قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل (١)، وإنما عملنا ذلك في الشهادة؛ لأن الغرض منها التوثق الذي يقع الحكم به، ولا يحكم بغير العدل، فلذلك اعتبرت العدالة، وأما الرقبة المؤمنة في كفارة القتل شرطت في مواضع التكفير، فوجب أن تكون كل كفارة كذلك، ألا ترى أن الإطعام في الكفارة لا يجوز وضعه إلا في مؤمن، وكذلك العتق لا يوقع إلا في مؤمن (٢)، ومع هذا فإن المطلق يبنى على المقيد في الأوصاف والشروط، فأما في زيادة أحكام فلا يجب إلا من حيث الدليل، ألا ترى أن الله تعالى ذكر غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء، وأمسك عن ذكر عضوين منها في التيمم، ثم لم يجب أن يبنى حكم التيمم على الغسل، فكذلك لا يبنى حكم الذراعين في التيمم على تقييدهما بالمرفقين في الغسل؛ لأنه زيادة عضو، كما أن الرأس والرجلين زيادة عضوين في الوضوء.
وكذلك لما اختلف العدد في باب الشهادات، فطلب في الزنا أربعة، وفي غيره اثنان (٣) بني الشرط في العدالة على المطلق والمقيد، ولم يبن المطلق على المقيد في العدد؛ لأنه زيادة حكم مستأنف ولا في نقصانه، وإنما ينبغي أن يكون الشاهد عدلا، ولا يزاد على العدد، فعروض العدد
стр. 1227
الذراع الزائد على الكف (١).
وكذلك شرط في كفارة القتل الإيمان، وأطلقت في كفارة الظهار، فبني المطلق على المقيد من صفة الرقبة، فأضيف إليها الإيمان، ولم تبن إحداهما على الأخرى في دخول الإطعام المذكور في الظهار؛ لأنه زيادة حكم مستأنف.
فإن قيل: لما كان الوضوء طهارة تجب عن حدث أو تنتقض بالحدث وجب أن يكون التيمم كذلك، فيستوفي حكم اليد فيه كما استوفي في الوضوء.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يُمسح الرأس والرجلان كما يغسلان في الوضوء، فلما سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم وإن كان طهارة تنتقض بالحدث كذلك في مسح الذراعين.
ويجوز أن نقول: إن غسل اليدين في الوضوء لما اقتصر فيه على المرفقين دون ما يطلق عليه من اسم اليد إلى المنكب تحقيقا؛ لأن الاسم يصلح له جاز أن يقتصر في التيمم على الكفين؛ لأنه أخف من الغسل، والاسم يصلح فيه.
فإن قيل: لما كانت اليدان كالوجه في أنهما لا يسقطان في العذر وغير العذر مع القدرة على الكل وجب أن يكونا كركعتي المسافر أنهما لا يسقطان مع العذر وعدمه، مع القدرة على الكل، وأن يكونا على صفة واحدة، فكذلك
стр. 1228
ينبغي أن يستوفي حكم الوجه واليدين في التيمم كما يستوفيان في الغسل، كما وجب استيفاء حكم الركعتين في الحضر والسفر، وعلى طريقة واحدة؛ لأنهما عبادتان سقطتا إلى شطرهما في حال العذر.
قيل: ليس العلة في ركعتي السفر ما ذكرتم، وإنما هي أن الركعة لا تقع حقيقة على ما دونها، واسم اليد حقيقة على الكفين اللذين هما دون المرفقين.
وأيضا فإن المسافر بالخيار بين القصر والإتمام (١)، وليس كذلك في التيمم لوجهين: أحدهما: أنه ليس مخيرا بين مسح الأربعة الأعضاء وبين العضوين.
والوجه الآخر: هو أن الصلاة في غير السفر إذا عجز عن القيام والركوع والسجود استوفى فيها العدد بالإيماء، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع وجوده لا يستوفي فيه حكم العدد في الأربعة الأعضاء كما استوفى العدد في الصلاة، فصار التيمم للحاضر والمسافر على طريقة واحدة، فدل على أنه مبني على التخفيف.
стр. 1229
ونقول أيضا: إن الله تعالى ذكر [قطع] (١) اليد في موضعين هما: المحارب والسارق (٢)، فكان القطع فيهما من الكوع، وذكر غسل اليد في موضعين مقيدا بالمرفقين، وذكر التيمم في موضعين مطلقا، وتنازعنا فيه، فكان رده إلى ما له من نظير في الأصول مطلق وهو القطع في السرقة والمحاربة أولى، والله الموفق للصواب.
* * *
مسألة (٥٨):
ومن تيمم ثم دخل في الصلاة فطلع عليه الماء مضى في صلاته، ولم يخرج منها (٣).
وبه قال الشافعي (٤)، وأحمد، وأبو ثور (٥).
стр. 1230
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وصاحباه محمد وأبو يوسف: إنه يلزمه الخروج من الصلاة واستعمال الماء، ويبطل تيممه (١).
وبه قال المزني (٢).
غير أن أبا حنيفة ناقض فقال: لا يلزمه ذلك في صلاة العيدين، ولا في صلاة الجنازة، ولا في سؤر الحمار، وذلك أنه قال في سؤر الحمار: إذا وجده المتيمم قبل الدخول في الصلاة لا يجوز له إلا أن يستعمل سؤر الحمار، وإن وجد السؤر وهو في الصلاة لم يلزمه قطعها، ولا استعمال السؤر؛ لأن سؤر الحمار مشكوك فيه عند أبي حنيفة، لا يدرى أطاهر هو أو نجس (٣).
وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر، ويضيف إلى الركعة التي صلاها ركعة أخرى إن كان صلى ركعة، ويجعلها نافلة، ثم يستأنف الفرض (٤).
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وذلك أنه قد وجب عليه الدخول في
стр. 1231
الصلاة وصح عقده لها، فمن زعم أنها تبطل، أو يجب عليه الخروج منها فعليه الدليل.
وأيضا قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
فهو عموم في كل عقد، وهذا قد عقد الصلاة، وخروجه منها بعد عقدها ضد الوفاء.
وأيضا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢).
فأمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وهذا قد أطاعهما بدخوله في الصلاة التي هي عمل، ثم نهى عن إبطالها بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، والخروج منها فيه إبطالها، وهذا عام في كل عمل إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣).
فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، والمعلق بشرط يزول بزوال الشرط، والشرط هو القيام إلى الصلاة، وقد زال، وتقديره: أيها القائمون في الصلاة بخلافه؛ لأنه قد زال عنه الشرط الذي هو القيام إلى الصلاة.
فإن قيل: فإن الذي دخل في الصلاة مأمور بالقيام إلى باقيها، وهو
стр. 1232
صلاة، فحكمه حكم الابتداء.
قيل: لم يقل: "إذا قمتم إلى بعض الصلاة"، وإنما قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١)، وهذه حال الابتداء، ثم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٢) يدل على أنه إذا طلب فلم يجد، وهذه حال الابتداء، وبالدخول في الصلاة قد سقط عنه الطلب.
ومن السنة قول النبي ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٣).
فنفى إيجاب الوضوء إلا من هذين، وهذا لم يجد هذين ولا أحدهما.
وأيضا قوله ﷺ : "من دخل في صلاة فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٤).
وهذا غير واجد لهما ولا لأحدهما، فلا ينصرفن إلا أن يقوم دليل (٥).
وأيضا فإنه إذا دخل في الصلاة بالتيمم صار مخاطبا بإتمامها والمضي فيها لسقوط طلب الماء عنه، وسقوط استعماله، فكل من سقط عنه طلب الماء سقط عنه استعماله، وكل من وجب عليه الطلب وجب عليه الاستعمال إذا وجده بدليل أن من لم يدخل عليه وقت صلاة فإنه غير مخاطب بطلب الماء، فلم يكن مخاطبا باستعماله، فإذا ثبت ذلك ثبت سقوط استعمال الماء
стр. 1233
لسقوط طلبه، وقد سقط عن هذا الطلب بدخوله في الصلاة، فسقط عنه وجوب استعماله إذا وجده.
وأيضا فإنها صلاة لو وجد سؤر الحمار فيها جاز له المضي فيها، ولم يلزمه استعماله، فوجب إذا وجد الماء المطلق أن يجوز له المضي فيها دليله صلاة العيدين، والجنازة (١).
فإن قيل: المعنى في صلاة العيدين والجنازة هو أنه لو خرج منها واشتغل بالماء لفاتته لا إلى بدل، فلهذا جاز له المضي فيها مع وجوده، وليس كذلك سائر الصلوات؛ لأن لها بدلا، وهو يقضيها، فلم يجز له أن يمضي فيها مع وجود الماء.
قيل: هذا باطل بالحدث؛ لأنه إذا أحدث في صلاة العيدين والجنازة لزمه الخروج منها، ومع هذا فهي تفوته لا إلى بدل.
وهو باطل أيضا بصلاة الجمعة فإنها تفوت ولا تقضى، وليس صلاة الظهر بدلا منها، بل هي بدل من الظهر، ومن أصحابنا من قال: هي فرض مبتدأ (٢).
стр. 1234
وقولهم: "وسائر الصلوات لا تفوت إلى غير بدل فلهذا لزمه استعمال الماء" باطل به إذا وجد سؤر الحمار في الصلاة، لا يلزمه استعماله وإن كانت لا تفوت.
وأيضا فإنه ماء لو وجده المتيمم في صلاة العيدين جاز له المضي فيها، ولم يبطل تيممه، فوجب إذا وجده في غيرها من الصلوات أن لا يبطل تيممه، دليله سؤر الحمار.
أو نقول: التيمم طهارة لاستباحة الصلاة، فرؤية الماء بعد الشروع فيها لا يوجب الرجوع إلى الماء، دليله إذا رأى سؤر الحمار لم يجب عليه الخروج من الصلاة إليه.
فإن قيل: سؤر الحمار عندنا مشكوك فيه، هل هو طاهر أو نجس (١)؟
قيل عنه جوابان
أحدهما: أنه عندنا طاهر متيقن، غير مشكوك فيه.
والثاني: أنه لما كان كالماء المطلق في أن المتيمم لا يجوز له أن يستفتح الصلاة إلا بعد استعماله كذلك أيضا يجب أن يكون كالماء المطلق في خلال الصلاة.
وأيضا فإنه قد عقد تحريمته بصلاة شرعية، فوجب أن لا يلزمه الخروج
стр. 1235
منها عند رؤية الماء وقدرته عليه أصله إذا كان متطهرا بالماء، ثم رآه في خلال الصلاة.
ويجوز أن نقول: رؤية الماء في الصلاة أمر حادث، لا يوجب فساد صلاة الجنازة إذا وجد هذا الحادث فيها، ولا الرجوع إلى استعمال الماء، فلم تفسد سائر الصلوات (١).
وكذلك سائر ما يوجد منه مما لا ينقض الصلاة والطهارة، دليله الضحك الخفيف لما لم يفسد سائر الصلوات [لم يفسد صلاة الجنازة] (٢).
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣)، فهو عام في كل واجد للماء، وهذا واجد؛ لأن دليله يدل على أن كل واجد للماء فإنه لا يتيمم؛ لأن الشرط في جواز تيممه هو عدم الماء، وهذا واجد له.
قيل: قد بينا أن المراد بالآية التيمم قبل الدخول في الصلاة لا بعد الدخول فيها؛ لأنه تعالى خاطب القائمين إلى الصلاة إذا لم يجدوا الماء تيمموا، ومن كان في الصلاة لا يقال له: قم إلى الصلاة، وهو قائم فيها.
ووجه آخر: وهو أن تعالى أمر باستعمال الماء من إذا كان عادما له جاز
стр. 1236
له أن يتيمم، والمتيمم في الصلاة لعدم الماء لا يجوز له أن يتيمم في خلال الصلاة، فدل على أنها لم تتناول الداخل في الصلاة.
فإن قيل: فقد روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" (١).
ولم يخص من يجده قبل الصلاة أو في خلالها.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لا حجة فيه في موضع الخلاف؛ لأنه يقتضي أن الصعيد وضوء المسلم، وأنه يقع به التطهير كما يقع بالماء، ونحن كذلك نقول، ثم وجود الماء يلزمه استعماله في الموضع الذي يجوز له أن يبتدئ التيمم مع عدمه، وفي الصلاة لا يجوز له ابتداء التيمم، فإنما أراد تعالى وجوده في الموضع الذي يمكن فيه استعماله، ولم يرد وجود الماء في العالم؛ لأنه لا يفقد في العالم، فإذا كان المراد وجوده الذي يقدر معه على استعماله فلا فرق بين عدم القدرة على استعماله من جهة بلية به، أو من جهة الشرع، وهو غير قادر عليه من جهة الشرع؛ لأن الصلاة المدخول فيها بحكم الشرع تمنعه منه.
والدليل من جهة الشرع هو إجماع المسلمين على صحة دخوله في الصلاة، ولزوم المضي فيها.
وعلى أنه عام فيه قبل الصلاة وفي الصلاة، وخبرنا في قول النبي ﷺ
стр. 1237
في المصلي: "لا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (١) أخص منه؛ لأنه يتناول من هو في الصلاة (٢).
فإن قيل: خبركم هو أورد فيمن يلحقه الشك وهو في الصلاة هل أحدث أولا؟ لأنه قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فينقر بين أليتيه، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٣).
قيل: التعلق بعموم قول النبي ﷺ : "فلا ينصرفن" إلا بالسبب.
فإن قيل: فإن هذا متيقن للحدث إذ التيمم لا يرفعه (٤).
قيل: ومع وجود الحدث منه أمر بالتيمم واستباحة الصلاة، ووجب عليه المضي فيها، فلا ينقض عليه ما دخل فيه واستباحه بحدوث الماء في خلالها.
فإن قيل: فإنه قد وجد ماء متيقنا، مقدورا على استعماله، طاهرا، فوجب أن يلزمه استعماله، كما لو وجده قبل الدخول في الصلاة.
وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن ينقطع حكمها بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة؛ لأن المستحاضة تتطهر للصلاة، وتصلي ودمها سائل، ثم لو انقطع الدم [وزالت] (٥) الضرورة لزمها أن تتوضأ وتغسل أثر الدم.
стр. 1238
وأيضا فإن كل ما يقدر عليه قبل التلبس بالصلاة لزمه المصير إليه فإنه إذا قدر عليه بعد التلبس بها لزمه المصير إليه، كالقدرة على القيام والقدرة على القراءة، والقدرة على ستر العورة؛ لأنه قبل أن يدخل في الصلاة لو كان قادرا على أن يصلي قائما لم يجز أن يصلي قاعدا، ثم لو كان عاجزا عن القيام فاستفتح الصلاة قاعدا، ثم قدر على القيام لزمه أن يقوم.
وكذلك لو كان يحسن أن يقرأ لم يجز له أن يصلي بغير قراءة، ثم لو كان لا يحسن القراءة فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميا فيدخل في الصلاة، ويلقن آية من القرآن لزمه أن يقرأ.
وكذلك لو كان قادرا على ستر عورته لم يجز له أن يدخل في الصلاة مكشوف العورة، ثم لو كان عاجزا عن ذلك، فاستفتح الصلاة، ثم قدر على سترتها لزمه أن يسترها، كذلك الماء في التيمم مثل ذلك.
قيل: أما قياسكم عليه لو وجده قبل الدخول في الصلاة فإنه غير صحيح؛ لأن قولكم "طاهر متيقن" لا تأثير له إذا وجده قبل الدخول فيها؛ لأن المتيقن والمشكوك فيه من سؤر الحمار بمنزلة واحدة في أنه يلزمه استعماله، ولا يستفتح الصلاة قبل استعماله.
على أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة.
ثم إن المعنى في الأصل هو أنه قادر على الماء في وقت الطهارة، ألا ترى أنه تلزمه المسألة والطلب ممن يظن معه ماء، وأنه يعطيه (١)، فلهذا لزمه
стр. 1239
استعماله، وليس كذلك إذا وجده بعد الدخول في الصلاة؛ لأنه وجده بعد فوات وقت الطهارة؛ لأن فرض المسألة قد سقط عنه، وسقط الطلب، فلم يلزمه استعماله، مثل ما لو وجده بعد الفراغ من الصلاة.
وأما قياسكم على المستحاضة فغلط؛ لأن طهارتها قبل الدخول في الصلاة ليست بواجبة عندنا (١)، وإذا انقطع دمها في الصلاة مضت على صلاتها ولم تخرج.
على أنه منتقض بصلاة العيدين والجنازة.
على أن الفرق بين الموضعين هو: أنه إذا انقطع دمها وهي في الصلاة فإن عليها نجاسة مقدورا على إزالتها، وهو أثر الدم، ولم تأت ببدل على تلك النجاسة، فلهذا لم يجز لها أن تمضي على صلاتها حتى تتطهر، وقبل انقطاع الدم فهي نجاسة لا يقدر على إزالتها؛ لأن الدم سائل فعفي لها عنه، وجازت صلاتها.
وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه قد أتى بالبدل -الذي هو التيمم- عن الطهارة، فجاز له أن يمضي في صلاته.
وما ذكرتموه من القيام والقراءة وستر العورة فإنه باطل بسؤر الحمار (٢).
стр. 1240
وعلى أن المعنى في هذه الأشياء هو أن استعمالها والمصير إليها لا يبطل عليه شيئا قد مضى من صلاته، فلم يلزم ما ذكرتموه؛ لأن المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة بطل عليه ما مضى من صلاته، ولم يبن عليه.
فإن قيل: فإن التيمم بدل عن الطهارة، كما أن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ثم لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة، ثم انفتق خفه، وظهرت رجله لزمه أن يغسلها، ويخرج من الصلاة؛ لأن المبدل قد ظهر، كذلك إذا تيمم ثم وجد الماء في الصلاة لزمه أن يعود إلى الأصل وهو المبدل.
قيل: هذا باطل بصلاة العيدين والجنازة؛ لأنه لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة - أعني العيدين والجنازة - وانشق خفه، وظهر قدمه لزمه أن يغسل رجله، ولم تصح صلاته إلا بذلك، ولو وجد الماء لم يلزمه استعماله، ولا الخروج من صلاته.
وعلى أن إسقاط فرض الصلاة بالتيمم مع وجود الماء أوسع، ألا ترى أنه إذا كان واجدا للماء، واحتاج إلى تبقيته لعطشه فإنه يتيمم ويصلي مع قدرته على استعمال الماء، وسقط عنه الفرض، ولا يسقط فرضه أصلا إذا ظهرت رجله بعد أن مسح على خفيه.
فإن قيل: فإن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء لم يجز لها أن تعتد بالشهور، والشهور بدل من الأقراء، ثم لو كانت من أهل الشهور -مثل
стр. 1241
الصغيرة التي لم تحض- فاعتدت بالشهور إلا يوما، ثم رأت الدم، وصارت من ذوات الأقراء لزمها أن ترجع إلى الأقراء، وتعتد بها، ولم يجز لها أن تكمل العدة بالشهور لوجود المبدل، فكذلك المتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة، لم يجز له أن يكمل الصلاة، بل يلزمه أن يستعمل الماء، ويخرج من الصلاة.
وأيضا فإن رؤية الماء بعد التيمم حدث كسائر الأحداث بدليل أن رجلين محدثين لا يجد أحدهما الماء، فتيمم، ووجد الآخر الماء فتطهر، ثم لو أحدث المتطهر منهما قبل الصلاة بطل حكم طهارته، ولم يجز له أن يصلي بها، ولو رأى المتيمم منهما الماء قبل الدخول في الصلاة لم يجز له أن يصلي بالتيمم، فلما كانت رؤية الماء كالحدث قبل الصلاة فكذلك في الصلاة.
هذا والذي قبله سؤال المزني (١).
قيل: أما التي اعتدت بالشهور ثم رأت الدم في آخرها فإنها تنتقل إلى الأقراء، ولكن ما مضى لها من الشهور لا تبطل، ويحسب لها به قروءا (٢)، ولو أوجبنا على المتيمم في الصلاة الرجوع إلى الماء بطل عليه ما مضى منها؛ لأنه لا شيء عليه، ويستأنف الصلاة، فقد بان الفرق بين الموضعين.
وأما السؤال الثاني فإننا نقول: لو كانت رؤية الماء حدثا لم يفترق حكم طهارة المتيمم المحدث، ولا حكم طهارة المتيمم الجنب؛ لأنه حدث واحد،
стр. 1242
والحدث الواحد لا يوجب الطهارة العليا والطهارة الأدنى جميعا، فلما اتفقنا أن المتيمم الجنب إذا وجد الماء اغتسل لجنابته، والمتيمم المحدث إذا وجد الماء غسل أربعة أعضائه دون سائر بدنه علمنا أن رؤية الماء ليس بحدث في نفسه.
وعلى أن رؤية الماء في الصلاة لو كانت حدثا لوجب إذا رأى الماء وهو محتاج إليه لعطشه أن ينتقض تيممه؛ لأنه لا لأنه لا فرق بين الأحداث إذا وجدت مع الضرورة، أو غير الضرورة، فإنها تنقض الطهارة، فلما اتفقنا على أنه يصلي بتيممه إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش سقط أن يكون في نفسه حدثا، وهو خلاف الإجماع.
ولنا أن نقول: إن الصلاة هي المقصود بالتيمم، والتيمم لا يراد لنفسه، فحصول المقصود والشروع فيه بالبدل يمنع من إيجاب العود إلى المبدل، دليله: إذا شرع في صوم التمتع، فإنه يمنع من العود إلى المبدل الذي هو الهدي إذا وجده (١).
وأيضا فإننا لو أوجبنا عليه الخروج من الصلاة واستعمال الماء لجاز أن يفوته وقت الصلاة المضيق، ومراعاة الوقت بطهارة غير كاملة أولى من أدائها في غير الوقت بطهارة كاملة، الدليل على ذلك: عادم الماء، والمريض الذي لا يقدر على استعماله، ومن معه ماء يخاف العطش على نفسه، فإنهم يتيممون لمراعاة الوقت، ولا ينتظرون خروج الوقت حتى يقدروا على استعمال الماء،
стр. 1243
فصار قياسنا أولى من قياسهم؛ لأنه يؤدي إلى وقوع الصلاة في وقتها بالتيمم الذي لا ينافيه وجود الماء في حال ما.
فإن قيل: اعتبار وجود الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الصلاة أولى، فتكون العلة في الابتداء والانتهاء واحدة لشهادة الأصول لها، ألا ترى أن وجود الردة بعد عقد النكاح يرفع حكمه، كما لو كان موجودا قبل النكاح لم يجز أن يبتدأ، وكذلك الرضاع، وملك أحد الزوجين صاحبه، فيستوي حكم ابتدائه وانتهائه، فكذلك المتيمم إذا وجد الماء في الابتداء قبل دخوله في الصلاة منع منها، فكذلك إذا ورد في انتهائها.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة وبسؤر الحمار.
والجواب الثاني: هو أن العلل على ضربين: فعلة للابتداء دون الانتهاء، وعلة للابتداء والانتهاء، فأما علة الابتداء دون الانتهاء فهي مثل الإحرام يمنع ابتداء النكاح، ولو طرأ على النكاح لم يبطله، وكذلك في وجود الطول وخوف العنت يمنعان من صحة عقد نكاح الأمة، ولو عقد عند عدم الطول وخوف العنت، ثم وجد الطول وزال العنت لم يؤثر في صحة ذلك، فهذه علل الابتداء لا الانتهاء.
وأما علل الابتداء والانتهاء فهي كالرضاع، والردة، وملك أحد الزوجين صاحبه على ما ذكرتم (١)، فلم يجز اعتبار وجود الماء بعد الدخول في الصلاة
стр. 1244
بوجوده قبل الدخول فيها بما ذكرتموه، دون اعتباره بما ذكرناه (١).
* * *
مسألة (٥٩):
ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما، أو كانت إحداهما فائتة والأخرى في وقتها.
واختلفت الرواية عن مالك في الفوائت، فالظاهر المعمول عليه أنه يتيمم لكل صلاة.
وروي عنه: إنه يكفي لها تيمم واحد (٢).
وبهذا الرواية قال أبو ثور (٣).
ووافقنا الشافعي في أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما أو كانتا فائتتين (٤).
وبه قال الليث، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل (٥).
стр. 1245
وهو مذهب علي، وابن عباس، وابن عمر (١).
ومن التابعين وغيرهم سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، والشعبي، وربيعة، وابن أبي سلمة (٢).
وقال أبو حنيفة: التيمم كالوضوء بالماء، يصلي به من الحدث إلى الحدث (٣).
وبه قال الحسن، والثوري (٤).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٥).
وهذا يقتضي أن كل قائم إلى الصلاة تلزمه الطهارة إذا كان واجدا للماء، فإذا عدمه تيمم.
والدليل على أن الظاهر يقتضي هذا أن رسول الله ﷺ حين جمع بطهارة واحدة بين صلوات في عام الفتح قال له عمر ﵁: فعلت هذا عامدا؟ قال: "نعم" (٦).
стр. 1246
فعلم أنهم فهموا من الآية وجوب الطهارة عند كل قيام للصلاة (١).
فإن قيل: إن هذا لا يلزم من أربعة أوجه (٢):
أحدها: أن الأمر بمجرده لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي فعل مرة واحدة.
قيل: قد اختلف أصحابنا في ذلك، فمن قال: إنه بمجرده يقتضي التكرار لم يلزمه هذا السؤال، ومن قال: يقتضي فعل مرة -وإليه أذهب- يقول: إنه يقتضي فعل مرة واحدة إلا أن يقوم دليل (٣)، وقد قام الدليل هاهنا على أن المراد التكرار لا مرة واحدة؛ لأن الإجماع قد حصل على أن طهارة واحدة لا تكفي الإنسان في طول عمره.
قالوا: فإن الله تعالى أمر بالطهارة لجنس الصلوات؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس، وهذا يقتضي أنه إذا تطهر فإنما يتطهر للجنس، فإذا تيمم فإنما يتيمم لجنس الصلوات، فيصلي الصلوات كلها بالتيمم إلا أن يقوم دليل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤) قد عقل منه أنه يحتاج إلى القيام عند كل صلاة، وقيام واحد لا يكفي لكل صلاة، فكذلك الوضوء
стр. 1247
والتيمم؛ لأنه يفعل عند كل قيام إلى الصلاة.
والجواب الآخر: هو أنه تعالى أراد التيمم لهذا الجنس الذي هو الصلاة دون غيره من الأجناس التي ليست بصلاة، وإذا تيمم لصلاة فقد تيمم لهذا الجنس؛ لأن الإجماع به قد حصل على أنه لم يرد التيمم لجميع الصلوات في الدنيا وما عاش.
وقالوا: فهذا يقتضي أنه إذا قام إلى الركعة الثانية تيمم لها؛ لأنه قائم إلى الصلاة.
قيل: القيام إلى الصلاة لا يقال لمن هو في الصلاة، ولأنه تعالى أمر بالتيمم إذا قام إلى الصلاة.
قالوا: فإن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)، وحكم المرتب حكم المرتب عليه، فلما قامت الدلالة على أنه يجوز أن يصلي فرائض كثيرة بطهارة واحدة كان بالتيمم مثله لأنه إذا تغير حكم المرتب عليه تغير حكم المرتب، وهذا خير أسئلتهم.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن التيمم غير مرتب على الطهارة، بل هو حكم مستأنف بدليل أن الله تعالى لو [نسي] (٢) الطهارة بالماء لم يبطل حكم التيمم، وإن كان التيمم غير مرتب عليه، فتغير حكم الطهارة على ما يقتضيه الظاهر لا يوجب
стр. 1248
تغير حكم التيمم.
والجواب الثاني: وهو أن تقدير الآية: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوه فتيمموا"، فإذا تطهر بالماء عند القيام إلى الصلاة [ثم قام إلى صلاة] (١) أخرى لم يلزمه أن يتطهر؛ لأنه ليس بمحدث، والله تعالى أمر المحدث بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، والمتيمم محدث عند القيام إلى الصلاة الثانية، فوجب أن يتيمم.
وأيضا فقد روى سعيد بن المسيب قال: "مضت السنة أن لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض (٢).
[وإطلاق] (٣) السنة يقتضي سنة النبي ﷺ إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة؛ لأنه روي عن علي، وابن عمر وابن عباس، أنهم قالوا: لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض" (٤).
стр. 1249
وانتشر ذلك عنهم، ولم يظهر لهم مخالف (١)
وأيضا فإنه لا يجوز له أن يتيمم للصلاة مع استغنائه عن التيمم لها، ألا ترى أنه لو تيمم مع وجود الماء لم يصح، فإذا ثبت ذلك فإنه إذا تيمم لصلاة الظهر فهو مستغن عن التيمم للعصر، فلم يجز أن يكون هذا التيمم لصلاة العصر.
وإن شئت غيرت العبارة فقلت: إن الصلاة الثانية لم يدخل وقتها، ولم يفتقر إلى التيمم لها، وكل تيمم مستغنى عنه غير مضطر إليه لم يجز أداء الفرض به، دليله التيمم مع وجود الماء.
ونقول أيضا: إن التيمم طهارة بدل، قد قصرت عن المبدل، فقصرت عنه في الوقت أيضا؛ لأنها لا ترفع الحدث (٢).
وأيضا فإن عليه طلب الماء (٣) وهو محدث للصلاة الأولى، فإذا لم يجد الماء بعد الطلب تيمم، فكذلك عليه في الصلاة الثانية مثل ما في الأولى (٤)، فإذا لم يجد الماء وجب عليه التيمم؛ لأنهما قد اشتركا في وجوب
стр. 1250
الطلب لهما من أجل الحدث، والمتيمم محدث عند الصلاة الثانية لا محالة.
فإن قيل: لا نسلم أن عليه طلب الماء.
قيل: حقيقة قول القائل: "لم أجد كذا" معناه: طلبت فلم أجد، وإن وقع ذلك على غير طلب فهو مجاز، ويكون معناه: لم أقدر.
على أننا لا تعلم أحدا من الناس يريد الصلاة وهو محدث إلا وهو يطلب الماء، سواء كان الماء في رحله أو أبعد منه، إلا أن يكون جالسا في الماء فإنه قادر، أو من يسقط عنه استعمال الماء مع وجوده لعذر (١)، فإن هذا غير مراد بالآية، وإنما الآية في غير المعذورين.
وأيضا فقد حكي عن أبي حنيفة أن المحدث لا يجوز له التيمم لصلاة المغرب قبل وقتها فإن ثبت هذا من مذهبه فإنه إذا جمع بين صلاة العصر والمغرب بتيمم واحد فقد صار متيمما لصلاة المغرب قبل وقتها، فنقض أصله في ذلك (٢).
ويجوز أن يقال له: كل متيمم قبل وقت الصلاة لا يجوز له ذلك (٣)، دليله صلاة المغرب.
وأيضا فإن أبا حنيفة يقول: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة (٤)،
стр. 1251
فنقول: إذا توضأت لوقت الظهر وصلت الظهر، ثم دخل وقت العصر وجب عليها أن تتوضأ أيضا لوقت العصر، ولا يجوز أن تصلي العصر بطهارة الظهر، بل المستحاضة عنده تصلي الفوائت بطهارة واحدة، وعندي أن المستحاضة إذا لم يكن دمها متصلا، وكانت صلاتها تسلم بالوضوء توضأت، فإذا ثبت أنها لا تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد قلنا: هما صلاتا فرض فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما بطهارة ضرورة، فكذلك في التيمم (١)؛ لأنها طهارة ضرورة، فلا يجمع بها بين صلاتي فرض (٢).
ونقول أيضا: إن التيمم بدل عن مبدل، فيجب أن لا يجوز قبل وجوبه، ولا يجوز إلا بعد دخول الوقت، دليله سائر الأبدال التي لا تجوز قبل وجوبها.
فإن قيل: فقد روي في حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" (٣)، فجعله وضوءا له أبدا.
وأيضا فإنه طهارة يؤدى بها النفل فجاز أن يؤدى بها الفرض، أصله الطهارة بالماء.
قيل: عن الخبر جوابان:
أحدهما: أنه يقتضي أن الصعيد وضوء ومما يتطهر به، ونحن نقول
стр. 1252
بذلك، وهل يفعله عن كل صلاة أم لا؟ ليس فيه.
والجواب الآخر: هو أن الصعيد اسم للجنس، والوضوء للجنس، فصار جنس الصعيد كجنس الوضوء، فينبغي أن يستوفي جنس التيمم بجنس الصلاة، وإذا تيمم مرة واحدة للصلوات كلها فهو بعض جنس التيمم لا كله.
وكذلك إن استدلوا بقوله: "التيمم طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر، حجج" (١) فإن التيمم اسم لجنس التيمم، فينبغي أن يستوفي كل التيمم لكل الصلوات، فيصير لكل صلاة تيمم، وهو أيضا دليلنا؛ لأن التيمم هو المقصد والفعل، ونحن نأمر به عند كل صلاة فريضة، حتى يستوفى جنسه لجنس الفرائض.
وأما قياسهم على الطهارة بالماء فإنه فاسد الموضوع؛ لأنه لا يجوز اعتبار الفرض بالنفل، ألا ترى أنه يجوز أن يترك في النفل ما لا يجوز تركه في الفرض؛ لأن النفل أخفض رتبة من الفرض (٢)، فيجوز أن يصلي النفل جالسا مع قدرته على القيام، ويجوز ترك القبلة في النفل في السفر مع القدرة، ولا يجوز ذلك في الفرض.
فكذلك يجوز أن يجمع في التيمم بين صلاتي نفل، ولا يجوز الجمع به بين صلاتي فرض.
وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أنه يرفع الحدث، فلهذا يصلي به ما شاء، وليس كذلك التيمم؛ لأنه لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به فعل
стр. 1253
الصلاة، ولأنها طهارة ضرورة، فلا يجوز أن يستباح بها ما يستباح بالطهارة، كطهارة المستحاضة.
فإن قيل: فإن الأصول موضوعة على أن حكم الأبدال حكم المبدلات، فكل ما يستباح بالمبدل يستباح بالبدل كالصوم في الكفارة، كذلك أيضا التيمم لما كان بدلا عن الماء وجب أن يستباح به من الصلاة ما يستباح بمبدله.
وأيضا فلو أوجبنا التيمم لكل صلاة لأوجبنا من حدث واحد طهارتين من جنس واحد، وهذا لا يوجد في الأصول، ألا ترى أنه لو أحدث لم يوجب طهارتين من جنس واحد.
قيل: أما قولكم: "إن حكم الأبدال حكم المبدلات" فإنه باطل على مذهبكم بالمسح على الخفين، هو بدل من غسل الرجلين، ولا يستباح به ما يستباح به إذا غسل الرجلين؛ لأنه إذا غسل رجليه صلى لغير توقيت، وفي مسح الخفين توقيت (١).
وقولكم: "إننا نوجب طهارتين من جنس واحد من حدث واحد" فإننا نقول: قد يجوز مثل هذا، ألا ترى أنه لو لم يجد لم يجد الماء فتيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، ثم انقلب الماء قبل استعماله فإن عليه أن يتيمم دفعة أخرى، وهما تيممان لحدث واحد (٢)، فسقط ما قلتموه بمحدث لا يزول حدثه، فإذا تيمم لصلاة وصلاها انتقض حكم تيممه، فهو كما يتوضأ ويصلي
стр. 1254
ثم يحدث، فإنه يتوضأ للصلاة الأخرى.
فإن قيل: هذا يمنع من الجمع بين الصلاتين؛ لأنه إذا صلى صلاة بالتيمم، وأراد أن يجمع بينها وبين الأخرى مثل صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر فتشاغله بطلب الماء للثانية، فإن لم يجده تيمم يخرجه عن الجمع بين الصلاتين، وقد أبيح له الجمع بينهما لعذر السفر أو المرض، وصورة الجمع أن تكون الصلاة الثانية تالية للأولى بلا فصل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن صورة الجمع تقديم الثانية إلى وقت الأولى، وإن انفصل بينهما بركعتين تنفل جاز، فلا يمنعه الفصل القريب (١).
والجواب الثاني: هو أن ما يمنع من الفصل بينهما إذا كان الفصل لا لأجل أسباب الصلاة، فأما إذا كان بأسباب الصلاة لم يمنع، ألا ترى أنه قد يفرغ من الصلاة الأولى ثم يجوز أن يؤذن للثانية ويقيم، ولم يمنع هذا من الجمع؛ لأن الأذان والإقامة من شعار الصلاة، فهو كالشروع فيها، فكذلك طلب الماء والتيمم من شعار الصلاة، فهو كالشروع فيها، وكذلك لو وجب عليه صلاتان فائتتان على أظهر الروايتين عن مالك ﵀.
ونقول أيضا: إنه قد صارت الصلاة علة في وجوب الطهارة، كما أن السهو فيها علة في وجوب سجوده، فكل مصل تجب عليه الطهارة، كما أن
стр. 1255
كل ساه يجب عليه سجود السهو، فإذا صلى صلوات بوضوء واحد حصل طاهرا في كل صلاة، وإذا صلى صلوات بتيمم واحد لم يحصل طاهرا ارتفع حدثه في كل صلاة، وإنما يحصل مستبيحا للصلاة بالتيمم وهو محدث.
فإن احتجوا بحديث عبد الرحمن بن عوف وأنه ابتغى يوما ماء فلم يجده، فتمسح بالتراب، ثم صلى، ثم أدركته السبحة فصلاها ولم يتوضأ، وقال: أنا طاهر، ولو أدركني وقت صلاة أخرى لم أبال أن أصلي بتمسحي من التراب الذي تمسحت به إلا إن أحدثت شيئا فأتوضأ" (١).
وبما رواه هشام بن حسان عن الحسن قال: "التيمم بمنزلة الوضوء، إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث" (٢).
قيل: أما حديث عبد الرحمن فإن راويه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف جدا.
وأيضا فإن هذا مذهب عبد الرحمن، وقد عارضه ما هو أقوى منه (٣)، وهو ما ذكرناه عن علي، وابن عباس، وابن عمر (٤)، فإنهم كانوا يتيممون
стр. 1256
لكل صلاة، وقول الجماعة -وفيهم علي ﵁، وهو إمام- أولى من قول عبد الرحمن بن عوف.
على أن قول عبد الرحمن ذلك يدل على أنه كان يتيمم مع وجود الماء؛ لأنه قال: "إلا أن أحدث شيئا فأتوضأ"، ولم يقل: "فأتيمم"، وهذا لا يجوز.
وما روي عن الحسن فقد عارضه ما رواه حارث العكلي، عن إبراهيم النخعي قال: "يتيمم لكل صلاة" (١).
وقد ذكرنا ذلك عن جملة من التابعين.
وعلى أن قول علي، وابن عباس، وابن عمر أولى؛ لأنه كإجماع الصحابة (٢).
وقد قيل: إن الوضوء كان واجبا في أول الإسلام على الناس لكل صلاة، سواء كانوا محدثين أو متطهرين، فلما صلى النبي ﷺ صلوات بطهر واحد (٣) علم أن ذلك قد أن ذلك قد نسخ (٤)، وبقي على ذلك علي (٥)، وابن مسعود،
стр. 1257
وابن عمر (١)، إلى أن ماتوا ﵃ فعلم أنهم كانوا يستحبون ذلك، وبقي المتيمم على أصله؛ لأنه بدل الوضوء الذي كان واجبا لكل صلاة لم ينسخ، ولا يجوز نسخه بقياس، خاصة وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر على ذلك.
وقد قيل: إن الوضوء لكل صلاة مخصوص بفعل النبي ﷺ حين جمع الصلوات عام الفتح بوضوء واحد، وهذا كله يدل على أن المفهوم من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة، والله أعلم.
стр. 1258
فَصْل
ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتيممين والمتطهرين جميعا (١).
وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٢).
وحكي عن ربيعة ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز أن يصلي بالمتطهرين، ويصلي بالمتيممين (٣).
قال محمد: بلغنا ذلك عن علي رضوان الله عليه (٤).
والدليل لقولنا ما روي عن ابن عباس ﵄ "أنه كان متيمما جنبا، فصلى بعمار وبآخرين كانوا معه من الصحابة، وهم متطهرون" (٥).
وأيضا ما روي عن عمرو بن العاص حيث كان واليا قال: "فتيممت، وصليت بالناس" (٦)، ولم يفرق.
стр. 1259
وأيضا فإن كل من جاز له أن يصلي بالمتيممين جاز له أيصلي بالمتوضئين، أصله المتطهر بالماء.
فأما ما ذكروه عن علي فإنه لا يصح عنه، ولو صح لكان قول الأكثر من الصحابة رضوان الله عليهم أولى.
ويجوز أن يكون كرهه ونحن نكرهه، وجوازه بالقياس، وبقول ابن عباس وعمرو بن العاص.
فَصل
قد مضى الكلام على أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وتضمن أنه لا يجوز قبل الوقت، ورأيت أن أجرد الكلام في أنه لا يجوز التيمم قبل وقت الصلاة (١)، وأن من شرطه دخول الوقت (٢).
стр. 1260
وبه قال الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت (٢).
قالوا: لأن كل طهارة صح أن يؤتى بها بعد الوقت صح أن يؤتى بها قبله، كالطهارة بالماء.
والدليل لقولنا ما تقدم ذكره من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣).
فأباح التيمم إذا لم نجد الماء بشرط أن نكون قياما إلى صلاة، وقبل
стр. 1261
دخول الوقت لا نكون قائمين إلى الصلاة (١).
وأيضا فإنه يكون متيمما للفرض في وقت هو مستغن عن التيمم فيه، فوجب أن لا يصح له ذلك، أصله إذا تيمم مع وجود الماء وقدرته على استعماله.
ولا يلزم على هذا التيمم للنفل قبل وقته؛ لأنه غير مستغن عنه للنفل، إذ لا وقت له معين.
فإن قيل: هو منتقض به إذا تيمم في أول الوقت فإنه يصح أن يصلي به الفرض وإن كان مستغنيا عنه؛ لأنه يجوز له أن يصلي به في آخر الوقت.
قيل: إذا دخل الوقت فقد لزمه الفرض، ومن لزمه الفرض لا يقال: إنه مستغن عن أداء فرضه (٢).
وأيضا فإن التيمم أبيح للضرورة على وجه الرخصة بدليل أنه لا يتيمم مع قدرته على استعمال الماء، وما أبيح للضرورة والحاجة لا يستباح قبل وقت الحاجة ووجودها، مثل أكل الميتة وغيرها (٣)، ومثل طهارة المستحاضة.
فأما قياسهم على الطهارة بالماء فنقول: المعنى في ذلك أنها أبيحت لا لضرورة، وما جاز من غير ضرورة وحاجة جاز أن يؤتى به من غير حاجة،
стр. 1262
كسائر المآكل المباحة، وما أبيح لحاجة وضرورة فلا بد فيه من وجود الضرورة والحاجة، كما ذكرنا في أكل الميتة. والله أعلم.
فَصل
وطلب الماء من شرط صحة التيمم عندنا وعند الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يفتقر إلى طلب الماء، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢)، ومن عدمه من غير طلبه فهو غير واجد له (٣).
ولأنه إذا كان واجدا للرقبة في الكفارة لزمه أن يعتقها، ثم لو لم يجدها لم يلزمه أن يطلبها في الموضع، بل يجوز الانتقال إلى الصوم، كذلك الماء (٤).
стр. 1263
والدليل لقولنا ما ذكروه من دليلهم من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وحقيقة هذا أنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عنده، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده (١).
وأما عتق الرقبة في الكفارة فإنه لا خلاف أنه لا يجوز له الانتقال إلى الصوم إلا بعد أن يطلب الرقبة، أو يطلب ثمنها في ملكه، فإن وجد الثمن طلب الرقبة للشراء، فأما قبل الطلب في ملكه فلا يجوز له.
كذلك الماء يطلبه أو ثمنه ليبتاعه، والعلة فيه أنه بدل عن مبدل مرتب، فوجب أن لا يجوز له الانتقال إليه إلا بعد طلب المبدل في الموضع الذي يطلب مثله فيه، أصله طلب الرقبة، أو ثمنها في المال (٢)، وطلب الماء في المواضع مثل الآبار، والحياض، والرفقة، ومواضع بيعه.
واحترزنا بقولنا: "مرتب" من مواضع التخيير في جزاء الصيد وما
стр. 1264
أشبهه؛ لأنه ليس بمرتب (١). وبالله التوفيق.
مسألة (٦٠):
ويجوز للحاضر إذا تعذر عليه الماء وخاف فوات الوقت أن يتيمم، مثل أن يبعد منه، أو يكون في بئر، فإلى أن يعالجه تطلع الشمس ولم يكن صلى الصبح، فإنه يتيمم ويصلي، ولا يعيد الصلاة (٢).
وبه قال الأوزاعي (٣).
وقد روي عن مالك: أنه يعالجه وإن طلعت الشمس.
وروي عنه: أنه يصلي بالتيمم، ويعيد الصلاة (٤).
وقال أبو حنيفة وداود (٥): لا يصلي أصلا، ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر على الماء (٦).
стр. 1265
وقال الشافعي: يلزمه أن يتيمم ويصلي (١)، وإذا وجد الماء أعاد الصلاة (٢).
وهذا موافق لإحدى الروايات عن مالك (٣).
والدليل لقولنا في أنه يتيمم ويصلي ولا يعيد: ما روي عن أبي ذر قال: "اجتويت (٤) المدينة، فانتقلت بأهلي إلى الرَّبَذة (٥)، وكنت أجنب وأعدم الماء خمسة الأيام والستة، فأتيت رسول الله ﷺ فقال لي: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" (٦).
والدليل منه على وجهين:
أحدهما: أنه عم بجعل الصعيد الطيب وضوء المسلم، فلم يفرق بين حاضر ومسافر.