رآها مسلوخة من الجلد جاز أن يقول: رأيت الميتة، ولو مسها مسلوخة قال: مسست الميتة (١)، وفي الحقيقة لو مس الشعر دون الجلد لقال: مسست شعر الميتة، وإنما الحقيقة تتناول الجملة، سواء كان عليها شعر أم لا.
فإن قيل: ما ذكرتموه من المساواة في استعمال الآيتين من قوله تعالى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ (٢) فلنا نحن الترجيح؛ لأن آيتنا في ذكر الميتة، قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وآيتكم قصد بها الامتنان وعد النعمة علينا، والآيتان إذا تقابلتا وقصد بإحداهما تحريم الأعيان التي وقع فيها الاختلاف، وقصد بالأخرى غير ذلك كان ما قصد به بيان التحريم والتحليل أولى، كما نقول في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٣) وفي قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) كل واحدة منها عام من وجه، خاص من وجه، فكان تقديم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أولى؛ لأنه قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وقصد بقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٥) بيان العدد الذي يحل ولا يحل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ يفيد تحريم ما يموت، والشعر لا يحله الموت، وإنما ينقطع نماؤه بموت ما يموت، فلم نسلم لكم
стр. 1087
أن الشعر ميتة، ألا تراه تعالى استثنى في الميتة فقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١)، والضرورة تدعو إلى أكل الميتة، والشعر لا يؤكل، فثبت أن الميتة اسم لما عدا الصوف والشعر، وحصل النص في الامتنان بالصوف والشعر عاما، فلا يقضي عليه، فلا يخصه ذكر الميتة.
والجواب الآخر: هو أن الامتنان أيضا يقع بالانتفاع بالأعيان كما يقع تحريمها، فما أمكننا أن نحرس موضع النعمة والمنة فهو أولى، وقد بينا أن المنة في سعة استعماله أولى، يشهد لما قلناه: التفرقة بينه وبين الميتة في حال حياة الحيوان فإن الشعر ينتفع به، وجلد الحية لا ينتفع به، وهو ميتة، والمنة في الشعر قد أباحته بخلاف الجلد، ولم يقضوا بتحريم الجلد الذي هو ميتة في حياة الحيوان على الشعر الذي حصل به الامتنان، فكذلك لا يقضي بتحريم الميتة في حال الموت على الشعر الذي وقع الامتنان به.
ويدل على صحة قولنا أيضا: ما روي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا بأس بمسك (٢) الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها ووبرها وشعرها إذا غسل بالماء" (٣).
وهذا نص، فسقط معه كل ظاهر وقياس، وقوله ﵇: "لا بأس" أي لا ضيق ولا حرج.
فإن قيل: هذا الحديث لا يصح، ولو صح لكان السؤال عليه من وجهين:
стр. 1088
أحدهما: أن قوله ﵇: لا بأس لا يفيد الطهارة ورفع النجاسة، كما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" (١).
والوجه الآخر: أن النبي ﵇ إنما حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل (٢)، وهذا معنى غير معتبر عندنا وعندكم؛ لأنه - عندنا - لا يطهر بالغسل، وعندكم لا يفتقر إلى الغسل، وقد جعل ﵇ من شرطه الغسل.
قيل: أما قولكم: "إن الحديث لا يصح" دعوى بلا برهان فلا يسمع (٣).
وقوله ﵇: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" فكذلك نقول أيضا، فلا فرق بين الموضعين.
وقولكم: "إن النبي ﵇ حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل، وأنه لا يفتقر إلى الغسل عندكم" فإننا نقول: إنما ذكر الغسل على طريق الندب تنظفا لما يحدث من الحيوان عند موته، والمقصد إعلامنا جواز استعماله، وأنه طاهر في نفسه، ولا ينجسه الموت (٤).
ويدل على صحة قولنا: ما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﵇ مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال: "ما على أهلها أن لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا
стр. 1089
به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها" (١)، وروي: "إنما حرم لحمها" (٢).
فلم يحرم منها غير ما يؤكل، والشعر لا يؤكل، ولو كان في الشعر روح لوجب أن لا يستباح أخذه إلا بالذكاة، كالجلد واللحم وغيرهما، فلما أجمعنا على أنه أنه لو أخذ من حيوان يؤكل لحمه في حال حياته كان طاهرا من غير تذكية علم أنه لا روح فيه.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال: "ما قطع من حي - وهو حي - فهو ميتة" (٣).
فلو كان الشعر فيه روح لوجب إذا جز مما يؤكل لحمه في حياته أن يكون ميتا، نجسا، وهم لا يقولون إنه ميت، بل يقولون مثل قولنا إنه طاهر، فدل على أنه لا روح فيه.
فإن قيل: فإن الصوف والشعر إذا قطع من حي يؤكل لحمه في حال حياته فإن ذلك ميتة، فإن لم يكن نجسا فقوله ﵇: "فهو ميت" (٤) صحيح لا يدل على تنجيسه، ألا ترى أن السمك ميت وليس بنجس.
قيل: فينبغي أن يكون جلد الحي إذا قطع منه ميتا ولا يكون نجسا، وإنما أراد ﵇ أن الذي يقطع من الحيوان في حياته يكون ميتا كما لو مات الحيوان بدليل الجلد، فإذا كان الشعر يسمى ميتا كان مثل الجلد.
فأما السمك فلو قطع جلده أو بعض لحمه وهو حي فإنه بمنزلته لو مات،
стр. 1090
لا فرق بين حياته وموته، فلما تقرر أن الجلد من الشاة لو قطع في حياتها لكان ميتا نجسا كان كذلك في موتها، ولما كان الشعر إذا قطع منها في حياتها لم يكن ميتا نجسا كان كذلك في موتها.
فإن قيل: خبر شاة مولاة ميمونة حجة لنا؛ لأنه ﵇ بين حكم الجلد بأنه إذا دبغ انتفع به، وأعرض عن غيره؛ لأنه لا سبيل إلى الانتفاع بشيء من هذه الجملة إلا بالجلد حسب دون غيره، لا سيما على مذهب من يقول: إن الشعر طاهر، فهو في الحال مال عنده، ولم يبين حكمه، فدل على ما ذكرناه.
قيل: النبي ﵇ بين حكم الجلد الذي الشعر والصوف عليه فقال: "هلا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به" (١)، فعلم أنه أباح الجلد والشعر جميعا، فلما قالوا له: إنها ميتة علم أن الجلد ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها" (٢) إشارة إلى الجلد الذي يتأتى فيه الأكل، وإلى اللحم أيضا، وبقي الجلد والشعر الذي عليه على جملة الانتفاع بقوله: "ألا انتفعوا به"، فلم يحتج إلى بيان ثان.
وليس قوله ﵇: "إنما حرم أكلها" (٣) بيانا لحكم الانتفاع بها؛ لأنه قد تقدم، وإنما هو بيان لحكم الأكل، وأنه محرم دون الانتفاع به.
ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أن رجلا سأل النبي ﵇ عن الصلاة في الفراء. فقال: "أين الدباغ؟ " (٤).
стр. 1091
ومعلوم أن الدباغ يؤثر في الجلد حسب، فكان حكم الشعر على أصل طهارته.
ويجوز أن نقول: هو شعر منفصل من عين يجوز الانتفاع بها على وجه من غير عذر فأشبه الحي منها.
ونقول أيضا: إن الذي ينجس بالموت في حين اتصاله بالحيوان فإن انفصاله منه في حال حياته بمنزلته، دليل ذلك سائر أبعاضه، فلما كان الشعر يفارق سائر أبعاضه في حال حياته فارق سائر أبعاضه في حال مماته، ألا ترى أن لو انقطع عضو منه في حال حياته كان بمنزلته في حال مماته، فعلم مخالفة الشعر لسائر أبعاض الميتة.
وأيضا فإن تأثير الموت في الجلد الذي هو محل الشعر أبلغ من تأثيره في الشعر، ألا ترى أنه يؤثر في إبطال الحس منه، ووصول الألم إليه، وتوكد الإجماع في تحريمه.
فإذا لم يوجب نجاسة الشعر في الحال الذي فيه ألم الجلد فلأن لا ينجس في حال انقطاع الحس عن الجلد الذي هو محل الشعر أولى.
وأيضا فإن صفة الشعر في نفسه لما لم يتغير بموت الأصل عما كان عليه لم يعتبر نفس انقطاع النماء فيه، دليله الجنين لما كان باقيا على حالته لم يكن انقطاع النماء بموت الأصل مانعا من طهارته.
فإن قيل: الجنين في وعاء، والشعر على عين نجسة.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الشعر على وعاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل
стр. 1092
انقطع نماؤه من الأصل، والجنين في وعاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل منه انقطع نماؤه من الوعاء، فإذا انفصل من الأصل في حياته فهو كانفصال الشعر منه، والنماء منقطع عنهما جميعا من الأصل (١).
ويجوز أن نجعل الجنين أصلا فنقول: هو عين ينفصل في حال حياة الأصل فيحكم بطهارتها، فكان انفصالها بعد الممات على تلك الصفة وفي حكمها، وهذا المعنى موجود في الشعر.
وأيضا فإن وقوع الفعل في نفس الجنين لا يؤثر في إيلام الأصل، فأشبه من هذا الوجه الشعر، فوجب أن يتفقا في الحكم.
ونقول أيضا: قد اتفقنا على أن صوف الحي من الأنعام وشعره طاهر، فكذلك إذا مات بعلة أنه متصل بحيوان لو قطع جلده لكان نجسا.
فإن قيل: فإنه متصل بذي روح، ينمو بنمائه فوجب أن يكون فيه روح، أصله الجلد واللحم.
أو نقول: فوجب أن ينجس.
أو نقول: فوجب أن يموت بموت ذاته.
واحترزوا بقولهم: "متصل بذي روح" من الجنين، هو ينمو بنماء أمه، ولا ينجس بموتها؛ لأنه ليس بمتصل بذي روح، وإنما هو في وعاء.
وقولهم: "ينمو بنمائه" احترازا إذا جف بعض بدنه أو أصابه شلل، هو متصل بذي روح وهو لا روح فيه، ولا ينجس أيضا بموته؛ لأنه لا ينمو
стр. 1093
بنمائه؛ لأنه إذا سمن لم يسمن موطن الشلل.
قيل: إن الشعر ليس بجزء من الأصل، ولا هو من أبعاضه وإن كان متصلا به، ولو كان في حكم الأجزاء لنجس بقطعه في حياة الأصل مثل سائر أجزائه، ولكان يؤلم أخذه، ويحس به، كما يوجد ذلك في سائر أبعاضه من غير آفة به.
ولو صح هذا لكان الأولى أن يحكم بنجاسة الولد؛ لأنه متصل بأمه، ويعتق بعتقها، ويصير مذكى بتذكيتها عندنا وعندهم.
وقولهم: "ينمو بنمائه" فاسد؛ لأن النماء قد يحصل مع انقطاع نماء الحي، ولا يفسد بموته في الحالة الجارية (١).
على أن سائر الأعضاء من اللحم والجلد حجة لنا؛ لأنها لما كانت تنجس بالموت كان كذلك حكمها إذا انفصلت في حال الحياة، ولما كان الشعر ينفصل في حال الحياة ولا يحكم بنجاسته كان انفصاله بعد الموت كذلك مثل الجنين.
ولا يلزمنا شعر الكلب والخنزير؛ لأنه طاهر في الحياة والموت عندنا (٢).
فإن قيل: فإن كل ما كان مضمونا من الصيد بالجزاء كأنه فيه روح، أصله اللحم والجلد وتأثيره عندي (٣)، وعكسه دمعه وبوله لما لم يكن فيه
стр. 1094
روح لم يضمن بالجزاء.
قيل: لا جزاء - عندنا - في أبعاض الصيد، وإنما الجزاء في إتلاف الصيد جملة، سواء كان عليه شعر أو لا، فلا يلزم ما ذكرتموه.
على أننا قد ذكرنا قياسات هي أولى من كل قياس لاستمرارها في الشعر، سواء قطع من حي متفق عليه أو ميت، ويطرد لنا في شعر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه إذا ثبت أنه لا روح فيه لم يختلف حكمه.
فإن قيل: قولكم: "إن الشعر لا روح فيه ولا فيه ولا يموت" غلط؛ لأنه ينمو بنماء الحياة حتى إذا عدمت لم ينم.
قيل: النماء لا يدل على أن في الشعر حياة؛ لأن الذي فيه الحياة من الحيوان يلحقه الألم، ويحس إذا قطع ولا آفة به، والشعر إذا قطع لم يؤلم.
فإن قيل: [فإن الجلد الغليظ في العقب لا يلحقه الألم، ولا يحس به إذا قطع.
قيل] (١): فإن الجلد الغليظ في العقب به آفة، فزال الألم، ويحس إذا قطع ولا آفة به، فزال الألم منه بعد أن كان موجودا فيه، فهو كاليد الشلاء، والشعر على كل حال بمنزلة واحدة لا يتغير ألا ترى أن عقب الصبي ومن هو مترف يؤلم كما خلق، وشعر الصغير والكبير والمترف وغيره على صفة واحدة (٢).
فإن قيل: فإن الظفر يقص ولا يؤلم كالشعر، ومع هذا فإن الظفر فيه
стр. 1095
حياة، وينجس بالموت.
قيل: الظفر لا حياة فيه، غير أن أصله يسقيه الدم كالريش، فهو ينمي كما ينمي الشعر، ولكن الشعر لا تسقي أصوله الدم.
فإن قيل: فإن الرِّجل الخدرة (١)، ومن شرب البنج، والمجنون لا حس لهم ولا ألم، ولم يدل ذلك على أنه لا يحكم لهم بحكم الحي، فكذلك الشعر.
قيل: إن الرجل الخدرة كان الألم فيها مخلوقا موجودا، ثم قد تعود إذا زال الخدر، وليس كذلك الشعر.
وأما المجنون والسكران فبهذه المنزلة، على أنهما يحسان، وإنما تذهب عقولهم فلا يميزون، والشعر ينمي بنماء الحي لاتصاله به، كما ينمي النبات باتصاله بالأرض.
فإن قيل: إن في الأرض حياة، قال الله تعالى: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ (٢).
قيل: لا يقال فيها روح، فعلم أنه ذكر الحياة فيها مجاز، وإنما شبهت بما فيه الحياة، ألا ترى أن الله تعالى قال في الزرع إذا هلك: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ (٣). ولم يقل: "إنه يموت" (٤)، وإنما نحن
стр. 1096
نقول ذلك مجازا، وحقيقة الموت إنما هو فيمن له روح، وليس في الأرض ولا في الزرع روح.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ قال: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (١) وهذا عام في جميعها.
قيل: قد ذكرنا أن حقيقة الميتة لما فيه روح فعدمت منه، وذلك لا ينتفع منه من شيء إلا بدليل.
ثم لو تناوله العموم لجاز أن يخص كما خص الجلد بالدباغ، وكما جاز استعمال الشعر في حال الحياة، وقد ذكرنا ما يخص ذلك.
فإن قيل: فإن اللبن يؤخذ في حياة الحيوان فيكون طاهرا، ثم إذا مات الحيوان وهو فيه نجس، فكذلك الشعر.
قيل: إنما نجس اللبن إذا مات الحي لأنه يحصل بالموت في وعاء نجس، لا أنه نجس بموت الحي، وليس كذلك الشعر.
стр. 1097
ونظير اللبن وحصوله في وعاء نجس أن يتلوث الشعر بالدم، أو يحصل فيه فإنه يغسل، واللبن مائع ينجس بكونه في الوعاء النجس، ولا يمكن غسله.
فإن قيل: فإن الشعر والصوف جزء متصل بالبدن مشاهد، له مدخل في الطهارتين الأعلى والأدنى، فيلحقه حكم الحياة والموت كالجلد.
قيل: إن الشعر المتدلي من اللحية والرأس مثل الضفائر لا مدخل له في الوضوء، فلا يلحقه حكم التطهير.
على أن ثمرة هذا القياس ونتيجته أن الشعر إذا مات نجس، فلم يجز استعماله كالجلد واللحم، وهذا فاسد لأنه يوجب إذا قطع من الحي أن يكون كذلك، فينبغي أن يكون نجسا كالجلد، فلما جاز الانتفاع به إذا أخذ في الحياة - وهو مع هذا طاهر - سقط ما قلتموه، مع استواء حكمهما في الطهارتين.
على أن داخل العين لا مدخل له في الطهارتين، وهو يلحقه حكم النجاسة، فعلم أنه لا تعلق لأحدهما بالآخر، وكذلك ما ستره الشعر لا يلحقه حكم التطهير عندنا (١)، وهو ينجس بالموت، فلم يكن أحدهما علة في الآخر.
ثم لنا أن نعكس عليهم فنقول: لما كان الشعر يلحقه حكم الطهارتين وجب أن يتفق حكمه في انفصاله في الحياة والموت، دليله تساوي سائر الأجزاء في الحياة والموت.
فإن قيل: رأينا الجلد له حالتان: إحداهما يمكن الانتفاع به فيها، وهي
стр. 1098
الذكاة، والأخرى يمتنع الانتفاع به فيها، وهو إذا قطع منها في حياتها فالشعر المضموم إليه مثله بحق القِران، فينبغي أن يجوز الانتفاع به في حالتين، هما: واحدة في حياة الحيوان، والأخرى في الذكاة.
قيل: هذا فاسد؛ لأنه كان ينبغي أن لا يجوز استعماله إلا في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد؛ لأنه مضموم إليه، فلما جاز الانتفاع به في الحال التي لا يجوز استعمال الجلد فيها - وهو إذا أخذ في حال الحياة - كذلك يجوز الانتفاع به في حال الممات، وهي حال يكون الجلد فيها نجسا كالحياة.
وأيضا فإن الشعر يحدث في الحيوان بعد وجود الحيوان، فهو كالولد يحدث فيه، وأجزاء الحيوان موجودة في الخلقة قبل حدوثه، ولا يجوز أن يقال: إن الشعر يجب بقطعه الغرم والضمان كالأجزاء وذلك أن وجوب الغرم لا مدخل له في حكم النجاسة والطهارة، ألا ترى أن ما لا قيمة له من الأشياء الطاهرة لا يجب به ضمان، وما له قيمة من النجس يتعلق به الضمان، فصار هذا الكلام لغوا؛ لأن قائلا لو قال: "لما جاز أن تكون الأجزاء مغصوبة جاز أن تلحقها النجاسة" لكان ذلك لغوا.
وأيضا فإن تساوي الشعر والأجزاء في الضمان لما لم يوجب تساويهما في حال الحياة في النجاسة والطهارة وجب أن يكون كذلك بعد الموت، فكل فرق يفرقون به بين الأمرين فهو فرقنا في السؤال.
فإن قيل: لما كان تحريم الميتة يعم سائر المسلمين غير المضطرين، كما أن تحريم الصيد يعم جميع المحرمين غير المضطرين، ثم لو كان أحد
стр. 1099
التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من الصيد وجب أن يكون كذلك حكم الأجزاء في الميتة.
قيل: هذه دعوى لم تجمعوا بينهما بمعنى، فلا تقبل إلا بدليل.
وأيضا تعليل بحكم مجهول؛ لأن أحد التحريمين يعود إلى إتلاف، وهو صيد المحرم، والتحريم في الميتة يعود إلى نجاستها، وإلى بطلان الصلاة معها، فقولكم: إن أحد التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من غير أن تبينوا حكم التحريم وكيفيته تعليل بمجهول، وهذا غير صحيح.
وعلى أن هذا منتقض بالحيوان في حياته؛ لأن تحريم سائر أجزائه يعم سائر المسلمين غير المضطرين؛ لأنه ما قطع منه فهو حرام، ولم تستو أجزاؤه، وما هو متصل به من صوفه وشعره، فكذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.
فَصْل
فأما عظم الميتة وسنها وقرونها وريشها (١) فهو عندنا نجس، وكذلك عظم الفيل ونابه، فإن ذكي فهو طاهر (٢) بناء على أصلنا في أن الذكاة تعمل
стр. 1100
في جلود السباع ولحومها (١).
وقال أبو حنيفة: عظام الميتة (٢) وسنها وقرونها وريشها طاهر (٣)، وكذلك عظام الفيل بناء على أصله أن لا حياة فيها، وأن الذكاة تعمل في السباع وتطهرها وإن كانت نجسة في حياتها، فسواء ذكيت أو ماتت فإن العظام طاهرة؛ لأنه لا روح فيها (٤).
ووافقنا الشافعي على أن عظام الميتة نجسة، وقرونها، وسنها (٥).
وإنما خالفنا في صوفها ووبرها وشعرها، وقد مضى الكلام معه في ذلك، وخالفنا في أن الذكاة لا تعمل فيما لا يؤكل لحمه، وقد مضى الكلام عليه.
والدليل لقولنا وقول الشافعي على أبي حنيفة في أن عظام الميتة نجسة: قول النبي ﵇: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (٦).
وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله.
فإن قيل ليس العظم منها، فلا يتناوله اسم الميتة.
قيل: عن هذا أجوبة:
стр. 1101
أحدها: أن اسم الميتة يقع على جملتها، والسن فيها.
وأيضا ما روي عن ابن عمر "أنه كان يكره أن يدهن في مُدهُن (١) الفيل، وقال: إنه ميتة" (٢).
وهذا تعليل منه، فكأنه قال: لأنه ميتة.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٣).
وقال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (٤).
وقال: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ (٥).
وقال: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ﴾ (٦).
стр. 1102
فالأصل هو العظام، والروح والحياة فيها كما هي في اللحم والجلد.
وأيضا يألم كما يألم اللحم والجلد (١).
فإن قيل: [فإن] (٢) القرن يقطع فلا يؤلم، وتُبرَد السن فلا يألم، وكذلك الريش.
قيل: يجوز أن يكون الظفر والسن والقرن والريش لا روح فيه، غير أن أصله يسقيه الدم، فهو بخلاف الشعر والصوف، وأما العظم الذي تحت اللحم فإنه يؤلم كما يؤلم اللحم (٣).
ولنا أيضا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤).
وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله.
وقد بينا أن العظم يموت ويدخله الحياة بقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٥)، وبما تقدم ذكره.
وأيضا فإن العظم يتأتى أكله كاللحم والجلد، فلما اتفقنا على أنه لا يؤكل مع تأتي الأكل فيه دل على أنه كاللحم والجلد.
فإن قيل: إن العظم لا يؤكل.
стр. 1103
قيل: هذا غلط؛ لأن العظم يؤكل، وخاصة عظم الحمل الرضيع، والجدي، والفرخ، والطير، وغير ذلك، وعظم الكبير يشوى ويؤكل، ويتأتى فيه الأكل، وليس كالصوف والشعر.
ويجوز أن نحرر قياسنا فنقول: قد اتفقنا أن لحم الميتة نجس إذا أخذ في حياتها أو موتها، وكذلك العظم الذي تحت اللحم بعلة أنه لو قطع في حياتها لكان نجسا.
أو نقول: هو جزء متصل بذي روح قد اكتسى جزءا منها، فهو كاللحم الذي اكتسى جزءا منها، وهو الجلد، فكذلك العظم قد اكتسى جزءا من الحيوان وهو اللحم، فوجب أن يكون نجسا كاللحم، ولا يلزم على هذا السن والقرن والريش؛ لأنه لم يكتس جزءا من الحيوان، وبالله التوفيق.
* *
مسألة (١)(٤٣):
قد مضى الكلام في طهارة الكلب وسائر الحيوان، وأن غسل الإناء منه تعبد (٢)، ولكنه لا يقتصر في غسله إذا أريد استعماله عن سبع مرات (٣).
стр. 1104
وبه قال الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة: غسله كغسل سائر النجاسات، ويعتبر في إزالته ما يغلب على ظنه إزالته، ولو كان عشرين مرة؛ لأنه - عندهم - نجس (٢).
هذا الذي يناظرون عليه في هذا الوقت، وقد كان شيوخهم فيما مضى يختلفون، فيقول بعضهم: الواجب مرة واحدة، وما زاد عليها مستحب (٣).
وبعضهم يقول: يغسل ثلاثا (٤).
وقال أحمد: يغسل ثماني مرات، الثامنة بالتراب (٥).
ومن يقول: إنه نجس يقول: إن غسله فرض، وعندنا أنه طاهر، فغسله عبادة مسنونة، والكلام في العدد.
واستدل أصحاب أبي حنيفة بما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا" (٦).
стр. 1105
وهذا نص؛ لأنه خيره بين ذلك، ولم يوجب السبع.
وأيضا فقد روى أبو هريرة أنه قال: "يغسل من ولوغه ثلاثا" (١). ولا مخالف له في الصحابة.
ولأنه إزالة نجاسة فلا يكون من شرطه العدد كسائر النجاسات (٢).
وأيضا فلو كان العدد من شرطه لوجب إذا طرح الإناء في ماء كثير أن لا يطهر؛ لأنه لم يوجد العدد، فلما قلتم إنه يطهر علم أن العدد ليس من شرطه.
والدليل لقولنا: ما رواه الإمام مالك وسفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" (٣).
стр. 1106
وهذا أمر يقتضي وجوب السبع.
وروى أيوب بن أبي تميمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحد فليغسله سبعا، أولهن أو آخرهن بالتراب" (١).
فأوجب السبع على أن يكون أحدها بالتراب.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا، أولهن أو آخرهن بالتراب" (٢).
стр. 1107
فعلق ﵇ الطهارة التي تنقله من منع استعماله إلى جواز استعماله بالسبع، وإذا تعلق الحكم بالسبع لم يكف دون السبع، ومن علقه بدون السبع يكون ذلك نسخا؛ لأنه يمنع من تعلقه بالسبع، والنسخ لا يكون بخبر محتمل، ولا بقياس (١).
فإن قيل على هذا نحن نقول: إن السبع واجبة، ويتعلق التطهير بها، وهو إذا غلب على ظنه أن الإناء لم يطهر بدون السبع.
قيل عنه جوابان:
[أحدهما] (٢): أن الإناء - عندنا - ليس بنجس فيغلب على ظنه طهارته أو لا.
والجواب الآخر: هو أن هذا لا يظنه عالم؛ لأن الذي يغلب على الظن أنه لم يطهر إنما يكون في مرة واحدة، أو مرتين، وأكثره الثلاث، فأما أن يغلب على ظن أحد أن الإناء إذا غسل ست مرات أن النجاسة التي ليست
стр. 1108
بعين قائمة لم تزل فهذا محال.
وأيضا فإنه لو كان تعلقه بذلك - لأنه قد يغلب على ظنه أنه لم يطهر بما دون ذلك - لم يجعله محدودا في الشرع لا يرجع فيه إلى غلبة الظن، وما كان الأمر فيه معلقا على غلبة الظن لم يكن محدودا؛ لأن الحد في المظنون ما يحده الظان لا الشرع، كما نقول والجميع في التقويم: إن الأمر لما كان فيه معلقا على غلبة الظن لم يكن للقيمة حد في الشريعة، وإنما هو على ما يحده الظان.
فإن قيل: إن الراوي إذا روى خبرا وفسره رجع فيه إلى تفسيره، وقد قال أبو هريرة: "يغسل ثلاثا" (١)، فلا يخلو أن يكون علم النسخ لما زاد على الثلاث، أو عقل ذلك من لفظ النبي ﵇ (٢)، وقد روى أيضا التخيير بين الثلاث والخمس والسبع (٣).
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن قول الراوي حجة عليكم؛ لأنه اعتبر عددا وأنتم لا تعتبرونه.
стр. 1109
والجواب الآخر: أننا لا نقبل قول الراوي في التخصيص والنسخ، كقول ابن عباس: "إن بيع الأمة طلاقها" (١)، وإنما يقبل قولهم في لفظ محتمل يجوز أن يكون المراد به شيئا، ويجوز غيره.
فإذا فسر الراوي أن المراد به أحدهما رجحنا قوله، وفي هذا الموضع قول أبي هريرة أفتى رجلا بعينه، فيحتاج أن يعرف خبر ذلك الرجل، وكيف كانت حاله، فلعله كان مضطرا إلى استعمال ذلك الإناء لشيء لابد له منه، ولم يقدر من الماء إلا على ما يكفيه ثلاث مرات، أو غير ذلك مما تدعو إليه الضرورة، أو لعله أراد أن يعلمه أن غسله ليس بفرض على ما نقوله في طهارة الكلب، وأن الإناء طاهر، وأنه مسنون غسله، ونحن نقول: المسنون غسله بالعدد الذي هو سبع مرات، فيصير الكلام معتلا في هذا الأصل، فلا ينبغي أن يترك ما نص عليه من العدد بمثل هذا المحتمل.
ونقول أيضا: هو عدد شرط في موضع تطهير، لم يبين لنا الشرع فضل بعضه على بعض، فوجب أن يستوفى العدد فيما ورد، أصله غسله الأربعة أعضاء في الوضوء.
أو نقول: هو عدد قد تعبدنا به ورد الأمر به، لم يبين لنا فضل بعضه على بعض، فوجب أن يستوفي العدد الذي ورد فيه، أصله عدد رمي الجمرة.
ولا يلزم على هذا تكرير الغسل في الوضوء؛ لأن النبي ﵇ بين فضل المرة الثانية، وأن الأولى هي الفرض.
стр. 1110
ولا يلزم عليه أحجار الاستنجاء؛ لأن الفرض منه إزالة عين النجس، وليس في الإناء نجاسة عندنا (١).
ولا يلزم عليه غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم؛ لأنه ليس بواجب فرضا ولا سنة، وإنما هو مستحب (٢).
ونقول أيضا: لما ثبت المنع من اقتناء الكلب على وجه حتى غلط في إراقة الماء من ولوغه اقتضى زيادة عدد فيما طريقه العبادات يتخصص به، فإذا زاد على الثلاث الذي قد دخلت في الوضوء وغيره فليس إلا الشرع.
وأما ما رواه أبو هريرة من قول النبي ﵇: "فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا" (٣) فهو حجة لنا من وجهين:
أحدهما: أنه ﵇ اعتبر العدد، وهم لا يعتبرون العدد.
والثاني: أنه خير بين الثلاث والخمس والسبع، والمخير بين ثلاثة أشياء متى أتى بواحدة منها كان ذلك واجبا كالكفارة، فيقتضي أنه إذا أتى بالسبع كانت السبع هي الواجبة، وهذا مذهبنا، وهو خلاف مذهبهم.
ووجه آخر: هو أننا نقول: إن "أو" إنما تدخل في الكلام للتخيير أو الشك إذا كان في إخبار (٤)، وأبو هريرة مخبر، فكانت "أو" في خبره للشك، فكأنه شك أن النبي ﵇ قال: يغسل ثلاثا، أو قال يغسل خمسا، أو سبعا،
стр. 1111
فلا يصح الاحتجاج به.
أو نقول: يحتمل الشك ويحتمل التخيير، فلا ينسخ ما رويناه عنه ﵇ بالمحتمل.
وعلى أن أصحاب الحديث قد طعنوا في الحديث، وزعموا أن راويه عن ابن جريج: إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الرواية (١)، فلا يعارض به حديث مالك وغيره من الأثبات.
وقولهم: "إنه مذهب أبي هريرة" عنه جوابان:
أحدهما: أنه حجة عليهم؛ لأنه اعتبر العدد، وهم لا يعتبرونه.
والجواب الثاني: أن ابن عباس وابن عمر (٢) قد خالفاه (٣)، وقالا: يغسل سبعا، وقول بعض الصحابة لا يكون حجة على بعض.
وأما وقوع الإناء في الماء، وسقوط العدد فإننا نقول: إن التغليظ في العدد في غسل داخله قد حصل أكثر منه بحصول جميع الإناء في الماء، فهو أبلغ في مكاثرة الماء عليه، فقد حصل أكثر مما لو غسله سبع غسلات.
стр. 1112
فَصْل
فأما غسل الإناء من ولوغ الخنزير فليس بواجب (١).
روى مطرف عن مالك أنه يغسل سبعا كما قال في ولوغ الكلب (٢).
وبهذا قال (١٧٥) الشافعي (٣).
وحكى أبو العباس بن [القاص] (٤) أنه قال في القديم: يغسل مرة واحدة (٥).
وقد حكينا مذهب أبي حنيفة في ولوغ الكلب، والخنزير مثله (٦).
والدليل للرواية الأولى وأنه لا يجب غسله: هو أن وجوب غسل الإناء يحتاج إلى شرع، ولولا أن النص ورد في الكلب لما أوجبناه.
وأيضا فإنه ﵇ غلط في الكلب لأنهم كانوا يقتنونه فيؤذي الضيف
стр. 1113
ويروع المسلم، فغلظ عليهم فيه حتى ينتهوا وهم فلا يقتنون الخنزير فلا يجب غسل ما ولغ فيه.
وأيضا فإنه ذو ناب يختص باسم يخالف الكلب، فأشبه الهر والفهد والنمر.
ووجه ما رواه مطرف: هو أنه في غالب حاله يأكل الأنجاس ولا يجتنبها، وقد ورد النص في تحريمه من بين سائر السباع، فإذا غلظ الغسل في الإناء من ولوغ الكلب ففيه أولى.
وأيضا فإنه أسوأ حالا من الكلب؛ لأنه ساواه في أكله الأنجاس، وزاد عليه بأكل العذرة، وأن النص ورد بتحريم لحمه، وبيعه على كل حال (١)، ولا يجوز اقتناؤه لصيد ولا غيره، فوجب أن يكون أولى بالتغليظ في غسل الإناء من ولوغه.
فَصْل
فأما غسل الإناء من نجاسة تقع فيه، وسائر الأنجاس فليس فيه عدد مؤقت (٢).
وبذلك قال أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤).
стр. 1114
وقال أحمد: ثماني مرات الثامنة بالتراب، كما قال في ولوغ الكلب والخنزير (١).
والدليل لقولنا أن العدد محتاج إلى شرع.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال لأسماء في دم الحيضة: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (٢).
ولم يأمرها بعدد، هذا فيما عينه نجسة، فكيف ما ليست عينه قائمة، وهو مختلف في طهارته؟، وإنما غلظ في الكلب والخنزير لمعنى غير النجاسة عندنا.
وأيضا قول النبي ﵇: "يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء" (٣).
ولم يأمر بعدد.
وقال: "يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية" (٤).
стр. 1115
ولم يأمر فيه بعدد.
وأيضا ما روى أنه ﵇ صلى ثم وجد في ثوبه لمعة من دم حيض، فوجه به إلى عائشة وقال: "اغسليه" (١)، ولم يذكر عددا.
وما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ " (٢).
ولم تذكر عددا، فكان غرضها أن تفيدنا غسله، فلو كان شرطه العدد لذكرته.
وأيضا فإن الطهارة ضربان: طهارة نجاسة، وطهارة حدث، فلما كان الفرض في طهارة الحدث مرة واحدة كانت [كذلك] (٣) في طهارة النجاسة.
ولا يلزمنا غسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير؛ لأنه ليس بطهارة من نجس ولا حدث لأنهما طاهران، والله أعلم.
стр. 1116
فَصْل
قد تكلمنا على طهارة الكلب وسائر الحيوان (١)، فإذا ثبت ذلك فسؤر جميع ذلك طاهر (٢)، لا يفسد الماء (٣).
ورأيت أن أفرد الكلام على أبي حنيفة فإنه يقول: إن أسآر سائر سباع البهائم نجسة، لا يجوز التوضؤ بما ولغت فيه بحال، كالكلب والخنزير، فكذلك الأسد والفهد.
стр. 1117
وأما سباع الطير، وحشرات الأرض مثل: الحية، والفأرة، وغير ذلك فكلها نجسة، وإن عفي عن نجاستها؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن، فيكره التوضؤ بسوره، ولكنه جائز.
وكذلك الهر قال: هي نجسة، ولكن عفي عن نجاستها، فيكره التوضؤ بسؤرها.
وأما البغل والحمار فمشكوك فيه، فإن كان واجدا للماء لم يجز التوضؤ به، وإن كان عادما له توضأ بما فيه سؤره ويتيمم (١).
ووافقنا الشافعي على طهارة جميع ذلك إلا الكلب والخنزير (٢)، وقد مضى الكلام على جميع ما فيه الحياة.
واستدل أصحاب أبي حنيفة ومن نصر قوله بما روي أن النبي ﵇ سئل عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والدواب فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" (٣).
فجعل ذلك نجسا خبيثا إذا كان دون القلتين.
وأيضا فإنه حيوان لا يؤكل، ويمكن حفظ الإناء منه فوجب أن يكون سوره نجسا كالكلب، أو سبع يمكن الاحتراز منه فهو كالكلب.
стр. 1118
ولنا ما رواه داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله ﷺ سئل فقيل له: أيتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟. فقال: "نعم، وبما أفضلت السباع كلها" (١).
وهذا نص؛ لأنه ﵇ جوز التوضؤ بسؤر الحمار، وهم يمنعون منه، وكذلك سؤر السباع كلها، وأبو حنيفة إما أن يكرهها أو يمنع من ذلك.
وهذا الخبر يلزم الشافعي أيضا؛ لأن الكلب والخنزير من جملة السباع وقد روي فيه "والكلاب" (٢).
فإن قيل: المراد بقوله: "وبما أفضلت" مثل أن تشرب من نهر أو دجلة.
قيل: عنه جوابان:
стр. 1119
أحدهما: أن هذا غير محتمل؛ لأن الفضل هو قليل من كثير، كما يقال: أكل زيد ففضل (١٧٦) عنه، فعلى هذا لا يجوز حمله عليه بقياس ولا غيره.
والثاني: أنه عام في كل فضل (١).
وأيضا فإن هذا لا يصح على أصلهم؛ لأن الماء القليل هو إذا حرك أحد جانبيه تحرك الآخر عندهم إذا شرب منه السبع نجس الماء كله، وإذا كان كثيرا بحيث لا يتحرك الجانب الآخر فالموضع الذي شرب منه نجس.
وبعضهم اليوم يقول: فيه رواية أخرى أنه لا بنجس (٢).
ولنا أيضا حديث كبشة مع أبي قتادة لما أصغى الإناء للهر حتى شربت، وقال: سمعت النبي ﵇ يقول: الهر ليست بنجس إنها … " (٣).
وما ليس بنجس لا يكره سؤره، وأبو حنيفة يكره سؤر الهر.
وأيضا فإن النبي ﵇ امتنع من دخول دار فيها جِرو (٤)، ودخل دارا فيها هر. فقيل له: دخلت دار فلان وفيها هر؟ فقال النبي ﵇: "الهر سبع" (٥).
فلما علل الهر بأنها سبع علم أن السباع كلها لا تجتنب، والكلب سبع، وإنما أراد أن يعلمهم أنه امتنع لسبب آخر في الكلب، وهو نهيه لهم عن اقتنائه.
وأيضا فهو إجماع الصحابة، روي أن عمرو بن العاصي وعمر بن الخطاب
стр. 1120
وردا على حوض، [يا صاحب الحوض، هل ترد حوضَك السباعُ؟] (١) فقال عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا: فإنا نرد على السباع وترد علينا" (٢).
وروي أن أبا هريرة سئل عن الماء ترده السباع؟ فقال: الماء لا ينجسه شيء (٣).
وأيضا فإنه حيوان يجوز بيعه فوجب أن يكون سؤره طاهرا، أصله النعم.
ولا يلزمنا على هذا الكلب؛ لأنه يجوز بيعه، وإنما يكره (٤).
ونقول: هو حيوان يجوز اقتناؤه بكل حال فوجب أن يكون سؤره طاهرا، أصله النعم.
ويجوز أن يحتج بالظواهر من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٥)، ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٦).
فهو على أصل تطهيره حتى يقوم دليل.
وقول النبي ﵇: "خلق الله ماء طهورا لا ينجسه شيء إلا غير طعمه أو ريحه أو لونه" (٧).
ونقول في الحمار: هو حيوان مركوب فأشبه الفرس والبعير.
стр. 1121
ثم يقال لأصحاب أبي حنيفة: لما شككتم في البغل والحمار وجب أن تتوقفوا فيه، فلا تستعملوه أصلا.
فإن قيل: احتطنا.
قيل: تركتم الاحتياط؛ لأن الاحتياط هو أن يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ منه ويصلي، حتى إن كان نجسا فقد مضت السنة بالتيمم، ولم تحصل على بدنه نجاسة يصلي بها.
فأما ما احتجوا به من الخبر فهم لا يعتبرون القلتين (١).
ثم يجوز أن يكون أراد تقليل الماء؛ لأنا قد بينا أن القلة تقع على الكوز، فلا يحمل خبثا [ما] (٢) لم يغيره.
ثم قد قضى عليه ما رويناه من الحياض تردها السباع فقال: "لها ما شربت، ولكم ما غبر شراب وطهور" (٣).
ولم يفرق بين صغير الحياض وكبيرها.
وبما روينا من النص على الحمار وما أفضلت السباع، ولا يقضى على مثل هذا بالمحتمل، وقد بينا أن القلة اسم مشترك (٤).
وقياسهم غير مسلم؛ لأننا نكره أكل الكلب ولا نحرمه.
وقولهم: "إن الكلب يمكن التحفظ منه" فإننا نقول: هو مثل الهر لا يمكن
стр. 1122
التحفظ منه، ثم البازي لا يمكن التحفظ منه، وسؤره - عندهم - نجس، ففسد ما ذكروه، وبالله التوفيق.
مَسْألة (٤٤):
غسل الإناء من ولوغ الكلب مسنون إذا أريد استعماله، وإن لم يرد استعماله لم يجب غسله (١).
هذا مذهب الفقهاء، إلا قوما من المتأخرين فإنه حكي عنهم: أنه يجب غسله سبعا، سواء أريد استعماله أم لا.
والأصل أنه لا يخلو أن يكون غسله إما لنجس، أو لطهارة حدث، أو لتعبد على ما نقول، وليس في الأصول ما يجب غسله إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب الغسل، ألا ترى أن الوضوء وغسل الجنابة والحيض لا يجب إلا إذا أراد الإنسان الصلاة، وغسل سائر الأنجاس لا يجب إلا إذا أراد الصلاة في ذلك الشيء النجس، إما من بدنه أو من ثوبه، ولو أراد أن يترك ذلك الثوب ويصلي في غيره لم يجب عليه غسله، وما كان غسله للعبادة مثل الخلوق من ثوب المحرم لم يجب غسله إلا إذا أراد لبسه، فلو ترك ذلك الثوب ولبس غيره في الإحرام مما ليس فيه طيب لم يجب غسل الثوب الذي
стр. 1123
تركه وفيه الخلوق، فإذا ثبت هذا في الأصول لم يخرج غسل الإناء من ولوغ الكلب عنها.
وأيضا فإن الغسل المفروض في الطهارات التي تراد للصلاة لا تجب إلا إذا أراد الصلاة، فالغسل المسنون في الإناء المراد غسله لأجل الصلاة أولى أن لا يجب إلا إذا أراد استعماله.
فإن قيل: فإنه فرض عندنا.
قيل: فيكون كسائر الغسل المفروض للصلاة.
ويجوز أن نحرر هذا قياسا فنقول: هو غسل قد تعبدنا به، فلا يجب إلا عند إرادة ما يغسل من أجله، قياسا على غسل النجاسة من الثوب أو طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن الأمر ورد بغسل الإناء من ولوغه تغليظا عليهم (١٧٧) حتى لا يقتنوا الكلاب، فغلظ عليهم في غسل الأواني إذا أرادوا استعمالها، ألا تراه ﵇ قال: "طهور إناء أحدكم" (١).
فسماه طهورا، والطهور يقتضي مطهَّرا، وهو الإناء الذي يطهره الماء، فهو كالإنسان الذي يلزمه أن يتطهر بالماء فيكون به مطهَّرا للصلاة، ويكون كالثوب الذي يطهره الماء من النجس فيصير مطهَّرا، ولا يجب ذلك إلا إذا أريد للصلاة.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قال: "فليغسله سبعا" (٢)، ولم يفرق بين أن
стр. 1124
يريد استعماله أو لا.
قيل: وكذلك قال الله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١)، ولم يقل: إذا أردت الصلاة أم لم ترد، ومع هذا فلم يجب إلا إذا أراد الصلاة، وقامت الدلالة على أنه يجب إذا أراد الصلاة، فكذلك دل الدليل عل وجوب غسل الإناء إذا أريد استعماله، وهو ما ذكرناه من الاستدلال والقياس.
فإن قيل: فإذا كان هذا ورد في الكلب تغليظا من بين سائر الأنجاس وجب أن يثبت التغليظ فيه، فسواء أريد استعماله أو لا، حتى يبين من نظيره مما لم يقع التغليظ فيه.
قيل: إن التغليظ ورد في غسله سبعا إذا أريد استعماله، وغيره من الأواني لم يغلظ فيه بعدد، فالتغليظ من هذا الوجه قد حصل، وليس إذا وجب التغليظ من وجه وجب من كل وجه؛ لأنه لو وجب ذلك لوجب غسل الإناء سبعا، وأن يمنع بعد الغسل من استعماله أصلا حتى يكون أغلظ، فلما سقط هذا وجاز استعماله بعد غسله علمنا أن التغليظ قصد على الوجه الذي ذكرناه، هذا لو كان غسله لنجاسة، فكيف وقد بينا أنه عبادة؟، فهو كالوضوء الذي يراد للصلاة، أو كغسل الطيب من ثوب المحرم إذا أراد الإحرام فيه.
ثم قد بينا في قوله ﵇: "طهور إناء أحدكم" (٢) أنه كسائر الأشياء التي يجب تطهيرها إما لأجل الصلاة، أو لتكون طاهرة إن جعل فيها ما يؤكل أو يشرب لم ينجس، مثل سائر الأواني التي تستعمل، فلا يجب غسل جميعها
стр. 1125
إلا إذا أريد استعمالها.
فإن قيل: يجب غسله سواء أراد صاحبه استعماله أو لا لئلا يستعمله غيره ممن لا يعلم حاله.
قيل: فيجب أن يغسل ثوبه النجس وإن لم يرد استعماله لئلا يصلي فيه من لا يعلم خبره، ويجب على الإنسان أن يكون على وضوء لئلا ينسى فيصلي بلا طهارة، ويجب على الإنسان أن لا يكون في ثوبه طيب لئلا ينساه فيحرم فيه، وكذلك يجب عليه أي وقت أصاب ثوبه نجس أن يبادر بغسله لئلا ينساه فيصلي به، فلما كان هذا كله ساقطا سقط ما قلتموه، والله أعلم.
مَسْألة (٤٥):
وما لا نفس (١) له سائلة (٢) مثل العنكبوت، والزنبور (٣)، والعقرب، والخنفساء (٤)، والجُعَل (٥)، والبرغوث (٦)،