيلياتِ (١) - ما لا مجالَ للاجتهاد فيه (٢)، ولا لَهُ تَعَلُّقٌ

стр. 103

ببيانِ لُغَةٍ أو شرحٍ غريبٍ، كالإخبار عن الأمور الماضية من بَدْءِ الخَلْقِ وأخبارِ الأنبياء، أو الآتيةِ كالملاحِمِ والفِتَنِ (١) وأحوالِ يومِ القِيامة، وكذا الإخبارِ عمَّا يَحْصُلُ بفعله ثوابٌ مخصوصٌ أو عِقَابٌ مخصوص. وإنما كان له حُكْمُ المرفوع، لأنَّ إِخبارَه بذلك يقتضي مُخْبِرًا له، وما لا مَجَالَ للاجتهاد فيه يقتضي مُوَقِّفًا (٢) للقائِل به، ولا مُوَقِّفَ للصحابة إلَّا النبيُّ ﷺ أو بعضُ مَنْ يُخبِرُ عن الكُتُب القديمة، فلِهذا وَقَعَ الاحترازُ عنِ القِسْم الثاني (٣). فإذا كان كذلك فَلَهُ حُكْمُ ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو مرفوعٌ سَوَاءٌ كان مِمَّا سَمِعَه منه أو عنه بواسطة. ومثالُ المرفوعِ من الفِعْل حُكْمًا: أنْ يفعلَ (٤) ما لا مجالَ للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّلُ على أنَّ ذلك عندَه عن النبي ﷺ ، كما قال الشافعيُّ في صلاة عليٍّ في الكُسُوف في كُلِّ رَكْعَةٍ أكثرُ من رُكُوعَيْن (٥). ومثالُ المرفوعِ من التقرير حُكمًا: أنْ يُخبِرَ الصحابيُّ أنهم كانوا يفعلون في زمان النبي ﷺ كذا (٦)، فإنه يكونُ له حُكْمُ الرَّفْع مِنْ جِهَةِ أنَّ الظاهِرَ اطِّلاعُه ﷺ على ذلك لِتَوفُّرِ دَوَاعِيهم على سؤاله عن أمُورِ دينهم،

стр. 104

ولأنَّ ذلك الزمانَ زمانُ نزولِ الوَحْي فلا يقعُ من الصحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويَستَمِرُّون عليه إلَّا وهو غيرُ ممنوعِ الفِعْلِ. وقَدْ استدَلَّ جابرٌ وأبو سعيدٍ ﵄ على جواز العَزْلِ بأنَّهم كانوا يَفْعَلونَه والقرآنُ يَنْزِلُ (١)، ولو كان مما يُنْهَى عنه لنَهَى عنه القرآنُ. ويَلْتَحِقُ بقوله "حُكمًا" ما وَرَدَ بصيغة الكِناية في مَوْضِعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنسبةِ إليه ﷺ كقول التابعيِّ عن الصحابيِّ: "يَرْفَعُ الحديثَ، أو يَرْوِيه، أو يَنْمِيه، أو روايةً، أو يبلُغُ به، أو رَوَاه" (٢). وقد يَقْتَصِرُونَ على القول مع حَذْفِ القائل (٣)، ويريدون به النبيَّ ﷺ كقول ابنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ قال: قال: تُقاتِلون قومًا. . . الحديث (٤)، وفي كلام الخطيبِ أنه اصطلاحٌ خاصٌّ بأهل البَصْرة. ومن الصيغِ المحتملة قولُ الصحابي: "من السُّنَّة كذا"، فالأكثرُ أنَّ ذلك مرفوعٌ، ونَقَلَ ابنُ عبد البَرِّ فيه الاتفاقَ، قال: وإذا قالها غيرُ الصحابي فكذلك ما لم يُضِفْهَا إلى صاحِبِها كَسُنَّةِ العُمَرَيْن، وفي نَقْلِ الاتفاقِ نَظَرٌ، فعَنِ الشافعي في أصلِ المسألة قَولانِ، وذهبَ إلى أنه غيرُ مرفوعٍ أبو بكرٍ الصَّيْرَفيّ (٥) من الشافعية، وأبو بكرٍ الرازي من الحَنَفِيَّة،

стр. 105

وابنُ حَزْمٍ (١) من أهل الظاهر، واحتجّوا بأنَّ السُّنَّةَ تترددُ بين النبي ﷺ وبين غيره. وأُجِيبوا: بأنَّ احتمالَ إرادةِ غيرِ النبي ﷺ بعيدٌ، وقد روى البخاريُّ في صحيحهِ في حديث ابنِ شِهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحَجَّاجِ حين قال له: "إنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بالصلاة" قال ابنُ شِهاب: فقلتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَهُ رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: "وهل يَعْنُونَ بذلك إلا سُنَّتَه؟! " (٢)، فنَقَلَ سالمٌ -وهو أحدُ الفقهاء السبعة (٣) من أهل المدينة وأحدُ الحفَّاظِ من التابعين- عن الصحابة أنهم إذا أَطلقوا السنةَ لا يريدون بذلك إلا سنةَ النبيِّ ﷺ . وأمَّا قولُ بعضِهم: إنْ كان مرفوعًا فَلِمَ لا يقولون فيه: قال رسولُ الله؟ فجوابُه: أنهم تركوا الجَزْمَ بذلك تورّعًا واحتياطًا، ومن هذا قولُ أبي قِلابَةَ (٤) عن أنس: "مِنَ السُّنةِ إذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثيِّبِ أقامَ عندها سَبْعًا" أخرجاه في الصحيح (٥).

стр. 106

قال أبو قِلابَةَ: "لو شِئْتُ لَقُلْتُ إنَّ أنسًا رفعَه إلى النبي ﷺ ". أي لو قلت لم أَكذِبْ لأنَّ قولَه: "من السُّنةِ" هذا معناه، لكنَّ إيرادَهُ بالصيغة التي ذَكرَها الصحابة أَوْلى. ومن ذلك قولُ الصحابي: "أُمِرنا بكذا" أو "نُهينا عن كذا"، فالخلافُ فيه كالخِلافِ في الذي قَبْلَه (١) لأنَّ مُطْلَقَ ذلك يَنْصرِفُ بظاهره إلى مَنْ له الأمرُ والنهيُ وهو الرسولُ ﷺ . وخالفَ في ذلك طائفةٌ تمسَّكوا باحتمالِ أنْ يكونَ المرادُ غَيْرَه كأَمْرِ القرآنِ أو الإجماعِ أو بعضِ الخُلَفَاءِ أو الاستنباطِ؟ وأُجيبوا: بأنَّ الأصلَ هو الأولُ وما عَدَاهُ مُحتَمل، لكنّه بالنسبة إليه مَرْجُوحٌ. وأيضًا فمَنْ كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفهمُ عنه أنَّ آمِرَه إلا رئيسُه. وأمَّا قَوْلُ مَنْ قال: يَحْتَمِلُ أنْ يَظُنَّ ما ليس بأمرٍ أمرًا فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّحَ فقال: أَمَرنا رسولُ الله ﷺ بكذا، وهو احتمالٌ ضعيفٌ، لأنَّ الصحابيَّ عَدْلٌ عارِفٌ باللسانِ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بَعْدَ التحقيق. ومن ذلك قولُه: "كُنَّا نفعلُ كذا"، فله حُكْمُ الرفع أيضًا كما تقدم (٢). ومن ذلك أنْ يَحكُمَ الصحابيُّ على فِعْلٍ من الأفعال بأنه طاعةٌ لله أو لِرسوله أو معصيةٌ، كقولِ عمَّار: "مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصى

стр. 107

أبا القاسم ﷺ " (١). فهذا حُكْمُهُ الرَّفْعُ أيضًا لأن الظاهرَ أنَّ ذلك ممَّا تَلَقَّاهُ عنه ﷺ . أو تنتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابي (٢) كذلك، أي مِثْلُ ما تقدَّمَ في كَوْنِ اللفظِ يقتضي التصريحَ بأنَّ المنقولَ هو مِنْ قَوْلِ الصحابي أو مِنْ فِعْلِه أو من تقريرِه، ولا يَجيءُ فيه جميعُ ما تقدَّمَ بلْ مُعْظَمُه، والتشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فيه المساواةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. ولما كان هذا المُختَصرُ شاملًا لجميع أنواع علوم الحديث اسْتطردْتُ منه إلى تعريفِ الصحابيّ ما هو فقُلْتُ: وهو مَنْ لَقِيَ النبيَّ ﷺ مُؤمِنًا به وماتَ على الإسلامِ ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ في الأصَحِّ. والمرادُ باللِّقاء ما هو أعمُّ من المُجَالَسَة والمُمَاشَاة ووصولِ أحدِهما إلى الآخر وإن لم يُكالِمْهُ، ويَدْخُل فيه رُؤيةُ أحدِهما الآخر سَوَاءٌ كان ذلك بنَفْسِه أَمْ بغيرِه. والتعبيرُ باللُّقِىِّ أَوْلى مِن قَوْل بعضِهم: "الصحابيُّ مَنْ رأى النبىَّ ﷺ "، لأنه يُخرِجُ ابنَ أمِّ مكتومٍ (٣) ونَحْوَه من العُمْيانِ، وهم صحابةٌ بِلا تردُّدٍ، و"اللُّقِيُّ" في هذا التعريف كالجنس. وقَوْلي: "مؤمنًا به" كالفَصْل يُخْرِجُ مَنْ حَصَلَ له اللِّقاءُ المذكورُ لكنْ في حالِ كَوْنهِ كافرًا. وقولي: "بِهِ". فَصْلٌ ثانٍ يُخْرِجُ مَنْ لَقِيَهُ مؤمنًا، لكنْ بغيرهِ من

стр. 108

الأنبياء. لكنْ هل يُخرِجُ مَنْ لَقِيَه مؤمنًا بأنه سَيُبْعَثُ ولم يُدركِ البِعثةَ؟ فيه نَظَرٌ (١). وقولي: "وماتَ على الإسلام"، فَصْلٌ ثالثٌ يُخْرِجُ مَنِ ارتدَّ بعد أنْ لَقِيَه مؤمنًا وماتَ على الرِّدَّة كعُبَيد الله بن جَحْشٍ وابنِ خَطَل. وقولي: "ولو تَخَلَّلتْ رِدَّةٌ"، أي بَيْنَ لُقِيِّه له مؤمِنًا به وبينَ مَوتِه على الإسلام، فإنَّ اسمَ الصُّحْبَةِ باقٍ له سَوَاءٌ رَجَعَ إلى الإسلام في حياته ﷺ أَمْ بعدَه، سَوَاءٌ لَقِيَهُ ثانيًا أَمْ لا. وقَوْلي: "في الأصحِّ" إشارةٌ إلى الخِلافِ في المسألة، ويَدُلُّ على رُجْحَانِ الأوَّلِ قِصَّةُ الأشْعثِ بن قيس فإنه كان ممّنِ ارتدَّ، وأُتيَ به إلى أبي بكرٍ الصديق أسيرًا فعادَ إلى الإسلام فقَبِلَ منه وزَوَّجَه أُختَه، ولم يَتَخَلَّفْ أحدٌ عن ذِكرِهِ في الصحابة ولا عَنْ تخريج أحاديثهِ في المسانيد وغيرِها (٢). تنبيهان: لا خَفَاءَ برُجْحَانِ رُتْبَةِ مَنْ لازَمَهُ ﷺ وقَاتَلَ معه أو قُتِلَ تحتَ رايتهِ على مَنْ لم يُلازِمْه أو لم يَحْضُرْ معه مَشْهدًا وعلى مَنْ كلَّمَه يسيرًا أو ماشَاهُ قليلًا أو رآه على بُعْدٍ أو في حالِ الطُّفولية (٣)، وإن كان شَرَفُ الصُّحْبَةِ حاصِلًا للجميع. ومَنْ ليس له منهم سماعٌ منه فحديثُهُ مُرْسَل مِنْ حيثُ الرِّواية،

стр. 109

وهُمْ مع ذلك معدودونَ في الصَّحابةِ لِمَا نالوه من شَرَفِ الرُّؤية. ثانيهما: يُعْرَفُ كَوْنُه صحابيًّا بالتواتر أو الاستفاضة أو الشُّهرة، أو بإخبار بعضِ الصحابة، أو بعضِ الثقاتِ التابعين، أو بإخباره عن نَفْسِه بأنه صحابيٌّ إذا كانتْ دَعْواهُ ذلك تدخُلُ تحتَ الإمكان (١). وقدِ اسْتَشْكَلَ هذا الأخيرَ جَماعةٌ مِنْ حيثُ إنَّ دَعْواهُ ذلك نظيرُ دَعْوى مَنْ قال: أَنا عَدْلٌ، ويحتاجُ إلى تأمُّل. أو تنتهي غايةُ الإسناد إلى التابعى (٢). وهو مَنْ لَقِيَ الصحابىّ كذلك. وهذا مُتَعلِّقٌ باللُّقِىِّ وما ذُكِرَ معَه، إلّا قَيْدَ الإيمانِ به فذلكَ خاصٌّ بالنبي ﷺ (٣)، وهذا هو المُختارُ خِلافًا لِمَنِ اشترطَ في التابعي طُولَ المُلازَمة، أو صِحَّةَ السَّماعِ، أو التمييزَ. وَبَقِيَ بين الصحابة والتابعينَ طبقةٌ أُخرى اخْتُلِفَ في إلحاقِهم بأيِّ القِسْمَيْن وهم: المُخَضْرَمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يَرَوا النبيَّ ﷺ . فَعَدَّهم ابنُ عبدِ البَرِّ في الصَّحابةِ، وادَّعى عِياضٌ وغيرُه أنَّ ابنَ عبد البَرِّ يقول: إنهم صحابةٌ، وفيه نَظَرٌ، لأنه أفصحَ في خُطْبَةِ كِتَابهِ بأنه إنما أَوْرَدَهُم لِيكونَ كتابُه جامعًا مُستوعِبًا لأهل القَرْنِ الأول، والصحيحُ أنهم مَعْدُودونَ في كِبارِ التابعينَ سَوَاءٌ عُرِفَ أنَّ الواحدَ منهم كانَ مُسلِمًا في زمنِ النبىِّ ﷺ كالنَّجَاشِيِّ أَمْ لا، لكنْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ النبىَّ ﷺ ليلةَ الإسراءِ كُشِفَ له عن جميع مَنْ في الأرض فرآهم فينبغي أنْ يُعَدَّ مَنْ كانَ مؤمنًا به

стр. 110

في حياته إذ ذاك وإنْ لَمْ يُلاقِهِ، في الصَّحابةِ، لِحُصول الرؤيةِ في حياته ﷺ (١). فالقِسْمُ الأولُ مما تقدَّمَ ذِكْرُه من الأقسامِ الثلاثة، وهو ما تنتهي إليه غايةُ الإسنادِ هو المرفوعُ، سَوَاءٌ كان ذلك الانتهاءُ بإسنادٍ مُتَّصِلٍ أَمْ لا، والثاني الموقوفُ وهو ما انتهى إلى الصحابيِّ والثالثُ المَقْطوعُ وهو ما انتهى إلى التابعيّ (٢). ومَنْ دُونَ التابعيّ مِنْ أتباع التابعين فَمَنْ بَعْدَهم فيه أيْ في التسمية مِثْلُه أي مِثْلُ ما ينتهي إلى التابعيّ في تسمية جميعِ ذلك مقطوعًا، وإن شئتَ قُلْتَ: موقوفٌ على فُلان. فحَصَلَتِ التفرِقةُ في الاصطلاح بين المقطوع والمُنقَطع، فالمنقطِعُ مِنْ مباحثِ الإسناد كما تقدَّم، والمقطوعُ مِنْ مباحثِ المَتْنِ كما ترى، وقد أَطلقَ بعضُهم هذا في مَوضِعِ هذا وبالعَكْس تجوُّزًا عن الاصطلاح. ويُقالُ للأخيرَيْن أي الموقوفِ والمقطوعِ: الأَثَرُ. والمُسْنَدُ -في قول أهل الحديث: هذا حديثٌ مُسنَدٌ- هو مرفوعُ
следующие страницы →