← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

مسألة من التيمم (١): الصعيد (٢) عند مالك ﵀ هو الأرض، فيجوز التيمم على كل أرض طاهرة، سواء كانت حجرا لا تراب، عليها أو عليها تراب، أو رمل، أو زِرنيخ (٣)، أو نورة (٤)، أو غير ذلك (٥). وبه قال أبو حنيفة (٦)، ومحمد، وأبو يوسف، إلا على صخر لا تراب عليه فإن أبا يوسف قال: لا يجزئه (٧). وقال الشافعي: لا يجوز التيمم بغير التراب أصلا (٨)، وإذا تيمم فلا بد

стр. 1192

أن يعلق بيده منه شيء يمسح به وجهه وذراعيه، ولا بد عنده من التيمم على التراب (١)، ومن الممسوح به (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣). والصعيد اسم للأرض، وقال الله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (٤) قيل: إنها أرض زلقة (٥). وروي أن النبي ﷺ قال: "يُجمع الخلائق يوم القيامة على صعيد واحد" (٦). أي أرض واحدة، فالاسم الأخص من الصعيد يتناول الأرض نفسها، ولم يخص تعالى صعيدا من صعيد، فأي أرض كانت فهي صعيد،

стр. 1193

وأراد بقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي طاهرا. وقد قيل: إن الصعيد اسم لما تصاعد من الأرض، فليس يختص بموضع منها دون موضع، والصخر متصاعد من الأرض، وكذلك الرمل وغيره، فهو عموم في كل ما تصاعد منها إلا أن يقوم دليل. وقد ذكر ابن الأعرابي أن الصعيد اسم للأرض، واسم للتراب، واسم للطريق، واسم للقبر (١)، فإذا كان يتناول كل واحد من هذه حقيقة فإما أن نجعله للعموم فيتناول جميعها، أو يكون من الأسماء المشتركة، كقولهم: عين، ولسان، ولون، فقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ اسم نكرة في إثبات لا يكون عموما، بل يكون شائعا في الجنس، لا يتناول صعيدا بعينه، بل يتناول كل ما يقع عليه اسم صعيد على طريق البدل، والأرض والتراب والطريق والقبر من جنس واحد، فأي صعيد قصد جاز التيمم عليه إلا أن يقوم دليل، بمنزلة قولك: اضرب رجلا، فإنه لا يختص برجل دون رجل، فأي رجل ضربه فقد امتثل المأمور به وإن كان الجنس مختلفا فالاسم مشترك، لا يمكن ادعاء العموم فيه، ولا صرفه إلى وجه دون وجه إلا بدليل يدل على أنها من المراد، وأن المراد جميعها. وقد قام الدليل على أن الأرض مقصودة، وما تصاعد منها مقصود، وذلك أن النبي ﷺ قال: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" (٢)، فذكر الأرض، ولم يخص موضعا منها، وجمع

стр. 1194

بين الصلاة والتيمم عليها، ثم أكد ذلك بقوله: "فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت"، وقد تدركه في موضع من الأرض لا تراب عليه، وفي موضع فيه رمل، أو جص، أو غير ذلك، كما تدركه في أرض عليها تراب. ولنا أيضا ما رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست"، فذكر أشياء إلى أن قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (١). فأخبر أن الطهور من الأرض هو ما كان مسجدا، وقد ثبت أن الصلاة جائزة على كل موضع من الأرض، فكذلك التيمم، ولا يختص بموضع عليه تراب من غيره. وأيضا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه مضى إلى ابن عباس ﵄، فكان في حديثه أن قال: "بال رسول الله ﷺ قائما، فأتاه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى قام وضرب بيده على الحائط، ومسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى ومسح بها كفيه" (٢). ومعلوم أن الحائط لا تراب عليه، فدل على أن التيمم لا يفتقر إلى ممسوح به.

стр. 1195

وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار أنه قال: "أجنبت، فتمعكت (١)، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب بيده على الأرض، ثم أدناها منه، ونفخ فيها، ثم مسح بها وجهه" (٢). فحكى أن النبي ﷺ نفخ في يديه، ومسح بهما وجهه، وهذا نص على أن التراب ليس من شرطه، إذ لو كان من شرطه لما نفخهما. ولنا أيضا ما رواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن قوما جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: "إنا نكون في الرمال، فلا نقدر على الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، وفينا النفساء، والحائض، والجنب، فقال: عليكم بالأرض" (٣). وهذا يدل على جواز التيمم بالرمال لأنها أرضهم، ويتناوله اسم الأرض، ولو كان اسم الأرض لا يقع إلا على التراب لقال لهم: انتظروا وصولكم إلى الأرض، فلما قال لهم: عليكم بالأرض - أي أرضكم التي أنتم بها دل على ما قلناه.

стр. 1196

وأيضا فإن أحدا لا يمتنع أن يقول: جلسنا على الأرض، ونزلنا بأرض مصر، والبصرة، والحجاز، وبني فلان، وإن كان موضع الجبال والحجر. وأيضا فإن التيمم ثبت على وجه الترفيه والرخصة فيما كان مضيقا على من تقدم من الأمم (١)، فوجب أن لا يختص بموضع التراب كالصلاة، وهذا الذي دل عليه قوله ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (٢). وأيضا فإن ما جاز أن يكون قرارا للماء جاز أن يتيمم به، أصله موضع التراب، وهذا موجود في موضع الرمل. وأيضا فإن موضع الرمل من جنس الأرض، فأشبه موضع التراب. وأيضا فإنه موضع يجوز السجود عليه، فأشبه موضع التراب. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فأمر بالمسح من الصعيد، فشرط الممسوح به؛ لأنه لا يقال: "مسح منه" إلا بأخذه جزءا منه، يقتضي هذا أيضا أن يكون الصعيد مما يمكن الأخذ منه، وهو اللين الناعم، وهذه صفة التراب، وأنتم تجعلون الجبل صعيدا، وهو لا يمكن الأخذ منه (٣).

стр. 1197

وأيضا فإن قوله ﴿مِنْهُ﴾ يدل على التبعيض؛ لأن "من" للتبعيض (١)، والهاء في "منه" كناية عن مذكر، فهي ضمير التراب؛ لأنه يذكر. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن يكون "منه" صلة في الكلام كقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والقرآن كله شفاء (٣). وجوا آخر وهو أننا لو سلمنا أنه أراد غير الصلة فإنما أراد بـ "منه" الموضع الطاهر من الصعيد، والهاء كناية عن الصعيد، وهو مذكر، فتقديره: من بعض الصعيد، وهو المكان الطاهر الذي يجوز السجود عليه، وقد يذكر بعض أسماء المواضع ويؤنث، مثل: بدر، وحنين، وواسط، ودابق، وهذه مواضع من الأرض. وأيضا فإن كل ما ليس له فرج فإنه يجوز أن يذكر ويؤنث، فيقال: أطفئ نارك، وأطفئت نارك، وهدم دارك، وقد قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ (٤)، ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ (٥).

стр. 1198

وأيضا فلو أراد تعالى بـ "الصعيد الطيب" التراب لقال: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم به"، ولم يقل: "منه"، فلما قال [منه] (١) دل على أنه أراد من الأرض، أو مما تصاعد من الأرض، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرمل، والجص، وغير ذلك. وأيضا فقد ورد القرآن في هذه الآية بقوله: "منه"، ووردت آية أخرى قيل فيها: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٢)، وإن تيمم بتراب جاز (٣) بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٤). فإن قيل: يبنى المطلق على المقيد، فالمطلق قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٥)، والمقيد قوله: ﴿مِنْهُ﴾ (٦). قيل: لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل (٧).

стр. 1199

ويحتمل أيضا أن يكون قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١) أي من المقصود، ولأن معناه: اقصدوا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم من المقصود الذي هو الصعيد، وقد ذكرنا أن اسم الصعيد حقيقة إما أن يكون لنفس الأرض على ما ذكرناه، أو لما تصاعد منها فهو المقصود، ولا يخص التراب منه دون غيره، وإن كان الصعيد اسما للأرض ولما تصاعد منها فذلك مقصود، لا يختص موضع تراب من موضع غيره. فإن قيل: فقد روى أبو عوانة، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان، أن رسول الله ﷺ قال: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا" (٢). وروي عن سعيد بن مسلمة بهذا الإسناد عن حذيفة أنه ﷺ قال: "وجعل ترابها طهورا" (٣). وهذا نص؛ لأنه ﷺ لخص التراب بالطهور، وما عداه فليس بتراب، فدليله أن غير التراب ليس بطهور. قالوا: وهذه زيادة في الخبر على قوله: "جعلت لي الأرض مسجدا

стр. 1200

وطهورا" (١)، فكان الزائد أولى. قالوا: وأيضا فإن قوله ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (٢) مطلق، وقوله: "وترابها طهورا" (٣) مقيد، فيبنى المطلق على المقيد، كما عملنا وأنتم في الشهادة في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٤)، بنيناه على قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). وكذلك أطلق تعالى قوله في موضع في الكفارة فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٦). وقيدها في موضع بالإيمان (٧)، فلا يجوز من الرقاب في الكفارات إلا مؤمنة. قيل: أما قولكم: "إن النبي ﷺ نص على التراب" فإننا نقول بموجبه، ويجوز التيمم على التراب، فأما دليله فلا يلزم؛ لأن الأرض هي غير التراب، والتراب، غيرها، فلا يخص دليل الخطاب ما ليس من جنسه ألا ترى أنه لما قال ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" (٨) كان دليله أن لا زكاة في عاملة الغنم، ولا في عاملة، البقر، فكذلك دليل قوله: "ترابها طهورا" (٩) أن غير ترابها مما يضاف إليها ليس بطاهر، كما لو قال: "رملها طهور" لكان دليله أن ترابها

стр. 1201

ليس بطهور، وكذلك لو قال: صوف الغنم طاهر دل على أن لحمها وجلدها وقرنها ليس بطاهر، فأما أن يكون نفسها ليس بطاهر فلا. وإن جاز أن يكون في دليل الخطاب ما يعم الجنس وغير الجنس فهو ضعيف، ويقضي عليه القياس الذي ذكرناه، فيلحق المسكوت عنه بالمنطوق به. وقولكم: "إن في خبركم زيادة هي ذكر التراب" فإننا نقول بالزائد والمزيد عليه، فنجوز الأمرين جميعا، وهذا زيادة في الحكم لا محالة، فهو أولى من الاقتصار على الزائد حسب. وقولكم: "إنما نبني المطلق على المقيد في هذا" فهو غلط من وجهين: أحدهما: أنه يحتاج إلى دليل. والوجه الآخر: هو أن الأرض المطلقة ليست هي التراب، والتراب ليس هو الأرض؛ لأن التراب من الأرض بمنزلة الصوف من الغنم، والصوف ليس هو الغنم، فكذلك التراب ليس هو نفس الأرض. وأما الشاهد المطلق فهو المقيد بالعدالة، وكذلك الرقبة نفسها مقيدة بالإيمان. فإن قيل: ما روي عن عمار و"أن النبي ﷺ ضرب بيديه الأرض، ثم نفخهما" (١) يجوز أن يكون نفخ حتى ذهب الغبار وأثره، ويجوز أن يكون نفخ حتى جف الغبار ولم يذهب الأثر، وهذه فعلة واحدة تحتمل، فإذا لم يعلم

стр. 1202

على أي وجه وقعت لم يصح الاحتجاج بها، ولا يدعى في ذلك العموم (١). قيل: هذا خرج مخرج التعليم، فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان الحكم فيه يختلف لبين لعمار الحكم فيه، وكان عمار وغيره ممن حضر ينقلون تفصيل ذلك، وهل النفخ يزول معه الأثر أو لا؟ وقد روي أنه قال لعمار: "انفخ يديك" (٢) ولم يفصل له صفة النفخ، وروي أنه ﷺ نفض يديه" (٣). فإن قيل: فقد روي أنه ﷺ قال لأبي ذر: "التراب كافيك" (٤). قيل: وقد روي: "التيمم كافيك" (٥)، وليس في قوله: "التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج" أكثر من أنه أعلمه أن التيمم يكفيه، هذا هو الغرض، يجوز أن يسمي له الأرض باسم التراب؛ لأن الغالب أنه يكون عليها. وعلى أننا نقول بموجب الخبر، فيجوز التيمم بالتراب. فإن قيل: دليله أن غير التراب لا يكفي. قيل عنه جوابان: أحدهما: أن الحكم إذا علق باسم له لم يكن ما عداه بخلافه عندكم (٦).

стр. 1203

وإنما ذلك في الشروط في الأوصاف، والتراب اسم، ثم قد بينا أن الأرض غير التراب، ودليل التراب هو الرمل وغيره، فإن اقتضى دليله أن التيمم على الرمل لا يجوز سلمت لنا الأرض التي لا تراب عليها، وإذا جاز التيمم على الأرض التي لا تراب عليها سلمت المسألة. وعلى أنه لو سلم الدليل لكان القياس الذي ذكرناه يخصه، فيصير تقديره: أن غير التراب من الذهب، والفضة، والنحاس، والحيوان، وغير ذلك لا يجوز إلا في الأرض، والحجر، وغير ذلك مما عدا الأنواع التي ذكرناها. وقد روي: "الصعيد كافيك" (١)، وإذا أمكن استعمال الجميع كان أكثر للفوائد. فإن قيل: فإنه ممسوح في الطهارة، فوجب أن يكون من شرطه ممسوح به، أصله مسح الرأس في الطهارة. وأيضا فإنه معدن في الأرض، فوجب أن لا يجوز التيمم به، يعنون الجص وغيره أصله سُحالة (٢) الحديد، والذهب، والفضة. وأيضا فإن ذلك يتمول على وجه العادة فوجب أن لا يجوز التطهر به، أصله المائعات كلها من الخل وغيره. وأيضا فإن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم لما تعلقت بالجامد وجب

стр. 1204

أن تتعلق بأعمها وجودا. قالوا: وإن شئنا [حررنا قياسا] (١) فقلنا: هو أحد هو جنسي ما يقع به التطهر، فوجب أن يتعلق بأعمها وجودا أصلها الماء. قيل: أما القياس على مسح الرأس في الطهارة فلا نسلم قولكم: ممسوح في الطهارة؛ لأن التيمم ليس بطهارة على الإطلاق. وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أن الحدث يرتفع، ولا يرتفع في التيمم (٢)، ألا ترى أن كل عضو من الأعضاء مثل الوجه واليدين لا بد أن يلاقيه الماء في جميع أجزائه، وليس من شرط التيمم ملاقاة التراب لكل جزء من الوجه واليدين. وأيضا فإذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم أصلا كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف. وقولكم: "إنه معدن في الأرض، فلا يجوز التيمم به كالحديد، والذهب، والفضة" فإننا نقول: إن الصعيد عندنا هو الأرض نفسها، فالتيمم يقع عليها، سواء كانت جصية أو رملية، فأما على الكحل مفردا عن الأرض، وكذلك الجص، وبالزرنيخ (٣) فلا يجوز التيمم عليه، فلا يلزم ما ذكرتموه. وقولكم: "إنه يتمول في العادة" فإنه في حال ما يتمول لا يجوز التيمم

стр. 1205

به، فأما مع كونه في الأرض فالمقصد الأرض لا هو. وعلى أن الذهب والفضة كالمودعين في الأرض، فليسا من جنسها. وأما المائعات غير الماء فلا مدخل لها في شيء من الطهارات (١)، ألا ترى أن الاستنجاء بها لا يجوز، ويجوز بما هو من جنس الأرض. وأما قولكم: "إن الطهارة هو لما تعلقت بالمائعات تعلقت بأعمها وجودا وهو الماء" فإننا نقول: إن الأرض في التيمم أعم وجودا، فهي في أن أحدا لا ينفك منها كانت أعم وجودا من الماء، كما أنها عامة في الصلاة عليها، وشرط التيمم عندنا أن يكون على الأرض دون ما ينفصل منها، إلا في موضع ضرورة، مثل: أن يكون في مركب لا يقدر على الماء ولا على الأرض، ومعه تراب، فإنه يتيمم به لأجل كون التراب مختصا من بين سائر ما ينفصل من الأرض، فجوزناه للضرورة. وعلى أننا إذا سبرنا (٢) قول المخالف في كون التراب شرطا كالماء وجدناه فاسدا؛ لأن المأخوذ علينا في الطهارة بالماء أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزءا من الماء، وهذا غير مأخوذ علينا في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء (٣)، وكذلك إذا مسح يده اليمنى بيده اليسرى،

стр. 1206

فإلى أن يبلغ المرفق ويديرها على باطن ذراعه لا يبقى منه شيء أيضا. وإذا كان هذا هكذا جاز في الجزء الأول ما يجوز في الأخير، أو لا يجوز في الجزء الأخير إلا ما يجوز في الجزء الأول، فلما لم توجبوا وجود التراب في الجزء الأخير وجب أن يكون الأول مثله. هذا مع قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١)، فعم الوجه واليدين في المسح منه، ولم يقل ببعض وجوهكم وبعض أيديكم. ومعنى آخر: وهو أن التيمم أخف أمرا من التطهر بالماء؛ لأن الماء يرفع الحدث، والتيمم لا يرفعه، ألا تري أن غسل غسل جميع البدن في الجنابة يجب بالماء، ثم مع التيمم يسقط جميع حكم البدن إلا في الوجه واليدين، فإذا سقط ذلك في باقي البدن -وهو الممسوح والممسوح به- جاز أن يثبت المسح في الوجه واليدين، ويسقط الممسوح به وهو التراب. ويجوز إذا كنا مسؤولين أن نبني المسألة على جواز ضربة واحدة في التيمم للوجه واليدين. فإن سلموا ذلك صحت المسألة؛ لأن كل عاقل يعلم أن الضربة الواحدة إذا مسح بها الوجه خلت اليدان من التراب، ومع هذا فيجوز أن يمسح بهما الذراعين، فلو كان التراب شرطا في كل جزء منه لما جاز ذلك. وإن لم يجوزوا ذلك ولا سلموه لنا نقل الكلام إليه. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ

стр. 1207

وَأَيْدِيكُمْ مِنْه﴾ (١). وأيضا قوله النبي ﷺ لعمار: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بهما كفيك وجهك" (٢). وهذا موضع تعليم وبيان، لا يجوز أن يبهمه. وكذلك روي أن عمارا حكى أن النبي ﷺ ضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما، وقيل: نفخهما، ومسح بهما كفيه ووجهه" (٣). فقد تضمن هذا الخبر أدلة على المخالفين: منها (٤): أنه قال لعمار: "اضرب بيديك على الأرض" (٥)، ولم يذكر له التراب، فأكد الأمر فيه ليعلمنا أن التراب ليس شرطا، لقوله: ثم ينفضهما. ومنها: أنه جمع الوجه والكفين في ضربة واحدة. ومنها: جواز ترك الترتيب؛ لأنه قال: "تمسح كفيك ووجهك" (٦).

стр. 1208

وفي حديث: "ثم وجهك" (١). ومنها: جواز الاقتصار في المسح على الكفين دون الذراعين (٢)، وجميع ذلك مذهبنا. وقد روي عن عمار أن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين" (٣). وأيضا فقد ذكرنا أنه إذا ضرب بيديه على الأرض، فبدأ بمسح وجهه، فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذلك، ولم يحتج أن يعيد ضرب يديه على الأرض لم يحتج أن يضرب بيديه ليديه؛ لأنه ليس كالماء الذي من شرطه أن يماس كل جزء من الأعضاء جزء من الماء. وأيضا فلما كان التيمم لا يرفع الحدث، وقد شرع فيه بإسقاط مسح الرأس والرجلين في الحدث الأدنى، وأكثر البدن في الحدث الأعلى جاز أن يقتصر فيه على ضربة واحدة للوجه والكفين. فإن قيل في أصل المسألة: إن التيمم شرط فيه المسح من أجل الحدث، فيجب أن يكون واقعا بشيء من أجل الحدث، قياسا على الخفين والجبائر. قيل: هذا لا يجب؛ لأن المسح على الخفين جعل بدلا من غسل

стр. 1209

الرجلين مع القدرة على غسلهما، فهو تابع الأعضاء قد غسلت، فارتفع معها الحدث، وكذلك مسح الجبائر هو تابع لما يرتفع مع الحدث، والتيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنه يسقط حكم أكثر البدن في الجنابة من غير مسح في التيمم، فلا ننكر أن يجوز المسح بغير شيء أصلا بعد أن يضرب يديه على الأرض. على أننا قد ذكرنا قياسا يجوز ما قلناه. فإن قيل: فإن التراب خص بالذكر من بين سائر أنواع ما يخرج من الأرض، فصار نوعا مشارا إليه دون غيره من الأنواع في باب الطهارة، كما خص الماء في الطهارة من بين سائر المائعات، فلا ينبغي أن يقوم مقام ما خص بالذكر غيره مما لم يذكر. قيل: هذا لا يلزم؛ لأن الأرض نفسها قد خصت بالذكر كما خص التراب، ولم يخص في الذكر في الطهارة بغير الماء المائعات. على أن الماء إنما قصد في نفسه لأنه يرفع الحدث، ويدفع الأنجاس وعن نفسه وعن غيره، والتراب لم يقصد لذلك؛ لأنه في حكم غيره من سائر الجامدات، كما أن الحجر خص في الاستجمار بالذكر، وقام غيره من الجامدات التي تنشف مقامه. وقد روي "أن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم لما نزلت آية التيمم ضربوا بأكفهم على الأرض، ولم يقبضوا شيئا من التراب، ثم مسحوا أيديهم" (١).

стр. 1210

فلو كان التراب شرطا لما ذهب عليهم مع مشاهدتهم التنزيل، وكون النبي ﷺ بينهم، مبينا لهم أحكام ما ينزل عليهم. وفيما ذكرناه من المسألة كفاية وبلاغ، وبالله التوفيق. وقد جوز الشافعي التيمم على السباخ (١) اليابسة، وهذه لا غبار عليها، ولا تراب يعلق باليد، فكذلك ينبغي أن يجوز في غيرها مما لا تراب عليها؛ لأنه جنس من الأرض تجوز الصلاة عليه، والله أعلم. * * * مسألة (٥٦): ومن كان جنبا وبه حدث أصغر فتيمم معتقدا بتيممه أنه عن الحدث الأدنى لم يجزئه، سواء نسي الجنابة أو كان ذاكرا لها (٢). وذكر ابن عبد الحكم عن مالك: إن صلى بهذا التيمم أعاد الصلاة في الوقت، وهذا يدل على أن الإعادة مستحبة، وأن التيمم مجزئ. وقد روى ابن وهب والمدنيون عن مالك أن التيمم مجزئ، ولا يعيد الصلاة (٣).

стр. 1211

وبه قال محمد بن مسلمة، وهو قول أبي حنيفة (١) والشافعي (٢). وأظنهما يقولان: إنه يجزئ إذا نسي الجنابة، وأما مع العمد فلا يجزئه (٣). والدليل لقول مالك: إنه لا يجزئه قول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٤). فدل أن ما لم ينوه لا يكون له، وهذا لم ينو بتيممه للجنابة. فإن قيل فقد نوى الصلاة، فينبغي أن يكون له ما نواه. قيل: الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إما بالماء، أو التيمم، من أجل أنه محدث، وهذا لم يتيمم من أجل حدث الجنابة، ولا نوى استباحة الصلاة مطلقا؛ لأنه لو نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفها إلى الحدث الأدنى أجزأه. وأيضا فقد ثبت أنه لو قدر على الماء فتوضأ ونوى به الطهارة الصغرى لم يجزئه عن الجنابة، والوضوء يرفع الحدث، ففي التيمم الذي هو أضعف ولا يرفع الحدث أولى أن لا ينوب عن الجنابة. وأيضا فقد ثبت أن للنية تأثيرا في التيمم، وذلك أنه لو نوى

стр. 1212

بتيممه استباحة صلاة نافلة لم يجز أن يصلى به فريضة (١)، وإن كان يستبيح الصلاة بتيممه، ولم تجعل نيته هاهنا ملغاة حتى يحصل مستبيحا للصلاة، فيصلي به أي صلاة شاء، وإن كانت صورة التيمم واحدة، فإذا صرفه إلى النافلة لم يجزئه عن الفريضة، فيجب إذا صرف نيته بالتيمم إلى الحدث الأدنى أولى أن لا يجزئه عن الحدث الأعلى. وأيضا فإن الجنب يخالف المحدث؛ لأن المحدث يتعلق فرضه بأربعة أعضاء، والجنب فرضه بسائر بدنه متعلق، فإذا كان أحدهما مخالفا للآخر، فأخطأ في اعتقاده، ونسي الجنابة، واعتقد بتيممه الحدث الأدنى لم يجزئه، كما لو نسي ظهر أمسه، فصلى وعنده أن عليه عصر أمسه لم يجزئه؛ لأن العصر وإن كانت صورتها صورة الظهر فإنها مخالفة لها في النية، فإذا أخطأ في اعتقاده منع من صحته (٢)، وكذلك إذا كانت عليه كفارة من ظهار، فأعتق رقبة، وعنده أن عليه كفارة قتل لم تجزئه الرقبة عن الظهار. فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته" (٣). فجعل ﷺ الصعيد وضوء المسلم، فهو على عمومه في الأحوال كلها، أخطأ في الاعتقاد أو لم يخطئ.

стр. 1213

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه نبه بقوله: "وضوء المسلم" على أنه نائب عن الوضوء، والوضوء يرفع الحدث الأصغر، وغسل الجنابة غير الوضوء من جهة الاسم الأخص (١). والجواب الثاني: أنه عموم يخصه ما ذكرناه، ألا ترى أن الوضوء بالماء ينوب تطوعه عن فرضه، حتى لو توضأ لصلاة نافلة جاز أن يصلي به فريضة، ولو نوى بتيممه صلاة نافلة لم يجز أن يصلى به فريضة، فالتيمم للحدث الأدنى أولى أن لا ينوب عن الحدث الأعلى. فإن قيل: فإنهما طهارتان نيتهما واحدة، فوجب أن [لا] (٢) يمنع الخطأ في تعيينها من صحتهما أصله إذا كان عليها غسل من حيض فاعتقدت أنه عليها غسل من جنابة، فاغتسلت للجنابة، أو كان عليها غسل من جنابة فاغتسلت معتقدة أن عليها غسلا من حيض، لا خلاف أنه يجزئها، فكذلك إذا تيممت وأخطأت في الاعتقاد، فاعتقدت عن غسل الجنابة ونسيت الحيض، أو اعتقدت بالتيمم عن الحيض ونسيت الجنابة، فإنه يجزئها. وقولنا: "نيتهما واحدة" معناه: أنها تنوي في التيمم من الجنابة والتيمم من الحدث استباحة الصلاة في الحدث الأصغر والأعلى، كما هو في الحيض والجنابة.

стр. 1214

قيل: إذا كان عليها غسل من حيض وغسل من جنابة فإن حكمهما واحد في غسل جميع البدن، فهما كالحدثين الأصغرين حكمهما واحد، فصرف النية إلى أحدهما في الغسل [أو الوضوء] (١) فالحكم في الغسل والوضوء مجزئ، وكذلك في تيمم الحيض والجنابة يجوز صرف النية إلى أحدهما، فينوب عن الآخر، وكذلك في الحدثين الأصغرين، وأما الوضوء من الحدث الأدنى والغسل من الحدث الأعلى فهما مختلفان، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم، ألا ترى أنه لو توضأ فغسل الأربعة الأعضاء، ونوى بها الجنابة لم يجزئه، وكذلك لو اغتسل وهو جنب، ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يجزئه، فكذلك في التيمم. وقولكم: "إنه ينوي في الأمرين بالتيمم استباحة الصلاة" فإننا نقول: إن نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفها ويعينها عن الحدث الأصغر فإنه يجزئه، وإنما الكلام إذا عين النية، وقال: أستبيحها من أجل الحدث الأصغر، فهو كما ينوي بتيممه استباحة صلاة نفل، لا يجزئ أن يصلي به الفرض (٢)، فلو أطلق النية فقال: أتيمم لأستبيح الصلاة الفرض جاز أن يصلي به الفرض أو النفل، وكذلك إذا نوى بتيممه استباحة الصلاة من أجل الجنابة التي به، وهو محدث أيضا بالحدث الأصغر صح تيممه، ودخل الأدنى في الأعلى، كما لو اغتسل لجنابة وبه حدث آخر، ونوى بغسله الجنابة أجزأه.

стр. 1215

فإن قيل: فإن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية، مع الذكر والنسيان، لا يختلف بوجه؛ لأن المحدث يتيمم، فيمسح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، والجنب يتيمم، فيمسح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، فإذا كان التيمم عن الحدث كهو عن الجنابة فعلا ونية، مع الذكر والنسيان صح وإن أخطأ في الاعتقاد ونفى؛ لأنه لو كان ذاكرا لم يفعل أكثر من هذا، فلم يترك من الفرض شيئا؛ لأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم. ويفارق هذا الظهر الفائتة والعصر الفائتة؛ لأنه إذا فاتته ظهر أمس فعليه أن ينوي، ويعين نية الظهر، فإذا نوى عصر أمسه فلم يأت بالنية التي أخذت عليه، وفي التيمم لو كان ذاكرا للجنابة فإنه يأتي بالنية التي يأتي بها إذا كان ناسيا لها وهو استباحة الصلاة، وكذلك الكفارة إذا كان عليه كفارة من ظهار فعليه أن يعين أن ذلك عن ظهار، وإذا نوى بها عن القتل فقد ترك النية التي أخذ عليه إتيانها، فلم يجزئ. وفرق آخر بين الطهارة والصلاة والكفارة وهو أن الطهارة أوسع في باب التداخل (١)، ألا ترى أن الطهارات إذا ترادفت تداخلت فعلا، والصلوات والكفارات إذا ترادفت لم تتداخل فعلا، فلا يجوز أيضا أن تتداخل في النية. قيل: أما قولكم: "إن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية" فهو غلط، وفيه اختلفنا، وإنما يصح ذلك لو نوى بتيممه استباحة الصلاة حسب، ولم يصرف نيته إلى الحدث الأصغر، فأما إذا صرفها إلى الحدث الأصغر فإنه لا يجزئه.

стр. 1216

وقد بينا أن للنية تأثيرا في التيمم، بدليل أنه لو صرف نيته في التيمم إلى صلاة نافلة أو نذر لم يصح أن يصلي به فريضة، ولو صرفها إلى صلاة فريضة جاز أن يصلي به نافلة، فإذا كانت صورة التيمم في النفل والفرض واحدة، وقد اختلفتا في النية فكذلك صورة التيمم للحدث الأصغر والأعلى واحدة، ويختلفان في النية. وهذا كما قلناه في صلاة الظهر الفائتة، صورتها صورة صلاة العصر، وهو لو صرف النية إلى إحداهما لم تنب عن الأخرى المنسية، وهو لو أطلق النية فقال: هذه قضاء عن الصلاة التي نسيت، صح، فإذا صرفها إلى غيرها لم يجزئه. وقولكم: "إن الطهارات أوسع في باب التداخل" فإننا نقول: إنما يتداخل إذا كان الجنس واحدا، فأما إذا اختلفت لم يتداخل فعلا ولا نية، ألا ترى أنه لو كان محدثا جنبا، فتوضأ للحدث، ولم ينو الجنابة لم يجزئه، ولو اغتسل ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يرتفع حكم الجنابة، فبان بهذا سقوط ما ذكرتموه. وكذلك في كفارة الظهار، ولو أعتق وقال هذه عن الكفارة التي علي أجزأه، ولو نسي فأعتقها عن قتل لم يجزئه عن الظهار، وليس عليه تعيين النية للكفارة أيضا لأنه لو كانت عليه كفارات من ظهار، وقتل، وكفارة صيام، فأعتق رقبة وقال: هذه عن إحدى الكفارات التي علي أجزأه، ولم يكن عليه أن يعيّن، حتى لو أعتق ثلاث رقاب وقال: هذه عن الكفارات التي علي لم يكن عليه أن يعين رقبة دون رقبة عن كفارة دون كفارة، لكنه إذا كانت عليه كفارة قتل فأعتق رقبة، وقال: هذه عن الكفارة التي علي أجزأه،

стр. 1217

سواء ذكر وجه تلك الكفارة أو نسيها. ومثله إذا تيمم وقال: أستبيح الصلاة فإنه يجزئه، فإذا عينه عن الحدث الأصغر لم يجزئه، وإن نسي الجنابة، كما لو نسي كفارة الظهار فأعتق عن القتل لم يجزئه، والله أعلم. * * * مسألة (٥٧): اختلفت الرواية عن مالك في مسح اليدين في التيمم، فروى ابن وهب عنه أنهما تمسحان مع المرافق (١). وروى عنه ابن عبد الحكم مثل ذلك، ثم قال: إلا أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة في الوقت. وهذا يدل على أن الإعادة على وجه الاستحباب، وأن المسح إلى المرافق مستحب (٢). ووافقنا الشافعي في قوله القديم (٣)، وأنه يجزئ إلى الكوعين (٤).

стр. 1218

[وقال أبو حنيفة (١): لا يجزئ إلى الكوعين، فيمسح إلى المرافق] (٢). وهو قول الشافعي في الجديد. وبقولنا في الآخر إلى الكوعين قال سعيد بن المسيب، المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري (٣). وقال الزهري: يمسحان إلى الآباط (٤). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه إلى الكوعين (٥). وعن ابن عمر (٦) جابر (٧) إلى المرفقين. والدليل لقولنا إنه يجزئه إلى الكوعين قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٨). فذكر اليد مطلقة، فإذا مسح يده إلى الكوعين قيل: قد مسح يده.

стр. 1219

وأيضا فإن إطلاق اسم اليد يختص بالكفين إلى الكوعين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١)، ثم قطع النبي ﷺ والمسلون بعده من الكوع، مع إطلاق اليد في الآية، فثبت بهذا أن أخص أسماء اليد هو إلى الكوع. وأيضا فإن قلنا: إن اليد إلى الكوع [يتناولها] (٢) اسم يد حقيقية، ويتناول ما بقي بعد الكوع اسم يد حقيقة (٣) جاز، والحكم إذا علق بما هذه صفته تعلق بأول اسميه، أو بأخصهما، كالشفق الذي يقع على الحمرة، ويقع على البياض (٤)، ومن مذهبنا أن الحكم يتعلق بأول اسميه وأدناهما. وكذلك الأب يقع على الأب الأدنى، ويتناول الجد أيضا، فإذا قال: لأبويه كذا ثبت الحكم لأولهما وهو الأدنى، حتى يقوم دليل. وأيضا فإن الله تعالى ذكر غسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين، وكرره في موضع آخر كذلك، وقد اتفقنا على سقوط ما جاوز المرفقين، فلم يكن التقييد في الوضوء في الموضعين والإطلاق في التيمم في موضعين إلا لفرق بينهما، فإذا سقط مسح ما جاوز المرفقين لم يبق من الفرق بينهما إلا ما نقوله

стр. 1220

من المسح في التيمم إلى الكوعين إذ لو أراد أن يكون كالغسل لحده في الموضعين، أو في أحدهما. وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار أن رسول الله ﷺ قال: "التيمم ضربة للوجه والكفين" (١). وهذا يتناولهما إلى الكوعين. وبهذا الإسناد عن عمار قال أجنبت، فتمعكت، وأخبرت رسول الله ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك هكذا، وضرب عمار بيديه على الأرض، ونفخ فيهما، ومسح بهما وجهه، وظاهر كفيه" (٢). ونقول أيضا: إن كل حكم علق باليد مطلقا بغير تحديد فإنه يتعلق بهما إلى الكوعين، أصله القطع في السرقة (٣). ونقول أيضا: إن مسح إلى الكوعين فقد حصل ماسحا لما يدا يسمى على الإطلاق. وإن شئت أن تقول: قد مسح مفصلا من اليد تجب بإصابته الدية كاملة، أعني إذا كان إلى المرفقين، فالاقتصار على المفصل الذي دونه يجوز؛ لأن الدية تجب بإصابته.

стр. 1221

وإن شئت حررته على غير هذا اللفظ فقلت: قد اتفقنا أنه إذا مسح إلى المرفقين أجزأه، فكذلك إلى الكوعين، العلة فيه أنه ماسح لمفصل من اليد، تجب الدية كاملة بإصابته. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). وإطلاق اليد يقتضي إلى المناكب بدليل حديث عمار وقوله: "فمسحنا أيدينا إلى المناكب والآباط" (٢)، وهم كانوا أهل لسان ولغة، ففهموا من الآية الاستيعاب، وأن إطلاق اليد يتناولها إلى المنكب. وأيضا ما رواه الأعرج عن ابن الصمة - وهو أبو جهيم - "أن رسول الله ﷺ تيمم، فمسح وجهه وذراعيه" (٣). وروي نافع قال "مررت مع عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عباس ﵄، فكان من حديثه أن قال: بال رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل فسلم عليه، فلم يرد حتى ضرب بيديه الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما

стр. 1222

ثانية، ومسح ذراعيه" (١). وروي ربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن أسلع قال: "أصابتني جنابة فقال رسول الله ﷺ : يا أسلع! قم فارحل بي، فقلت: إني جنب، فسكت، ثم نزلت آية التيمم، فقال: إنما يكفيك هذا، وضرب يديه على الأرض، نفضهما ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ثانيا، ومسح بهما ذراعيه، ظاهرهما وباطنهما" (٢). قالوا: وهذا نص. قيل: أما ظاهر الآية في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣) فإننا نقول: اسم اليد الأخص هو إلى الكوعين، وما بعد ذلك مجاز بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤). فعقل النبي ﷺ إلى الكوع، وعقل المسلمون معه ذلك. وأما حديث عمار وقوله: "مسحنا إلى المناكب" (٥) فيحتمل أن يكونوا استظهروا فمسحوا ما تناوله الاسم حقيقة، وزادوا عليه مسح المجاز، ألا

стр. 1223

ترى أن عمارا روى أن النبي ﷺ قال: يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، فتمسح بهما وجهك وكفيك"، [وقوله: يكفيك] (١) عبارة عن الإجزاء، فإنه ﷺ بين له أن المراد هذا دون ما مسحتموه إلى المناكب. ويحتمل أيضا أن يكون اسم اليد حقيقة إلى الكوعين، وما بعده يتناوله اسم يد حقيقة، فلما نزلت الآية حملوها على الحقيقة في جميع ذلك، فأعلمه النبي ﷺ أنه يكفيه مسح أدنى الحقائق، وهو إلى الكوعين، وقد قلنا: إن الحكم عندنا إذا أطلق يتعلق بأول الاسمين، وأولهما هو إلى الكوعين، كما قلنا في الشفق. وأما ما روي "عنه ﷺ أنه مسح الذراعين" (٢) فنحمله على طريق الاستحباب، ومسح اليدين إلى الكوعين هو الواجب بدليل تعليمه ﷺ لعمار، بدليل قوله: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين" (٣). وروي: "ضربة للوجه والكفين" (٤)، وموضع التعليم يفيد الفرض والواجب.

стр. 1224

فإن قيل: فقد قال لأسلع: "إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض، ونفضهما، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ومسح بذراعيه" (١). و "يكفيك" عبارة عن الإجزاء، كما ذكرتم في حديث عمار. قيل: قوله لأسلع: "يكفيك" (٢) في الواجب والمستحب، وهذا حتى لا تجاوز إلى المناكب. وقوله لعمار: "يكفيك" (٣) في الواجب. فإن قيل: التيمم رخصة، والرخص لا يطلب فيها الاستحباب والكمال. قيل: هذا غلط؛ لأن مسح الخفين رخصة، ونحن نستحب فيه الكمال، نمسح أعلاه وأسفله (٤)، وصلاة التطوع القيام فيها أفضل من الجلوس، ولو صلى جالسا أجزأه. فإن قيل: فإنه بدل يقع في محل مبدله، فوجب أن يكون في الاستيعاب كمبدله، أصله الوجه في التيمم. قيل: الوجه يتناوله الاسم حقيقة على وجه واحد، ألا تراه تعالى ذكر غسل الوجه في الوضوء، وذكر مسحه في التيمم على وجه واحد، وليس كذلك اليد؛ لأن اسمها حقيقة يتناول إلى الكوعين، ألا تراه تعالى فرق بينهما

стр. 1225

في الذكر، فقيدهما في الوضوء بالمرفقين، وأطلقهما في التيمم، وكذلك عقل النبي ﷺ وأصحابه معه من آية القطع أنه من الكوعين، وقال ﷺ لعمار في التيمم: "إنما تكفيك ضربة للوجه والكفين" (١) وإن كان قد ذكر أيضا الذراعين، فقد فرق بينهما في الخبر، ولم يفرق بين الوجه في الوضوء والتيمم بوجه. على أننا قد ذكرنا قياسا بإزاء هذا فهو أولى لاستناده إلى استعمال الأخبار، وإلى بيان الحقيقة في اليدين. فإن قاسوا مسح اليدين في التيمم على غسلهما في الوضوء بعلة يذكرونها. قيل: التيمم مبني على التخفيف ألا ترى أنه يسقط عن الجنب مسح جميع بدنه إلا وجهه ويديه، فالاقتصار في اليدين على الكوعين مع تناول الاسم له اسم بدله (٢) حقيقة أولى. وقياسنا يستند إلى التخفيف الذي قد حصل في أصل التيمم، فهو أولى من قياسهم الذي يؤدي إلى التشديد. فإن قيل: فإن الله تعالى قيد غسل اليدين في الوضوء بالمرفقين، وأطلق في التيمم اكتفاء بتقييده في الوضوء، كما أطلق الشهادة في موضع اكتفاء بما قيده بالعدالة في موضع آخر، وكذلك قيد الرقبة بالإيمان في القتل (٣)، وأطلقها في موضع آخر (٤) اكتفاء بما قيده في القتل.

стр. 1226

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل (١)، وإنما عملنا ذلك في الشهادة؛ لأن الغرض منها التوثق الذي يقع الحكم به، ولا يحكم بغير العدل، فلذلك اعتبرت العدالة، وأما الرقبة المؤمنة في كفارة القتل شرطت في مواضع التكفير، فوجب أن تكون كل كفارة كذلك، ألا ترى أن الإطعام في الكفارة لا يجوز وضعه إلا في مؤمن، وكذلك العتق لا يوقع إلا في مؤمن (٢)، ومع هذا فإن المطلق يبنى على المقيد في الأوصاف والشروط، فأما في زيادة أحكام فلا يجب إلا من حيث الدليل، ألا ترى أن الله تعالى ذكر غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء، وأمسك عن ذكر عضوين منها في التيمم، ثم لم يجب أن يبنى حكم التيمم على الغسل، فكذلك لا يبنى حكم الذراعين في التيمم على تقييدهما بالمرفقين في الغسل؛ لأنه زيادة عضو، كما أن الرأس والرجلين زيادة عضوين في الوضوء. وكذلك لما اختلف العدد في باب الشهادات، فطلب في الزنا أربعة، وفي غيره اثنان (٣) بني الشرط في العدالة على المطلق والمقيد، ولم يبن المطلق على المقيد في العدد؛ لأنه زيادة حكم مستأنف ولا في نقصانه، وإنما ينبغي أن يكون الشاهد عدلا، ولا يزاد على العدد، فعروض العدد

стр. 1227

الذراع الزائد على الكف (١). وكذلك شرط في كفارة القتل الإيمان، وأطلقت في كفارة الظهار، فبني المطلق على المقيد من صفة الرقبة، فأضيف إليها الإيمان، ولم تبن إحداهما على الأخرى في دخول الإطعام المذكور في الظهار؛ لأنه زيادة حكم مستأنف. فإن قيل: لما كان الوضوء طهارة تجب عن حدث أو تنتقض بالحدث وجب أن يكون التيمم كذلك، فيستوفي حكم اليد فيه كما استوفي في الوضوء. قيل: لو وجب هذا لوجب أن يُمسح الرأس والرجلان كما يغسلان في الوضوء، فلما سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم وإن كان طهارة تنتقض بالحدث كذلك في مسح الذراعين. ويجوز أن نقول: إن غسل اليدين في الوضوء لما اقتصر فيه على المرفقين دون ما يطلق عليه من اسم اليد إلى المنكب تحقيقا؛ لأن الاسم يصلح له جاز أن يقتصر في التيمم على الكفين؛ لأنه أخف من الغسل، والاسم يصلح فيه. فإن قيل: لما كانت اليدان كالوجه في أنهما لا يسقطان في العذر وغير العذر مع القدرة على الكل وجب أن يكونا كركعتي المسافر أنهما لا يسقطان مع العذر وعدمه، مع القدرة على الكل، وأن يكونا على صفة واحدة، فكذلك

стр. 1228

ينبغي أن يستوفي حكم الوجه واليدين في التيمم كما يستوفيان في الغسل، كما وجب استيفاء حكم الركعتين في الحضر والسفر، وعلى طريقة واحدة؛ لأنهما عبادتان سقطتا إلى شطرهما في حال العذر. قيل: ليس العلة في ركعتي السفر ما ذكرتم، وإنما هي أن الركعة لا تقع حقيقة على ما دونها، واسم اليد حقيقة على الكفين اللذين هما دون المرفقين. وأيضا فإن المسافر بالخيار بين القصر والإتمام (١)، وليس كذلك في التيمم لوجهين: أحدهما: أنه ليس مخيرا بين مسح الأربعة الأعضاء وبين العضوين. والوجه الآخر: هو أن الصلاة في غير السفر إذا عجز عن القيام والركوع والسجود استوفى فيها العدد بالإيماء، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع وجوده لا يستوفي فيه حكم العدد في الأربعة الأعضاء كما استوفى العدد في الصلاة، فصار التيمم للحاضر والمسافر على طريقة واحدة، فدل على أنه مبني على التخفيف.

стр. 1229

ونقول أيضا: إن الله تعالى ذكر [قطع] (١) اليد في موضعين هما: المحارب والسارق (٢)، فكان القطع فيهما من الكوع، وذكر غسل اليد في موضعين مقيدا بالمرفقين، وذكر التيمم في موضعين مطلقا، وتنازعنا فيه، فكان رده إلى ما له من نظير في الأصول مطلق وهو القطع في السرقة والمحاربة أولى، والله الموفق للصواب. * * * مسألة (٥٨): ومن تيمم ثم دخل في الصلاة فطلع عليه الماء مضى في صلاته، ولم يخرج منها (٣). وبه قال الشافعي (٤)، وأحمد، وأبو ثور (٥).

стр. 1230

وقال الثوري، وأبو حنيفة، وصاحباه محمد وأبو يوسف: إنه يلزمه الخروج من الصلاة واستعمال الماء، ويبطل تيممه (١). وبه قال المزني (٢). غير أن أبا حنيفة ناقض فقال: لا يلزمه ذلك في صلاة العيدين، ولا في صلاة الجنازة، ولا في سؤر الحمار، وذلك أنه قال في سؤر الحمار: إذا وجده المتيمم قبل الدخول في الصلاة لا يجوز له إلا أن يستعمل سؤر الحمار، وإن وجد السؤر وهو في الصلاة لم يلزمه قطعها، ولا استعمال السؤر؛ لأن سؤر الحمار مشكوك فيه عند أبي حنيفة، لا يدرى أطاهر هو أو نجس (٣). وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر، ويضيف إلى الركعة التي صلاها ركعة أخرى إن كان صلى ركعة، ويجعلها نافلة، ثم يستأنف الفرض (٤). والدليل لقولنا استصحاب الحال، وذلك أنه قد وجب عليه الدخول في
следующие страницы →