← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تنازعنا الظاهر، وصرفناه إلى حقيقته لم يصح لهم دلالة في جواز دخوله المسجد، والخلاف واقع فيه، فصحت أدلتنا في أن الجنب لا يدخل المسجد. فإن قيل: فإن المسجد قد سمي باسم الصلاة في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (١)، فإذا احتمل الأمرين جميعا - ما تقولون وما نقول - جاز أن نحملها على العموم فنقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا مكان الصلاة على هذه الحال إلا عابري سبيل. قيل: إن الحقيقة في الظاهر هو الصلاة على ما ذكرناه، وليس تتناول حقيقته المكان، بل هو مجاز، لا يجوز ادعاء العموم في [الحقيقة والمجاز] (٢) بلفظة واحدة. على أننا نحن نحمله أيضا على عمومه من هذا الطريق فنقول: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذا الحال، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم؛ لأن فيه تعظيما لحرمة المسجد، وبمثل ذلك تأوله علي وهو إمام هدى (٣). وفيه أيضا أن عابر سبيل إذا أطلق للمسافر حقيقة لا للحاضر، بل إذا أطلق قوله: "عابر" احتمل ما يقولون، وإذا أضيف إلى "سبيل" فهو بالمسافر أخص، وإن احتمل الحاضر أيضا فنحن نقول: إن الحاضر إذا عدم الماء، أو تعذر عليه استعماله، وخاف فوت الوقت تيمم، ودخل المسجد، وصلى،

стр. 1157

فيكون قوله تعالى: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مصروفا إلى الحاضر على هذا الوجه، وإلى المسافر على هذا الوجه، فيحتمل الظاهر على حقيقته مع تعظيم حرمة المسجد. فإن قيل: قوله: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مضاف إلى منكر، فأي سبيل كان جاز، مسافرا أو غير مسافر. قيل: لا فرق بين أن يضاف إلى منكر أو معرف، وهذا بمنزلة قولنا: "ابن سبيل" منكرا لا يعقل منه إلا المسافر، كقوله "ابن السبيل"، فصار تقدير قوله: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي ابن سفر ما، وابن السبيل ابن السفر (١). على أننا قد ذكرنا أننا نستعمله على الحاضر أيضا إذا عدم الماء وتيمم جاز له دخول المسجد وهو جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة (٢). وأشد ما في الباب أنه إذا احتمل ما تقولون وما نقول قضينا عليه بالخاص الذي لا يحتمل، وهو قوله ﵇: "فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (٣)، ومعناه: لا أحل فيه فعل حائض ولا جنب على كل حال، من دخول، واجتياز، واستدامة، وصلاة، وقراءة قرآن، وغير ذلك؛ لأنه لم يرد أن عين المسجد ونفسه محرمة؛ لأن ذلك لا يقع عليه تحليل ولا تحريم، وإنما الحلال والحرام فعلنا فيه، بمنزلة قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤)، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥)، وإنما المحرم فعلنا فيه الذي هو تزوجهن،

стр. 1158

والمحرم أكل الميتة، والتصرف فيها، لا أن نفس الأعيان محرمة، فإذا كان هذا هكذا قضينا بهذا النص في ذكر المسجد على المحتمل في الآية؛ [لأنه] (١) أخص منه. فإن قيل: ففي خبركم أيضا عموم في المجتاز وغير المجتاز، وفي الآية خصوص، وهو ذكر المجتاز، فقضينا بهذا الخصوص على عموم خبركم. قيل: قوله: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ حقيقة للمسافر، ونحن نقول في المسافر كذلك، ثم قد استعملناه على ما ذكرتم من الحاضر إذا عدم الماء وتيمم، وبقي معنا ذكر المسجد نصا، وليس بإزائه مثله. مَسْألة (٥٠): وبول ما يؤكل لحمه طاهر عندنا (٢). وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤): هو نجس (٥).

стр. 1159

والدليل لقولنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١). وأيضا قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). وهذا يقتضي جملة البهيمة، ومن جملتها بولها كلبنها وغيره إلا أن يقوم دليل. ولنا أن نبني المسألة على أصل: وهو أن الأشياء في الأصل على الإباحة حتى يقوم دليل الحظر. وأيضا ما رواه البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله" (٣). والبأس: الشدة والضيق عنا فيه، وحصلت هذه اللفظة في الشريعة عبارة عن الإباحة (٤)، فكل موضع يسأل فيه عن إباحة شيء قيل فيه: لا بأس. وقد روي أن النبي ﵇ قال: "فلا بأس بسلخه" (٥). وعن ابن الزبير مثله (٦).

стр. 1160

وأيضا ما روي عن أنس أن النبي ﵇ قال: "ليس بشرب بول كل ذي كرش بأس" (١). وأيضا ما روي في حديث العُرنيين أن النبي ﷺ أباحهم شرب ألبان الإبل وأبوالها (٢)، فجعل ذلك بمنزلة اللبن فلو كانت نجسة ما أباحهم ذلك، فظاهر الإباحة لا يصرف عن ظاهره إلى ضرورة أو مرض إلا أن يذكر في الخبر ما يوجب ذلك. فإن قيل: إنما أباحهم شرب البول للمرض لأنهم لما اجتووا (٣) المدينة استوخموها، فاصفرت وجوههم، وانتفخت بطونهم (٤)، فأباحهم ذلك. قيل: إن صح هذا وكان اللبن لا يخلو أن ينتفع به كمنفعة البول أو يضاده، فإن كان يضاده فلا ينبغي أن ينتفعوا بالشيء وضده، أو تكون المنفعة فيهما واحدة، فينبغي أن يستغنوا باللبن الذي هو حلال عن البول النجس الحرام، فلما أباحهم ذلك علمنا أنه لم يبحهم ذلك للمرض. وأيضا فإن المرض لا يجوز أن ينتفع فيه بشيء نجس (٥) لقول النبي ﵇:

стр. 1161

"ما جعل شفاؤكم فيما حرم عليكم" (١). وأيضا فلو حملناه على الضرورة لكان تأكيدا للآية التي فيها ذكر المضطر إلى الميتة وغيرها مما أبيح للمضطر، هذا لو كانت ضرورة الجوع، وإذا أمكن أن يستعمل الخبر على فائدة مجددة كان أولى من تكرار آية أو تأكيدها. وكذلك إن قالوا: استعمل قول النبي ﵇: "ما أكل لحمه لا بأس ببوله" (٢) في الضرورة. قيل: لا يخلو أن تحملوه على ضرورة الجوع أو ضرورة المرض، فإن كان في المرض فقد قال ﵇: "لا شفاء لكم فيما حرم عليكم" (٣). وإن كان لضرورة الجوع فقد استفدنا ذلك بغير هذا الخبر، فلا تكون فيه فائدة. فإن قيل: فإننا نخص هذه الظواهر كلها بما روي أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول" (٤). وهذا عام في كل بول. قيل: قد اختلف اللفظ في هذا الخبر، فقيل: "لا يستنزه من بوله"،

стр. 1162

وقيل: "لا يستبرئ من البول" (١)، والاستبراء إنما هو من بوله، وكذلك ينبغي أن يكون التنزه أيضا من بوله؛ لأن اللفظ إذا كان في خبر واحد واختلف حمل مطلقه على مقيده؛ لأنه قد قيل: "لا يستنزه من بوله"، ولو كان العموم فيه لكان مخصوصا بقوله: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله" (٢)؛ لأنه نص في ذكر ما يؤكل لحمه. فإن قيل: فقد روي عنه ﵇ أنه قال: "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٣). فهو عموم في كل بول، فيحمل خبركم على الضرورة. قيل: قد بينا حكم الضرورة إن كانت بجوع أو مرض فلا فائدة فيه، بل ينبغي أن يقضي على عموم خبركم في ذكر البول؛ لأنه مخصوص بالذكر فيما يؤكل لحمه. فإن قيل: فإننا نخص خبركم بالقياس فنقول: هو ما استحال في كبد ما

стр. 1163

لا يؤكل لحمه بالذكاة، وليس كذلك بول الأغنام (١). فإن قيل: علتنا متعدية فهي أولى من علتكم. قيل: قد اتفقنا على أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر، والمعنى فيه: أنه مائع مستحيل في حيوان مأكول اللحم، ليس بدم ولا قيح، فكذلك بوله. فإن قيل: لا تأثير لهذه العلة عندكم؛ لأن ريق كل حيوان وعرقه طاهر، وأبواله مختلف. قيل: لها تأثير فيما بيننا وبينكم؛ لأنكم تزعمون أن ريق الكلب والخنزير وعرقهما نجس، وعند أبي حنيفة أن سؤر السباع تنجس الماء (٢)، وعندنا نحن أن [بعض] (٣) الحيوان الذي يأكل الجيف مكروه، وريق الأنعام غير مكروه. فإن عارضوا بعلة أخرى قلنا لهم: إنها لا تتعدى، فعلتنا أولى. فإن قيل: إن رد البول إلى البول أولى من رده إلى الريق والعرق. قيل: علتنا أولى؛ لأنها تستند إلى السنة المخصوصة بذكر بول ما يؤكل لحمه، وإلى قول النبي ﷺ : "لا بأس بسلخه" (٤). ولأن رد ما يستحيل في لحم يؤكل بالذكاة إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يؤكل لحمه.

стр. 1164

وقد روى زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل أكل لحمه أصابه أو أصاب الثوب" (١). ولا فائدة في حمل هذا على الضرورة؛ لأن الضرورة لا تختص بالأنعام دون غيرها، فلا يكون في تخصيصها هذا الجنس فائدة. قد كشفه قوله: "وما أصابه أو أصاب الثوب". وبالله التوفيق. مَسْألة (٥١): والمني عند مالك ﵀ نجس، لا يزيل حكمه إلا الغسل بالماء في رطبه ويابسه (٢). وقال أبو حنيفة: هو نجس، ويزول اليابس منه بالفرك، والرطب بالغسل (٣). وعند الشافعي (٤) أنه طاهر كالبصاق والمخاط (٥). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٦)، يعني آدم،

стр. 1165

﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (١). فسماه مهينا لمهانته، وهذا صفة النجس. فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢). وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (٣). فسماه ماء مطلقا، فظاهره يوجب طهارته. قيل: أما قوله قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ لم يذكر فيه طاهر، والماء الطاهر هو الذي خبرنا تعالى بطهارته بقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ (٤)، وبقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٥)، والماء الدافق هو الذي سماه تعالى مهينا، والطاهر لا يكون مهينا يمتهن. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (٦) يعني به آدم ﵇؛ لأنه خلق من الماء والطين. فإن قيل: فلم ذكر الماء وحده؟ قيل: كما قال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧)، فذكر الطين مفردا في

стр. 1166

موضع ليعلمنا أنه خلقه منهما جميعا. وعلى أنه لو ثبت العموم فيه وأن اسم الماء يتناوله لخصه القياس والسنة. فأما السنة فما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يخرج للصلاة وبقع الماء في ثوبه" (١). فإن قيل: فقد روي عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب الرسول ﷺ ثم يصلي فيه" (٢). فكأنها ذكرت هاهنا الجائز، وذكرت الغسل المستحب (٣). قيل: هذا يحتمل وجوها: منها: أن الفرك لا ينافي الغسل؛ لأن الغسل لابد فيه من الفرك في غالب الأحوال، فكأنها أرادت بالفرك الغسل؛ لأنه يعبر به عنه، والخبر واحد عنها دون غيرها. ويحتمل أن تكون تفعل الفرك دون الغسل ولا تُعلم النبي ﷺ بذلك، ولم ينقل أنه علم بذلك فأجازه (٤)، ولا قال: إن الذي فعلته صواب، فلا

стр. 1167

يلزمنا فعلها. ويحتمل أن تكون فعلت ذلك في بعض الأوقات لتعلمنا أن إزالة النجاسة ليست بفرض، وهذا مذهبنا، ولا يدل على طهارة المني. فإن قيل: قولها: "كنت أغسل المني من ثوبه ﵇" ليس فيه أنه ﵇ علم بذلك أيضا، فيكون الغسل من فعلها كما قلتم لنا في الفرك. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنها حكت أنها كانت تغسله ويخرج ﵇ وبقع الماء على ثوبه، وهذا أمر يشاهده النبي ﵇ في غالب الحال، والفرك ليس بأمر مشاهد كالغسل الذي هو رطب. والجواب الآخر: أنه روى سليمان بن يسار قال: قالت عائشة: "كان النبي ﵇ يصيب ثوبه المني، فيغسله من ثوبه، ثم يخرج في ثوبه إلى الصلاة، وإني أرى أثر الغسل" (١). فثبت بهذا أن النبي ﵇ غسله، وأنها غسلت ثوبه كما رأته يغسل. فإن قيل: قولكم: "إنها فركته بغير علمه ﵇" لا يجوز؛ لأنه لا يقر عليه كما أخبره جبريل ﵇ أن في نعله قذرا.

стр. 1168

قيل: فقد أقر على بعض الصلاة، ولم يخبره بذلك حتى مضى بعضها وبنى عليه، فيجوز أن يقر عليه ليعلم أن إزالة الأنجاس ليست بفرض. ولنا أيضا ما روي عن عمر ﵁ أنه كان في سفر فأجنب، وحضرت صلاة الصبح، ومعه جماعة من الصحابة، فانتظر غسل ثوبه حتى كادت الشمس تطلع، فقال له عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! قد أصبحنا ومعنا ثياب، فلو لبست منها وصليت إلى أن يغسل ثوبك. فقال: لو فعلت ذلك لكانت سنة" (١). فلو كان المني طاهرا لصلى فيه، ولكان من معه من الصحابة يقولون له: إنه طاهر، والتغليس بصلاة الصبح سنة (٢) مجتمع عليها من فعل النبي ﷺ ، وفعل أصحابه، فلم يتركها حتى تكاد الشمس تطلع من أجل غسل شيء طاهر، وإن كان غسله مستحبا فليس ينبغي أن يترك التغليس المسنون بالصبح من أجل غسل مستحب، فلما لم يجر في هذا مخالفة ولا نكير دل على أن المني نجس؛ لأنهم سوغوا لعمر تأخير الصلاة لغسل المني، وهذا يجري مجرى الإجماع الذي هو أولى من خبر الواحد. وإن ثبت أن التغليس بالصبح مستحب، وغسل المني مستحب فلا ينبغي أن يترك المستحب في الأصل للمستحب في الفرع؛ لأن إزالة المني بالغسل لأجل الصلاة.

стр. 1169

وأما القياس فقد اتفقنا على نجاسة المذي، وكذلك المني؛ بعلة أنه مائع خارج من مجرى الحدث يتولد عن الشهوة. وأيضا فإن دم الحيض نجس، العلة فيه أنه مائع يخرج من السبيل يوجب انقطاعه الغسل على وجه مخصوص. ولنا أن نقيسه على البول بعلة أنه مائع ينقض الطهر ويوجبه. فإن قيل: إننا نعارض قياسكم بقياس آخر فنقول: اتفقنا على مجة البيضة أنها طاهرة، فكذلك المني بعلة أنه مائع يخلق منه حيوان طاهر. قيل: لا يخلو أن تريدوا المني الذي يخلق منه الولد فذلك لا يحكم له بتطهير ولا بنجس، وإنما يحكم لما يسقط على ثوب أو بدن أو بقعة بطاهر أو نجس، وهو المني الذي نتنازعه إذا انفصل وسقط على شيء لا يجيء منه الولد (١). وإن أردتم (١٨٧) أنه مائع يخلق من جنسه حيوان طاهر فإن نازعناكم أن هذا ليس من جنس ذلك لم يبق معكم شيء لأن ذلك المني الذي لم ينفصل لا يحكم له بتطهير ولا تجنيس، وقد يخلق منه الولد وقد لا يخلق منه شيء أصلا، وليس كذلك هذا المني المنفصل، فلا نقول: إنه من جنسه. ثم لو قلنا: إنه من جنسه فقد يكون الشيء في نفسه طاهرا، ويكون متولدا عن نجس، كاللبن فإنه متولد عن الدم، وقد قيل فيه: إنه دم، فما دام الولد في الرحم يتغذى به على ما هو عليه، وهو دم الحيض الذي ينحبس

стр. 1170

على الحمل لغذاء الولد، فإذا سقط الولد أبيض الدم فصار لبنا حتى لا تعافه النفس، وهذا قد ذكره أهل الصناعة والمعرفة بالفلسفة. وقد يكون أيضا الشيء في نفسه طاهرا ويستحيل إلى النجس، كالغذاء والماء في جوف ابن آدم وقد قيل: إن العلقة المتولدة عن المني من دم نجس، وهذا يسقط ما اعتبروه. فإن قيس على اللبن بعلة أنه مائع تثبت به الحرمة بين المرضع وبين من ارتضع منها، وانتشاره إلى غيرهما، فكذلك المني. قيل: الذي ينشر الحرمة هو الوطء، سواء كان معه مني أو لا، وقد تنشر الحرمة القبلة والجسة للذة. وإن أرادوا أن المني يثبت الحرمة فإنه يخلق منه الولد، ويحرم على من أنزل المني، وينتشر إلى غيره، فهذا هو معنى ما ذكروه من أنه يخلق منه حيوان طاهر، وقد تكلمنا عليه وقلنا إن المني المنفصل الذي نتنازعه لا يكون منه ولد، فسقط ذلك. على أنه لو صح لهم القياس لكان رد المني إلى المذي أولى لاتفاقهما في المخرج، وأن الشهوة تولدهما، وأنهما ينقضان الطهر ويوجبانه على وجه مخصوص، وأنهما لا يكادان يفترقان في غالب الحال؛ لأن المذي يسبق المني، ويختلط به بعضه (١)، ولأنه يمنع الصلاة، ويمنع حمل المصحف.

стр. 1171

وكذلك رد المني إلى دم الحيض أولى لاتفاقهما في المخرج، وأنهما ينقضان الطهر ويوجبان الغسل، وإذا اجتذب الأصلان فرعا كان رده إلى ما هو أكثر شبها به أولى. فإن قيل: فقد روى عبد الله بن عباس أن النبي ﵇ قال: "أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبصاق أو مخاط" (١). فلما شبهه بالبصاق والمخاط الطاهرين، وأمر أن يماط بإذخرة دل على أنه طاهر. قيل: إنه [لا] (٢) دلالة لكم في هذا من وجوه: أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك الثوب للنوم لا للصلاة، وعلم ذلك ﵇. وقوله ﵇: "كبصاق ومخاط" شبهه بهما في انعقادهما، لا أنه تعرض لنجاسته لعلمه بأنه لا يصلي فيه. على أنه قد أمر بإماطته، وأمره يقتضي الوجوب، فإزالته واجبة، ثم قامت

стр. 1172

الدلالة في إزالته بشيء مخصوص، وهذه قضية في عين تحتمل ما قلته. ثم لا يمتنع أن يكون قال له: "أمطه عنك بإذخرة" فيوافق مذهب أبي حنيفة في أنه نجس يابس يزال بإذخرة، ثم تقوم لنا دلالة الغسل بما قدمناه من الدلائل. فإن قيل: فقد خلق منه الأنبياء والأولياء، ولا يجوز أن يخلقوا من نجس. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنهم قد يكونون علقة نجسة فلا ينقصهم ذلك، وإنما كرامتهم أن يُصطَفوا ويؤتمنوا على الوحي إن كانوا أنبياء، وبالإحسان إليهم والتوفيق لهم، وأن يبجلوا ويعظموا وتمتد النعم لديهم، فأما خلقهم في الابتداء من مني فقد قلنا: إن الذي خلقوا منه لا يحكم له بتطهير ولا بتنجيس، والمنفصل المتنازع فيه لم يخلقوا منه، ثم مع كرامتهم وكونهم أنبياء هو ذا يخرج منهم الغائط، والبول، والدم المتفق على نجاسته، ولم ينقصهم ذلك. والجواب الآخر: هو أنه لو وجب أن يكون طاهرا؛ لأن الأنبياء خلقوا منه لوجب أن يكون نجسا؛ لأن الفراعنة والطغاة قد خلقوا منه. فإن قيل: فإن الله تعالى خلق آدم من ماء وطين، وهما طاهران فوجب أن يكون ما خلق منه غيره من جنسه مخلوقا من طاهر، لمشاركته له في جنسه. قيل: هذا غير لازم؛ لأنه لما لم يشركه في ابتداء خلقه لم تجب مساواته له فيما ذكرتم، ألا ترى أن آدم لم ينتقل في رحم فيكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، والعلقة دم من سائر الدماء إذا انفصلت حكم لها بالنجاسة، فكذلك

стр. 1173

يجوز أن يخلق ابن آدم من نطفة غير طاهرة. فإن قيل: العلقة - عندنا - طاهرة. قيل: هذا خارج عما عليه المسلمون؛ لأنها تتربى بدم الحيض الذي ينحبس عند الحمل، فهو يربي العلقة حتى تصير مضغة، ثم لا يزال ذلك عند الحمل حتى يسقط إلى الأرض. وقد روى سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أسقي راحلتين من ركوة (١) بين يدي، إذ تنخمت فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة، فقال لي: "يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء" (٢). فأخبر أن الثوب يغسل من المني كما يغسل من سائر الأنجاس، وهذا يدل على نجاسته لإضافته إلى سائر الأنجاس في الغسل. دليل: وجدنا الخارجات من البدن على ضربين: فضرب مائع طاهر لا ينقض الوضوء ولا يوجبه، كاللبن والدموع، والعرق، والبصاق، والمخاط. والضرب الآخر: نجس ينقض الطهر ويوجبه، ويجب غسله، كالبول والغائط ودم الحيض، ويجب غسل دم الرعاف والحجامة والفصاد [وإن] (٣) لم ينقض الطهر عندنا وعند الشافعي (٤).

стр. 1174

ثم ثبت الإجماع على أن المني ينقض الطهر ويوجبه فوجب أن يكون من قبيل البول والمذي ودم الحيض، وهذا ترجيح لقياسنا، ويصلح أن يكون دليلا مبتدأ في المسألة. وبالله التوفيق. فَصْل قد تقدم كلامنا في أن المني إذا خرج بغير لذة لا يوجب الغسل (١)، وسواء خرج قبل البول أو بعده، فإذا خرج منه بقية المني بعد أن اغتسل سواء بال قبل الغسل أو لم يبل فإن الظاهر من قول مالك ﵀ أن عليه فيه الوضوء واجبا. وذكر بعض أصحابه أن الوضوء منه مستحب لا واجب (٢). قال: لأنه مني، والمني على وجهين: أحدهما: أن تقارنه اللذة فالغسل منه واجب. والوجه الآخر: إذا لم تقارنه اللذة فهو على وجه المرض، فلا يجب به الغسل ولا الوضوء. وهذا مني قد خرج عن حال العادة، فينبغي أن لا يكون فيه وضوء واجب، كدم الاستحاضة الذي سقط الغسل فيه، فسقط الوضوء فيه لخروجه عن أصله.

стр. 1175

قال: وأيضا فإن هذا بقية مني قد اغتسل منه، وإنما منع من خروجها مرض وعلة، لولا ذلك لخرج في جملة المني الذي قد اغتسل منه، وقد قامت الدلالة على أن ما خرج من السبيل على وجه المرض فليس بحدث ينقض الوضوء، ولولا هذا لوجب فيه الغسل كأصله (١). والذي عندي أن الوضوء منه واجب على ظاهر قول مالك، وهذا الذي كان الشيخ أبو بكر ﵀ يختاره، وأصول مالك تدل عليه، وقد بينته في مسألة الأحداث إذا خرجت عن وجه العادة واتصلت وتتابعت، والفرق بينها وبين ظهورها المرة بعد المرة فعليه الوضوء إلا أن يستنكحه ذلك فإن الوضوء فيه مستحب وذلك أن هذا قد يكون غالبا في الناس، وهو أن يبقى في القضيب من المني الذي تقارنه اللذة بقية تظهر عند البول، وبعد ساعة، وذلك كالمعتاد أيضا، فينبغي أن يكون فيه الوضوء واجبا؛ لأن الغسل قد تقدم في الدافق منه، وقد قارنته اللذة، فمضى حكم الغسل له، وصار كدم الاستحاضة الذي أصله قد اغتسل منه، وهو يجيء مرة بعد مرة، وقد قال مالك: فيه الوضوء، كمن اعتراه المذي المرة بعد المرة. ولا يمتنع أن يجب فيه الوضوء؛ لأنه مائع قد خرج من السبيل على وجه العادة وإن لم تقارنه اللذة، وصار في حكم دم الاستحاضة على ما بيناه، فإذا سقط فيه حكم الطهارة العليا لم يمتنع أن تجب فيه الطهارة الصغرى؛ لأنه من ذلك الجنس، خرج عن أصله إلى عادة فيه، ولا مشقة في الوضوء منه، فإن اتصل وتتابع تحققنا أنه لمرض لخروجه عن عادة الناس فيه، مع شدة الكلفة في الوضوء منه، وليس إذا لم يكن معتادا لجميع الناس يخرج

стр. 1176

عن أن يكون معتادا لأكثرهم أو لبعضهم، ويحكم له بحكم العادة، كما أن دم الحيض ليس الغالب في كل النساء أن يحضن خمسة عشر يوما، ولكنه قد يكون معتادا في أكثرهن أو في بعضهن، وقد حكم له بحكم العادة، فكذلك يكون خروج بقية هذا الماء معتادا في أكثر الناس أو في بعضهم، فيحكم له بحكم عادته، وكذلك دم الاستحاضة قد يكون خروجه مرة بعد مرة عادة في بعض النساء، فيكون الحكم جاريا عليها على عادتها فيه، فيجب عليها فيه الوضوء منه؛ لأن الدلالة قد أخرجته عن حكم الغسل ولم يتحقق كونه مرضا، ولا مشقة تعظم في الوضوء منه، وهو أحد الطهارتين، فأحسن أحواله أن يكون بمنزلة سائر الأحداث من البول والمذي والودي. ألا ترى أن من خالف فيه يستحب الوضوء منه ولا يستحب الغسل، فهو كدم الاستحاضة الخارج عن أصله من دم الحيض، والله أعلم. مَسْألة (٥٢): حكى عن ابن وهب عن مالك ﵀ أن من جس، أو قبل، أو فعل فعلا التذ به وأكسل، ولحقته الفترة، ولم يظهر منه الإنزال حتى توضأ وصلى، ثم اندفق منه الماء فإنه يجب عليه الغسل وإعادة الصلاة. والظاهر من مذهب مالك ﵀ أن هذا المني إذا لم تقارنه اللذة في حال خروجه أنه لا غسل منه، ولا تعاد الصلاة التي مضت قبل خروجه. ومن أصحابنا من قال: يغتسل من هذا المني (١)، ولا يعيد ما صلى.

стр. 1177

وهذا معناه عندي إن خرج مقارنا للذة أخرى زيادة على التي تقدمت (١). والحجة لرواية ابن وهب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). والمجانبة في اللغة المباعدة والمفارقة، فهو عموم في مفارقة الماء موضعه، سواء خرج أو لم يخرج، وعموم في مفارقة الرجل المرأة بعد لمسه، أو جسه، أو إيلاجه؛ لأنه مجامع لها، فإذا فارقها فقد جانبها إلا أن يقوم دليل. وهذا كقوله ﵇: "الكذب مجانب الإيمان" (٤)، أي مفارقه، فكل من فارق شيئا فهو مجانب له. وأيضا قول النبي ﵇: "الماء من الماء" (٥). وهذا ماء قد ظهر، فيجب أن يغتسل منه إلا أن يقول دليل.

стр. 1178

فإن قيل: فإنما نوجب الغسل منه إذا خرج، ولا يعيد الصلاة الماضية. قيل: إنما خرج بلذة متقدمة، هي معدومة في حال خروجه، فأنتم بين أمرين: إما أن يجب الغسل لأجل اللذة المتقدمة فقد صحت المسألة. أو يجب لظهوره مع تعريته عن اللذة فهو خلاف مذهب مالك؛ لأن المني عنده إذا لم تقارنه لذة لم يجب منه غسل (١)، فإذا ثبت ذلك فإنما يجب بظهوره مع شيء آخر، وهو اللذة، وقد تقدمت لهذا الماء، فيجب منه الغسل كما يجب بمقارنته، وإذا وجب ذلك وجبت إعادة الصلاة لوجود الشرطين من اللذة والإنزال. ووجه الرواية الأخرى - وهي الصحيحة -: هو أنه طاهر غير جنب قبل ظهوره، فلا يحكم له بحكم الجنب إلا بدليل، وما صلاه فلا تجب إعادته؛ لأنه أداه على ما كلف. وأيضا فإن النبي ﵇ قال: "لا صلاة إلا بطهور" (٢)، و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣)، وهذا قد تطهر، وصلى، وقرأ، فصحت له الصلاة. وأيضا فإن الجنب في الشريعة هو الذي لا يجوز له دخول المسجد مع القدرة على الغسل، ولا الصلاة، ولا قراءة القرآن، ولا مس المصحف (٤)، وهذا قبل ظهور المني منه تجوز له هذه الأمور كلها إذا توضأ للجسة والقبلة

стр. 1179

التي قارنتها اللذة، فإذا توضأ فليس بجنب، وقد جاز له فعل جميع ما ذكرناه وصلى، وله أن يصلي وإن لم يغتسل قبل ظهور هذا المني، فليس يتناوله اسم جنب بحق الإطلاق. وأيضا فقد دللنا على أن وجود المني إذا عري عن اللذة لا يوجب الغسل، ولا يكون به [جنبا] (١)، فكذلك إذا عريت اللذة عن ظهور المني لم يكن لها حكم، وصار الحكم واجبا بوجودهما جميعا مقترنين في حالة واحدة. وكذلك حكم سائر الأحداث لا تعتبر فيه مفارقة الحدث موضعه، وإنما يعتبر خروجه، ألا أن ترى الطعام ينهضم بعد استحالته فينحدر إلى المعي السفلي، وكذلك يستحيل الماء ثم ينحدر إلى المثانة، ولم تعتبر فيه مفارقة مستقره، بل اعتبر فيه خروجه على وجه الصحة والعادة، ولم يحكموا له بحكم النجاسة إلا بعد ظهوره. وأيضا فإن الصحابة اختلفت على وجهين، فقالت الأنصار: "الماء من الماء" (٢)، فحكموا بالغسل عند خروجه، ولم يحك عن أحد أنه رد عليهم ذلك، ولا قالوا ولا قيل لهم: إن الغسل يجب بمفارقة الماء موضعه، وخالفهم الباقون في الوجه الآخر وهو التقاء الختانين (٣)، كما قالوا بالغسل من الماء، ولم يقولوا ولا واحد منهم: إن اللذة قد تقدمت، وفارق الماء موضعه، وقد كان هذا أولى من أن يستريحوا إلى الخبر، ويقولوا قال النبي ﵇: "إذا التقى

стр. 1180

الختانان وجب الغسل" (١)؛ لأن الحجة كانت عليهم أقوى إذا قالوا لهم: الماء من الماء، سواء فارق موضعه أو خرج من مخرجه. وتأولنا نحن قولهم: "الماء من الماء" إذا خرج مقارنا للذة. فإن قيل: فإنه إذا ظهر الماء بعد تقدم الفترة قلنا: إنه كان جنبا، فانكشف لنا ذلك عند ظهور المني. قيل: هذا يلزم في سائر الأحداث إذا ظهر الحدث بخروجه علمنا أنه كان محدثا لمفارقة الحدث موضعه؛ لأن الإنسان قد يعلم ضرورة إذا لحقه الحقن الشديد، ودافع الأخبثين أن الحدث قد فارق موضعه، ولا يكاد يعلم بوجود الفترة والإكسال أن المني قد فارق موضعه، فإذا لم يحكم للمحتقن بحكم الحدث حتى يظهر كان فيما يشك فيه أولى أن لا يحكم له بحكمه حتى يظهر. على أننا قد بينا أن الحكم يتعلق بوجود الشرطين معا في حالة واحدة، وهو خروج المني مقارنا للذة، ولا يجب بوجود أحدهما منفردا عن الآخر. ومن جعل من أصحابنا في وجود هذا المني الغسل ولا تعاد الصلاة، وفرق بينه وبين ما يظهر - إذا لم تتقدمه لذة أو فترة - بأن هذا قد تقدمته فترة وإكسال لم ينفك من رواية ابن وهب؛ لأنه قد جعل الفترة المتقدمة شرطا، كما أن ظهوره شرط، وإن افترقا فلابد أن يكون للفترة المتقدمة قسط في إسقاط حكم الصلاة التي صلاها، فتجب إعادتها، والله أعلم.

стр. 1181

مَسْألة (٥٣): إذا حاضت المرأة الجنب فلا غسل عليها للجنابة حتى تطهر (١)، ثم يجزئها غسل واحد، هذا مذهب جميع الفقهاء، إلا أهل الظاهر (٢) فإنهم يوجبون عليها غسلين (٣). والدليل لقولنا: أن هذه المرأة إذا انقطع دمها وكانت جنبا فاغتسلت جاز لزوجها وطؤها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٤). فإذا سميت متطهرة يجوز لزوجها، وطؤها وصلت قبل الوطء فقد دخلت تحت قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥). فإن قيل: فإنها جنب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٦). وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٧) فوجب أن تتطهر وتغتسل للجنابة.

стр. 1182

قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن ظاهر الآية يتناول جنبا مفردا، وهذه جنب حائض، ولم يرد لها ذكر، فدليله أن الجنب الحائض بخلاف ذلك. وأيضا فإن هذه قد اغتسلت وفعلت ما سميت به طاهرة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وليس في الظاهر: فاطهروا للجنابة [دون الحيض] (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢)، ولم يقل: تغتسلوا للجنابة [دون الحيض] (٣)، وهذه قد اغتسلت. وأيضا فليس في الظاهر: "وإن كنتم (٤) جنبا [حُيَّضا] (٥)، وفيه تنازعنا، فدليله بخلافه. وعلى أن الظواهر كلها وردت بلفظ يتناول الذكور، أو الذكور والإناث، وليس فيها ذكر الإناث منفردات، وقد ذكرنا نحن ما يتناول الإناث منفردات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٦). فهذا خاص فيهن، فلا يُقربن حتى يطهرن بالماء، سواء تطهرن للجنابة أو للحيض؛ لأن المرأة هي التي يجتمع فيها الأمران جميعا الجنابة والحيض.

стр. 1183

على أن الأصول كلها تدل على أن الأحداث إذا كان موجبها واحدا واجتمعت تداخل حكمها، وناب موجب أحدها عن الآخر، كاجتماع البول، والغائط، والريح، والمذي، ينوب عن جميعها وضوء واحد، وكذلك لو وطئ دفعات كثيرة أجزأه غسل واحد (١)، وكذلك لو حاضت امرأة ثم جُنت أو بُرسمِت (٢)، والدم ينقطع ثم يعود، أو تعمدت ترك الغسل حتى حاضت دفعات، ثم اغتسلت أجزأها غسل واحد، فقد استوى حكم سائر الأحداث المختلف منها والمتفق إذا اتفق موجبها في أن الوضوء الواحد أو الغسل الواحد ينوب مناب صاحبه، ويدخل حكم بعضها في بعض. فكذلك مثل هذا في الحدود إذا اجتمعت وكان موجبها واحدا، سواء اتفقت أنواعها أو اختلفت، مثل أن يسرق مرارا، أو يشرب الخمر مرارا، أو يقذف مرارا، أو يشرب خمرا ويقذف (٣)، فإن حدا واحدا ينوب عن الآخر. وكذلك المحرم إذا قتل صيدا في الحرم فإن عليه جزاء واحدا، وإن كان لو انفرد بقتله محرما دون الحرم وجب عليه جزاء واحد، ولو قتل حلال في الحرم وجب عليه جزاء، ثم إذا قتله محرم في حرم وجب فيه جزاء واحد، فكذلك يجب على الحائض الجنب غسل واحد؛ لأن الموجب واحد، وبالله التوفيق.

стр. 1184

مسألة (٥٤): ومن معه إناءان أحدهما نجس والآخر طاهر، واختلطا عليه فلم يعرف النجس من الطاهر (١)، ولا يقدر على غيرهما، وقد حضر وقت الصلاة وهو على غير وضوء فظاهر قول أهل المدينة أن الماء لا ينجس (٢) إلا أن يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه على ما تقدم بيانه في الكلام في المياه. وقال عبد الملك بن الماجشون: إنه يتوضأ من أحدهما ويصلي، ثم يتوضأ من الآخر ويعيد الصلاة (٣). وقال محمد بن مسلمة: يتوضأ من أحدهما ويصلي، ثم يغسل أعضاءه من الآخر، ثم يتوضأ منه (٤) ويعيد الصلاة (٥).

стр. 1185

وقال أبو حنيفة: لا يتحرى في الإنائين، ويتركهما ويتيمم. وبه قال المزني (١). وقال أبو حنيفة: يتحرى في ثلاث أوان أو أكثر (٢). وقال الشافعي (٣): يتحرى أحد الإنائين، فإذا غلب على ظنه طهارة أحدهما تطهر منه، وأراق الآخر (٤). وذهب عبد الملك ومحمد بن مسلمة في هذا إلى التغليظ في الماء القليل إذا حلته نجاسة ولم يتغير، وقد شدد مالك الكراهية فيه -وإن كان الأصل في المياه على ما ذكرناه- لقوة الخلاف فيه. ووجه قول عبد الملك ومحمد: أنه إذا عمل هذا حصل وضوؤه بماء طاهر بإجماع؛ لأنه إن كان الأول هو الطاهر فقد مضت صلاته صحيحة باتفاق، وحصل ما بعدها ملغى، وإن كان الأول هو النجس فاستعماله الثاني

стр. 1186

يزيل أثر الماء الأول، وتصح الصلاة به، وخاصة إن غسل الأعضاء (١) ثم توضأ، ويكون الأول النجس لغوا. وكذلك يقولان في الثوبين أحدهما نجس، والآخر طاهر. وكذلك يقول أبو حنيفة في الثوبين، ويفرق بينهما وبين الإناءين، قال: لأنه لو صلى في ثوب نجس أجزأه، ولو توضأ بماء نجس لم يجزئه. وهذا يلزمه في ثلاث أوان وأكثر. وأيضا فقد ثبت أنه لو نسي صلاة من يوم وليلة لا يدري أي صلاة هي من الخمس الصلوات كلفناه أن يصلي الخمس الصلوات ليكون قد أدى الفرض بيقين، فكذلك ينبغي في الماء. فإن قيل: فإنها عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بالظاهر، فجاز دخول التحري عليها عند الاشتباه أصله القبلة اليقين فيها أن تكون بمكة في المسجد معاينا للكعبة، أو بالمدينة فتصلي في محراب النبي ﷺ ، فهذا يقين (٢)، وأما الظاهر فهو أن تكون في بعض البلدان أو القرى فتشاهد مسجدا فيه، قبلة فيجوز أن تصلي إليها على الظاهر، مع جواز أن تكون القبلة إلى غير تلك الجهة. وأداء الطهارة بيقين مثل أن تتوضأ من دجلة فتتيقن أن الماء طاهر، وأما الظاهر دون اليقين فمثل أن يجد ماء في إناء على الشط، فيجوز له أن يتطهر

стр. 1187

منه، وهذا الماء في الظاهر طاهر لا بيقين لجواز أن يكون قد حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب قد أكل نجاسة هي على فمه، أو غير ذلك من بول خنزير، أو ترشيش فيه من بول آدمي، فيجوز التحري في الإناءين، كالقبلة يصلي إلى جهة تغلب على ظنه، وليس عليه أن يصلي إلى الجهات كلها. قيل: الفرق بينهما هو أن القبلة قد جوز تركها والصلاة إليها مع القدرة في صلاة التطوع في السفر، وللمسايف في وجه العدو وغير ذلك، وأما الماء النجس فلا يجوز الوضوء به على وجه (١)، فلهذا طلب اليقين فيه، كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات أنه يصلي الصلوات كلها حتى يأتي على اليقين؛ لأن الصلاة لا يجوز تركها مع القدرة، ولا مع العذر (٢). والدليل على أبي حنيفة: هو أن هذا الإنسان معه ماء طاهر بيقين، يمكنه الوصول إليه، وأداء الصلاة به من الماء النجس فوجب أن يجوز له التحري فيه، أصله الثلاث الأواني. [وأيضا فإن كل عدد يجوز التحري فيه إذا كان في ثوب فإنه يجوز فيه إذا كان في الإناء، أصله الثلاث الأواني.] (٣) وأيضا فإن التحري في الإناءين أمكن منه في الثلاث لوجهين: أحدهما أنه بالتحري يطلب الطاهر، ولا يتوصل إلى معرفة الطاهر إلا

стр. 1188

بمعرفة النجس؛ لأنه يطلب العلامة، والأثر، والعلامة والأثر قد يكون على الماء النجس من أثر الرجل (١)، أو قلة الماء وكثرته، وما يشبه ذلك، فصار كأنه لا يطلب إلا النجس، فإذا كان كذلك فتمييز الشيء بين شيئين أمكن وأقرب منه من الثلاث وأكثر (٢)، كما أن تمييز عبد أشكل أمره من بين عبدين أمكن منه وأسهل من بين مائة عبد. والوجه الثاني: هو أن التحري أن ينظر في كل إناء على الانفراد، ويضبط صفاته ويحفظها، حتى إذا وجد اختلاف الصفة حكم حينئذ إما بنجاسة أو طهارة، فإذا ضبط صفة الإناء ثم نظر في الآخر كان أقرب عهدا بالأول منه أن ينظر في ثالث. فإن قيل: فأنتم لا تتحرّون، بل تأمرون باستعمال الجميع. قيل: نحن نقول: يتحرى أولا (٣)، فيتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طاهر ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويصلي احتياطا؛ لأنه قد يجوز أن يخطئ اجتهاده في الأول، فإذا احتاط بالثاني أصاب لا محالة.

стр. 1189

فإن قيل: يلزمكم هذا في أكثر من إناءين، حتى لو كانت أواني كثيرة وجب أن يستعملها كلها، وهذا يشق. قيل: إذا خرج إلى المشقة تركنا ذلك وتحرى الواحد، ألا ترى أنه لو اختلط على إنسان أو أشكل أمر امرأتين وثلاث في أن إحداهن أخته من الرضاعة منعناه أن يتزوج إحداهن وقلنا له احتط واترك الجميع، ولو اختلطت عليه بأهل بلد جاز أن يتزوج إحداهن؛ لأن منعه من ذلك يشق، وكذلك لو اختلطت عليه شاة ميتة باثنين أو ثلاث من المذكاة وجب أن يمتنع من الجميع، ولو اختلطت بشيء كثير جاز له أن يأكل. فإن قال عراقي: إن هذا يشهد لنا؛ لأننا لا نتحرى في إناءين ونتحرى في أكثر، كما قلتم في المرأتين إحداهما أخته من الرضاعة، وشاتين إحداهما ميتة. قيل: قد فرقتم أنتم بين الموضعين؛ لأنكم لا تجيزون له أن يتزوج إحدى عشرة فيهن أخته من الرضاعة، كما لا يتزوج واحدة من اثنين، ولا تعملون في الأواني كذلك؛ لأنكم لا تجيزون التحري في إناءين، وتجيزونه في ثلاث. فإن قال شافعي: فقولنا أولى؛ لأنه يستمر في إناءين وثوبين، وفي اجتهاد الحاكم والقبلة في أنه ليس عليه أن يحكم بالاجتهادين، ولا الصلاة إلى جهات القبلة كلها. قيل: أما الحاكم فإنه ينظر لقطع الخصومات، فإذا غلب على ظنه الحكم لأحدهما حكم، فلو قلنا له: احكم للآخر أدى ذلك إلى إحكام الخصومة

стр. 1190

بينهما، ولعل خصومتهم قبل هذا الحكم تكون أسهل، فلا يجوز أن يفعل ذلك. والصلاة حق محضة لله، فنعمل بما ذكرناه وقد ذكرنا الفرق بين الإنائين وبين القبلة بما فيه كفاية. ويجوز أن نستدل على أبي حنيفة (١) في تركه الإناءين وعدوله إلى التيمم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢). وبقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣)، وظاهر هذا [الماء] (٤) طهارته. وبقول النبي ﷺ : "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته" (٥). وهذا الماء لم يغيره شيء من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فلم يخص ماء من ماء، وهذا واجد للماء، فلا يجوز العدول عنه فَتَيَمَّمُوا إلى التيمم إلا بدليل. * * *

стр. 1191

مسألة من التيمم (١): الصعيد (٢) عند مالك ﵀ هو الأرض، فيجوز التيمم على كل أرض طاهرة، سواء كانت حجرا لا تراب، عليها أو عليها تراب، أو رمل، أو زِرنيخ (٣)، أو نورة (٤)، أو غير ذلك (٥). وبه قال أبو حنيفة (٦)، ومحمد، وأبو يوسف، إلا على صخر لا تراب عليه فإن أبا يوسف قال: لا يجزئه (٧). وقال الشافعي: لا يجوز التيمم بغير التراب أصلا (٨)، وإذا تيمم فلا بد

стр. 1192

أن يعلق بيده منه شيء يمسح به وجهه وذراعيه، ولا بد عنده من التيمم على التراب (١)، ومن الممسوح به (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣). والصعيد اسم للأرض، وقال الله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (٤) قيل: إنها أرض زلقة (٥). وروي أن النبي ﷺ قال: "يُجمع الخلائق يوم القيامة على صعيد واحد" (٦). أي أرض واحدة، فالاسم الأخص من الصعيد يتناول الأرض نفسها، ولم يخص تعالى صعيدا من صعيد، فأي أرض كانت فهي صعيد،

стр. 1193

وأراد بقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي طاهرا. وقد قيل: إن الصعيد اسم لما تصاعد من الأرض، فليس يختص بموضع منها دون موضع، والصخر متصاعد من الأرض، وكذلك الرمل وغيره، فهو عموم في كل ما تصاعد منها إلا أن يقوم دليل. وقد ذكر ابن الأعرابي أن الصعيد اسم للأرض، واسم للتراب، واسم للطريق، واسم للقبر (١)، فإذا كان يتناول كل واحد من هذه حقيقة فإما أن نجعله للعموم فيتناول جميعها، أو يكون من الأسماء المشتركة، كقولهم: عين، ولسان، ولون، فقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ اسم نكرة في إثبات لا يكون عموما، بل يكون شائعا في الجنس، لا يتناول صعيدا بعينه، بل يتناول كل ما يقع عليه اسم صعيد على طريق البدل، والأرض والتراب والطريق والقبر من جنس واحد، فأي صعيد قصد جاز التيمم عليه إلا أن يقوم دليل، بمنزلة قولك: اضرب رجلا، فإنه لا يختص برجل دون رجل، فأي رجل ضربه فقد امتثل المأمور به وإن كان الجنس مختلفا فالاسم مشترك، لا يمكن ادعاء العموم فيه، ولا صرفه إلى وجه دون وجه إلا بدليل يدل على أنها من المراد، وأن المراد جميعها. وقد قام الدليل على أن الأرض مقصودة، وما تصاعد منها مقصود، وذلك أن النبي ﷺ قال: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" (٢)، فذكر الأرض، ولم يخص موضعا منها، وجمع

стр. 1194

بين الصلاة والتيمم عليها، ثم أكد ذلك بقوله: "فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت"، وقد تدركه في موضع من الأرض لا تراب عليه، وفي موضع فيه رمل، أو جص، أو غير ذلك، كما تدركه في أرض عليها تراب. ولنا أيضا ما رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست"، فذكر أشياء إلى أن قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (١). فأخبر أن الطهور من الأرض هو ما كان مسجدا، وقد ثبت أن الصلاة جائزة على كل موضع من الأرض، فكذلك التيمم، ولا يختص بموضع عليه تراب من غيره. وأيضا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه مضى إلى ابن عباس ﵄، فكان في حديثه أن قال: "بال رسول الله ﷺ قائما، فأتاه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى قام وضرب بيده على الحائط، ومسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى ومسح بها كفيه" (٢). ومعلوم أن الحائط لا تراب عليه، فدل على أن التيمم لا يفتقر إلى ممسوح به.

стр. 1195

وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار أنه قال: "أجنبت، فتمعكت (١)، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب بيده على الأرض، ثم أدناها منه، ونفخ فيها، ثم مسح بها وجهه" (٢). فحكى أن النبي ﷺ نفخ في يديه، ومسح بهما وجهه، وهذا نص على أن التراب ليس من شرطه، إذ لو كان من شرطه لما نفخهما. ولنا أيضا ما رواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن قوما جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: "إنا نكون في الرمال، فلا نقدر على الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، وفينا النفساء، والحائض، والجنب، فقال: عليكم بالأرض" (٣). وهذا يدل على جواز التيمم بالرمال لأنها أرضهم، ويتناوله اسم الأرض، ولو كان اسم الأرض لا يقع إلا على التراب لقال لهم: انتظروا وصولكم إلى الأرض، فلما قال لهم: عليكم بالأرض - أي أرضكم التي أنتم بها دل على ما قلناه.
следующие страницы →