← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وعن ابن المبارك، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله أن النبي ﷺ ناداه ليلة الجن (١). وعن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن [أبي] (٢) عبيدة، عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن فقال لي: "التمس ثلاثة أحجار"، فوجدت حجرين وروثة (٣). وعن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود: "أن النبي ﷺ ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاء بحجرين وروثة" (٤). فأما حديث ابن عباس فرواه ابن مصفى، عن أبي عمرو بن سعيد، [عن] (٥) ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حنش، عن ابن عباس، عن ابن مسعود الحديث، وقال فيه: فتوضأ رسول الله ﷺ ، وقال: "هذا شراب وطهور" (٦).

стр. 982

وأما حديث أبي رافع فرواه أبو الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج، ومحمد بن عبدوس قالا حدثنا محمد بن عباد المكي عن أبي سعيد - مولى بني هاشم - عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال ليلة الجن: "أمعك ماء؟ ". قال: لا. قال: "معك نبيذ؟. قال: نعم. فتوضأ به (١). وأما حديث أبي وائل فرواه أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي،

стр. 983

عن الحسين بن عبد الله (١) العجلي، عن أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: بن مسعود قال: "كنت مع النبي ﷺ فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، فقال لي رسول الله ﷺ : "أمعك ماء يا ابن أم عبد؟. قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ فقال: "تمرة طيبة وماء طهور" فتوضأ به رسول الله ﷺ " (٢). وحديث أبي زيد بإسناده معروف (٣). وقد روي هذا عن ابن عباس (٤)، وعكرمة (٥)، وأبي العالية (٦)، ولا نعلم أحدا من الصحابة روي عنه خلاف هذا. والحديث عن علي أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ (٧). وعن الحسن مثل ذلك (٨).

стр. 984

والجواب: أن الناس قد طعنوا على هذه الأحاديث المروية عن أبي زيد، وأنا أذكر ما قيل في كل واحد منها. فأما حديث أبي رافع فأبو رافع مجهول (١)، وعلي بن زيد الذي روى عنه ضعيف (٢). وأما حديث أبي وائل فراويه الحسين بن عبد الله (٣) العجلي قيل: إنه يضع الحديث (٤). وأما حديث ابن عباس فرواه عنه حنش الصنعاني، وهو ضعيف (٥).

стр. 985

ورواه عن حنش قيس بن الحجاج، وهو مجهول (١). وأما حديث أبي عبيدة عن عبد الله فقد قيل: "إنه لا يصح له سماع من أبيه" (٢). والذي ذكروا من أن ابن مسعود قال: أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة، فإن هذا كان ليلة الجن، فقيل له: إن هذا حديث آخر عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ في طلب ثلاثة أحجار وذكر الحديث (٣)، فكيف يجوز أن يخلط هذا بليلة الجن؟ لأن هذا حديث معروف ليس فيه ذكر ليلة الجن. والجواب عما ذكروه من الرواية عن علي وابن عباس وغيرهما، وأنه لا يعرف خلاف هذا، فأول ما يقال فيه: إن حديث علي رواه الحارث الأعور (٤)، فلا يلزم القول به، والمحفوظ عن علي ﷺ خلاف هذا، وهو قوله بحضرة

стр. 986

الصحابة لا ينكره أحد: "لا أوتى بشارب خمر أو مسكر إلا حددته" (١). ولم ينقل عن أحد من الصحابة جوازه. وقال جماعة من علماء الحديث: إن الحديث المروي عنه في ذلك لم يثبت (٢). على أنه لو ثبت لم يخل إما أن يستدلوا به إجماعا أو توقيفا. فإن استدلوا به إجماعا لم يصح لأننا قد نقلنا عن عمر وابنه عبد الله أنهما قالا: "النبيذ نجس لا يجوز شربه"، وإذا كان عندهما نجسا لم يجز عندهما التوضؤ به. وإن استدلوا به من حيث التوقيف أنهم ما قالوا ذلك إلا توقيفا قلنا: يجوز أن يكونوا قالوه من الظاهر؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فقالوا: في النبيذ ماء فجاز التوضؤ به. أو يكونوا قالوا بجوازه لحديث عبد الله بن مسعود (٣)، وقد بينا فساد الدلالة منه بما بيناه من تركهم ماء البحر بالنبيذ (٤)، وأبو حنيفة لا يتركه به.

стр. 987

فإن قيل: يجوز أن يكونوا ذهبوا إلى أنه لا يجوز التوضؤ بماء البحر، فلهذا تركوه مع النبيذ. قيل: لم يرو هذا، وقد روي عن أبي العالية كراهية ذلك، فروي عنه أنه سئل عن رجل أجنب وليس عنده ماء أيغتسل بالنبيذ؟ فكرهه. فقيل له: أرأيت ليلة الجن؟ فقال: أنبذتكم هذه؟ إنما كان ذلك زبيبا وماء (١). وقد ثبت عن جمهور الصحابة تحريم النبيذ، فأي خلاف يكون أكثر من هذا؟. ولعل النقل في منع التوضؤ بالنبيذ مما يقل لشهرة المنع منه، كما قل النقل في التوضؤ بالخمر والمياه النجسة. على أننا نقول: لو صح كون عبد الله مع النبي ﷺ ليلة الجن لكان الجواب عن الخبر من وجوه: أحدها: أنه لا دلالة في ظاهره؛ لأن قوله ﷺ : "تمرة طيبة وماء طهور" (٢) يقتضي أن يكون في الحال تمرا وماء، ولا يكون نبيذا، وعلى ما يقولون قوله: "تمرة طيبة وماء طهور على المجاز، أي: كان تمرا طيبا وماء طهورا. فإن قيل: قال عبد الله بن مسعود: "معي نبيذ" (٣).

стр. 988

قيل: له تأويلان أحدهما: أن قوله "معي نبيذ" أي: ماء منبوذ. والثاني: أي يؤول إلى نبيذ، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١)، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ (٢)، وإنما رأوا أمارته. وكقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ (٣). فإن قيل: فنحن نقول: تمرة طيبة وماء طهور، أي كان لا في الحال بدليل قول عبد الله: "معي نبيذ". قيل: إذا لم يكن بد من تحقيق أحد الكلامين فتحقيق قول النبي ﷺ وتأويل قول عبد الله أولى، فنحمل قول عبد الله على المجاز بالتأويل بقول النبي ﷺ وقوله: "تمرة طيبة وماء طهور". فإن قيل: فقد نفى عبد الله أن يكون معه ماء، ألا ترى لما سأله ﷺ : "هل معك ماء؟ "، قال: "لا". فعلم أنه كان نبيذا، لا ماء منبوذا أو نبذ فيه تمر. قيل: الجواب عنه أن له تأويلين: أحدهما: وقد ذكرناه أنه قال: "لا"، يعني الماء للتوضؤ؛ لأن الماء

стр. 989

الذي كان معه للشرب؛ لأن مياههم كان فيها ملوحة، فكانوا يستعذبونها بالتمر للشرب، ويتوضؤون بها غير مستعذبة (١)، فلهذا قال: ليس معي ماء لم ينبذ فيه تمر. والثاني: أن الخبر منسوخ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة في صدر الإسلام، وقوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ متأخر لأنها نزلت في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، فاشتغلوا به حتى فاتتهم الصلاة، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢)، والمتأخر - عند أبي حنيفة ينسخ المتقدم، سواء كان المتأخر عاما أو خاصا (٣). على أننا نقول: لو لم يكن منسوخا لم يسع الحجاج به؛ لأن النبي ﷺ توضأ بنبيذ التمر النيء منه لا المطبوخ؛ لأن العرب لم تكن تطبخ الأنبذة، وعند أبي حنيفة لا يجوز التوضؤ بالنيء (٤)، وإنما يجوز بالمطبوخ المسكر.

стр. 990

فإن قيل: يجوز - عندنا أن ينسخ الأصل ويبقى الفرع (١). قيل: لا يجوز - عندنا - أن يثبت الفرع ويرتفع الأصل، ألا ترى أن القياس في الأرز على البر صحيح، ولا يجوز لأحد الربا في الأرز - الذي هو فرع للحنطة - ويسقط حكم البر. فإن قيل: النسخ لا يكون بالاحتمال، سيما إذا أمكن الاستعمال. وعلى أن هذا يكون نسخا للسنة بالقرآن، وهذا لا يجوز. قيل: لم ينسخ بالاحتمال، فإذا ثبت لنا التاريخ لم يبق هناك احتمال، ألا ترى إلى قول الراوي: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل النبي ﷺ (٢). وقولهم: "إن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز" فإنه يجوز عندنا (٣). ولو قلنا: إنه لا يجوز لقلنا: إن إباحة النبيذ كانت بالقرآن في سورة

стр. 991

النحل، ثم نسخ بما ذكرناه. وقولهم: إن الاستعمال ممكن فليس كذلك؛ لأن الذين منعوا شربه منعوا الوضوء به. وجواب آخر وهو أن هذه قضية واحدة في عين، فيحتمل أن يكون قول ابن مسعود: "توضأ به"، أي غسل شيئا كان عليه أراد أن يزيله به لا لصلاة، وهذا يسمى وضوءا. فإن قيل: روي أنه توضأ وصلى. قيل: غسل الذي قلناه وصلى بوضوء متقدم، وإذا احتمل ما قلناه، واحتمل ما قلتموه لم يعترض به على عموم الآي والأخبار. وأيضا فليس عند أبي حنيفة أن أفعال النبي ﷺ على الوجوب (١). وأيضا فهم أبعد الناس من هذا؛ لأنهم يزعمون أن الزيادة في النص نسخ (٢)، والله تعالى نص على الصعيد عند عدم الماء، فإذا قالوا: معناه: "فلم تجدوا ماء ولا نبيذا" فقد زادوا في النص بخبر واحد، وهذا نسخ. وهو مع هذا خبر ضعيف على ما بيناه، وقد ألزمونا هذا في الشاهد واليمين (٣).

стр. 992

فإذا قالوا: فإذا فعلتم مثل هذا في اليمين مع الشاهد، وفي التغريب مع الجلد (١) فلم تمتنعون منه هاهنا؟ قيل: إنما أنكرنا عليكم أنتم لأنكم لا تجوزونه، ونحن نجوزه، فأما امتناعنا نحن منه هاهنا فليس لأنه زيادة في النص، ولكن لما سمعتموه من الدلائل. مع أننا وإن زدنا التغريب مع الجلد فلم نسقط شيئا ورد به القرآن، وأنتم إذا استعملتم النبيذ أسقطتم التيمم مع وجوده لا محالة، وهذا إسقاط لشيء من القرآن في غير موضعه. فإن قيل: قولكم: "إن النبيذ كان نيا" فقد خالفتم الخبر لا يلزمنا؛ لأن النبي ﷺ لم يستفسر ابن مسعود عنه، هل هو نيء أو مطبوخ؟ فصار كالعموم، ثم قامت الدلالة على تخصيصه، فلم يجز النيء وبقي المطبوخ. وقد يجوز أيضا أن يكون نيئا كما زعمتم فكان يجوز هو والمطبوخ،

стр. 993

ثم لما خص النبي ﷺ النيء بالمنع بقي الباقي على الجواز على ما دل عليه الخبر؛ لأن النبي ﷺ لم يبين في وقتِ قيل له: معي نبيذ. قيل: لا يجوز التخصيص بمثل معنى المخصوص منه، ونحن نعلم أن الطبخ لم يغير من حكمه شيئا؛ لأن الغلبة من التمر للماء والشدة المخصوصة فيه على ما هي عليه في النيء، فإذا لم يجز التوضؤ بالأصل الذي نص عليه وارتفع حكمه كان فيما لم يرد النص فيه وعلة النيء فيه موجودة أولى أن لا يجوز. ثم مع هذا فإن النبي ﷺ كان ينهى عن النبيذ المشتد، وينهى عن الانتباذ في أوعية مخصوصة (١) لئلا يسرع إليها النش والشدة، ويعلم أن ابن مسعود لا يكون معه نبيذ مشتد وهو نيء طاهر بإجماع. فإذا ثبت عنه المنع بالتوضؤ بمثل هذا كان محالا أن يجوزه فيما قد اشتد وقد نهى عن شربه، وصار مختلفا في نجاسته، ويمنع من جوازه في

стр. 994

الحلال بإجماع. فإن قيل: إنكاركم علينا نسخ الأصل وبقاء الفرع قد قلتم بمثله في القرعة، فزعمتم أن الأصل فيها قصة مريم، وقوله تعالى ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١)، وقوله في قصة يونس: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٢). ثم قلتم: إن القرعة لا تصح في الإلقاء في البحر (٣)، ولا في الكفالة (٤)، فأبطلتموها فيما وردت فيه، وأخذتم بالقرعة منها في القسمة وغيرها. قيل: اعترفوا بأنكم قد فعلتم ذلك، وأنه منكر، ثم ننظر فيما عملناه نحن. على أننا لم نفعل في القرعة ما ذكرتموه، وإنما الأصل - عندنا - الأحاديث المروية عن النبي ﷺ وأنه استعمل القرعة في شرعه في قسمة الأرض (٥)،

стр. 995

والقسم بين نسائه (١)، وبين العبيد الذين أعتقهم الأنصاري عند موته (٢)، ولو جعلنا الأصل قصة يونس لكان كما ذكرتم. فإن قيل: إن خبر ابن مسعود كان قبل تحريم الخمر. قيل: فقد جاء من هذا ما نريد، وأن الوضوء بالنبيذ منسوخ؛ لأن فيه معنى الخمر. ثم نقول لهم: أنتم أبعد الناس من الاستدلال بمثل هذا؛ لأنكم تزعمون أن الحديث إذا كان خبر واحد وجاء بما لا يطابق الأصول لم يعمل به (٣)، وألزمتمونا ذلك في مس الذكر وغيره (٤)، ثم وجدنا خبر النبيذ من أشد شيء منافاة للأصول؛ لأننا نجد الخل أخف حالا، وكذلك ماء الزعفران، وماء الورد، والباقلا من النبيذ، ومع هذا فلم يجز الوضوء بذلك، فالنبيذ أولى. فإن قيل: إن هذا الخبر لم يعترض على الأصول نفسها، وإنما اعترض على قياس الأصول.

стр. 996

قيل: كل شيء رددتموه من أخبار الآحاد فإنما رددتموه لأنه يزاحم الأصول، فأما نفس الأصول فلا يبطلها إلا نفس النطق، مثل أن تكون الأصول مبنية على أن القاتل يقتل فيرد خبر واحد فيه: لا يقتل قاتل. فإن قيل: قد قلتم أنتم بخبر القرعة، وهو ينافي موجبات الأصول؛ لأن العتق إذا توجه إلى جماعة فقد حصل في كل عبد جزء من الحرية، فإن قلتم في ذلك بالقرعة فهو منافاة للأصول بخبر واحد (١). قيل: إنما ألزمناكم هذا لأنكم أنتم استدللتم به، وأنتم تنكرونه، فلا يلزمنا نحن. فأما قصة العتق فلا نقول: إن العتق وقع على كل واحد منهم، وإنما هو مراعى إلى أن تقع القرعة، كما نقول في الذي لا يملك إلا عبدا واحدا فأعتقه في مرضه إنه موقوف. وأيضا فإنهم يقولون: إن الخبرين إذا وردا، وكان أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا في استعماله فالمتفق على استعماله أولى، قالوا ذلك: "فيما سقت السماء العشر" (٢)، و"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٣)، وما أشبه ذلك.

стр. 997

فقد روينا أخبارا هاهنا متفقا عليها في الاستعمال في الماء إما من حيث النطق، أو من حيث الدليل، ورووا خبر ابن مسعود في النبيذ، وهو مختلف في استعماله، فوجب أن لا يقولوا به. فإن قيل: فقد روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "النبيذ وضوء من لم يجد الماء" (١). ولا يمكن حمل هذا الخبر على شيء إلا بإسقاطه. قيل: الخبر ضعيف. على أنه يمكن استعماله وتأويله، فيحتمل أن يكون أراد الماء الذي يسمى نبيذا، وهو الذي طرح فيه التمر ولم ينمع فيه، وإنما سمي بذلك لما يؤول إليه كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٢). ويحتمل أيضا أن يكون منسوخا. ويحتمل أيضا أن يريد الوضوء الذي يغسل به الشيء فإنه يسمى وضوءا. ويحتمل أن يكون أراد غسل اليد من الغَمَر (٣)، فإن النبيذ الحلو يقلع

стр. 998

ذلك ويسمى ذلك وضوءا. كما قال معاذ: كنا نسمي ذلك وضوءا (١)، بالدلائل التي ذكرناها. فإن تعسف منهم متعسف بقياس يذكره فيقول: يجوز الوضوء بالماء الذي فيه تمر قليل، طبخ طبخا لم يتغير فكذلك إذا تغير بعلة أنه ماء طبخ فيه تمر فلم يمنع من استعماله عند عدم الماء. أو يقول: هو مائع يسمى طهورا مائع يسمى طهورا في الشريعة، يدل عليه قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: "هو شراب طهور" (٢)، وإذا سمي طهورا في الشريعة أشبه الماء. قيل: أول ما في هذا أن صاحب هذه المقالة يعترف بأنه مخالف للقياس في هذه المسألة، وإنما يحتج بالخبر، وقد قال بعض شيوخهم (٣) في شرحه مختصر الطحاوي: إن القياس يمنع - عند أبي حنيفة من جواز التوضؤ بالنبيذ (٤) (١٥٠) لاتفاق فقهاء الأمصار على الامتناع من جوازه بالخل والمرق. وأيضا فهو منتقض به إذا لم يذهب ثلثاه. وقوله: "هو مائع يسمى طهورا" فإننا لا نسلم له ذلك، وقد قلنا: إن قول النبي ﷺ - إن صح ذلك عنه - ينصرف إلى الماء الذي فيه تمر لم يمنع فيه ولا غيره، وإلا فطهور - عندنا - لا يسمى به غير الماء المطلق.

стр. 999

ثم قوله: "فأشبه الماء" غلط؛ لأنه لا يجوز مع وجود الماء. ولنا إذا سئلنا ابتداء عن هذه المسألة أن نقول: القياس عليه فيصير الكلام في هذا الأصل، فإن سلم طرح الخبر إن صح ولم يمكن التأويل فيه، وإن قلنا: إن الخبر مقدم فقد ذكرنا ما فيه كفاية، وبالله التوفيق. * * * مسألة (٣٨): لا تجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن وغيرهما إلا بما يجوز التوضؤ به من الماء دون سائر المائعات (١). وبه قال الشافعي، ومحمد بن الحسن، وزفر (٢). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف (٣): تزول بكل مائع طاهر (٤). فأما الدهن والمرق فعنه رواية أنه لا تجوز إزالتها به، إلا أن أصحابه يقولون: إذا زالت النجاسة به جاز (٥).

стр. 1000

وكذلك - عنده - للنار والشمس في إزالتها مدخل، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ. وكذلك يقول: إذا كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب (١). وكذلك يقول في النار: إنها تزيل النجاسة (٢).

стр. 1001

والدليل لقولنا استصحاب الحال، وكون ذلك الشيء نجسا، فمن زعم أنه يطهر بالمائع سوى الماء فعليه الدليل. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١). ففي هذا دليلان. أحدهما: أن الله تعالى أخرج هذا مخرج الامتنان والفضيلة للماء، فلو كان غير الماء في إزالة النجاسة في حكم الماء لبطلت فائدة الامتنان بالماء (٢). والثاني: هو أنه لو نص على الماء لِينبه على ما عداه من المائعات لوجب أن ينص على أدون المائعات في الإزالة ليكون فيه تنبيه على أعلاها مثل الماء، فلما نص على الماء من بين سائر المائعات، وخصه بالذكر وهو أعلاها علم أنه خصه بالذكر لتخصيصه بالحكم، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ (٣). قيل: إنه النجاسة (٤)، وإذا كان النص ورد بالماء دل على أن ما عداه بخلافه.

стр. 1002

وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). فدل على أن غير الماء لا يكون طهورا (٢). وأيضا ما روي أن أسماء بنت أبي بكر سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال ﷺ : "حتيه، ثم، اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" (٣). فأمر ﷺ بغسله بالماء، والأمر إذا توجه معينا بشيء لم يسقط إلا بالإتيان بذلك المعين (٤)، فوجب إذا غسل بغير الماء أن يكون حكم الأمر باقيا على المأمور، وإلا فهو بمنزلة من لم يغسله أصلا؛ لأنه خالف الأمر، ودليله أن لا يغسل بغير الماء، فقد حصل من هذا الخبر ثلاثة أدلة: أحدها: أن قوله ﷺ : "اغسليه بالماء" لفظه لفظ أمر، فهو على الوجوب، ومن عدل عن الماء ترك الواجب (٥).

стр. 1003

والثاني: أنه موضع تعليم وبيان، فلو كان غير الماء يزيل ذلك لم يغفله وبينه لها. والثالث: لما نص [على الماء] (١) دل على أن غيره بخلافه (٢). فإن قيل: الأمر توجه إلى الدم لأن الهاء في قوله: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه " هي ضمير الدم، وإذا غسل الدم بالخل حتى ذهبت حمرته لم يبق هناك دم يجب غسله، فوجب أن يسقط عنه. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن كلامنا في أن الذي تزال به النجاسة متعين أو لا؟ وأنتم تقولون: هو مخير بين أن يزيلها بالخل أو الماء، ولا تعينون شيئا. ونحن نقول: إنه متعين إزالته بالماء؛ لأن الخبر يقتضي تعيين الماء، تعيينه بالنص عليه بقوله: "ثم اغسليه بالماء" سقط التخيير. فإذا صح والجواب الثاني: أن الهاء فيه راجعة إلى المحل لا إلى الدم، والمحل موجود، فالأمر عليه باق، وإن زال عين الدم بالخل (٣). وهذا الخبر هو العمدة من حيث الظاهر.

стр. 1004

فإن قيل: فقد قال ﷺ : فقد قال: "حتيه ثم اقرصيه" (١)، وليس كل ذلك واجبا. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن دلكه واجب، وهو قرصه حتى يزول بالماء. والثاني: أن الظاهر يقتضي عموم ذلك، فما خص منه خرج بالدليل وبقي الباقي من غسله بالماء على ما يقتضيه الخبر. على أن سقوط الحت والقرص من الوجوب لا يدل على أن الغسل بالماء ليس بواجب، كما لم يدل على أن نفس الغسل ليس بواجب. فإن قيل: فإن الأمر بغسله -عندكم- ليس بواجب؛ لأن إزالة الأنجاس ليس بفرض عندكم. قيل: في رواية عن مالك أنه واجب (٢). وإن قلنا: إنه ليس بفرض وإنما هو مسنون لم يخرج (١٥١) أن تكون صفة غسله المسنون بالماء دون غيره؛ لأن النص والتعيين وقع فيه على الماء دون غيره. ولنا أيضا ما روي أن أعرابيا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : "صبوا عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء" (٣). والاستدلال منه كهو من الخبر الأول.

стр. 1005

فإن قيل: إن خبر أسماء قد تناول اليسير من الدم لامتناع حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة. قيل: لو كان الحكم يختلف في غسل القليل من الدم والكثير بالماء لبينه ﷺ حتى يعلم الفرق بين ذلك، فلما لم يفرق علم أن المسنون والمفروض والمستحب كله بالماء. ولنا من جهة القياس أن نقول: هو مانع من الصلاة، أمر في رفعه بضرب من المائع، فوجب أن يكون ذلك المائع ماء، دليله رفع الحدث. أو نقول: غسله عبادة تعلقت بالصلاة فلم يجزئ بغير الماء المطلق، دليله ماء رفع الحدث (١). فإن قيل: الفصل بينهما أن من شرط رفع الحدث -عندكم- النية. قيل: فأنتم لا توجبونها في الجميع (٢). على أن هذه علة لا تتعدى، فلا تصح عندكم تصح عندكم أيضا، وتصح عندنا، ولكن المتعدية أولى منها عند اجتماعهما. ونقول أيضا: هي طهارة لا تلحق المشقة في اعتبار الماء فيها غالبا

стр. 1006

فوجب أن لا تجوز بغير الماء، أصله طهارة الحدث (١). ونقول أيضا إن المائع إذا لاقى النجس على الثوب والبدن تنجس؛ لأن المائع الكثير إذا حلت فيه نجاسة يسيرة - غيرته أو لم تغيره فإنه نجس كله (٢). فعلى هذا لا يطهر الثوب؛ لأنه كلما غسله بالخل تنجس الخل، فيلاقي النجس النجس، والماء بخلاف ذلك؛ لأنه إذا كثر رفع النجس عن نفسه (٣)، كما أنه يرفع الحدث. ونقول أيضا هي طهارة شرعية فوجب أن لا تصح بالخل، وماء الباقلا، ولا بغير الماء كرفع الحدث (٤).

стр. 1007

أو نقول: هو غسل واجب فوجب أن لا يصح بغير الماء، أصله الغسل من الجنابة وغسل الميت. وهذا التعليل إنما يلزمهم في النجاسة إذا كانت على البدن، ولا يلزمهم ذلك في الثوب؛ لأنهم يقولون غسله ليس بواجب (١). ولنا أن نقيسه على الدهن والمرق؛ لأنه لا يزيل النجس، بعلة أنه مائع لا يرفع الحدث فوجب أن لا يرفع النجس، أصله ما ذكرناه من الدهن. فإن قيل: عندنا أن الدهن والمرق يجوز إزالة النجاسة بهما. قيل: قد قال أبو حنيفة أيضا: إنه لا يجوز (٢). فقولكم: إنه لا يزيل لا يخلو أن تريدوا أنه لا يزيل حكمها أو عينها. فإن أردتم أنه لا يزيل عينها فهو دفع المشاهدة؛ لأن النجاسة لو كانت على شيء أملس، وصب عليها الدهن والزيت، وغسلت به انقلع عينها حتى لا يبقى منها شيء. وإن أردتم أنه لا يزيل حكمها فكذلك سائر المائعات -عندنا- لا تزيل حكمها.

стр. 1008

فإن سلموا أن النجاسة لا تزال بالدموع والعرق قسنا عليه المائعات كلها بعلة أنه ليس بماء مطلق، أو بعلة أنها لا ترفع الحدث. ومن طريق الاستدلال نقول: رأينا جنس الماء إذا كان كثيرا يدفع الأنجاس عن نفسه إذا لم يتغير (١)، وليس كذلك جنس المائع، فإذا لم يدفع النجس عن نفسه فبأن لا يدفعه عن غيره أولى. هذا قد ذكره أصحابنا والناس، ولكنهم لا يسلمونه، ويقولون: المائع الكثير لا يقبل النجاسة إذا لم تغيره فيدفعها عن نفسه كالماء، ولكننا إذا اعتبرنا أصولهم كان ما قلناه صحيحا، وذلك أن النجاسة أغلظ حكما وأقوى من الحدث أو مثله (٢)؛ لأن الماء المزال به النجاسة مسلوب الصفتين - عندهم - من الطهارة والتطهير (٣)، [والماء الذي يدفع الحدث إما أن يسلب الصفتين جميعا من الطهارة والتطهير] (٤) فيكون نجسا، أو يسلب التطهير

стр. 1009

وحده فيكون طاهرا غير مطهر، وعندهم أن الماء المستعمل نجس على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف (١)، فينبغي أن لا تجوز إزالة النجاسة به. فإن ركبوا قول محمد بن الحسن في أن الماء المستعمل طاهر. قيل لهم: فعلى كل حال إزالة النجاسة آكد - عندكم - من رفع الحدث (٢) بدليل أن إنسانا لو كان معه ماء لا يكفيه لرفع الحدث وإزالة النجس جميعا، وهو يكفي لأحدهما فإنه يزيل به النجس ويتيمم للصلاة (٣)، فإذا كانت إزالة النجس أقوى ولم يرتفع الحدث بالمائع فأولى أن لا يزول به النجس. وأيضا فإن تيمم المحدث يسقط الفرض، وتيمم من عليه نجاسة لا يسقط الفرض، فإن صلى وعليه النجاسة كانت عليه الإعادة، فعلم بهذا أن إزالة النجس عندهم - أغلظ وأقوى من رفع الحدث، فلما كان الحدث الذي هو دونها لا يرتفع إلا بالماء دون سائر المائعات غيره كانت النجاسة التي هي أقوى - أولى أن لا ترتفع بالمائعات غير الماء. وأما على أصولنا فإن إزالة النجاسة أخفض من إزالة الحدث لا محالة؛ لأن الناس (١٥٢) اختلفوا في وجوب إزالة النجس، فقال بعضهم: فرض،

стр. 1010

وقال بعضهم: مسنون (١)، ولم يختلفوا في فرض إزالة الحدث. وإزالة النجس لا تفتقر إلى نية، ورفع الحدث يفتقر إلى نية عندنا (٢)، غير أن إزالة النجس طهارة من أجل الصلاة، ورفع الحدث طهارة (٣)، وليس قوة إحدى الطهارتين على الأخرى بمخرج لها عن الماء إلى المائع، ألا ترى أن الوضوء من الحدث طهارة، وغسل الجنابة طهارة، وهو أقوى من الوضوء؛ لأن فيه غسل جميع البدن، ومع هذا فقد استوى حكمهما في الماء، فكذلك يستوي حكم إزالة النجس والوضوء في الماء، وإن كانت إزالة النجاسة أضعف من الوضوء. فإن قيل: قد قال النبي ﷺ في المستيقظ من النوم: "لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا (٤)، ولم يخص غسلهما بشيء من المائعات، فهو عموم. وقال في الولوغ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله" (٥). وقال لعمار: "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول" (٦).

стр. 1011

ولم يخص شيئا مما يغسل به، فوجب إجراؤه على عمومه في كل ما يتأتى به الغسل إلا ما خصه الدليل (١). قيل: هذه عمومات يقضي عليها نصه على الماء في حديث أسماء (٢)، وهو قوله: "ثم اغسليه بالماء" (٣)، دليله أن لا يغسل بغير الماء. فإن قيل: قد روي عن أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول الله، إني امرأة أطيل ذيلي، فأجره على المكان القذر. فقال ﷺ : يطهره ما بعده" (٤).

стр. 1012

وليس ما بعده إلا الأرض والتراب. [على أن الغرض من الأخبار الغسل، ثم بماذا يغسل؟ مأخوذ من قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، وقوله لأسماء: "ثم اغسليه بالماء". وغسل الإناء من ولوغ الكلب -عندنا- ليس بنجاسة، وإنما هو عبادة بالماء.] (١) وأيضا قوله ﷺ : إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض". وروي: "فليمسه" (٢).

стр. 1013

وأيضا فقد روي أن عائشة ﵂ أصاب ثوبها الدم، فبلته بريقها ومصته (١)، فدل على أن الريق يزيل النجاسة. قيل: أما قوله ﷺ لأم سلمة: "يطهره ما بعده" (٢) أراد به إذا علق به النجس اليابس، وجرته على التراب انقلع بدليل أن النجاسة الطرية إذا أصابت ثوبا أو خفا أو نعلا لم تزل بالدلك وغيره بإجماع (٣)، وقد وافقونا على أن التراب لا يزيل النجس في غير المخرج، فصار للحديث معنى، وهو ما ذكرناه. فإن قيل: فما معنى قوله: "يطهره ما بعده؟ " (٤). قلنا: لو بقي في الثوب لم يجز أن يصلي به حتى ينقيه، كما لا يصلي إنسان وهو حامل للميتة أو غيرها من الأنجاس؛ لأن الثوب نفسه نجس (٥).

стр. 1014

ثم نتأول بتأويل آخر فنقول: يجوز أن يصيب ثوبها شيء نجس رطب فيطهره ما بعده إذا كان ماء واقفا في طريق وانجر الثوب فيه؛ لأن العربية من النساء تجر الثوب خلفها نحو الذراع وأكثر، وإذا احتمل هذا خصصناه بما ذكرناه من قوله ﷺ لأسماء في الماء (١). وأما قوله ﷺ في الخف يصيبه أذى (٢) معناه: من أرواث الدواب والبغال والحمير؛ لأن الغالب كونها في الطرقات، وهي - عندنا - مكروهة لا نجسة (٣)، وليس الغالب أن الناس يتغوطون ويبولون في الطرقات إلا في الجوانب. ويجوز أن يريد النجاسة اليابسة أيضا بدليل ما ذكرناه من الآيات، وخبر أسماء في الماء (٤). وأما حديث عائشة في بل الدم بالريق ومصه (٥) فإنه في دم يسير معفو عنه لو لم تزله، بدليل أن الكثير لا يمكن بله بالريق ولا إزالته به. ثم يجوز أن يكون مصته ثم غسلته بعد ذلك (٦)، كما قال ﷺ لأسماء:

стр. 1015

حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" (١). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢)، ولم يخص ما يطهر به. وأيضا فإننا نفرض المسألة في هل يجوز أن تطهر النجاسات بغير الماء؟. فإن سلمتم لنا ذلك سلمت المسألة. قالوا: ولعاب الهر مائع طاهر، ثم قد اتفقنا على أنها لو أكلت ميتة ثم ولغت في إناء لم تنجسه (٣)، ولم نجد هاهنا ما أزال تلك النجاسة إلا لعابها، فدل على ما ذكرناه. قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤) لا نسلم أنها تطهر بغير الماء، ولكنها تطهر بما ذكره تعالى من قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٥)، وبما ذكره لأسماء (٦). على أن قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٧) معناه عندنا: وقلبك فنقه، على ما ذكره

стр. 1016

ابن عباس، ولم يرد به طهره من نجاسة (١). وأما ولوغ الهر فلا يلزمنا من وجوه (٢): أحدها: أن نفس لعابها لو كان نجسا وحل في الماء لم يغيره، وهو طاهر كسائر الأنجاس التي لا تغير الماء، فكيف ولعابها طاهر؟. ولو بقي في فمها شيء من دم الميتة، فشاهده، ثم حصل في الماء ولم يغيره لكان الماء طاهرا عندنا (٣). ثم لا يلزم أيضا لغيرنا ممن ألزموه؛ لأنهم على ضربين: منهم من يقول: إن لم تبرح الهر بعد أكلها الميتة حتى شربت من الإناء فإنه نجس (٤)، وإن غابت ثم رجعت فشربت من الإناء كان طاهرا لجواز أن يكون قد شربت في غيبتها ماء فغسل ما في فيها (٥). ومنهم من يقول: هذه حال ضرورة، ولا يمكن الاحتراز منها؛ لأنها من الطوافين عليكم، فعفى عن ذلك للضرورة، كما عفي عن دم البراغيث (٦).

стр. 1017

فإن قيل: رأينا المحرم ممنوعا من استعمال الطيب على بدنه، فلو أنه اطلى بخلوق لأجزأه أن يزيله بالخل، كما يجزئه بالماء، فدل على أن المائعات تعمل عمل الماء في العبادات غير إزالة الحدث. ولأنها عين استحق إزالتها لحرمة عبادة فأشبه إزالة الطيب من ثوب المحرم. وأيضا فإذا أزيلت بمائع طاهر فإنها عين من النجاسة قد عدمت من الثوب في حال الصلاة، فوجب أن يحكم بجوازها، دليله القطع، يعنون إذا قطعت عين الموضع من الثوب. قيل: أما زوال الخلوق من ثوب المحرم فهو دعوى، ولا أعرف فيه نصا عن مالك ﵁. فإن قلنا: إنه لا يزول إلا بالماء سقط السؤال. وإن قلنا: يجوز فليس الطيب نجسا يمنع من الصلاة فيه، وإنما منع منه مع كونه طاهرا لئلا يلتذ بريحه فتدعوه نفسه إلى الجماع، أو يخرج به عن قشف الإحرام ومتعته (١)، وخلافنا وقع في إزالة نجس، فإن كان ذلك من أجل سقوط الفدية فقد وجبت بحصوله إن علم به ولم يزله، وإن أزاله فهو كما يزيله بالماء النجس، فإن الفدية تسقط كما تسقط بزواله بالخل، والأنجاس فلا تزول بالماء النجس. وأما قطع موضع النجاسة فهو أبلغ من الماء؛ لأن العين والأثر ينقلع لا

стр. 1018

محالة، فلا يحصل مصليا بما فيه خلاف، كما لو طرح الثوب جملة ولم يصل فيه، وإذا غسله بمائع فإن النجس - عندنا - لم يفارقه؛ لأن المائع ينجس، فإن انقلعت تلك العين النجسة خلفتها نجاسة أخرى، فهو كما يزيل العين بالبول (١). فإن قيل: فإنه مائع طاهر فجاز إزالة النجاسة به أصله الماء. وأيضا فإن الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدَّن (٢) جميعا، ونحن نعلم أن الخمر كانت نجسة والدن نجس، ولم يطهره إلا الخل الذي انقلبت عينه من الخمر، فدل على أن الخل يزيل النجاسة. وأيضا فإن الحكم إذا ثبت بمعنى زال بزوال ذلك المعنى، الدليل على ذلك الأصول كلها، فلما تقرر أن المنع من الصلاة كان لوجود عين النجاسة على البدن والثوب، وقد نفدت العين وعدمت المشاهدة إذا أزيلت بالخل فوجب أن يرتفع المنع منها. قيل: أما القياس على الماء فإن المعنى في الماء أنه يرفع الحدث والمائعات سواه لا ترفع الحدث (٣). وما قالوه من نجاسة الدّن وزوالها بالخل فإننا نقول: إن الدن جامد كان طاهرا قبل حدوث الشدة في الخمر، وإنما حصل على وجهه أجزاء نجسة من

стр. 1019

الخمر، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء أيضا خلا، فلم تزل بالخل أصلا، وإنما انقلبت كما انقلبت نفس الخمر، فوزان مسألتنا: أن تصيب الثوب نجاسة، فتنقلب عينها فتصير طاهرة، فنقول: إن هذا لا يحتاج إلى غسل. ثم نقول: لو كان الدن إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب أن لا يحكم بطهارته، ولا بطهارة ذلك الخل، ألا ترى أن إناء لو كان فيه بول أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء، فعلمنا أن الدن لم يطهر بكون الخل فيه، وإنما طهر بما ذكرناه (١). ويبين ذلك: أن الدن لو جرد حتى تنقلع منه تلك الأجزاء لحكمنا بطهارته؛ لأن الأجزاء النجسة زالت عنه. ثم نقول أيضا: إن من مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسا، فكيف بالخل؟. فلو كان الدن إنما طهر بغسل الخل له لوجب أن يكون ذلك الخل نجسا، ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ثم غسل بخل آخر لم يطهر وينجس الخل. وقولهم: "إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها" باطل على مذهبهم بعظم الخنزير أو شعره إذا غمس في الماء فإن الماء نجس بوجوده فيه (٢)، ثم إذا أخرجه منه زالت العين ولم تزل نجاسة الماء، وقد ارتفعت العلة ولم يرتفع الحكم. وقال بعضهم: "قد يبقى في الماء جزء لطيف، فلهذا بقيت نجاسة

стр. 1020

الماء"، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا ينحل من الشعر شيء. فإن قيل: النجاسة التي حصلت لأجله قد زالت بزواله، ولكن تعقبته علة أخرى، فهو نجس بمعنى آخر؛ لأن العلة تخلف العلة. قيل: نحن كذلك نقول: إن الخل إذا لاقى النجاسة زالت تلك النجاسة، ولكنه يصير الخل نجسا، فيصير الكل نجسا، فلم يزل حكم النجاسة. على أننا نقول: إن العين لو انقلعت بالخل لم نقل: إن أثره ينقلع، ولو قلنا: إنه لم تكن العلة وجود النجاسة حسب لجاز؛ لأننا نقول: إنه قد كان يجوز أن نتعبد بترك زوالها، وإنما منعنا الشرع، فقد صار الشرع أوجب ذلك مع وجودها، فإذا زال وجودها لم يزل الحكم إلا بشرع. فإن قيل: إن الشرع قد أوجب زوالها لما حدثت. قيل: إن الشرع قد يوجب الحكم لوجود شيء، ثم يزول ذلك الشيء فلا يزول الحكم، مثل: المطلقة ثلاثا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، ثم قد تنكح فلا تحل لعلة أخرى، وهكذا الحائض لا يجوز وطؤها لأجل الدم، ثم ينقطع الدم لأكثر مدة الحيض فلا يحل وطؤها لعلة أخرى، وهي الغسل (٢). فإن قيل: إن المقصود من إزالة النجاسة إزالتها حسب من غير تعبد بدليل أنه لو جاء عليها مطر لطهر الموضع، فإذا كان المقصد فيها إزالتها
следующие страницы →