ابن عباس، ولم يرد به طهره من نجاسة (١).
وأما ولوغ الهر فلا يلزمنا من وجوه (٢):
أحدها: أن نفس لعابها لو كان نجسا وحل في الماء لم يغيره، وهو طاهر كسائر الأنجاس التي لا تغير الماء، فكيف ولعابها طاهر؟. ولو بقي في فمها شيء من دم الميتة، فشاهده، ثم حصل في الماء ولم يغيره لكان الماء طاهرا عندنا (٣).
ثم لا يلزم أيضا لغيرنا ممن ألزموه؛ لأنهم على ضربين:
منهم من يقول: إن لم تبرح الهر بعد أكلها الميتة حتى شربت من الإناء فإنه نجس (٤)، وإن غابت ثم رجعت فشربت من الإناء كان طاهرا لجواز أن يكون قد شربت في غيبتها ماء فغسل ما في فيها (٥).
ومنهم من يقول: هذه حال ضرورة، ولا يمكن الاحتراز منها؛ لأنها من الطوافين عليكم، فعفى عن ذلك للضرورة، كما عفي عن دم البراغيث (٦).
стр. 1017
فإن قيل: رأينا المحرم ممنوعا من استعمال الطيب على بدنه، فلو أنه اطلى بخلوق لأجزأه أن يزيله بالخل، كما يجزئه بالماء، فدل على أن المائعات تعمل عمل الماء في العبادات غير إزالة الحدث.
ولأنها عين استحق إزالتها لحرمة عبادة فأشبه إزالة الطيب من ثوب المحرم.
وأيضا فإذا أزيلت بمائع طاهر فإنها عين من النجاسة قد عدمت من الثوب في حال الصلاة، فوجب أن يحكم بجوازها، دليله القطع، يعنون إذا قطعت عين الموضع من الثوب.
قيل: أما زوال الخلوق من ثوب المحرم فهو دعوى، ولا أعرف فيه نصا عن مالك ﵁.
فإن قلنا: إنه لا يزول إلا بالماء سقط السؤال.
وإن قلنا: يجوز فليس الطيب نجسا يمنع من الصلاة فيه، وإنما منع منه مع كونه طاهرا لئلا يلتذ بريحه فتدعوه نفسه إلى الجماع، أو يخرج به عن قشف الإحرام ومتعته (١)، وخلافنا وقع في إزالة نجس، فإن كان ذلك من أجل سقوط الفدية فقد وجبت بحصوله إن علم به ولم يزله، وإن أزاله فهو كما يزيله بالماء النجس، فإن الفدية تسقط كما تسقط بزواله بالخل، والأنجاس فلا تزول بالماء النجس.
وأما قطع موضع النجاسة فهو أبلغ من الماء؛ لأن العين والأثر ينقلع لا
стр. 1018
محالة، فلا يحصل مصليا بما فيه خلاف، كما لو طرح الثوب جملة ولم يصل فيه، وإذا غسله بمائع فإن النجس - عندنا - لم يفارقه؛ لأن المائع ينجس، فإن انقلعت تلك العين النجسة خلفتها نجاسة أخرى، فهو كما يزيل العين بالبول (١).
فإن قيل: فإنه مائع طاهر فجاز إزالة النجاسة به أصله الماء.
وأيضا فإن الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدَّن (٢) جميعا، ونحن نعلم أن الخمر كانت نجسة والدن نجس، ولم يطهره إلا الخل الذي انقلبت عينه من الخمر، فدل على أن الخل يزيل النجاسة.
وأيضا فإن الحكم إذا ثبت بمعنى زال بزوال ذلك المعنى، الدليل على ذلك الأصول كلها، فلما تقرر أن المنع من الصلاة كان لوجود عين النجاسة على البدن والثوب، وقد نفدت العين وعدمت المشاهدة إذا أزيلت بالخل فوجب أن يرتفع المنع منها.
قيل: أما القياس على الماء فإن المعنى في الماء أنه يرفع الحدث والمائعات سواه لا ترفع الحدث (٣).
وما قالوه من نجاسة الدّن وزوالها بالخل فإننا نقول: إن الدن جامد كان طاهرا قبل حدوث الشدة في الخمر، وإنما حصل على وجهه أجزاء نجسة من
стр. 1019
الخمر، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء أيضا خلا، فلم تزل بالخل أصلا، وإنما انقلبت كما انقلبت نفس الخمر، فوزان مسألتنا: أن تصيب الثوب نجاسة، فتنقلب عينها فتصير طاهرة، فنقول: إن هذا لا يحتاج إلى غسل.
ثم نقول: لو كان الدن إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب أن لا يحكم بطهارته، ولا بطهارة ذلك الخل، ألا ترى أن إناء لو كان فيه بول أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء، فعلمنا أن الدن لم يطهر بكون الخل فيه، وإنما طهر بما ذكرناه (١).
ويبين ذلك: أن الدن لو جرد حتى تنقلع منه تلك الأجزاء لحكمنا بطهارته؛ لأن الأجزاء النجسة زالت عنه.
ثم نقول أيضا: إن من مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسا، فكيف بالخل؟. فلو كان الدن إنما طهر بغسل الخل له لوجب أن يكون ذلك الخل نجسا، ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ثم غسل بخل آخر لم يطهر وينجس الخل.
وقولهم: "إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها" باطل على مذهبهم بعظم الخنزير أو شعره إذا غمس في الماء فإن الماء نجس بوجوده فيه (٢)، ثم إذا أخرجه منه زالت العين ولم تزل نجاسة الماء، وقد ارتفعت العلة ولم يرتفع الحكم.
وقال بعضهم: "قد يبقى في الماء جزء لطيف، فلهذا بقيت نجاسة
стр. 1020
الماء"، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا ينحل من الشعر شيء.
فإن قيل: النجاسة التي حصلت لأجله قد زالت بزواله، ولكن تعقبته علة أخرى، فهو نجس بمعنى آخر؛ لأن العلة تخلف العلة.
قيل: نحن كذلك نقول: إن الخل إذا لاقى النجاسة زالت تلك النجاسة، ولكنه يصير الخل نجسا، فيصير الكل نجسا، فلم يزل حكم النجاسة.
على أننا نقول: إن العين لو انقلعت بالخل لم نقل: إن أثره ينقلع، ولو قلنا: إنه لم تكن العلة وجود النجاسة حسب لجاز؛ لأننا نقول: إنه قد كان يجوز أن نتعبد بترك زوالها، وإنما منعنا الشرع، فقد صار الشرع أوجب ذلك مع وجودها، فإذا زال وجودها لم يزل الحكم إلا بشرع.
فإن قيل: إن الشرع قد أوجب زوالها لما حدثت.
قيل: إن الشرع قد يوجب الحكم لوجود شيء، ثم يزول ذلك الشيء فلا يزول الحكم، مثل: المطلقة ثلاثا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، ثم قد تنكح فلا تحل لعلة أخرى، وهكذا الحائض لا يجوز وطؤها لأجل الدم، ثم ينقطع الدم لأكثر مدة الحيض فلا يحل وطؤها لعلة أخرى، وهي الغسل (٢).
فإن قيل: إن المقصود من إزالة النجاسة إزالتها حسب من غير تعبد بدليل أنه لو جاء عليها مطر لطهر الموضع، فإذا كان المقصد فيها إزالتها
стр. 1021
حسب [كان] (١) كالخل أبلغ في باب الإزالة، وكان إزالتها به أولى.
وأيضا فقد حصل الإجماع بأن لغير الماء مدخلا في إزالة النجاسة، وهو الاستنجاء بالأحجار.
وأيضا فإن النص ورد في الاستنجاء بالأحجار، ثم أقيم غيرها مقامها، كذلك أيضا لا ننكر أن يقوم مقام الماء غيره في إزالة النجاسة.
قيل: قولكم: "إن المقصود من إزالة النجاسة زوالها لا تعبدا" فإننا نقول: إنه لابد من اعتبار معنى آخر مع إزالتها، ألا ترى أنه لو أزالها بالدهن والمرق زالت العين، ولم يحكم بزوالها.
على أن قولكم "لا تعبد فيها" محال؛ لأن الإزالة وجبت من طرق الشرع، وتعبدنا بأن لا نصلي والنجس في ثيابنا وأبداننا.
وقولهم: "إن غير الماء يزيل النجاسة كالأحجار في الاستنجاء" فإننا نقول: إن الحجر في الاستنجاء لا يزيل النجاسة، وإنما يخففها، والنجاسة باقية سومحنا بذلك، ألا ترى أنه لو عرق بعد المسح بالحجر، فأصاب منه موضعا من ثوبه تنجس.
ثم مع هذا فإن الحجر نفسه لا يزيل النجاسة الرطبة من غير هذا الموضع، فعلم أن الاستنجاء مخصوص، ألا تري أن الاستنجاء - عندنا وعندكم - غير واجب (٢)، وإزالة النجاسة - عندكم في غيره واجب (٣).
стр. 1022
وقولهم: "لما أقيم غير الحجر مقام الحجر في الاستنجاء مع ورود النص في الحجر كذلك في غير الماء من المائعات فإننا نقول: عنه جوابان:
أحدهما: أن النص هو في حكم الحجر.
والثاني: أن النص ورد في الحجر وأقيمت الجامدات الطاهرات مقامه؛ لأنها في معناه لأنها طاهرة، والحجر طاهر، وليس كذلك المائعات من الماء؛ لأنها ليست في معنى الماء الذي هو طاهر مطهر، والمائعات طاهرة غير مطهرة، فلم يجز أن تقوم مقامه.
فإن قيل: قد قلتم: إن الأرض إذا وقعت عليها نجاسة، وطلعت عليها الشموس، ومضت عليها دهور فإنها تطهر، فقد زالت النجاسة بغير الماء عندنا وعندكم (١).
قيل: إن كانت أرضا صلبة لا رمل ولا تراب فإنها لا تطهر، وإن كان عليها رمل أو تراب كثير يعلم أن النجس لم يصل إلى الأرض، ثم جاءت الرياح فأزالت ذلك فإن عين النجس وأثره يزول ولم يكن وصل إلى الأرض، اللهم إلا أن تكون الأرض المكشوفة يعلم أن الأمطار قد جاءت عليها فأزالت عين النجاسة وأثرها فإنها تطهر، فلم يلزم ما ذكروه.
فذكرنا ظواهر واستدلالات، وقياسات وذكروا مثل ذلك، فما قلناه أولى؛ لأن النصوص وردت في طهارة الماء وتطهيره، ووجد العمل على استعماله في الطهارات إلا الموضع المخصوص من الاستنجاء، ولأنه أحوط لزوال الخلاف، ولأنه موجب للماء، وهم يخيرون بين الماء وبين المائع، ولأنه يسقط حكم الصلاة بيقين، وهم يسقطونها بخلاف.
стр. 1023
مسألة (٣٩):
وليس للماء الذي تحله النجاسة - عندنا - قدر معلوم، ولكنه إن تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه منها فهو نجس قليلا كان الماء أو كثيرا، ولا خلاف في التغير (١).
وإن لم يتغير طعم الماء ولا لونه ولا ريحه فهو عندنا طاهر، قليلا كان الماء أو كثيرا (٢).
وبه قال الحسن، والنخعي، وداود (٣).
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالاختلاط، متى اختلطت النجاسة بالماء نجس (١٥٥) الماء، إلا أن يكون كثيرا.
وحد الكثرة عنده هو أنه إذا حرك أحد جانبيه لم يتحرك الجانب الآخر،
стр. 1024
فإذا وقعت النجاسة في هذا الماء فالجانب الذي لم يتحرك لم ينجس (١)، وأما الجانب الذي تحرك وحلت النجاسة فيه ففيه روايتان:
أصحهما: أنه نجس إلى الموضع الذي تحرك منه، ويعلم انتشار النجاسة إليه.
والرواية الثانية: أن الكل طاهر، حكاه شيخ من شيوخهم يرجع إليه في مثل هذا، فلا يعتبر أبو حنيفة التغيير (٢).
وقال الشافعي: إنه إن كان الماء دون القلتين نجس وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فصاعدا لم ينجس إلا بالتغير (٣).
وبه قال أحمد (٤)، وإسحاق (٥).
والدليل لقولنا: كون الماء طاهرا قبل حلول النجاسة فيه، فمن زعم أن حكمه قد زال فعليه الدليل.
стр. 1025
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١).
وقد بينا أن الطهور صفة للطاهر المطهِّر (٢)، ولم يخص ماء من ماء، فهو على عمومه حتى يقوم الدليل.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣).
فهو عام في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا حتى يقوم الدليل (٤).
وأيضا فإن الخلاف في رجل معه ماء دون القلتين، ودون الغدير (٥)، فيه نجاسة لم تغيره، أراد الوضوء من الحدث، قالوا: يتيمم، وقلنا: يتوضأ به ولا يتيمم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وهذا واجد لماء؛ لأن النفي في النكرة يتناول الجنس، فدليله أنه إذا وجد ماء أي ماء كان لم يتيمم إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما أن روي النبي ﷺ قال: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (٦).
فأخبر أنه لا ينجسه إلا ما غيره، والألف واللام في الماء للجنس (٧).
стр. 1026
فإن قيل: هذا يتناول المياه كلها، والجنس كله لا ينجسه إلا ما غيره، وليس بعض الجنس هو الجنس كله.
قيل: هذا ساقط بالإجماع، وإنما أراد أن هذا الجنس من الماء مخالف لما سواه من المائعات، المائعات، ألا ترى أن قليله ينطلق عليه اسم الماء (١)، فإن لم تحله نجاسة كان طاهرا مطهرا بإجماع يجوز استعماله، كالكثير منه، وإن تغير لم يجز بالإجماع (٢) كالكثير منه، كما أن جنسه مُرو، وجنس الخبز مشبع، فكل جزء منه له هذا الحكم.
وأيضا فإن النبي ﷺ سئل عن الحياض ترد عليها السباع والكلاب، فقال: "لها ما أخذت في بطونها، ولكم ما غبر شراب وطهور" (٣).
وسؤر الكلب -عند المخالف- نجس (٤)، وقد يكون من الحياض ما فيها من الماء قليل دون الغدير، ودون القلتين، وتنتشر في جمعيه، فلو كان
стр. 1027
الحكم يختلف لبينه ﷺ ، فلما لم يخص دل على عمومه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإن النبي ﷺ أمر بصب ذنوب أو ذنوبين على بول الأعرابي في المسجد (١)، وقد علمنا أنه ﷺ أراد تطهير المكان بهذا القدر من الماء، ولا يطهر إلا بزوال النجاسة، ولم تزل إلا بغلبة الماء الذي هو دون المقدار الذي يعتبره المخالف، ومعلوم أن هذا القدر من الماء لا يزيل النجس إلا وقد حل فيه النجس أو بعضه، وإذا حصل النجس فيه لم يكن بد من أن يحكم له بالطهارة؛ لأنه لو لم يطهر لكان نجسا، ولو كان نجسا لما زال حكم النجاسة عن الموضع؛ لأنه كلما لاقى النجس الماء نجسه، وإذا نجسه لاقى ذلك الماء النجس للنجاسة، فأدى ذلك إلى أن لا تزول النجاسة، ولا يطهر المكان.
فإن قيل: إن الجزء الأخير من صب الماء هو الذي يطهره.
قيل: أليس البقعة نجسة على ما كانت قبل الصبة الأخيرة؟ فإذا لاقاها كل جزء من الصبة الأخيرة تنجس ذلك الجزء من الماء، فلاقي النجس النجس، فلم تحصل طهارة البقعة على وجه، فلما كانت البقعة قد طهرت علمنا أنها لم تطهر إلا والماء الذي طهرها، طاهر، فبان بهذا أن الحكم لغلبة الماء على النجاسة (٢).
ولنا أيضا ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة (٣)، وهي تطرح فيها
стр. 1028
المحايض (١)، ولحوم الكلاب، وما ينجيه (٢) الناس. فقال ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٣).
وهذا نص لم يخص فيه القليل من الكثير، وهو شديد على أبي حنيفة خاصة؛ لأنه يقول: لو وقعت نقطة نجاسة في بئر عمقها إلى تخوم الأرضين السابعة (٤) نجس الماء كله.
стр. 1029
فإن قيل: إن بئر بضاعة كان ماؤها جاريا، قال الواقدي: كانوا يسقون منها البساتين.
قيل: هذا غلط؛ لأن الناس ضبطوا هذه البئر، وذكروها في كتبهم في مكة والمدينة، فلم يقل أحد منهم: إن ماءها كان جاريا.
قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد الثقفي قال: سألت قيِّم بئر بضاعة فقلت: كم قدر هذا الماء إذا كثر فيها.؟. فقال: إلى العانة، فقلت: وإذا نقص؟ فقال: دون العورة. فقلت: هل غيرت عما كانت عليه أولا؟ فقال: لا.
قال أبو داود: فجئت إليها بعد ذلك فقدرتها بإزاري فكان [فتحتها] (١) ستة أذرع (٢).
فضبطوا أمرها هذا الضبط، ولم يذكروا أنها كانت جارية، ولو كانت جارية لم يذهب عليهم ولا على النبي ﷺ أن النجاسة إذا ألقيت فيها انحدرت مع الماء ولم تبق، فلا يحتاجون إلى السؤال عنها (٣).
ثم لو كانت جارية كانت نهرا، والمنقول في الخبر البئر (٤).
стр. 1030
وقول الواقدي: "كانوا يسقون منها البساتين" فلا أن يمتنع يسقى منها بالدلاء (١) والنواضح (٢) كسائر الآبار (٣).
على أن المراعي من هذا لفظ النبي ﷺ لما قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٤) فعم الماء ليعلمنا أن ماء بئر بضاعة وغيره سواء في أنه لا ينجس إلا أن يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه، بالخبر الذي قال هذا فيه.
وأيضا فإن الماء قد يرد على النجاسة، وترد النجاسة على الماء، ثم قد تقرر أن الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير، كذلك يجب إذا وردت النجاسة على الماء أن لا ينجس إلا أن يتغير، إذ لا فرق بين الموضعين (٥).
وأيضا فإنه ماء لم تغيره النجاسة فوجب أن يكون طاهرا، أصله الغدير الذي لا تتحرك جوانبه على أبي حنيفة، وإذا كان قلتين على الشافعي.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في
стр. 1031
الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من جنابة" (١).
فمنع من البول في الماء الراكد، فدل على أنه نجس (٢).
وأيضا فإن النبي ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" (٣).
فأمر بإراقة ما في الإناء وغسله، ولم يفرق بين تغيره أو لا، ولا بين إناء صغير وكبير، فعلم أنه نجس.
وأيضا فقد روي أن ابن عباس ﵀ نزح زمزم من زنجي (٤) مات فيها (٥)، ولم يذكر تغير الماء، فعلم أنه نزحها لوقوع الميتة فيها.
стр. 1032
وأيضا فإن القدر الذي حصلت فيه النجاسة قد اجتمع فيه حرام ومباح، وقد أجمعنا على أن اجتناب الحرام، واجب والإقدام على المباح ليس بواجب، فوجب الامتناع من استعمال هذا الماء إلا أن يقوم دليل.
ومنزلة هذا منزلة شاة مذبوحة اختلطت بشاة ميتة، فاشتبهتا عليه، فإنه يحرم تناولهما، وكالمرأتين إحداهما أجنبية والأخرى أخته من الرضاعة اشتبهتا عليه، فإنه لا يجوز أن يتزوج واحدة منهما، وكالقليل من النجاسة إذا حل في كثير من المائع غير الماء فإنه يجتنب كله، فكذلك القليل من الماء إذا حلت فيه النجاسة وجب أن يغلب التحريم (١).
قيل: أما قول النبي ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" (٢) فهذا "لا
стр. 1033
- عندنا - على وجه الكراهية والتنزيه (١) بدليل قوله ﷺ : خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره" (٢)، وبغيره من الدلائل التي تقدمت، وبما بيناه من الصب على بول الأعرابي (٣)، وبالقياس (٤).
وقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه" (٥) فإنما هو مندوب لا لنجس، والكلب عندنا طاهر، وريقه طاهر (٦)، وإنما هو لأمر آخر، كما قال: "إذا وجد أحدكم قذى في شرابه فليرقه ولا ينفخه" (٧).
وأما نزح ابن عباس ﵁ زمزم فيحتمل أن يكون الماء تغير؛ لأنه معلوم أن زنجيا يموت في بئر يسرع التغير إليها، فإن لم يكن تغير فالمستحب نزحها، وخاصة زمزم من بين الآبار للاستشفاء بها، ونحن نستحب هذا في غيرها فكيف فيها؟ وإذا كانت هذه فعلة من ابن عباس محتملة حملناها على ذلك بدليل قوله: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره" (٨).
وقد قيل: إن نزح زمزم لا يمكن بحال.
стр. 1034
قال ابن الزبير: نزحها فغلبه الماء فلم يقدر عليه (١).
وعلى أن ابن عباس يقول: إن ابن آدم لا ينجس بالموت (٢)، فالماء لا ينجس، فلم ينزحها لنجس.
وقولهم: "إنه قد اجتمع في الماء مباح ومحظور، وإن اجتناب المحظور واجب" فإننا نقول: إن النجاسة إذا غلبت على الماء وجب اجتناب المحظور، وإذا غلب الماء على النجاسة جاز استعمال المباح؛ لأن للماء خصيصة ليست لغيره، ألا أنه تري في الغدير والقلتين على ما قلناه، إن تغير وجب اجتنابه، وإن لم يتغير لم يجب اجتنابه، وقد فرقنا وأنتم بينه وبين سائر المائعات، فوجب أن يكون الحكم للتغير حيث كان، وأن يكون الحكم للماء [إن] (٣) لم يتغير، وهذا مستمر؛ لأن الاتفاق قد حصل عليه إذا تغير في القليل والكثير، وإذا لم يتغير الماء فرق المخالف بين القليل والكثير، فكان اعتبارنا هو الصحيح.
ثم إن هذا الاعتبار يسقط مع النص من قوله ﵇: "خلق الله الماء طهورا ينجسه شيء إلا ما غيره" (٤).
وهذا كما ترك أصحاب أبي حنيفة قياس الأصول وأجازوا الوضوء
стр. 1035
بالنبيذ (١)، وكالقهقهة في الصلاة (٢)، وكذلك فعلنا نحن والشافعي في المصراة (٣)، والمساقاة (٤)، والمضاربة (٥)، وأشياء كثيرة، فهكذا ينبغي أن السنة التي أوردنا ويترك لها القياس، فكيف والقياس معنا؟ والاعتبار في التغير في التقليل والكثير من الماء؟.
فإن قيل: قوله: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء" (٦)، أي جنس الماء لا ينقلب عينه فيصير جنسه جنس النجس، [لا] (٧) أنه قصد به الحكم الذي نحن فيه، فكأنه عرفنا أن العين لا تنقلب.
قيل: هذا لا فائدة فيه، ولا يجوز أن يقصده؛ ﵇ لأنه معقول أن الجنسين إذا اختلطا لم تنقلب أعيانهما حتى يصيرا عينين، هذا عين هذا، ولا عينهما واحدة، وإنما قصد ﵇ إلى أن النجاسة إذا حلت في الماء لم
стр. 1036
تغير حكمه عما كان عليه قبل حلولها فيه إلا أن تغلب عليه بدليل اتفاقنا أن الماء إذا تغير بالنجاسة ينجس في قليله وكثيره (١)، وهذا تخصيص للماء من بين سائر المائعات؛ لأن الله تعالى خصه من بينها بأن جعله طاهرا مطهرا لغيره، وينبغي أن تحمل سنن رسول الله ﷺ على ما لا يستفاد إلا من جهته، فأما ما يعلم من غير جهته فلا فائدة في حملها عليه، فإذا ثبت النص في الخبر انتفى معه كل اعتبار وقياس.
على أن الذي ذكروه من تجنب المحظور إذا اجتمع مع المباح وأنه واجب يسقط في أكثر الأصول مع منافاته للنص، وذلك أن النجس يكون محظورا في انفراده، وإذا اجتمع مع الماء الذي يغلب عليه حتى يصير مستهلكا فيه يزول حكم الحظر عنه تخصيصا للماء، وذلك بمنزلة اللبن الذي يحصل بانفراده في جوف الرضيع فتثبت به الحرمة، ولو خلط بماء وغيره من المائعات حتى يغلب ذلك عليه لزال حكمه عما كان عليه، وكذلك قد نهي المحرم عن استعمال الزعفران على انفراده، ثم لو طبخ أو خلط بالمائعات التي تغلب عليه لجاز استعماله (٢)، فكذلك لا ننكر حديث النجاسة مع الماء إذا غلبها الماء.
فإن قيل: اللبن والزعفران طاهران يجوز استعمالهما منفردين.
قيل: إنه وإن جاز استعمالهما على انفرادهما فقد صار لهما حكم في المواضع التي ذكرناها في انفرادهما، ثم يزول ذلك الحكم مع مخالطتهما لغيرهما، فكذلك النجس.
стр. 1037
على أن بعض النجاسة يجوز استعماله على وجه، كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر والبول في حال ما، وليس لقولنا: "نجس" أكثر من أن الحكم فيه أنه لا يستعمل بانفراده، فيجوز أن يزول هذا الحكم في موضع آخر، وهو إذا خالطه غيره فغلب عليه.
وعلى أنه إذا اعتبر مذهب أبي حنيفة في ذلك حق الاعتبار أدى إلى خرق الإجماع، وذلك أن بحار الدنيا لا تخلو من الأنجاس، ولو تحققنا نجسا وقع في موضع منها بعينه، مع علمنا أن عين الماء لا تنقلب، وإنما يتنجس الجزء الذي يجاور ذلك الجزء الذي يجاور النجس، وكذلك كل جزء مجاور للجزء النجس تنجس، فيؤدي هذا إلى [أن] (١) البحار العظيمة المتصلة نجسة لا يجوز استعمال شيء منها.
ومثال هذا: أن كوزا فيه ماء حلت فيه نقطة ماء نجس، أو أكثر منها فإنه يكون نجسا كله، وعلى هذا التقدير بصبه في أكثر منه يتنجس حتى يؤدي ذلك إلى ما لا نهاية له، وهذا شنيع جدا.
وعلى أن هذا المذهب يخالف إجماع المسلمين؛ لأنهم قد أجمعوا على أن نقطة بول أو خمر لو وقعت في غدير كبير لم ينجس، وأبو حنيفة يقول: لو وقعت نقطة من ذلك في كوز نجس ماء الكوز بها، ولو صب الكوز في الجب وصب ماء الجب في أجباب، ثم قلبت في هذا الغدير العظيم بحيث يتحرك الغدير بوقوع هذا الماء فيه أن الغدير نجس كله، فنجسوا ما اتفق المسلمون عليه أنه لا ينجس، وقد علمنا ضرورة أنه لم تحصل فيه كله إلا النقطة التي
стр. 1038
حصلت في الكوز، وهذه النقطة لو وقعت في الابتداء في الغدير لم ينجس.
وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نقطة بول أو خمر في بئر نجس الماء كله، ولم يطهر إلا بنزح جميع ذلك، ولو وقعت في البئر فأرة نجس الماء كله، ويطهر بنزح عشرين دلوا، والوزغة بأربعين دلوا، والسِّنَّور بستين دلوا (١).
قال: وإذا نزح تسعة عشر دلوا في الفأرة فالماء كله نجس، فإذا أخرج الدلو العشرين طهر كله، فإن انفلت الدلو فيه نجس الماء كله، فإن نزح منه دلوا طهر كله، وهذا كالتلاعب في الشرع.
فإن قال شافعي: فقد روى أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خبثا" (٢).
стр. 1039
وروى الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خبثا" (١).
وروى حماد، عن عاصم بن المنذر بن الزبير قال: كنت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر في بستان، فحضرت الصلاة، فقام إلى مقراة (٢) فيها جلد بعير ليتوضأ. فقلت: أنتوضأ منها وفيها جلد بعير؟. فقال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس" (٣).
قالوا: وإذا ثبت هذا فدليله أن ما دون القلتين يحمل الخبث، فنخص قوله ﵇: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء" (٤)، فيكون تقديره: إلا أن يكون دون القلتين فإنه ينجس وإن لم يتغير.
قيل: حديث القلتين عنه أجوبة:
أحدها: أنه ليس بثابت عند أهل النقل؛ لأن ابن إسحاق قد رواه (٥)،
стр. 1040
وقد تكلم فيه الأئمة مثل: مالك، وهشام بن عروة، ويحيى القطان (١).
وقال غير مالك: إنما يؤخذ عنه ما رواه من المغازي دون غيرها، وهو ضعيف عندهم (٢).
وأما الوليد بن كثير فكثير الغلط مضطرب الرواية، طعن عليه أحمد بن حنبل وغيره (٣).
стр. 1041
ورواه أيضا ابن جريح، عن محمد، عن يحيى بن عقيل، ومحمد مجهول (١).
وكذلك يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر (٢).
ورواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر (٣).
ومحمد بن جعفر بن الزبير يرويه تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة يرويه عن عبد الله بن عبد الله (٤).
وجملته: أن الوليد مطعون عليه كثير الغلط.
وقيل: إن الحديث موقوف على ابن عمر (٥).
قد اختلف في متن هذا الحديث أيضا، فروى محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﵇: "إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل نجسا" (٦).
стр. 1042
وروى أبو هريرة عنه ﵇: "إذا كان الماء قلة أو قلتين لم يحمل خبثا" (١).
وروي عنه ﵇: "إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا لم يحمل خبثا" (٢).
فإذا اضطرب المتن هذا الاضطراب الشديد لم يثبت منه تحديد يبطل به ظاهر الأحاديث، ولا يخص بمثل هذا؛ لأن الحدود لا تثبت بمثله حتى تصير مقادير في الشريعة لا تتجاوز.
ولو صح ذلك لكان الأشبه بها أن تكون خرجت على أسئلة سائليها، كل سائل يسأل عن شيء فيجاب عنه، لا أنه قصد بذلك الحد؛ لأن الحدود لا تثبت بمثل هذا.
وجواب آخر: وهو أن القلة من الأسماء المشتركة؛ لأنها تقع في اللغة على الكوز، وتقع على الجرة، وعلى القربة، وعلى قلة الجبل، وغير ذلك (٣)،
стр. 1043
فصارت كقولنا عين، ولسان، وكالأقراء، فلا يصح ادعاء العموم في اسم مشترك، ولا صرفه إلى بعض ما يتناوله دون بعض إلا بدليل، ومن صرفه إلى بعضها جاز لآخر أن يصرفه إلى الوجه الآخر، فيجب الوقوف به حتى يثبت المراد منه، ولا يحتج بظاهره (١).
فإن قيل: فما الفائدة في ذكر القلة إذا كان لا فرق بينها وبين غيرها؟
قيل: الفائدة في ذلك إن كان ابتداء من النبي ﷺ هو أن يعلمهم أن للماء خصيصة ليست لغيره من المائعات، فيكون قليله من القلة الصغيرة، وكثيره من القلة الكبيرة بمنزلة واحدة في أنه إذا حلت فيه نجاسة لم تغيره، فهو على طريقة واحدة في طهارته، وأن غيره من المائعات بخلافه، إذا حلته نجاسة حمل الخبث سواء تغير أو لا.
وإن كان ذلك من النبي ﵇ جوابا لسائل سأله فالفائدة فيه أنهم قد عقلوا أن الكثير من الماء إذا حلته نجاسة لم تغيره فإنه طاهر بخلاف المائعات، فأرادوا أن يعلموا أن فضيلته على غيره في قليله كهي في كثيره، أو في كثيره حسب، فأعلمهم أن قليله وكثيره بمنزلة واحدة في الفضيلة على غيره من المائعات.
وهذه فوائد حسان أحسن من استعمال التحديد الذي لا يثبت في الشرع بمثل هذا.
стр. 1044
ولأن الاعتبار الصحيح في التغير قد استوى في قليل الماء وكثيره، فينبغي أن يتفق الحكم بعدم التغير في قليله وكثيره، فيكون طاهرا كما كان نجسا بالتغير في قليله (١٥٩) وكثيره.
ومما يقوي ما قلناه وأن المقادير والتحديد لا تثبت بمثل هذا أن القلال والقرب تختلف وتتباين في الكبير والصغير، ولا يكاد يوجد في بلد من البلدان على تقدير واحد؛ لأنها تحمَّل على حسب العاملين لها من شيخ وشاب، وكبير وصغير، لابد من تفاضل ما بينها، ولو اتفقت أو تقارب في بلد من البلدان لم تتفق في سائر البلدان، والعبادة في تقدير الماء لا يختص بها أهل بلد دون بلد، فعلم بهذا أنه ﵇ لم يقصد بذكرها التحديد والمقدار.
فإن قيل: فإن المكاييل والأرطال (١) قد تختلف في البلدان، ولم يدل ذلك على أنها لم تجعل مقادير.
قيل: إن هذه وإن اختلفت في البلدان فإن أصلها وما كان في زمن النبي ﵇ مضبوط متفق عليه، غير مختلف فيه، ولم يثبت تقدير القلة، ولا ضبط، ولا اتفق عليه، وقد ضبطت مقادير النصب في الزكاة، وضبط كل ما كان مقدرا ضبطا لا يُشكل، وليست القلة كذلك؛ لأنها لم تضبط برطل معلوم وقدر معلوم، ولم يفرق بين قلة وقلة، مع كثرة اختلاف القلل وتقاربها، ولابد من تباين ما فيها.
فإن قيل: قد قال ابن جريج: بقلال هَجَر (٢).
стр. 1045
ورفع ذلك إلى النبي ﷺ (١)، فقد أحالنا على قلال بلد معروف، كما
стр. 1046
أحالنا في مقدار الصاع والوزن على صاعه ﵇ ووزنه بالمدينة (١).
قيل: أما تفسير الشافعي وابن جريج فهو واحد، فلم يلزمنا تفسيرهما.
وأما رفع ابن جريج ذلك إلى النبي ﵇ بهذا اللفظ فلا يعرف من طريق صحيح؛ لأن أصل الحديث فيه اضطراب ولين فكيف بهذه الزيادة؟
على أنها لو ثبتت لم يثبت التحديد بمثلها، لما بيناه من اختلاف قلال هجر وتباينها، ولم تحصر بوزن معلوم وكيل، معلوم، فكان أحسن الأحوال أن تحمل على ما تقدم ذكره من الفوائد التي حملناه إياها (٢).
وقد قال سعيد بن جبير ومسروق القلة الجرة. وقال مسروق: الرطبة من رطب الجنة مثل القلة.
فخشي أن لا يفهم عنه فقال: هي الجرة. والجرة لا تسع قربتين وشيئا كما قال الشافعي.
وقد قيل أيضا في حديث ابن جريج: إنه ورد بلفظ آخر، قيل عنه فيه
стр. 1047
إنه قال: إن القلة تسع فرقين (١) أو فرقين وشيئا، فصحف وإنما هي قربتين.
وقيل: إن القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا، فجعل الشافعي الشيء نصفا على التقريب والاحتياط، وجعل الجميع خمس قرب (٢)، وقدر كل قربة مائة رطل (٣)، فتصير القلتين خمسمائة رطل بضرب من الاجتهاد، وهذا يمنع أن يخالفه غيره فيقدره بستمائة رطل، أو أربعمائة رطل إذ لا نص في تحديده بخمسمائة رطل من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، ولا قياس محقق، وليس يجوز العدول عن الظواهر من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح بمثل هذا، وقد ثبت ما قلناه بما ذكرناه من الاعتبار الصحيح الذي علامة في الطرد والعكس؛ لأن الجميع قد اتفقوا على أن الماء الكثير والقليل إذا تغير أحد أوصافه بالنجس فإنه نجس، فيجب إذا لم يتغير أن لا يختلف أيضا في قليله وكثيره.
ويحقق هذا قوله ﵇: "خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (٤)، وبهذا تنتظم الدلالة على أبي حنيفة والشافعي.
فإن قيل: فأنتم قد فصلتم بين قليل الماء وكثيره، وقلتم: لا يبولن في الدائم ثم يتوضأ منه، وقد فرقتم بينه وبين البرك العظام فقلتم: لا بأس به فيها، فحملتم الخبر على الكراهية في القليل، واستعملتم قوله ﵇: "خلق
стр. 1048
الله الماء طهورا لا ينجسه شيء" (١) على الكثير منه، فصرتم إلى مثل قولنا في الفصل، فقولنا أحسن؛ لأننا فصلنا بين القليل والكثير بفصل معلوم، وأنتم لم تفعلوا ذلك، فلم ينحصر مذهبكم لعدم الفصل الصحيح بين الماءين.
قيل: إننا لم نفصل بين القليل والكثير في تطهير ولا تنجيس، وجعلناهما سواء في الأمرين جميعا، وإنما فصلنا بينهما في الكراهية لأجل خلاف الناس في القليل، فإن مالكا ﵀ لا يقطع على مسائل الاجتهاد أن الحق عند الله - تعالى - فيما يقول دون ما ذهب إليه من خالفه؛ لأنه غلبة ظن يجوز أن يكون مخالفه فيه مصيبا، وهو مخطئ عند الله - تعالى - خطأ يعذر به، فاستعمل خبر البول في الماء والوضوء منه على الكراهية؛ لأن هذا الضرب من الاجتهاد يجوز.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده" (٢).
فمنعه من إدخال يده فيه احتياطا لنجاسة مشكوك فيها لم يتحقق وجودها، فعلم أنها لو كانت متحققة نجس ذلك الماء.
قيل: إن النبي ﵇ لم يمنع من ذلك على وجه التحريم، وإنما هو كراهية [لا] (٣) لأجل نجس، ولكن تنظفا لئلا تكون يده لاقت موضعا يكره أن يخالط الماء، مثل أن يدخلها في أنفه، أو يلاقيها دنس ووسخ دون النجاسة، ولو
стр. 1049
لاقت نجسا لم يغير الماء كرهنا له ذلك أيضا (١).
فإن قيل: فقد روى في خبر أبي قتادة حين أصغى الإناء للهر وقال لكبشة: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إن الهر ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢).
فجعل العلة في جواز شربها طهارتها، فعلم أنها لو كانت نجسة لم يجز أن تشرب منه، ومن اعتبر عدم التغير في جواز شربه أسقط تعليل أبي قتادة.
قيل: قوله ﵇: "إنها ليست نجسة" أي بمبعدة؛ لأنها من الطوافين، وإن كانت سبعا من السباع، ودليله: أنها لو كانت مبعدة كرهنا شربها من الإناء؛ لأن الكلب وغير الهر من السباع التي تأكل الجيف في غالب الحال يمكن التحرز منها، وحفظ الماء عنها؛ لأن غير الهر لا يكون نجسا؛ لأنه ليس - عندنا - في الدنيا حيوان نجس (٣).
ثم إن النجاسة لو حصلت في الماء ولم تغيره فإن الماء طاهر، فلم يلزمنا ما ذكروه، ولكنه مكروه لأجل خلاف الناس فيه.
فإن قيل: فإنه ماء قليل خالطته نجاسة فوجب أن يكون نجسا، أصله إذا تغير بها.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه إذا تغير بها صار الحكم للنجاسة كالكثير من الماء إذا تغير
стр. 1050
بها؛ لأن الاتفاق قد حصل على أن العلة في الكثير إذا تغير هو غلبة النجاسة على الماء، وهذا موجود في القليل، وإذا لم يتغير الكثير من الماء كان الحكم للماء، فكذلك القليل منه، وهذا مستمر.
والجواب الآخر: هو أننا قد قسناه إذا لم يتغير على الكثير إذا لم يتغير، فكان قياسنا أولى؛ لأن الحكم يوجد بوجوده، ويرتفع بارتفاعه حيث كان، والنصوص تؤيده.
فإن قيل: فإن الأصول موضوعة على أن كل نجاسة لا يمكن الاحتراز منها، وتشق إزالتها [يكون] (١) معفوا عنها، ألا ترى أن دم البراغيث والقليل من الدم على بدن الإنسان معفو عنه إذ لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك أثر الاستنجاء، والمستحاضة، وسلس البول يصلي به ولا إعادة عليه؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن ولو خرج البول منه دفعة أو دم الفصاد كانت عليه الإعادة؛ لأن الاحتراز منه يمكن، كذلك أيضا إذا كان الماء دون القلتين يمكن الاحتراز من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه يحفظ من الأواني، فلم تكن هذه النجاسة معفوا عنها، والماء إذا كان قلتين وأكثر لا يمكن الاحتراز من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه لا يحفظ في العادة في الأواني، فكان معفوا عنها (٢).
قالوا: وهذه نكتة المسألة، وفيها جواب عما قلتموه، ألا ترى أن سائر المائعات من الخل واللبن وغيرهما لما أمكن حفظه من النجاسة لم تكن النجاسة فيها معفوا عنها، سواء كان المائع قليلا أو كثيرا فإنه ينجس (٣)، لأنه
стр. 1051
يحفظ في الأواني وإن كان كثيرا.
قيل: هذا اعتبار فاسد في هذه المسألة.
ثم لو جعلناه دليلا لنا لصح، وذلك أن ما زاد على القلتين بمقدار رطل أو رطلين أو عشرة في معنى ما نقص عن القلتين بهذا القدر، يمكن حفظ الجميع في الأواني ولا يشق، فينبغي أن يتفقا في الحكم، إما في النجاسة أو الطهارة، وأنتم تفرقون بينهما.
وعلى أنه يلزمكم إذا كان الماء كثيرا لا يمكن التحرز منه بحفظه أن تعفوا عن النجاسة وإن أثرت فيه؛ لأن حفظه يشق.
ثم إن الماء الذي هو دون القلتين لا يمكن حفظه في العادة من يسير نجاسة تقع فيه، إما من ذباب يموت فيه، أو برغوث، أو وزغة صغيرة تدخل فيه وتموت، أو ما أشبه ذلك، فينبغي أن يكون معفوا عنه؛ لأن هذا يسير يشق التحفظ منه، فهو في الماء القليل كهو في الكثير، ويستوي هذا الحكم فيه في كل موضع، سواء أصاب دم البراغيث الثوب والبدن أو الماء؛ لأن دم الرعاف معفو عنه إذا كان يسيرا في الثوب كدم البراغيث، وكذلك كل قليل من الدم إذا لم يكن مسفوحا، بخلاف غيره من الأنجاس، فينبغي أن يستوي حكمه سواء حل في الثوب أو في الماء إذ لا يمكن التحرز منه، وقد عفي عنه، والبول وما أشبهه إذا خرج على وجه العادة يمكن التحفظ منه، غير أنه إذا أصاب الثوب والبدن تنجس، وليس حكمه في الماء كحكمه في الثياب والمائعات غير الماء؛ لأن الماء يطهر الأنجاس ما دام غالبا عليها، ويدفعها عن نفسه، فسواء كان قليلا أو كثيرا، أمكن حفظه أو لا، ألا ترى أن
стр. 1052
إزالة الأنجاس والأحداث به لا يفترق الحكم بين قليله أو كثيره إذا لم يخالطه نجس، فكذلك إذا خالطته نجاسة لم تؤثر في عينه لم يفترق الحكم فيه بين قليله وكثيره؛ لأن الحكم له لغلبته على النجس.
وأما سائر المائعات غير الماء فإنما تنجست بقليل النجاسة، سواء كانت قليلة أو كثيرة، وسواء حفظت في الأواني أو غيرها؛ لأنها لا تدفع النجاسة عن نفسها؛ لأن الأنجاس لا تزال بها، ولا يرتفع بها الحدث، لا لأنها تحفظ في الأواني؛ لأننا نعلم أن بعضها قد تعمل في غير الأواني مثل الحياض التي تنقع فيها التمور للخل، وعصير العنب الكثير، وما أشبهه إنما يكون في الحياض، ثم تنقل إلى الأواني، ومع هذا فيسير النجاسة تنجسه، سواء كانت المائعات قليلة أو كثيرة، محفوظة في الأواني أو غيرها؛ لأن جنسها لا تزال به النجاسة، ولا يرتفع به الحدث، والماء بخلافها، فإن لم تؤثر النجاسة فيه فهو يدفعها، كما تزال به النجاسة من الثوب والبدن، فقد أزالها عن نفسه، وهذا موجود في القليل منه والكثير.
ألا ترى أن النجاسة على الثوب والبدن إذ غسلناها بماء حتى زالت بذلك القدر من الماء فإن الماء أزالها عن الثوب، وانتقلت النجاسة إلى الماء، والماء طاهر لولا هذا لما زالت النجاسة، فإذا كان قد أزالها عن الثوب ودفعها عنه وهو طاهر فقد دفعها عن نفسه أيضا؛ لأنه إذا دفعها عن غيره كان دفعها عن نفسه أولى، وهذا الذي يكشف أنه لا فرق بين وروده على النجاسة، أو ورود النجاسة عليه. وبالله التوفيق.
стр. 1053
مسألة (٤٠):
اختلفت الرواية عن مالك ﵀ في جلود الميتة إذا دبغت فالظاهر من الروايتين أنها لا تطهر، ولكنها تستعمل في الأشياء اليابسة، وفي الماء خاصة من بين سائر المائعات، فإنه قال في الماء: أتقيه في نفسي خاصة، ولا أضيقه على الناس.
والرواية الأخرى: أنها تطهر طهارة تامة، وهذا في كل جلد ميتة إلا الخنزير وحده (١)؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغة أولى، وسائر الحيوان غيره تتأتى فيه الذكاة (٢).
وبالرواية الأولى قال أحمد (٣)، ولكنه لا يبيح الانتفاع بها في شيء لأنها كلحم الميتة.
وبالرواية الثانية قال أبو حنيفة، إلا في الخنزير كقولنا (٤).
وبها قال الشافعي إلا في الكلب والخنزير (٥).
стр. 1054
فيحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في الرواية الأخرى، وبيننا وبين الشافعي في الكلب على الرواية الثانية.
وقال داود: يطهر جلد جميع الحيوان بالدباغ حتى الخنزير، وقد حكي عن أبي يوسف مثله (١).
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد ما يؤكل من الحيوان، ولا يطهر جلد ما لا يؤكل (٢).
قال الزهري (٣): يجوز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ مع كونها نجسة لا أنها طاهرة (٤).
والدليل القولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٥).
والميتة اسم للجملة، ولكل جزء منها، والجلد منها.
وأيضا ما رواه جابر عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (٦).
стр. 1055
وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر: "ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب (١) ولا عصب" (٢).