← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

يحفظ في الأواني وإن كان كثيرا. قيل: هذا اعتبار فاسد في هذه المسألة. ثم لو جعلناه دليلا لنا لصح، وذلك أن ما زاد على القلتين بمقدار رطل أو رطلين أو عشرة في معنى ما نقص عن القلتين بهذا القدر، يمكن حفظ الجميع في الأواني ولا يشق، فينبغي أن يتفقا في الحكم، إما في النجاسة أو الطهارة، وأنتم تفرقون بينهما. وعلى أنه يلزمكم إذا كان الماء كثيرا لا يمكن التحرز منه بحفظه أن تعفوا عن النجاسة وإن أثرت فيه؛ لأن حفظه يشق. ثم إن الماء الذي هو دون القلتين لا يمكن حفظه في العادة من يسير نجاسة تقع فيه، إما من ذباب يموت فيه، أو برغوث، أو وزغة صغيرة تدخل فيه وتموت، أو ما أشبه ذلك، فينبغي أن يكون معفوا عنه؛ لأن هذا يسير يشق التحفظ منه، فهو في الماء القليل كهو في الكثير، ويستوي هذا الحكم فيه في كل موضع، سواء أصاب دم البراغيث الثوب والبدن أو الماء؛ لأن دم الرعاف معفو عنه إذا كان يسيرا في الثوب كدم البراغيث، وكذلك كل قليل من الدم إذا لم يكن مسفوحا، بخلاف غيره من الأنجاس، فينبغي أن يستوي حكمه سواء حل في الثوب أو في الماء إذ لا يمكن التحرز منه، وقد عفي عنه، والبول وما أشبهه إذا خرج على وجه العادة يمكن التحفظ منه، غير أنه إذا أصاب الثوب والبدن تنجس، وليس حكمه في الماء كحكمه في الثياب والمائعات غير الماء؛ لأن الماء يطهر الأنجاس ما دام غالبا عليها، ويدفعها عن نفسه، فسواء كان قليلا أو كثيرا، أمكن حفظه أو لا، ألا ترى أن

стр. 1052

إزالة الأنجاس والأحداث به لا يفترق الحكم بين قليله أو كثيره إذا لم يخالطه نجس، فكذلك إذا خالطته نجاسة لم تؤثر في عينه لم يفترق الحكم فيه بين قليله وكثيره؛ لأن الحكم له لغلبته على النجس. وأما سائر المائعات غير الماء فإنما تنجست بقليل النجاسة، سواء كانت قليلة أو كثيرة، وسواء حفظت في الأواني أو غيرها؛ لأنها لا تدفع النجاسة عن نفسها؛ لأن الأنجاس لا تزال بها، ولا يرتفع بها الحدث، لا لأنها تحفظ في الأواني؛ لأننا نعلم أن بعضها قد تعمل في غير الأواني مثل الحياض التي تنقع فيها التمور للخل، وعصير العنب الكثير، وما أشبهه إنما يكون في الحياض، ثم تنقل إلى الأواني، ومع هذا فيسير النجاسة تنجسه، سواء كانت المائعات قليلة أو كثيرة، محفوظة في الأواني أو غيرها؛ لأن جنسها لا تزال به النجاسة، ولا يرتفع به الحدث، والماء بخلافها، فإن لم تؤثر النجاسة فيه فهو يدفعها، كما تزال به النجاسة من الثوب والبدن، فقد أزالها عن نفسه، وهذا موجود في القليل منه والكثير. ألا ترى أن النجاسة على الثوب والبدن إذ غسلناها بماء حتى زالت بذلك القدر من الماء فإن الماء أزالها عن الثوب، وانتقلت النجاسة إلى الماء، والماء طاهر لولا هذا لما زالت النجاسة، فإذا كان قد أزالها عن الثوب ودفعها عنه وهو طاهر فقد دفعها عن نفسه أيضا؛ لأنه إذا دفعها عن غيره كان دفعها عن نفسه أولى، وهذا الذي يكشف أنه لا فرق بين وروده على النجاسة، أو ورود النجاسة عليه. وبالله التوفيق.

стр. 1053

مسألة (٤٠): اختلفت الرواية عن مالك ﵀ في جلود الميتة إذا دبغت فالظاهر من الروايتين أنها لا تطهر، ولكنها تستعمل في الأشياء اليابسة، وفي الماء خاصة من بين سائر المائعات، فإنه قال في الماء: أتقيه في نفسي خاصة، ولا أضيقه على الناس. والرواية الأخرى: أنها تطهر طهارة تامة، وهذا في كل جلد ميتة إلا الخنزير وحده (١)؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغة أولى، وسائر الحيوان غيره تتأتى فيه الذكاة (٢). وبالرواية الأولى قال أحمد (٣)، ولكنه لا يبيح الانتفاع بها في شيء لأنها كلحم الميتة. وبالرواية الثانية قال أبو حنيفة، إلا في الخنزير كقولنا (٤). وبها قال الشافعي إلا في الكلب والخنزير (٥).

стр. 1054

فيحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في الرواية الأخرى، وبيننا وبين الشافعي في الكلب على الرواية الثانية. وقال داود: يطهر جلد جميع الحيوان بالدباغ حتى الخنزير، وقد حكي عن أبي يوسف مثله (١). وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد ما يؤكل من الحيوان، ولا يطهر جلد ما لا يؤكل (٢). قال الزهري (٣): يجوز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ مع كونها نجسة لا أنها طاهرة (٤). والدليل القولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٥). والميتة اسم للجملة، ولكل جزء منها، والجلد منها. وأيضا ما رواه جابر عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (٦).

стр. 1055

وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا أن يقوم دليل. وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر: "ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب (١) ولا عصب" (٢).

стр. 1056

وهذا نص في الجلد، مع كونه متأخرا ينسخ المتقدم (١)، وهذا عمدة في المسألة. وأيضا ما روته عائشة - رحمها الله - عن النبي ﵇ أنه أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (٢). والاستماع بالشيء مأخوذ من المتعة به، والمتعة به تمنع من بيعه؛ لأنه إذا بيع صار الاستماع بالثمن لا بالجلد، فدليله أن غير المتعة به لا يجوز إلا أن يقوم دليل. وأيضا ما روي أن ابن الأشعث قال لعائشة - رحمها الله -: "ألا نعمل لك فروا (٣)

стр. 1057

تلبسينه في اليوم الشاتي؟ فكرهته لأنها تريد الصلاة فيه، فقال: ألا نعمل له ذكيا؟ [فقالت] (١) فلا بأس" (٢). فلم تمتنع من الذكي، وامتنعت من غيره، ولم يكن هذا إلا وقد فهمت من قصد النبي ﵇ في الاستمتاع بالجلد المدبوغ في غير الصلاة، وعلى وجه دون وجه، وأنه فرق بين المدبوغ والذكي. وأيضا فإن الجلد لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الدباغ نجسا لذاته وعينه فوجب أن لا يطهر بالدباغ كاللحم عندنا وعندكم، وكجلد الخنزير والكلب عندكم. أو يكون نجسا لأجزاء نجسة جاورته بالموت، فينبغي أن يجوز بيعه قبل الدباغ كالثوب النجس، فلما لم يجز بيعه قبل الدباغ علم أنه كاللحم الذي نجست عينه بالموت. ونقول أيضا: هو جزء من الميتة تلحقه الحياة والموت فأشبه اللحم. أو نقول: هي نجاسة حدثت بالموت فوجب أن تكون مؤبدة كاللحم. وأيضا فإن علة التنجيس هو الموت، فلا يجوز أن ترتفع النجاسة مع بقاء العلة؛ لأن الموت لا يمكن دفعه. ونقول أيضا: أتسلمون أن الجلد بعد الدباغ لا يجوز أكله؟. فإن

стр. 1058

سلموا ذلك قلنا: إنما لم يجز أكله لأنه نجس بالموت، فصار كاللحم. وإن لم يسلموا المنع من أكله دللنا عليه بما روي أن النبي ﵇ مر بشاة ميمونة - وقد طرحت وهي ميتة - فقال: "هلا دبغتم إهابها فانتفعتم به". فقالوا: إنها ميتة، وقد علم ﵇ أنها ميتة - فقال: "إنما حرم أكلها" (١). ومن المحال أن يكون إنما أعلمهم أن اللحم حرم أكله دون الجلد لأنهم طرحوها وهم يعلمون أن لحم الميتة محرم، ويعتقدون ذلك، وكذلك الجلد، فوجب أن تكون الفائدة في إعلامهم حكم الجلد الذي أباحهم الانتفاع به، وأنه الذي حرم أكله دون النفع به، أو تكون الفائدة أن الذي يتأتى أكله منها محرم أكله، وأن الجلد منه أيضا، وإذا كنا قد اتفقنا على أن الموت يحل في الجلد كما يحل في اللحم، ثم اتفقنا على أن غسل اللحم أقوى من الدباغ، وهو لا يزيل حكم النجاسة الحالة فيه بالموت كانت الدباغة أولى أن لا تزيل حكم النجاسة الحالة بالموت في الجلد أو تكون كالغسل لا يزول به حكم النجاسة. وفارق حكم هذه النجاسة حكم سائر النجاسات العارضة في الثياب؛ لأنها لو كانت بمنزلتها لزالت بالغسل عن اللحم كما يغسل عنه الدم في الذكاة، ولجاز بيعه وبيع الجلد من الميتة قبل أن يدبغ، كما يباع لحم المذكي وعليه دم. فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخصوص بما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بشاة

стр. 1059

لمولاة ميمونة ميتة، فقال: "ما على أهلها أن لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به". فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها" (١). فأباح ﵇ الانتفاع بإهاب الميتة إذا دبغ، فسقط قول من يقول: لا يجوز الانتفاع به، والانتفاع أيضا عام من كل وجه ببيعه والصلاة عليه، وغير ذلك. وأيضا ما رواه زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة المصري، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٢). ومالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه، عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (٣). وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: "دباغ الأديم ذكاته" (٤).

стр. 1060

فأقام الدباغ مقام الذكاة. وأيضا ما رواه أنس أن النبي ﵇ أتى على سقاء أخضر قد برد فيه الماء فاستسقى، فقالت صاحبته: إنه لمن جلد ميتة. فقال ﵇: "دباغه طهوره" (١). وروى سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله ﷺ : "ذكاة كل أديم دباغه" (٢). قالوا: وهذه الأخبار تلزم أحمد بن حنبل في امتناعه من استعماله بعد الدباغ، وتلزمكم أنتم في طهارته بكل وجه. قيل: لعمري إنها تلزم أحمد، فأما نحن فإنا نستعملها على ما تحتمله، فنقول: قوله: "هلا انتفعوا به بالدباغ" (٣)، فظاهره يقتضي الانتفاع بالجلد نفسه دون ثمنه، ونحن نجيز الانتفاع به على وجوه مخصوصة بالدلائل التي ذكرناها.

стр. 1061

وقوله ﵇: "فقد طهر" (١)، وجميع ما ذكر في الطهارة فإننا نقول: طهارة وطهور اسم مشترك في اللغة والشريعة فتارة يكون لزوال حكم النجاسة، ويصلح للعبادة، ولرفع درجة، وللتمييز على ما بيناه في مسألة الكلب (٢)، وحقيقة الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال، فقد نقلت الدباغة من منع استعماله إلى استعماله على وجه دون وجه، ولا ينبغي أن يكون كالذكاة التي تبيحه على كل وجه؛ لأن الذكاة هي الأصل، وهي طهارة، فلا ينبغي أن يكون حكم الفرع كحكمها من كل وجه، وإن كانا جميعا يسميان بالطهارة، ألا ترى أن الطهارة بالماء ترفع الحدث، فإذا عدم الماء جاز التيمم، وقد طهارة، سمي ثم مع هذا فلم يساو حكم الأصل لضعفه عنه، فلم يجز أن يتيمم قبل الوقت، ولا يرفع الحدث، ولا يجمع به بين صلاتي فرض عندنا وعند الشافعي (٣)، فلما كان البدل فيما يسمى طهارة أضعف من المبدل فكذلك الدباغة أضعف من حكم الذكاة التي هي الأصل، وإن كان اسم الطهارة يتناولهما جميعا. فإن قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن في الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة. قيل: قد بينا في مسألة ولوغ الكلب أنها تكون أيضا للتنظف (٤)، فلا نسلم أنها لا تكون في الشريعة إلا لما ذكرتم، والتيمم أيضا يسمى طهارة ولم يرفع الحدث، فإذا كان أريد من أجل الحدث وإن لم يرفعه جاز أن تراد

стр. 1062

الدباغة من أجل النجس ولا تدفعه، فتكون إباحة الدباغة دون إباحة الذكاة، كما كان حكم التيمم دون حكم الماء. ثم لو كان طهارة تتناول ما ذكرتموه جاز أن نحملها على ما ذكرناه بما بيناه من حكم الميتة، ومساواة الجلد للحم. وأما قوله ﵇: "دباغ الأديم ذكاته" (١) فإن جلد الميتة قبل دباغه لا يتناوله اسم أديم، وإنما يسمى أديما بعد الدباغ (٢)، فكأنه قال ﵇: "دباغه ذكاته"، أي ذكاة ريحه وطيبها فصارت ذكية. وكذلك نقول: إن ذكاته التي هي طيب رائحته إنما تكون بالدباغ الذي يخرج معه السهوكة وتغير الريح، وهذا هو الأصل في الذكاة، والذكي هو الطيب الريح (٣)، وإنما نقل إلى اسم الريح لأن الحيوان إذا ذبح كان طيب الريح بخلاف الميت، فإذا كان أصل الذكاة ما ذكرناه حملنا قول النبي ﷺ على هذا، ونكون بهذا أولى منكم في اللغة لأنكم تجعلون الدباغة تشبيها بالذكاة، فتقديره: كذكاته، أي مثل ذكاته، فتضمرون كاف التشبيه، ونحن لا نضمر شيئا، بل نجعل الدباغة بالشب والقرظ (٤) هي بعينها ذكاته وطيب ريحه، فتقديره تقدير قولنا: الله ربنا، فربنا هو الله، والله هو ربنا، وكذلك محمد نبينا، وزيد قائم، زيد هو القائم، والقائم هو زيد.

стр. 1063

وقولكم أنتم بمنزلة قولهم: شربك شرب الإبل، وليس شربه شرب الإبل، وإنما هو كشرب الإبل أي: مثله. وأيضا فإن الدباغة بالشب والقرظ تصير عليه مثل الغشاوة، فتزول معه الروائح المتغيرة، وتكتسي ريح الشب والقرظ، ولهذا نستعمله نحن في الأشياء اليابسة؛ لأنه يصير بمنزلة شيء نجس قد غشيه شيء طاهر. فأما قوله ﵇ في السقاء الذي استسقى منه: "دباغه طهوره" (١)، أي قد نقله من منع الاستعمال إلى جوازه على ما بيناه، ويجوز ترك الماء فيه؛ لأن الناس مختلفون في تطهيره، والماء في أصله يدفع النجس عن نفسه. ثم مع هذا فإن الميتة إذا لاقت الماء فلم تغيره فإن الماء على أصله في الطهارة عندنا، قليلا كان الماء أو كثيرا (٢)، وليس كذلك المائعات غير الماء، فلهذا جاز استعمال الجلد المدبوغ في الماء، ولم يجز في غيره من المائعات. فإن قيل: فإنه جلد طاهر حكم بنجاسته، فجاز أن يحكم بطهارته، أصله جلد المذكي إذا تلوث بالدم أو غيره. أو نقول: نجاسة طرأت على جلد طاهر فجاز أن يطهر، أصله ما ذكرناه. قيل: الجلد المذكى علته أنه طاهر انتقل إلى طهارة هي التذكية، فأشبه اللحم المذكى، فإذا تلوث بالدم جاز أن يزول عنه كما يزول عن اللحم، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها، فإذا لم تزل نجاسة لحمها لم تزل نجاسة جلدها.

стр. 1064

فإن قيل: اللحم يتهوا بالدباغة، ولا يثبت مثل الجلد (١). قيل: وأي حاجة بنا إلى دباغ اللحم والجلد إن كانت النجاسة تزول بعد الموت، فالغسل يكفي فيهما، ألا ترى أنهما في الذكاة على طريقة واحدة، لو أصاب اللحم دم زال بالغسل كما يزول من الجلد، ونحن نعلم أن كل نجاسة تكون في لحم المذكى أو الميت لو نقعت في الماء المسخن أو غيره من الماء والملح والخل، وطال مكثه خرجت كل نجاسة فيه، وقد كان يمكن أن ينقع في الماء والأشنان وغيره مما يقلع النجاسات أكثر مما يقلعه الشب والقرظ، ويثبت مع ذلك ولا يفسد، فلما كان هذا كله لا يزيل نجاسة اللحم؛ لأنها بالموت حصلت كذلك الجلد لحصول الموت فيه، وعلمنا بهذا أن الشب والقرظ أدخل في الجلد؛ لأنه تصير عليه غشاوة يمكن استعماله معها على وجه ليطول بقاؤه والانتفاع به، لا أنه يصيره طاهرا بذلك. على أنهم يدبغون المذكى أيضا لحاجتهم إليه. وعلى أن قياسنا إياه على اللحم أولى؛ لأننا رددنا ما تنجس بالموت إلى مثله، ورددنا جزء اكتساه جزء مثله؛ [لأن لحم الميتة نجس لأنه اكتساه العظم النجس، فكذلك الجلد نجس] (٢)؛ لأنه اكتساه جزء منه نجس، وهو اللحم، والجميع يحله الموت. ولا يلزمنا على هذا الصوف والشعر؛ لأن الحياة والموت لا يحلان فيهما (٣).

стр. 1065

ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ لأننا وجدنا الجلد مساويا للحم حيث كان، فهما بمنزلة واحدة لو قطعا من الحي، وبمنزلة واحدة في الذكاة، فكذلك ينبغي أن يكونا بمنزلة واحدة بعد الممات؛ لأنهما ميتان إذا قطعا في حال الحياة، ميتان في حال موت الحيوان، فلا ينبغي أن يفرق بينهما كما لم يفترق حكمهما في الذكاة، ولا في كونهما في الحياة إذا لم يقطعا من الحي. فإن قيل: إنها نجاسة طرأت على عين يتأتى غسلها فجاز أن تطهر، دليله الثوب النجس. وأيضا فإن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحكم، فإن كانت في معنى نجاسة العين فإنها متى كانت طارئة على العين جاز أن تزال مثل سائر النجاسات، وإن كانت نجاسة من جهة الحكم، وكانت طارئة جاز أن تزال، دليله الخمر. وأيضا فلو كان الدباغ لا يطهر جلد الميتة لكان لا يطهر بالذبح، دليله الخنزير. قيل: أما الثوب النجس فقياسه اللحم المذكى والجلد إذا أصابهما نجس، فإن أعيان الجميع، طاهرة، وإنما طرأ على ظاهرها ما يزول بالغسل، أن تري بيع الجميع وعليه الدم يجوز، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها، ألا تري أن بيع الجلد قبل الدباغ لا يجوز كما لا يجوز بيع اللحم، فعلم أن عينه نجست بالموت كاللحم، والثوب إنما نجس بمجاورة النجاسة له، وجلد الميتة نجست عينه، كاللحم الذي نجست عينه بالموت. وقولكم: "إن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو

стр. 1066

نجاسة الحكم" فإننا نقول فيها ما تقولونه في اللحم سواء، فإذا لم تزل نجاسة اللحم لم تزل نجاسة الجلد. وأما الخمر فإنها نجسة العين، فإذا تغيرت صارت العين كلها طاهرة، فينبغي أن تصير عين الميتة كلها طاهرة، لحمها وجلدها. وقولكم: "إن الدباغة إن لم تطهر الجلد لم تطهره الذكاة" يلزمكم في لحم الميتة أيضا، إن لم يطهره الغسل لم تطهره الذكاة كالخنزير. فإن قيل: قولكم: "إن علة التنجيس الموت، فلا يجوز ارتفاع النجاسة مع بقاء الموت" غير مسلم؛ لأننا نقول: إن علة التنجيس الموت وفقد الدباغ، فعلة التنجيس ذات وصفين، فإذا عدم أحد الوصفين وهو فقد الدباغ جاز أن لا يرتفع التنجيس. قيل: فينبغي أن يرتفع التنجيس بارتفاع الوصفين، فإذا دبغ ارتفع فقد الدباغ الذي هو أحد الوصفين، ولم يرتفع الوصف الآخر الذي هو الموت، فينبغي أن لا يطهر على هذا الحساب. فإن قيل: فإن الموت علة في تنجيسه ابتداء دون الاستدامة، فإذا كان الموت علة في وجود النجاسة دون بقائها واستدامتها جاز أن ترتفع استدامتها وبقاؤها، وإن كان علة الوجود في الابتداء لا ترتفع، كما إذا تيمم فإنه يصلي؛ لأنه استباح به الصلاة، ثم لو أحدث لم يجز له أن يصلي بذلك التيمم، لا لأجل أن التيمم قد عدم بل التيمم موجود كما كان، ولكن الحدث قطع الاستدامة وبقاء الاستباحة، والله أعلم.

стр. 1067

قيل: هذا بعينه يلزم في لحم الميتة، وأما التيمم فهو شاهد لنا؛ لأنه لم يرفع الحدث، فلهذا انقطعت استدامته، فينبغي أن لا ترتفع نجاسة الجلد بالدباغ، ولكن تنقطع استدامة المنع من الانتفاع به، فيصير منتفعا بالدباغ لا كمنفعة الذكاة، كما أباح التيمم الصلاة لا على معنى الوضوء الذي يرفع الحدث، وبالله التوفيق. ووجه الرواية الأخرى في طهارة الجلد بالدباغ ما ذكرته عن المخالفين، وفيه الرد على أحمد في امتناعه من استعماله بكل وجه وإن دبغ. فَصْل فأما ما قاله الأوزاعي وأبو ثور في أنه يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه فاحتجوا له بما رواه أبو المليح الهذلي، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ نهى عن افتراش جلود السباع (١). ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو غير مدبوغة. وبما روي أنه قال ﵇: "دباغ الأديم ذكاته" (٢)، فأقام الدباغ مقام الذكاة، وبين أنه يعمل عملها، فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم تعمل الدباغة أيضا فيما لا يؤكل لحمه. قالوا: ولأنه حيوان لا يؤكل لحمه فوجب أن لا يطهر جلده بالدباغ،

стр. 1068

أصله الكلب والخنزير. والدليل لقولنا قوله ﵇: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (١). وما روته عائشة أن النبي ﵇ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (٢)، ولم يفرق بين جلد وجلد، فهو عام إلا ما خصه الدليل. وأيضا فإنه حيوان لم يرد نص القرآن بتحريمه، ولا أجمع عليه، فجاز أن يطهر بالدباغ، أصله ما يؤكل لحمه، بعلة أنه حيوان يجوز بيعه في حياته. فأما نهيه ﵇ عن افتراش جلود السباع فإنه عام فيما دبغ وما لم يدبغ، فخصصناه بقوله: "إذا دبغ فقد طهر" (٣). على أنه لا يجوز أن يكون الخبر واردا إلا في جلود السباع التي لم تدبغ (٤)؛ لأن المقصود من جلود النمور شعرها، وهي إذا دبغت [ذهب] (٥) شعرها، فهي لا تدبغ، وإنما تستعمل غير مدبوغة. وقولهم: "إن النبي ﷺ أقام الدباغة مقام الذكاة، وأن الذكاة لا تعمل في السباع" غلط علينا؛ لأن الذكاة تعمل في السباع، ويستغنى بها عن الدباغة

стр. 1069

إلا الخنزير، وأما الخنزير فإنما لم تعمل الدباغة في جلده؛ لأن الذكاة التي هي أقوى منه وهي الأصل لا تعمل فيه (١)، فلم تعمل الدباغة. وأما قول داود في الانتفاع بجلد الخنزير إذا دبغ فإنه احتج بقوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (٢)، فعم ولم يخص. وأيضا فقد قال: "دباغه ذكاته" (٣). فنقول: إن الذكاة في الأصل أقوى من الدباغة، والدباغة إما أن تكون بدلا أو فرعا، وإذا لم تعمل الذكاة في جلد الخنزير كانت الدباغة أولى أن لا تعمل. فإن قيل: فإنه حيوان طاهر عندكم، ينجس بالموت، فينبغي أن تعمل الدباغة فيه كسائر الحيوان الذي ينجس بالموت. قيل: أنتم على أصلكم أن الخنزير نجس، فإذا كان نجسا لم تتأت فيه الذكاة فالدباغة أولى. والفرق - عندنا - بين الخنزير وغيره: هو أن النص ورد بتحريمه، والإجماع حاصل على المنع من اقتنائه، فلهذا لم تعمل الذكاة والدباغة فيه. وأما الزهري فإنه اعتمد على خبر رواه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال:

стр. 1070

"ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به"، ولم يذكر فيه فدبغوه، وفي الخبر أنهم قالوا له ﵇ "إنها ميتة، فقال: إنما يحرم لحمها" (١). فلم يذكر فيه الدباغ، فدل على أنه يجوز الانتفاع به قبل الدباغ. ولنا نحن حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بشاة مولاة ميمونة فقال: "لا على أهلها لو أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما يحرم أكلها" (٢). فإذا كان الزهري الراوي للخبرين أخذنا بالزائد منهما، وهو الذي فيه ذكر الدباغة، وكان أولى أيضا للزيادة، ولموافقته الأصول في أن لا تقتنى النجاسات، ولا ينتفع بها مع الحكم لأعيانها بذلك. فإن قيل: إذا روى الراوي خبرين، وعمل بأحدهما وترك الآخر وجب أن يرجع إليه فيما عمله، فيعمل به ويترك الآخر. قيل: يجوز أن يكون قد نسي الخبر الآخر الذي فيه الزيادة، أو نسي الزيادة. ثم إنه يجوز أن يراد به اجتهاده إلى العمل بالخبر الآخر ويترك الزيادة، فينبغي أن لا يرجع إلى اجتهاده إذا أمكننا بالزيادة، والله أعلم. ونقول أيضا: هو جزء من الميتة يتأتى فيه الأكل فأشبه لحمه.

стр. 1071

مسألة (٤١): والذكاة (١) تعمل في سائر السباع إلا الخنزير، وإذا ذكي سبع من السباع فجلده طاهر، يجوز أن يتوضأ فيه، ويجوز بيعه وإن لم يدبغ، والكلب منها (٢). وبه قال أبو حنيفة (٣)، وأن أجزائه من لحم وجلد طاهر (٤)، إلا أن اللحم عنده محرم أكله، وعندنا مكروه (٥). وقال الشافعي: إن الذكاة لا تعمل في السباع (٦)، وإنها إذا ذكيت صارت

стр. 1072

ميتة [كما] (١) لو ماتت (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣). وبين النبي ﵇ الذكاة فقال: "الذكاة في الحلق واللبة" (٤). فعم الله تعالى كل ما ذكي، وبما بين النبي ﷺ أن الذكاة التي هي الشق في اللغة (٥) إنما تكون في الشرع في الحلق واللبة، لم يخص حيوانا من حيوان، فهو عام في الأنعام والسباع وغيرها إلا ما خصته الدلالة. وأيضا فإن النبي ﷺ قال: "دباغ الأديم ذكاته" (٦). وروي: "ذكاة الأديم دباغه" (٧). فأعلمنا في الخبر الأول أن دباغ الأديم كذكاته، فلولا أن الذكاة تعمل لم يشبه الدباغ بها.

стр. 1073

وقال: "ذكاة الأديم دباغه"، فأقام الذكاة مقام الدباغ لها، وأنها تعمل عمله، فلما كان الدباغ يعمل في ذلك كانت الذكاة كذلك (١). ويدل على ما نقوله أن الدباغة بدل من الذكاة بدليل أن الشاة الذكية لا يحتاج جلدها إلى دباغ يطهره، وإذا عدمت الذكاة وحل الموت أقيمت الدباغة في تطهير الجلد مقام التذكية، فإذا كانت الدباغة بدلا من الذكاة فهي فرع لها، ومن المحال أن يعمل الفرع ولا يعمل الأصل الذي هو أقوى منه في التطهير، ألا ترى أن التيمم الذي هو بدل الوضوء يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث (٢). ولنا أن نقول: هو جلد يطهر بالدباغ فوجب أن يطهر بالذكاة أصله ما يؤكل لحمه. فإن قيل: جلد الميتة - عندكم - لا يطهر بالدباغ. قيل: يطهر، ثم صفة الطهارة هي على وجه دون وجه، وعلتننا تنتظم أنه يطهر، وقد صحت، ولنا رواية أخرى أنه يطهر على كل وجه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣)، وقال ﵇:

стр. 1074

"لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (١)، وهذا ميتة؛ لأن الذكاة لا تبيح أكل لحمه، فيصير كذبح المجوس والمحرم (٢). قيل: جميع ذلك دليل لنا؛ لأن الله تعالى حرم الميتة، واستثنى منها ومما ذكر معها المذكى، فقال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، معناه: لكن ما ذكيتم؛ لأن هذا من الاستثناء المنقطع (٣)، فلما استثنى المذكى صار قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ خارجا من حكم الميتة، ولو كان ميتة لكان حراما. وكذلك نقول في قول النبي ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (٤): إن هذا خارج عن حكم الميتة، داخل في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. فقد صار لنا من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٥)، ومن قوله ﵇ دليل الخطاب في أن غير الميتة ليس بمحرم علينا؛ لأن ما عدا المذكور بخلافه.

стр. 1075

فإن قيل: الاسم لا دليل له. قيل: عندنا له دليل كدليل الصفة (١). فإن قيل: إنها ذكاة لا تفيد جواز الأكل فوجب أن لا تفيد الطهارة، أصله ذكاة المجوسي، وذكاة الخنزير، وعكسه ذكاة ما يؤكل لحمه لما أفادت جواز الأكل أفادت الطهارة. قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنها تعمل في لحم السبع، وإنما أكله مكروه، إن أكله إنسان أساء ولم يعص (٢)، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة. وعلى أن أصحاب أبي حنيفة أيضا يقولون: لحمها مباح ولكنه ليس مما يؤكل؛ لأن اللحم - عندهم - طاهر بالذكاة كالجلد. فأما الخنزير فلا تعمل فيه الذكاة عندنا فيه لأن لحمه محرم. وأما المجوسي فلا فرق في تذكيته بين ما يؤكل لحمه أو لا يؤكل؛ لأنه ليس من أهل التذكية، ولا تلزمنا ذكاة المحرم للصيد؛ لأنه ممنوع في حال دون حال، ألا ترى أن ذكاته صيدا يؤكل لحمه بمنزلة ما لا يؤكل لحمه، وقد

стр. 1076

اتفقنا على أن غير المحرم تعمل ذكاته فيما يؤكل لحمه، فجاز أن يعمل في السباع غير الخنزير. ويجوز أن نقول: السبع والكلب بهيمة يجوز تمليكهما بالوصية والميراث فأشبها الشاة، ولا يلزم عليها الخنزير؛ لأن تمليكه لا يجوز. وأيضا فإنه حيوان لا حرمة له، أبيح الانتفاع بعينه من غير ضرورة فأشبه الضبع (١). ولأنه بهيمة أبيح إمساكه واقتناؤه، فأشبه ما يؤكل لحمه. ولنا أن نفرض المسألة في أن الذكاة تصح في الحمار فنقول: لما جاز أن يطهر جلده بالدباغ جاز أن تعمل فيه الذكاة بالذبح، أصله الشاة والبقرة (٢). وأيضا فإن الدباغة هي الذكاة الثانية، تقوم مقام الأولى في حال الفوات، فإذا جاز أن تؤثر الدباغة في جلد فلأن تؤثر فيه الذكاة أولى.

стр. 1077

وأيضا فإن الحمار والبغل حيوان مختلف في جواز أكل لحمه (١) فأشبه الضبع. فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن افتراش جلود السباع (٢)، وهذا عموم، سواء ذكي أو لا. قيل: هو محمول على غير المذكى بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وبما ذكرناه من القياس. فإن قيل: فإن الذكاة إخراج روح لا تعمل في إباحة لحمه بحال، فوجب أن لا تعمل في تطهيره، مثل ذكاة المجوسي. قيل: هي تعمل في إباحة لحمه، وإنما نكرهه كما نكره أكل الضبع، وإن كانت الذكاة تعمل فيه عندنا وعندكم. وعلى أنها تعمل في إباحة لحمه أيضا؛ لأن من اضطر إلى أكل لحم الكلب والحمار جاز له ذبحه وأكله بعد الذبح، فقد فسد قولكم. فأما المجوسي فالمنع من ذكاته لأجل دينه (٣)، ولهذا المعنى استوى

стр. 1078

حكمه فيما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وفي مسألتنا نرجع إلى المذبوح، فالأمر فيه مختلف، ألا ترى أن ذبح ملك الغير بغير إذنه لما كان النهي عنه يعود إلى نفس المذبوح دون غيره لم تمتنع الذكاة فيه. وكذلك النهي متى توجه إلى الآلة، مثل السكين المغصوبة كان أخف منه إذا توجه إلى غيرها، فلم يجز قياس أحد الموضعين على الآخر. وكذلك المحرم منع من ذكاة الصيد بمعنى فيه من جهة الدين، وفعل غيره أخف من فعله. فإن قيل: ليست الذكاة الدباغة في شيء؛ لأن الدباغة تصح ممن لا تصح منه، الذكاة، والذكاة تصح في موضع لا تصح فيه الدباغة، والدباغة تصح في موضع لا تصح فيه الذكاة، ويعتبر في الذكاة صفة المذكي والآلة والموضع. قيل: هذا لا دلالة فيه؛ لأن اختلافهما لا يمنع من تساوي حكم الذكاة والدباغ في حكم جلد ما يؤكل لحمه إذ لا فرق بين أن يذكى ويطهر، وإن مات دبغ وطهر. ولأن الذكاة على ضربين (١): أحدهما: في السمك، وهي تحصل بأخذه، ولا تعتبر فيه الآلة، ولا الموضع، ولا صفات الآخذ له، وذلك كله معتبر في معتبر في الذكاة التي هي الذبح (٢)،

стр. 1079

ولم يكن اختلافهما مانعا من تأثيرهما في إباحة الأكل، فكذلك مخالفة الدباغة للذكاة في هذه الوجوه لا يمنع تساويهما في حكم التطهير. والله أعلم. مسألة (٤٢): شعر الميتة وصوفها ووبرها (١) طاهر عندنا (٢)، وليس مما يحله الموت، وسواء كان مما لا يؤكل لحمه أو مما يؤكل لحمه (٣)، كشعر ابن آدم، وشعر الكلب والخنزير طاهر في الحياة والموت جميعا (٤). وبه قال أبو حنيفة (٥)، ولكنه زاد علينا فقال: القرن والسن والعظم مثل الشعر، قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها، فلا تنجس بموت الحيوان. وقال الحسن البصري، والليث بن سعد، والأوزاعي: إن الشعور كلها نجسة، ولكنها تطهر بالغسل (٦). وعن الشافعي ثلاث روايات: أحدها: أن الشعور كلها تنجس بالموت (٧).

стр. 1080

والثانية أنها كلها طاهرة كقولنا (١). والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس (٢). والدليل لقولنا كونه طاهرا قبل موت الحيوان، فمن زعم أنه قد انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٣). فمن الله تعالى علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ولم يخص شعر الميتة من المذكاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. فإن قيل: لا دلالة لكم في هذه الآية من وجوه: أحدها: أنه تعالى قرن ذكر الأصواف والأوبار والأشعار بالجلود،

стр. 1081

كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ (١)، وأنتم لا تجيزون هذا في جلد الميتة، فكذلك في الباقي، فصار المقصود منها إذا ذكيت جاز الانتفاع بالجميع (٢). ووجه آخر: وهو أنه تعالى قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣). [والميتة] (٤) اسم للجملة ولكل جزء منها (٥)، فوجب أن تكون الجملة وكل جزء منها محرما؛ لأنه صريح في الميتة، بل هو عموم، فصار ذكر الميتة قاضيا عليها؛ لأنها أخص منها. وأيضا قوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٦)، والحين غير معلوم مدته، فصارت الآية مجملة تفتقر إلى بيان، فلا يصح الاحتجاج بها حتى يثبت تفسيرها. وأيضا فإن الحين متردد بين زمانين، فيكون المراد به حال الحياة إلى حين الممات؛ لأنه يقال: قد حان حينه إذا جاءه الموت (٧)، فكأنه قال: ما دامت حياته (٨).

стр. 1082

قيل: الجواب عن هذا أيضا من وجوه: أحدها: أن قولكم: "إنه تعالى قرن ذكر الصوف والوبر والشعر بالجلد" لا يقدح في الاستدلال بالعموم، ثم تقوم دلالة على إخراج الجلد. ثم إنه ينقلب عليكم؛ لأنكم تجوزون الانتفاع بالصوف والشعر في حال الحياة، ولا تجيزونه في الجلد إذا أخذ في حال الحياة، فنحن وأنتم في هذا سواء، وأما حال الممات فأنتم تدبغون الجلد وتنتفعون به، ولا تنتفعون بالصوف والشعر، فقد فرقتم بين ذلك وبين الجلد في الحياة والممات، وإن كان الله تعالى قد امتن بهما جميعا، وقد اتفقنا جميعا على جواز الانتفاع بالجميع مع الذكاة، والانتفاع بالصوف والشعر دون الجلد في الحياة، وبقيت حال الممات، فأجزتم الانتفاع بالجلد إذا دبغ، ومنعتم من الصوف والشعر، وأجزنا نحن الانتفاع بالشعر والجلد في الحال التي امتن الله تعالى علينا؛ لأن الجلد إذا دبغ جاز أن نتخذ منه بيوتا نستخفها يوم طعننا ويوم إقامتنا، وإنما

стр. 1083

نمنع من بيعه على إحدى الروايتين كما تمنعون من أكله، وننتفع بالصوف والشعر كما كنا ننتفع به في حال الحياة، وصرنا أسعد منكم؛ لأن الامتنان من الله تعالى لم يفرق فيه بين الحياة والموت، وصار المباح من الآية الانتفاع بالجلد في حال الذكاة، وبالدباغ في الموت، وحصل الانتفاع بالصوف والشعر على كل حال في الحياة والذكاة والموت، كما جاز الانتفاع به في حال الحياة وإن لم يجز ذلك في الجلد، فيكون هذا أبلغ وأعظم في الامتنان لكثرة المنفعة به. وقولكم: "إن الميتة تتناول الجملة وكل جزء منها، وأنه نص في ذكر الميتة، ولا ذكر للميتة في الآية الأخرى، وأن تخصيص الميتة يقضي عليها" فإننا نقول: إن في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ (١) تخصيصا لذكر الصوف والشعر، وليس في ذكر الميتة تخصيص لذلك، فقد حصل معنا خصوص في ذكر الصوف والوبر والشعر، وحصل في الآية التي معكم خصوص ذكر الميتة، فصار خصوص آيتكم يقضي على عموم آياتنا، وخصوص آيتنا يقضي على عموم آيتكم، فننظر أينا أولى (٢)، فوجدنا النص ورد بذكر الصوف والوبر والشعر الذي فيه اختلفنا، وليس في آيتكم ذكره صريحا، والخلاف حاصل في الشعر هل يحله [الموت] (٣) أو لا؟ فاستعمالنا أولى. ويقوي استعمالنا أيضا أن النبي ﷺ قال: "ما قطع من حي فهو ميت" (٤)،

стр. 1084

لا يجوز الانتفاع به وإن دبغ، وأن الشعر إذا قطع في حال الحياة فليس بميت، ويجوز الانتفاع به (١)، فإذا كان طاهرا في الحال التي لو قطع فيها الجلد كان نجسا فطهارته وجواز الانتفاع به في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد إذا دبغ أولى. وقولكم: "إن الحين يصير في حيز المجمل" ليس كذلك؛ لأن الناس اختلفوا في الحين، فقال بعضهم: هو سنة لقوله تعالى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٢)، وقال بعضهم: هو عموم في كل زمان (٣)، فلا يسقط التعلق به، وإنما أراد الله تعالى بقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٤) أي إنكم تنتفعون به مدة من الزمان، ولكنه لم يعينه؛ لأن استعمال الناس له يختلف على حسب حاجتهم إليه، ويختلف فيما له يستعمل أيضا، ولو قال تعالى: "إني جعلت لكم ذلك لتنتفعوا به كلما احتجتم إليه" لما صار هذا في حيز المجمل، ألا تراه قال: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ (٥)، وليس لظعننا ولا لإقامتنا وقت

стр. 1085

معلوم فليس هذا في حيز المجمل. وقولكم: "إن الحين يتردد بين زمانين فنصرفه إلى حال حياة الأنعام حتى يحين الموت" فإنه غلط؛ لأن الله تعالى امتن علينا باستعماله، ولم يفرق بين حياتنا نحن أو حياة الأنعام، فيجوز أن نستعمله إلى أن نموت نحن، كما يجوز استعماله إلى موت الحيوان. وعلى أنه [غلط] (١) أيضا من وجه آخر؛ لأن قولكم يدل على أننا إذا جوزناه في حال الحياة فلا نستعمله إلا ما دام الحيوان حيا، حتى إذا مات لم نستعمله، وهذا لا يقوله أحد. وعلى أننا لا نسلم أن الصوف والشعر يقع عليهما اسم ميتة حقيقة، وإن تناول الجملة فإنما يتوجه إلى اللحم والجلد والعظم. فإن قيل: قد يقول الإنسان: رأيت ميتة، وإنما رأى الشعر الحائل، ويقول: مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر، فدل ذلك على أن الميتة يتناول الجميع (٢). ويدل على أن الميتة اسم لجميع الجملة: أن الجملة إذا فرقت لا يقال لها: ميتة، وإنما يقال لحم الميتة، وجلد الميتة، ورجل الميتة، فدل على ما ذكرناه. قيل: أما قول الإنسان: "رأيت الميتة" وإنما رأى الشعر الحائل، ويقول: مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر فإنه لا يدل على حقيقة، ألا ترى أنه لو

стр. 1086

رآها مسلوخة من الجلد جاز أن يقول: رأيت الميتة، ولو مسها مسلوخة قال: مسست الميتة (١)، وفي الحقيقة لو مس الشعر دون الجلد لقال: مسست شعر الميتة، وإنما الحقيقة تتناول الجملة، سواء كان عليها شعر أم لا. فإن قيل: ما ذكرتموه من المساواة في استعمال الآيتين من قوله تعالى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ (٢) فلنا نحن الترجيح؛ لأن آيتنا في ذكر الميتة، قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وآيتكم قصد بها الامتنان وعد النعمة علينا، والآيتان إذا تقابلتا وقصد بإحداهما تحريم الأعيان التي وقع فيها الاختلاف، وقصد بالأخرى غير ذلك كان ما قصد به بيان التحريم والتحليل أولى، كما نقول في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٣) وفي قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) كل واحدة منها عام من وجه، خاص من وجه، فكان تقديم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أولى؛ لأنه قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وقصد بقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٥) بيان العدد الذي يحل ولا يحل. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ يفيد تحريم ما يموت، والشعر لا يحله الموت، وإنما ينقطع نماؤه بموت ما يموت، فلم نسلم لكم

стр. 1087

أن الشعر ميتة، ألا تراه تعالى استثنى في الميتة فقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١)، والضرورة تدعو إلى أكل الميتة، والشعر لا يؤكل، فثبت أن الميتة اسم لما عدا الصوف والشعر، وحصل النص في الامتنان بالصوف والشعر عاما، فلا يقضي عليه، فلا يخصه ذكر الميتة. والجواب الآخر: هو أن الامتنان أيضا يقع بالانتفاع بالأعيان كما يقع تحريمها، فما أمكننا أن نحرس موضع النعمة والمنة فهو أولى، وقد بينا أن المنة في سعة استعماله أولى، يشهد لما قلناه: التفرقة بينه وبين الميتة في حال حياة الحيوان فإن الشعر ينتفع به، وجلد الحية لا ينتفع به، وهو ميتة، والمنة في الشعر قد أباحته بخلاف الجلد، ولم يقضوا بتحريم الجلد الذي هو ميتة في حياة الحيوان على الشعر الذي حصل به الامتنان، فكذلك لا يقضي بتحريم الميتة في حال الموت على الشعر الذي وقع الامتنان به. ويدل على صحة قولنا أيضا: ما روي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا بأس بمسك (٢) الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها ووبرها وشعرها إذا غسل بالماء" (٣). وهذا نص، فسقط معه كل ظاهر وقياس، وقوله ﵇: "لا بأس" أي لا ضيق ولا حرج. فإن قيل: هذا الحديث لا يصح، ولو صح لكان السؤال عليه من وجهين:

стр. 1088

أحدهما: أن قوله ﵇: لا بأس لا يفيد الطهارة ورفع النجاسة، كما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" (١). والوجه الآخر: أن النبي ﵇ إنما حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل (٢)، وهذا معنى غير معتبر عندنا وعندكم؛ لأنه - عندنا - لا يطهر بالغسل، وعندكم لا يفتقر إلى الغسل، وقد جعل ﵇ من شرطه الغسل. قيل: أما قولكم: "إن الحديث لا يصح" دعوى بلا برهان فلا يسمع (٣). وقوله ﵇: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" فكذلك نقول أيضا، فلا فرق بين الموضعين. وقولكم: "إن النبي ﵇ حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل، وأنه لا يفتقر إلى الغسل عندكم" فإننا نقول: إنما ذكر الغسل على طريق الندب تنظفا لما يحدث من الحيوان عند موته، والمقصد إعلامنا جواز استعماله، وأنه طاهر في نفسه، ولا ينجسه الموت (٤). ويدل على صحة قولنا: ما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﵇ مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال: "ما على أهلها أن لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا

стр. 1089

به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها" (١)، وروي: "إنما حرم لحمها" (٢). فلم يحرم منها غير ما يؤكل، والشعر لا يؤكل، ولو كان في الشعر روح لوجب أن لا يستباح أخذه إلا بالذكاة، كالجلد واللحم وغيرهما، فلما أجمعنا على أنه أنه لو أخذ من حيوان يؤكل لحمه في حال حياته كان طاهرا من غير تذكية علم أنه لا روح فيه. وأيضا فإن النبي ﵇ قال: "ما قطع من حي - وهو حي - فهو ميتة" (٣). فلو كان الشعر فيه روح لوجب إذا جز مما يؤكل لحمه في حياته أن يكون ميتا، نجسا، وهم لا يقولون إنه ميت، بل يقولون مثل قولنا إنه طاهر، فدل على أنه لا روح فيه. فإن قيل: فإن الصوف والشعر إذا قطع من حي يؤكل لحمه في حال حياته فإن ذلك ميتة، فإن لم يكن نجسا فقوله ﵇: "فهو ميت" (٤) صحيح لا يدل على تنجيسه، ألا ترى أن السمك ميت وليس بنجس. قيل: فينبغي أن يكون جلد الحي إذا قطع منه ميتا ولا يكون نجسا، وإنما أراد ﵇ أن الذي يقطع من الحيوان في حياته يكون ميتا كما لو مات الحيوان بدليل الجلد، فإذا كان الشعر يسمى ميتا كان مثل الجلد. فأما السمك فلو قطع جلده أو بعض لحمه وهو حي فإنه بمنزلته لو مات،

стр. 1090

لا فرق بين حياته وموته، فلما تقرر أن الجلد من الشاة لو قطع في حياتها لكان ميتا نجسا كان كذلك في موتها، ولما كان الشعر إذا قطع منها في حياتها لم يكن ميتا نجسا كان كذلك في موتها. فإن قيل: خبر شاة مولاة ميمونة حجة لنا؛ لأنه ﵇ بين حكم الجلد بأنه إذا دبغ انتفع به، وأعرض عن غيره؛ لأنه لا سبيل إلى الانتفاع بشيء من هذه الجملة إلا بالجلد حسب دون غيره، لا سيما على مذهب من يقول: إن الشعر طاهر، فهو في الحال مال عنده، ولم يبين حكمه، فدل على ما ذكرناه. قيل: النبي ﵇ بين حكم الجلد الذي الشعر والصوف عليه فقال: "هلا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به" (١)، فعلم أنه أباح الجلد والشعر جميعا، فلما قالوا له: إنها ميتة علم أن الجلد ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها" (٢) إشارة إلى الجلد الذي يتأتى فيه الأكل، وإلى اللحم أيضا، وبقي الجلد والشعر الذي عليه على جملة الانتفاع بقوله: "ألا انتفعوا به"، فلم يحتج إلى بيان ثان. وليس قوله ﵇: "إنما حرم أكلها" (٣) بيانا لحكم الانتفاع بها؛ لأنه قد تقدم، وإنما هو بيان لحكم الأكل، وأنه محرم دون الانتفاع به. ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أن رجلا سأل النبي ﵇ عن الصلاة في الفراء. فقال: "أين الدباغ؟ " (٤).
следующие страницы →