ثم يقال لأصحاب أبي حنيفة: لما شككتم في البغل والحمار وجب أن تتوقفوا فيه، فلا تستعملوه أصلا.
فإن قيل: احتطنا.
قيل: تركتم الاحتياط؛ لأن الاحتياط هو أن يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ منه ويصلي، حتى إن كان نجسا فقد مضت السنة بالتيمم، ولم تحصل على بدنه نجاسة يصلي بها.
فأما ما احتجوا به من الخبر فهم لا يعتبرون القلتين (١).
ثم يجوز أن يكون أراد تقليل الماء؛ لأنا قد بينا أن القلة تقع على الكوز، فلا يحمل خبثا [ما] (٢) لم يغيره.
ثم قد قضى عليه ما رويناه من الحياض تردها السباع فقال: "لها ما شربت، ولكم ما غبر شراب وطهور" (٣).
ولم يفرق بين صغير الحياض وكبيرها.
وبما روينا من النص على الحمار وما أفضلت السباع، ولا يقضى على مثل هذا بالمحتمل، وقد بينا أن القلة اسم مشترك (٤).
وقياسهم غير مسلم؛ لأننا نكره أكل الكلب ولا نحرمه.
وقولهم: "إن الكلب يمكن التحفظ منه" فإننا نقول: هو مثل الهر لا يمكن
стр. 1122
التحفظ منه، ثم البازي لا يمكن التحفظ منه، وسؤره - عندهم - نجس، ففسد ما ذكروه، وبالله التوفيق.
مَسْألة (٤٤):
غسل الإناء من ولوغ الكلب مسنون إذا أريد استعماله، وإن لم يرد استعماله لم يجب غسله (١).
هذا مذهب الفقهاء، إلا قوما من المتأخرين فإنه حكي عنهم: أنه يجب غسله سبعا، سواء أريد استعماله أم لا.
والأصل أنه لا يخلو أن يكون غسله إما لنجس، أو لطهارة حدث، أو لتعبد على ما نقول، وليس في الأصول ما يجب غسله إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب الغسل، ألا ترى أن الوضوء وغسل الجنابة والحيض لا يجب إلا إذا أراد الإنسان الصلاة، وغسل سائر الأنجاس لا يجب إلا إذا أراد الصلاة في ذلك الشيء النجس، إما من بدنه أو من ثوبه، ولو أراد أن يترك ذلك الثوب ويصلي في غيره لم يجب عليه غسله، وما كان غسله للعبادة مثل الخلوق من ثوب المحرم لم يجب غسله إلا إذا أراد لبسه، فلو ترك ذلك الثوب ولبس غيره في الإحرام مما ليس فيه طيب لم يجب غسل الثوب الذي
стр. 1123
تركه وفيه الخلوق، فإذا ثبت هذا في الأصول لم يخرج غسل الإناء من ولوغ الكلب عنها.
وأيضا فإن الغسل المفروض في الطهارات التي تراد للصلاة لا تجب إلا إذا أراد الصلاة، فالغسل المسنون في الإناء المراد غسله لأجل الصلاة أولى أن لا يجب إلا إذا أراد استعماله.
فإن قيل: فإنه فرض عندنا.
قيل: فيكون كسائر الغسل المفروض للصلاة.
ويجوز أن نحرر هذا قياسا فنقول: هو غسل قد تعبدنا به، فلا يجب إلا عند إرادة ما يغسل من أجله، قياسا على غسل النجاسة من الثوب أو طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن الأمر ورد بغسل الإناء من ولوغه تغليظا عليهم (١٧٧) حتى لا يقتنوا الكلاب، فغلظ عليهم في غسل الأواني إذا أرادوا استعمالها، ألا تراه ﵇ قال: "طهور إناء أحدكم" (١).
فسماه طهورا، والطهور يقتضي مطهَّرا، وهو الإناء الذي يطهره الماء، فهو كالإنسان الذي يلزمه أن يتطهر بالماء فيكون به مطهَّرا للصلاة، ويكون كالثوب الذي يطهره الماء من النجس فيصير مطهَّرا، ولا يجب ذلك إلا إذا أريد للصلاة.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قال: "فليغسله سبعا" (٢)، ولم يفرق بين أن
стр. 1124
يريد استعماله أو لا.
قيل: وكذلك قال الله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١)، ولم يقل: إذا أردت الصلاة أم لم ترد، ومع هذا فلم يجب إلا إذا أراد الصلاة، وقامت الدلالة على أنه يجب إذا أراد الصلاة، فكذلك دل الدليل عل وجوب غسل الإناء إذا أريد استعماله، وهو ما ذكرناه من الاستدلال والقياس.
فإن قيل: فإذا كان هذا ورد في الكلب تغليظا من بين سائر الأنجاس وجب أن يثبت التغليظ فيه، فسواء أريد استعماله أو لا، حتى يبين من نظيره مما لم يقع التغليظ فيه.
قيل: إن التغليظ ورد في غسله سبعا إذا أريد استعماله، وغيره من الأواني لم يغلظ فيه بعدد، فالتغليظ من هذا الوجه قد حصل، وليس إذا وجب التغليظ من وجه وجب من كل وجه؛ لأنه لو وجب ذلك لوجب غسل الإناء سبعا، وأن يمنع بعد الغسل من استعماله أصلا حتى يكون أغلظ، فلما سقط هذا وجاز استعماله بعد غسله علمنا أن التغليظ قصد على الوجه الذي ذكرناه، هذا لو كان غسله لنجاسة، فكيف وقد بينا أنه عبادة؟، فهو كالوضوء الذي يراد للصلاة، أو كغسل الطيب من ثوب المحرم إذا أراد الإحرام فيه.
ثم قد بينا في قوله ﵇: "طهور إناء أحدكم" (٢) أنه كسائر الأشياء التي يجب تطهيرها إما لأجل الصلاة، أو لتكون طاهرة إن جعل فيها ما يؤكل أو يشرب لم ينجس، مثل سائر الأواني التي تستعمل، فلا يجب غسل جميعها
стр. 1125
إلا إذا أريد استعمالها.
فإن قيل: يجب غسله سواء أراد صاحبه استعماله أو لا لئلا يستعمله غيره ممن لا يعلم حاله.
قيل: فيجب أن يغسل ثوبه النجس وإن لم يرد استعماله لئلا يصلي فيه من لا يعلم خبره، ويجب على الإنسان أن يكون على وضوء لئلا ينسى فيصلي بلا طهارة، ويجب على الإنسان أن لا يكون في ثوبه طيب لئلا ينساه فيحرم فيه، وكذلك يجب عليه أي وقت أصاب ثوبه نجس أن يبادر بغسله لئلا ينساه فيصلي به، فلما كان هذا كله ساقطا سقط ما قلتموه، والله أعلم.
مَسْألة (٤٥):
وما لا نفس (١) له سائلة (٢) مثل العنكبوت، والزنبور (٣)، والعقرب، والخنفساء (٤)، والجُعَل (٥)، والبرغوث (٦)،
стр. 1126
وما يتولد من دود الخل (١)، والباقلاء (٢)، والجبن والفواكه، وغير ذلك فإنه لا يفسد شيئا من المائعات، الماء وغيره في ذلك سواء عندنا وعند أبي حنيفة (٣).
وقال أصحاب الشافعي: إن ما يتولد من شيء كالدود الذي ذكرناه فإنه إذا مات في ذلك الشيء الذي تولد فيه فإنه بموته ينجس، ولا ينجس ذلك الشيء (٤)، بل إن أخرج الدود الميت منه فطرح في شيء نجّسه، وما لم يتولد
стр. 1127
من ذلك الشيء مثل العنكبوت، والعقرب، والزنبور، والذباب، والبرغوث، إذا مات في شيء من المائعات فإنه على قولين (١):
أحدهما: أنه ينجسه.
والثاني: أنه لا ينجسه (٢) وإن كان هو في نفسه نجسا (٣).
والدليل لقولنا: هو أن ذلك المائع طاهر قبل وقوع هذه الأشياء فيه، فمن زعم أنه انتقل عن حاله فعليه الدليل.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٤).
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٥).
стр. 1128
فوصف الماء عموما بأنه طاهر مطهر لم يخص من جنسه شيئا، فمن زعم أنه قد انتقل عن طهارته فعليه الدليل.
وأيضا قول النبي ﵇: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه، أو ريحه، أو لونه" (١).
وهذا ماء لم يتغير، فهو طاهر.
ولنا أن نفرض المسألة في مائع يؤكل وقع فيه شيء من ذلك، فنقول: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٢).
فهو عام في كل شيء لا يكون ميتة، ولم يقل: إلا أن يكون فيه ميتة، وإنما حرم الميتة نفسها دون ما وقعت فيه، وهذا المائع ليس بميتة، ولا دم، ولا لحم خنزير، فهو غير محرم.
وأيضا ما رواه سعيد بن المسيب، عن سلمان أن النبي ﵇ قال: "كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه" (٣).
وأيضا روي أنه ﵇ قال (١٧٨): "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم".
стр. 1129
- وفي حديث: "في طعام أحدكم" - فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يقدم الداء" (١).
وقد يقع الذباب حيا فيموت بالمقل فيه، وقد يقع أيضا فيه ميتا كما يقع فيه حيا، فلو كان يتنجس بموته، أو ينجس ذلك الشيء لم يأمر بمقله فيه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٢).
وهذا ميتة، والذم يقتضي وجوب الاجتناب منه والامتناع، وما تلوتموه من القرآن في طهارة الماء فهو عموم لم يخص بتحريمه الميتة.
وقوله: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غيره" (٣) محمول على الكثير منه.
قيل: ظاهر قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ يتناول عين الميتة،
стр. 1130
ولا يتناول ما وقعت فيه، وما يكون ميتة محرمة بإجماع تقع في الماء الكثير فلا تغيره هي ميتة محرمة بإجماع، والماء غير محرم، فصارت الآية متوجهة إلى نفس الميتة، لا إلى ما وقعت فيه.
ثم لو ثبت العموم لكان حديث سلمان (١) عن النبي ﵇ يقضي عليه (٢)، وكذلك حديث الذباب ومقله في الطعام (٣).
فإن قيل: مقل الذباب فيه ليس بقتله، فلهذا أباح مقله فيه.
على أنه ليس يمتنع أن يبيح ذلك وإن كان يخاف موته فيه، وتنجس الطعام لغرض صحيح، وهو زوال الداء كما أباح الكي في الحيوان (٤)، وقد يخاف منه الموت، وإتلاف المال، ولكن لما تعلق به غرض صحيح جازت إباحته.
قيل: إن قولكم: "إن مقل الذباب ليس بقتله" محال، فهو وإن سلم في شيء فليس يسلم في كل شيء، مثل الشيء الحار، والعسل، والدهن، وما أشبهه، والنبي ﵇ لم يخص شيئا مما وقع فيه.
وقولكم: "ليس يمتنع أن يبيح مقله فيه ويتنجس ذلك لغرض صحيح" فإننا نقول: غرض فاسد؛ لأنه إذا كان في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء كان الدواء بإزاء الداء، فلم يربح من هذا أكثر من فساد المائع حتى لا يصلح
стр. 1131
لشيء، ففيه إضاعة المال، وقد نهينا عنه (١)، وإنما أعلمنا النبي ﵇ أن أكل ذلك الشيء لا يضرنا ولا شربه؛ لأن الداء الذي في أحد جناحيه قد أزاله الذي في الجناح الآخر، فلا يفسد علينا شيء مما وقع فيه.
وأما كي الحيوان فلنا غرض صحيح لا يفسد علينا به شيء، فنظيره أن لا ينجس الماء، ولا يفسد علينا ما وقع فيه الذباب.
ويؤيد ما قلناه ما عليه المسلمون خلفهم عن سلفهم من لدن رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، فإنهم يستعملون ما وقع فيه البق والذباب والزنبور، ولا يجتنبونه ولا يكرهونه، ولا ينكر بعضهم على بعض ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم فيه خلاف، وهذا يدل على أنه موضع إجماع (٢)، ولو وقع بينهم فيه خلاف أو حكي عن واحد منهم أنه حرمه أو أنكره لم يخل ممن ينقله، ومن المحال أن يتنجس شيء من ذلك فلا يذكر حكمه عن أحد منهم مع عموم البلوى به.
ثم من المحال أن يموت دود الخل فيه فلا يتنجس، فيؤخذ ذلك الدود فيجعل في خل مثله أو غير الخل فيتنجس؛ لأنه لو تنجس ما ينقل إليه لكان ما هو فيه أولى أن يتنجس لطول مكثه فيه، ونحن نعلم أن الباقلاء المطبوخ بالماء يكون في الباقلاء الدود والذباب الميت، فيتهوى في ماء الباقلاء بالطبخ، ولم يقل أحد من المسلمين: إن ماء الباقلاء نجس، وربما أكل الدود والذباب
стр. 1132
الذي فيه، خاصة العميان ومن يفطر بالليل، ولم نسمع عن أحد إنكار ذلك.
ثم كيف يكون ذلك الماء الطاهر فيخرج منه الذباب - وقد تهوى بالطبخ فيه - فيجعل في ماء مثله فينجس ذلك الماء، إن كان هذا نجسا فالماء الذي كان فيه أولى بالتنجس، فلا يصح لهم الفرق هاهنا إلا بأن يقولوا: إذا طبخ الباقلاء فإن ماءه ورد على نجاسة الدود والذباب الذي في الباقلاء، وإذا ورد الماء على النجاسة طهرها وإن كان دون القلتين، وليس كذلك إذا أخرج الدود من الباقلاء وطرح في ماء قليل؛ لأن هذه نجاسة وردت على الماء، وهذا قد تكلمنا عليه (١).
ثم نقول: هذا فاسد بالخل والمائعات غير الماء، فإن ورود النجاسة على المائع غير الماء كورود المائع على النجاسة، وهذا الخل الذي فيه الدود طاهر، فينبغي إذا أخذ الدود منه وطرح في خل آخر أن لا ينجس، [فإن تنجس فالخل] (٢) الذي تولد فيه الدود أولى أن يتنجس.
وإذا أنصف الإنسان نفسه، واتقى ربه علم صحة هذا، ولم يخرج عن الإجماع فيه (٣)، ونحن نعلم أن الشافعي ﵀ لم يقل في القول الآخر: إنه لا ينجس شيئا وقع فيه إلا وقد بان له الحق فيه، فينبغي أن يعمل على هذا القول ونطرح القول الآخر، ولا نتعرض له (٤).
стр. 1133
ونقول أيضا: إنه لا نفس له سائلة فلا ينجس بموته، ولا ما وقع فيه كالجراد.
ويجوز أن نقول: إنه لا يمكن الاحتراز [من أن يقع] (١) الذباب والبرغوث والبق وما أشبهه في الماء والطعام، فوجب أن يكون معفو عنه، كدود الخل والماء والجبن.
فإن قيل: فإنه ميتة لا يؤكل لا لحرمته فوجب أن يكون نجسا، أصله البهائم (٢).
قيل: إن أردتم أنه لا يؤكل لأنه محرم فليس هو محرما عندنا، ويجوز أكله (٣)، وإنما تعافه النفس، كالضب الذي لم يأكله النبي ﵇ (٤).
فإن قيل: فإن الحيوان على ضربين: ما له نفس سائلة، وما لا نفس له سائلة، ثم ما له نفس سائلة منه ما ينجس الماء بموته، ومنه ما لا ينجسه، مثل السمك والجراد، كذلك ما لا نفس له سائلة يجب أن يتنوع نوعين: نوع منه ينجس الماء بموته، ونوع لا ينجسه مثل دود الماء.
قيل: هذه دعوى بلا برهان، ولم يجب أن يكون إذا تنوع ما له نفس سائلة أن يتنوع ما لا نفس، له وأي شيء المعنى الجامع بينهما (٥)؟.
стр. 1134
على أن الفرق بين السمك وما ذكرتم واضح؛ لأن السمك لما لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فينبغي أن يكون دود الخل إذا لم ينجس ما تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فلما فرقتم بينهما كفانا هذا الفرق.
ثم إن السمك الذي مات في الماء الذي تولد فيه طاهر، فلم ينجس الماء، وأنتم تقولون إن [الدود] (١) الذي تولد في الماء نجس فينبغي أن ينجس الماء، وإن لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه كالسمك.
وكل قياس توردونه فقياسنا أولى منه؛ لأن رد ما لا نفس له سائلة إلى مثله من الجراد أولى، ولأنه يستند إلى استعمال المسلمين ذلك على ما بيناه.
فإن قيل: دود الماء والخل والباقلاء لا يمكن الاحتراز منه، وليس كذلك العقرب والزنبور؛ لأن الأواني تحرز وتغطى (٢).
قيل: لا يمكن الاحتراز من البق والذباب، وخاصة في عمل الدِّبس (٣)، ووقوعه على التمر مع الزنبور، ولم يتحفظ أحد من ذلك، فسقط هذا. وبالله التوفيق.
стр. 1135
مَسْألة (٤٦):
وليس يعتبر مالك ﵀ في سائر الأنجاس قدر الدرهم، وقليلها وكثيرها سواء في حكم الإزالة إذا كان على وجه الصحة (١)، سوى الدم فإن قليله معفو عنه في دم الحيض وسائر الدماء (٢).
وروى ابن هب عنه أنه فرق بين دم الحيض وبين غيره من الدماء، فجعل دم الحيض قليله ككثيره (٣)، كما يقول في المني والمذي وسائر الأنجاس.
واعتبر أبو حنيفة في سائر الأنجاس قدر الدرهم البلخي (٤)، فمتى كان
стр. 1136
دونه عفى عنه، وما كان مثله فكذلك، وما زاد على الدرهم لم يعف عنه (١).
وعن الشافعي أن سائر الأنجاس يستوي قليلها وكثيرها كقولنا، وخالف في الدم فقال: قليله غير معفو عنه ككثيره، إلا في الموضع الذي لا يمكن التحرز منه مثل البراغيث (٢).
والدليل لقولنا: ما روي أن النبي ﵇ خلع نعله في الصلاة، الصلاة، وقال: "أخبرني جبريل أن فيها قذرا" (٣).
ولم يبين هل كان قدر الدرهم أو أكثر، ولو كان يختلف لبينه.
وأيضا ما روي أنه ﵇ مر بقبرين فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول" (٤).
وهذا عام في قليل البول وكثيره، ولو كان الحكم فيه يختلف لبينه،
стр. 1137
ونحن وإن كنا نقول: إن إزالة النجاسة ليست بفرض فإن المسنون في القليل والكثير واحد.
فإن قيل: هذا توعد منه ﵇ وإخبار عن تعذيب، وأنتم لا توجبونه.
قيل: قد بينا حكمه فثبت منه حكم القليل والكثير، وأنه ممنوع منه، ثم قامت دلالة على سقوط حكم التوعد، وثبت أنه تغليظ، وصار كقوله: "من قتل عبده قتلناه" (١)، فإنه تغليظ لمنع القتل.
ولنا أيضا ما روي أنه ﵇ سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" (٢).
ولم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، وهذا دليل للوجه الذي نقوله في دم الحيض، وأن قليله ككثيره.
وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه صلى في ملحفة، ثم رأى فيها لمعة من دم فأنفذها إلى عائشة ﵂ لتغسلها (٣).
واللمعة من الدم أقل من قدر الدرهم بكثير.
وأيضا ما رواه المقداد في قصة علي حين سأله عن المذي فقال: "اغسل ذكرك" (٤).
стр. 1138
وموضع المذي من الذكر أقل من درهم.
وأيضا فقد اتفقنا وأبو حنيفة على [أن] (١) الاستنجاء مسنون، إما بالماء أو بالأحجار (٢)، ونفس المخرج أقل من قدر الدرهم، فكذلك كل موضع من البدن والثوب إذا أصاب النجس منه هذا القدر.
فإن قيل: إنما وجب في هذا الموضع لأن إزالته منه سنة، وسائر المواضع إزالته - عندنا - فرض.
قيل: الجميع (١٨٠) عندنا سنة.
على أن هذا أولى أن يعفى عن قليله في الاستنجاء لأن الموضع الذي عفي عنه إزالته سنة، والموضع الذي لم يعف عنه إزالته فرض، والعفو عن [القليل في] (٣) المسنون أولى، فلما لم يعف في الاستنجاء عن القليل كان في الفرض أولى أن لا يعفو عنه.
وأيضا فإنه لما وجب غسل ما زاد على قدر الدرهم فما دونه في حكمه؛ لأنه من جنسه في الموضع الذي لا تتعلق بها ضرورة، وليس غرضنا في هذه المسألة أن إزالة النجاسة فرض، ولا التفرقة بينها وبين إزالة النجو، وأن ذلك يزال بجامد والباقي بمائع، وإنما الغرض الجمع بين القليل والكثير، فهو في النجو وغيره سواء في حكم الإزالة، إما فرضا أو سنة، فكذلك في سائر البدن إذا لم يتعلق بموضع ضرورة.
стр. 1139
ولأن ما يخرج عن طريق المرض فقليله وكثيره ربما اتفق وربما اختلف، وفي سائر الدماء سوى دم الحيض فقليله يخالف كثيره لموضع الضرورة، وهو أن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة (١)، أو دُمّل، أو ذباب، أو برغوث، فعفي عن القليل منه، ولأجل هذا حرم الله تعالى المسفوح منه فقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢)، فدل على أن غير المسفوح ليس بحرام، وأحل تعالى من جنسه الكبد والطحال (٣).
وقالت عائشة ﵂: "لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم والبرمة تعلوها الصفرة" (٤).
стр. 1140
وليس الغالب من أمر الناس كون الغائط والبول وغير ذلك في ثيابهم وأبدانهم؛ لأن التحرز يمكن منه.
فإن قيل: فإن إزالة النجو حجة لنا؛ لأن النبي ﵇ عفا عن غسله؛ لأنه أقل من الدرهم.
قيل له: قد يكون المخرج وما لا ينفك منه أكثر من قدر الدرهم، ثم قد جوزتم إزالته بالجامد في السنة، وعفوتم عن يسيره في سائر البدن حتى لا تجب إزالته بالسنة لا بمائع ولا جامد.
فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة: أن خولة أتت النبي ﵇ فقالت: "ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ فقال ﵇: إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره" (١).
فلما أباحها الصلاة مع وجود الدم دل على أنه جعله في حيز المعفو عنه لقلته.
стр. 1141
قالوا: وهذا يخص ظواهركم التي ذكرتموها، فتحمل ظواهركم على الكثير منه بهذه الدلالة.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أننا نوافقكم على العفو عن قليل الدماء، ومنها دم الحيض على أظهر الروايتين عن مالك، فنقول بموجب هذا الخبر في الدم، وليس في هذا دليل على ما عدا الدم من سائر الأنجاس.
وجواب آخر: وهو أن الخبر حجة لنا على الرواية التي تحرم قليل دم الحيض وكثيره؛ لأنه قال لها: "اغسليه"، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، فأما إذا لم يخرج وبقي أثره فلا شيء عليها فيه؛ لأن سائر الأنجاس إذا غسلت وكان فيها ما يبقى أثره فلا ينقلع، وقد انقلعت عينه وريحه فقد مضى حكمه، ولو كان أثره بمنزلة عينه لم يأمرها بغسله؛ لأنه معفو - عندكم - عن عينه، كما هو معفو عن أثره، فلما أمرها بغسله ولم يفرق بين قليله وكثيره دل على ما قلناه، وليس في هذا ما يخص الظواهر التي ذكرناها بل هو يؤكدها.
وجواب آخر: وهو أنهم لا يخلُون معنا من أحد أمرين: إما أن يجعلوا هذا الخبر حجة علينا في سائر الدماء ويحملوه على العفو عن قليله فنوافقهم على إحدى الروايتين، أو يجعلوه حجة علينا في دم الحيض على الرواية الأخرى، فقد قلنا: إنه ﵇ قد أمرها بغسله أمرا ظاهره الوجوب، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، ولا يضر أن لا ينقلع أثره على ما بيناه، ولو كان يختلف لقال لها: "اغسليه إن كان كثيرا" حتى يعلم الفرق بين قليله وكثيره.
ثم لا ينفك من قدر القليل بدرهم بلخي ممن قدره بدرهم غير البلخي
стр. 1142
إما أصغر منه وإما أكبر؛ لأنه يقدره اجتهادا لا بنص، وإنما القليل ما يغلب على ظن الإنسان كالعمل القليل في الصلاة.
فإن قيل: فقد ثبت أن الدم نجس، فإذا جاز العفو عن قليله جاز في سائر الأنجاس لكونه نجسا قليلا.
قيل: قد ذكرنا الفصل بين الدم وسائر الأنجاس، وأن الله تعالى حرم المسفوح (١٨١) منه، فدل على أن غير المسفوح بخلافه، وإنما لم يحرم غير المسفوح لئلا يلحق فيه المشقة؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من أن يصيبه الذباب، والبق، والبراغيث، والبثور، وما أشبه ذلك، ومن أكله في اللحم والعروق، وليس كذلك الغائط والبول، فصار يسير البول في التحفظ منه مثل كثير الدم في التحفظ منه إذا لم تكن ضرورة، وكذلك دم الحيض على الرواية التي تحرم قليله؛ لأنه ليس الغالب منه إصابة الثياب، ومع هذا فيختص به النساء، وليس كذلك سائر الدماء، ولأن قليله ينقض الطهر ويوجب الغسل كالمني، فلهذا فرق مالك بينه وبين سائر الدماء.
ويجوز أن يحتج بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١)، وهذا المراد به تطهير من نجس، ولم يفرق بين القليل والكثير، فهو عموم إلا أن يخصه دليل.
стр. 1143
مَسْألة (٤٧):
ويغسل بول الصبي والصبية عند مالك، وهما سواء في الحكم، وسواء أكلا الطعام أو لا (١).
وقال أبو حنيفة (٢) والشافعي (٣): يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية (٤).
واحتج لهما بما روي من حديث أم قيس بنت محصن، وأن النبي ﵇ أمرها أن ترش على بول الصبي (٥).
стр. 1144
قال مالك: وهذا الحديث ليس بالمتواطأ عليه عندنا، يعني على العمل به.
وهذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم، ولا ينبغي أن يعمل عليه؛ لأنه مما يعم البلوى به، فكان سبيله أن ينقل نقلا مستفيضا منتشرا حتى يصير في معنى نقل الصلوات والزكوات، وغير ذلك مما تقع البلوى به عامة، ولعل عموم هذا في النساء أكثر منه في الرعاف والقيء في الصلاة، وقد قيل في الجميع الحديث، ولم ينتشر نقله ولا استفاض.
ولا يستقيم أيضا على أصول الشافعي؛ لأنه لا يعدل عن قياس الأصول بقضية في عين (١)، تحتمل وجوها من التأويل، وهذا الخبر يخرج حكم هذا
стр. 1145
الجنس عن الأصول فيه؛ لأنه كسائر الأبواب النجسة التي لا فرق فيها في الكبار بين الذكر والأنثى.
وأيضا فإن كان ثُفْلُهما (١) جميعا نجسا فبولهما نجس، فينبغي أن يستويا في الغسل كالثفل وإن كان بول الصبي وثفله ليسا بنجسين فكذلك في الصبية؛ لأن الأصول تشهد له (٢)، فالخبر محتمل إن صح لأمور منها:
أنه أمر بالرش عليه، والرش قد يكون في معنى الغسل؛ لأن إذا كثر حتى تضاعف الماء عليه غلب عليه وأزاله، فيكون رشا هذه صفته، ولم يخصص النبي ﵇ رشا من رش.
ويحتمل أيضا أن تكون هذه المرأة قد كثر عليها بول الصبي، ولا ثوب عليها غير ذلك الثوب، ويكون الزمان شديد البرد، فلو كلفها في كل نقطة تصيبه لحقتها المشقة التي لا تخفى، ونحن نجوز لها هذا، وتصير منزلتها
стр. 1146
منزلة العفو عن دم البراغيث، ومنزلة النجو الذي خفف إزالته بالأحجار.
ويحتمل أيضا أن يكون ﵇ أراد أن يعلمنا أن إزالة النجاسة ليست بفرض، حتى يسقط مذهب من يخالفنا في ذلك، وأمر بغسل بول الصبية على الأصل.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ فرق بين بول الصبي والصبية فقال: "يرش على بول الصبي" (١).
فأفادنا بهذا الفرق بينهما.
قيل: إذا خرج هذا على سؤال سائل احتمل أن يكون ﵇ عرف حال المرأة مع الصبي على ما ذكرناه، ولم تكن البلوى وقعت ببول الصبية على مثل ما وقعت ببول الصبي، ولو أنه ﵇ ابتدأ هذا على غير سؤال سائل احتمل أن يكون ﵇ أراد أن ينبهنا على أن الرش يكون بمعنى الغسل؛ لأننا نعلم أن نقطة بول تصيب ثوب إنسان، ويشاهد موضعها، فيصرها في يده، ويأخذ ماء فيرشه عليها فإننا نعلم أن هذا رش يغلب على حكم النقطة من البول، فيفهم بذكر الغسل في بول الصبية أن الرش على بول الصبي هذه صفته، ولم يرد ﵇ الفرق بينهما في الحكم، وإنما أتى بالمعنى بلفظين مختلفين، فلو قال فيهما جميعا: "يرش عليهما" لاحتمل رشا كثيرا ورشا قليلا، فلما قرن الرش مع الغسل نبه على رش في معنى الغسل؛ لأننا نجد رشا هذه صفته، إذ لو أراد الفرق في الحكم لبين لأي معنى فرق بينهما حتى يزول ما نعلمه من الجمع بينهما؛ لأن بوليهما نجسان كثفلهما، ولا يجوز أن
стр. 1147
يفترقا، فإما أن يكونا نجسين أو طاهرين، فإذا كان هذا مقدرا لم نزل عنه بخبر محتمل.
وقد روي في الخبر أنه ﵇ أمر بالنضح على بول الصبي (١)، والنضح هو في معنى (١٨٢) الغسل، كقوله ﵇ للمقداد في قصة علي: "انضح فرجك" (٢)، وكما قال في دم الحيض: "انضحيه" (٣)، فجعل النضح عبارة عن الغسل، ولا يمتنع أن يورد ﵇ لفظين بمعنى واحد، فنستفيد الأشهر منه لمعنى واحد، ولا ينصرف عن قياس الأصول بمثل هذا؛ لأنه إن كان بول الصبي نجسا فبول الصبية مثله، كالذكر والأنثى الكبيرين، وكذلك في ثفلهما فيجب تساويهما في الحكم لاجتماعهما في المعنى الذي من أجله وجب غسل بول الصبية.
ويجوز أن نقول: هو بول آدمي فأشبه بول الصبية. ويستمر هذا في جميع بني آدم.
وأيضا فإنه مائع خارج من فرج آدمي على وجه الصحة، فأشبه بول الصبية والكبير.
وقد ذكرنا أن الفرض في هذه المسألة تساويهما في حكم الإزالة إما فرضا وإما سنة، والله أعلم.
ويجوز أن يحتج بقوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤)، وهذا تطهير نجس،
стр. 1148
لم يفرق فيه بين أن يكون من صبي أو صبية، والتطهير واحد فيهما جميعا، فينبغي أن تستوي صفة التطهير فيهما.
مَسْألة (٤٨):
إذا نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها، فرضا، أو نافلة، أو قراءة في مصحف، أو صلاة على جنازة (١) فإن حدثه يرتفع، ويجوز أن يصلي به سائر الصلوات (٢).
وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٣).
وإن كان أبو حنيفة ليس من شرط (٤) صحة الطهارة عنده النية (٥).
وحكي عن داود أنه يصلي به الصلاة التي نوى لها الوضوء، ولا يصلي به غيرها من الصلوات.
فأما إذا نوى به استباحة صلاة بعينها دون غيرها من الصلوات فإنه على ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي:
أجودها: أن حدثه يرتفع، ويستبيح به سائر الصلوات؛ لأنه نوى استباحة
стр. 1149
صلاة، والحدث إذا ارتفع لصلاة ارتفع لجميع الصلوات.
والوجه الثاني: أنه لا يرتفع حدثه بهذا الوضوء، فلا يصلي به أصلا؛ لأنه نفى أن يستبيح به غير هذه الصلاة، والحدث إذا لم يرتفع لصلاة لم يرتفع لجميع الصلوات (١).
والوجه الآخر: منهم من قال: يجوز له أن يصلي به الصلاة التي نواها، ولا يصلي به غيرها؛ لأنه لو لم ينو رفع الحدث لم يجز له أن يصلي، ولو نوي رفع الحدث مطلقا جاز له أن يصلي، فيجب إذا نوى به استباحة صلاة دون غيرها أن يستبيح به ما نوى استباحته، ولا يستبيح غيرها.
وهذا أضعف الوجوه عندهم (٢).
وهذا عندي يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: لا ترفع الطهارة فإنه يصلي الصلاة التي نوى لها الوضوء، ويصلي الصلاة الثانية؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء لها فلا ترتفع.
وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بالوضوء الصلاة التي نواها، وبطلت بعد ذلك، فلا يصلي بها هي صلاة أخرى؛ لأنه يصليها وقد رفع من طهارتها النية.
стр. 1150
والدليل لنا على: داود قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
والألف واللام في الصلاة للجنس، وهذا قد غسل وجهه للقيام إلى جميع الصلوات.
فإن قيل: هذا لم يغسل وجهه لجميع الصلوات، وإنما غسل وجهه لصلاة واحدة.
قيل: ظاهر الأمر يقتضي غسل وجهه، ولا تتميز نيته (١)، فنحن على ذلك الأمر إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: الظاهر يقتضي غسل وجهه لكل صلاة.
قيل: الظاهر يقتضي أن يغسل وجهه إذا أراد القيام إلى جميع الصلوات، وهذا قد غسله، فلا يجب عليه التكرار إلا بدليل؛ لأن الظاهر يقتضي غسل مرة واحدة، وقد غسل.
وأيضا قول النبي ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٢).
وهذا نفي في نكرة يعم كل الصلوات إلا بطهور، وقد تطهر.
فإن قيل: لا نسميه عند الصلاة الثانية متطهرا.
قيل: هو على طهارته التي تطهر بها، وقد سمي متطهرا، فيستصحب الاسم حتى يمنع منه مانع.
стр. 1151
وأيضا قوله ﵇: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه" (١).
وقد أسبغ هذا الوضوء لصلاته التي هي للجنس، لا تختص بصلاة دون أخرى، فهو على عمومه في كل صلاة حتى يمنع منه مانع.
وأيضا تعليمه ﵇ الأعرابي بقوله: "توضأ كما أمرك الله فاغسل" (٢).
وهذا قد غسل، ولم يخص له صلاة من صلاة.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (٣).
وهذا نوى بوضوئه صلاة بعينها، فدليله أن ما لم ينوه لا يكون له، فلا تكون له الصلاة الثانية.
قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه إذا صلى الثانية بالوضوء الأول، ونوى أن تكون له صلاة فقد نواها صلاة له، فله ما نواه.
فإن قيل: فإنه لم ينو الطهارة للثانية.
قيل: ولا رفع النية لها، وإنما نوى ذلك فارتفع حدثه، وإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي سائر الصلوات كما لو أطلق النية.
فإن قيل: قد قلتم: إنه لو تيمم لنافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، فكذلك هذا.
стр. 1152
قيل: التيمم لا يرفع الحدث (١)، ولا يفعل إلا بعد دخول الوقت، ولا يجمع به بين صلاتي فرض (٢)، فلهذا لم يعمل إلا في الصلاة التي قصد به استباحتها؛ لأن عليه طلب الماء للصلاة الثانية كالأولى.
فإن قيل: فقد جوزتم إذا تيمم لمكتوبة فصلاها أن يتبعها بنافلة بذلك التيمم.
قيل: تصير تبعا للفريضة.
مَسْألة (٤٩):
لا يدخل الجنب المسجد ولا عابر السبيل (٣).
стр. 1153
وبه قال أبو حنيفة (١).
وقال الشافعي: يجوز أن يمر به (٢) عابر سبيل (٣).
والدليل لقولنا ما روي أن أفضل البقاع المساجد (٤)، وأنها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأنها بنيت للصلاة والتسبيح (٥)، فوجب تعظيم حرمتها بكل وجه، ومن تعظيم حرمتها أن لا يدخلها الجنب إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روته جسرة بنت دجاجة عن عائشة ﵂ أنها قالت: "جاء
стр. 1154
رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد"، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد"، ثم دخل النبي ﵇ ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (١).
فهذا يقتضي أن لا يحله على كل وجه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فلو جاز دخوله المسجد لجاز له أن يستديم الجلوس فيه، كالمتوضئ والمحدث بغير الجنابة والحيض، فلما لم يجز للجنب ذلك صار كالحائض التي لما لم يجز لها استدامة الكون فيه لم يجز لها دخوله (٢).
ونحرر من هذا قياسنا على الحائض فنقول: كل من منع من الاستدامة في المسجد منع من دخوله، أصله الحائض، وكذلك الجنب لما منع من استدامة كونه فيه منع من دخوله.
وأيضا فإن للمسجد حرمتين: إحداهما للصلاة فيه، والأخرى: تلاوة القرآن فيه، فلما منع الجنب من الصلاة وقراءة القرآن فيه منع من دخوله؛
стр. 1155
لأنه ظرف لهما، ولا يلزم على هذا المحدث بغير جنابة؛ لأنه غير ممنوع من القراءة فيه.
والمشرك - عندنا - بمنزلة الجنب والحائض لا يدخل المسجد؛ لأنه ممنوع من استدامة كونه فيه (١).
فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢)، وأن المراد منه مكان الصلاة؛ لأنه هو الذي يقرب لا نفس الصلاة، فتقديره: لا تقربوا مكان الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، والعابر هو المجتاز.
قيل: إذا أمكن أن يحمل الظاهر على حقيقته لم يصرف إلى المجاز، والظاهر المذكور هو نفس الصلاة، فقوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي لا تصلوا، كما قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٣) معناه: لا تزنوا، فتقدير الآية: لا تصلوا وأنتم على حال سكر حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة، ولا جنبا إلا عابري سبيل، وهو إذا كنتم متيممين عند عدم الماء، أو تعذر استعماله في السفر.
وعلى هذا تأوله علي بن أبي طالب ﵁ (٤)؛ لأن عابر سبيل هو الغريب المسافر، كما قيل فيه: ابن سبيل، فقد حملنا الظاهر على حقيقته في الصلاة، ولم نحمله على المكان الذي لم يجر له ذكر، وإنما يدعون أنه مضمر، فإذا
стр. 1156
تنازعنا الظاهر، وصرفناه إلى حقيقته لم يصح لهم دلالة في جواز دخوله المسجد، والخلاف واقع فيه، فصحت أدلتنا في أن الجنب لا يدخل المسجد.
فإن قيل: فإن المسجد قد سمي باسم الصلاة في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (١)، فإذا احتمل الأمرين جميعا - ما تقولون وما نقول - جاز أن نحملها على العموم فنقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا مكان الصلاة على هذه الحال إلا عابري سبيل.
قيل: إن الحقيقة في الظاهر هو الصلاة على ما ذكرناه، وليس تتناول حقيقته المكان، بل هو مجاز، لا يجوز ادعاء العموم في [الحقيقة والمجاز] (٢) بلفظة واحدة.
على أننا نحن نحمله أيضا على عمومه من هذا الطريق فنقول: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذا الحال، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم؛ لأن فيه تعظيما لحرمة المسجد، وبمثل ذلك تأوله علي وهو إمام هدى (٣).
وفيه أيضا أن عابر سبيل إذا أطلق للمسافر حقيقة لا للحاضر، بل إذا أطلق قوله: "عابر" احتمل ما يقولون، وإذا أضيف إلى "سبيل" فهو بالمسافر أخص، وإن احتمل الحاضر أيضا فنحن نقول: إن الحاضر إذا عدم الماء، أو تعذر عليه استعماله، وخاف فوت الوقت تيمم، ودخل المسجد، وصلى،
стр. 1157
فيكون قوله تعالى: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مصروفا إلى الحاضر على هذا الوجه، وإلى المسافر على هذا الوجه، فيحتمل الظاهر على حقيقته مع تعظيم حرمة المسجد.
فإن قيل: قوله: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مضاف إلى منكر، فأي سبيل كان جاز، مسافرا أو غير مسافر.
قيل: لا فرق بين أن يضاف إلى منكر أو معرف، وهذا بمنزلة قولنا: "ابن سبيل" منكرا لا يعقل منه إلا المسافر، كقوله "ابن السبيل"، فصار تقدير قوله: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي ابن سفر ما، وابن السبيل ابن السفر (١).
على أننا قد ذكرنا أننا نستعمله على الحاضر أيضا إذا عدم الماء وتيمم جاز له دخول المسجد وهو جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة (٢).
وأشد ما في الباب أنه إذا احتمل ما تقولون وما نقول قضينا عليه بالخاص الذي لا يحتمل، وهو قوله ﵇: "فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (٣)، ومعناه: لا أحل فيه فعل حائض ولا جنب على كل حال، من دخول، واجتياز، واستدامة، وصلاة، وقراءة قرآن، وغير ذلك؛ لأنه لم يرد أن عين المسجد ونفسه محرمة؛ لأن ذلك لا يقع عليه تحليل ولا تحريم، وإنما الحلال والحرام فعلنا فيه، بمنزلة قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤)، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥)، وإنما المحرم فعلنا فيه الذي هو تزوجهن،
стр. 1158
والمحرم أكل الميتة، والتصرف فيها، لا أن نفس الأعيان محرمة، فإذا كان هذا هكذا قضينا بهذا النص في ذكر المسجد على المحتمل في الآية؛ [لأنه] (١) أخص منه.
فإن قيل: ففي خبركم أيضا عموم في المجتاز وغير المجتاز، وفي الآية خصوص، وهو ذكر المجتاز، فقضينا بهذا الخصوص على عموم خبركم.
قيل: قوله: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ حقيقة للمسافر، ونحن نقول في المسافر كذلك، ثم قد استعملناه على ما ذكرتم من الحاضر إذا عدم الماء وتيمم، وبقي معنا ذكر المسجد نصا، وليس بإزائه مثله.
مَسْألة (٥٠):
وبول ما يؤكل لحمه طاهر عندنا (٢).
وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤): هو نجس (٥).
стр. 1159
والدليل لقولنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١).
وأيضا قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢).
وهذا يقتضي جملة البهيمة، ومن جملتها بولها كلبنها وغيره إلا أن يقوم دليل.
ولنا أن نبني المسألة على أصل: وهو أن الأشياء في الأصل على الإباحة حتى يقوم دليل الحظر.
وأيضا ما رواه البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله" (٣).
والبأس: الشدة والضيق عنا فيه، وحصلت هذه اللفظة في الشريعة عبارة عن الإباحة (٤)، فكل موضع يسأل فيه عن إباحة شيء قيل فيه: لا بأس.
وقد روي أن النبي ﵇ قال: "فلا بأس بسلخه" (٥).
وعن ابن الزبير مثله (٦).
стр. 1160
وأيضا ما روي عن أنس أن النبي ﵇ قال: "ليس بشرب بول كل ذي كرش بأس" (١).
وأيضا ما روي في حديث العُرنيين أن النبي ﷺ أباحهم شرب ألبان الإبل وأبوالها (٢)، فجعل ذلك بمنزلة اللبن فلو كانت نجسة ما أباحهم ذلك، فظاهر الإباحة لا يصرف عن ظاهره إلى ضرورة أو مرض إلا أن يذكر في الخبر ما يوجب ذلك.
فإن قيل: إنما أباحهم شرب البول للمرض لأنهم لما اجتووا (٣) المدينة استوخموها، فاصفرت وجوههم، وانتفخت بطونهم (٤)، فأباحهم ذلك.
قيل: إن صح هذا وكان اللبن لا يخلو أن ينتفع به كمنفعة البول أو يضاده، فإن كان يضاده فلا ينبغي أن ينتفعوا بالشيء وضده، أو تكون المنفعة فيهما واحدة، فينبغي أن يستغنوا باللبن الذي هو حلال عن البول النجس الحرام، فلما أباحهم ذلك علمنا أنه لم يبحهم ذلك للمرض.
وأيضا فإن المرض لا يجوز أن ينتفع فيه بشيء نجس (٥) لقول النبي ﵇: