دخول الوقت لا نكون قائمين إلى الصلاة (١).
وأيضا فإنه يكون متيمما للفرض في وقت هو مستغن عن التيمم فيه، فوجب أن لا يصح له ذلك، أصله إذا تيمم مع وجود الماء وقدرته على استعماله.
ولا يلزم على هذا التيمم للنفل قبل وقته؛ لأنه غير مستغن عنه للنفل، إذ لا وقت له معين.
فإن قيل: هو منتقض به إذا تيمم في أول الوقت فإنه يصح أن يصلي به الفرض وإن كان مستغنيا عنه؛ لأنه يجوز له أن يصلي به في آخر الوقت.
قيل: إذا دخل الوقت فقد لزمه الفرض، ومن لزمه الفرض لا يقال: إنه مستغن عن أداء فرضه (٢).
وأيضا فإن التيمم أبيح للضرورة على وجه الرخصة بدليل أنه لا يتيمم مع قدرته على استعمال الماء، وما أبيح للضرورة والحاجة لا يستباح قبل وقت الحاجة ووجودها، مثل أكل الميتة وغيرها (٣)، ومثل طهارة المستحاضة.
فأما قياسهم على الطهارة بالماء فنقول: المعنى في ذلك أنها أبيحت لا لضرورة، وما جاز من غير ضرورة وحاجة جاز أن يؤتى به من غير حاجة،
стр. 1262
كسائر المآكل المباحة، وما أبيح لحاجة وضرورة فلا بد فيه من وجود الضرورة والحاجة، كما ذكرنا في أكل الميتة. والله أعلم.
فَصل
وطلب الماء من شرط صحة التيمم عندنا وعند الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يفتقر إلى طلب الماء، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢)، ومن عدمه من غير طلبه فهو غير واجد له (٣).
ولأنه إذا كان واجدا للرقبة في الكفارة لزمه أن يعتقها، ثم لو لم يجدها لم يلزمه أن يطلبها في الموضع، بل يجوز الانتقال إلى الصوم، كذلك الماء (٤).
стр. 1263
والدليل لقولنا ما ذكروه من دليلهم من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وحقيقة هذا أنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عنده، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده (١).
وأما عتق الرقبة في الكفارة فإنه لا خلاف أنه لا يجوز له الانتقال إلى الصوم إلا بعد أن يطلب الرقبة، أو يطلب ثمنها في ملكه، فإن وجد الثمن طلب الرقبة للشراء، فأما قبل الطلب في ملكه فلا يجوز له.
كذلك الماء يطلبه أو ثمنه ليبتاعه، والعلة فيه أنه بدل عن مبدل مرتب، فوجب أن لا يجوز له الانتقال إليه إلا بعد طلب المبدل في الموضع الذي يطلب مثله فيه، أصله طلب الرقبة، أو ثمنها في المال (٢)، وطلب الماء في المواضع مثل الآبار، والحياض، والرفقة، ومواضع بيعه.
واحترزنا بقولنا: "مرتب" من مواضع التخيير في جزاء الصيد وما
стр. 1264
أشبهه؛ لأنه ليس بمرتب (١). وبالله التوفيق.
مسألة (٦٠):
ويجوز للحاضر إذا تعذر عليه الماء وخاف فوات الوقت أن يتيمم، مثل أن يبعد منه، أو يكون في بئر، فإلى أن يعالجه تطلع الشمس ولم يكن صلى الصبح، فإنه يتيمم ويصلي، ولا يعيد الصلاة (٢).
وبه قال الأوزاعي (٣).
وقد روي عن مالك: أنه يعالجه وإن طلعت الشمس.
وروي عنه: أنه يصلي بالتيمم، ويعيد الصلاة (٤).
وقال أبو حنيفة وداود (٥): لا يصلي أصلا، ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر على الماء (٦).
стр. 1265
وقال الشافعي: يلزمه أن يتيمم ويصلي (١)، وإذا وجد الماء أعاد الصلاة (٢).
وهذا موافق لإحدى الروايات عن مالك (٣).
والدليل لقولنا في أنه يتيمم ويصلي ولا يعيد: ما روي عن أبي ذر قال: "اجتويت (٤) المدينة، فانتقلت بأهلي إلى الرَّبَذة (٥)، وكنت أجنب وأعدم الماء خمسة الأيام والستة، فأتيت رسول الله ﷺ فقال لي: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" (٦).
والدليل منه على وجهين:
أحدهما: أنه عم بجعل الصعيد الطيب وضوء المسلم، فلم يفرق بين حاضر ومسافر.
стр. 1266
والثاني: أنه ورد خاصا في المقيم؛ لأن أبا ذر انتقل بأهله إلى الربذة مقيما بها معهم.
وأيضا قول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأين أدركتني الصلاة تيممت وصليت" (١).
وهذا عام، لم يخص سفرا من حضر، فهو على عمومه إلا أن يقوم دليل.
ويجوز أن نستدل (٢٠٩) بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢).
وهذا عام فيمن لم يجد الماء وعدمه، فإنه يتيمم إلا أن تقوم دلالة.
هذا على أبي حنيفة؛ لأن الشافعي يوافقنا على أنه يتيمم.
فإن قيل: هذه الآية حجة لنا؛ لأنه تعالى أباح التيمم بشرط المرض والسفر، فلو جعلناه عموما في كل محدث حاضر ومسافر لكان ذكر المرض والسفر لغوا لا فائدة فيه، وإن جعلنا نفس المرض والسفر بمنزلة الحدث كان ساقطا، فعلمنا أن المرض والسفر خصا في جواز التيمم عند عدم الماء.
قيل: هذا فاسد، وإنما ذكر السفر والمرض لمعنى، وهو أنه لو لم يذكرهما لجاز أن يظن ظان أن المرض لشدته وما قد أبيح للإنسان فيه من الفطر والجمع بين الصلاتين، وأنه يثقل عليه ما لا يثقل على الصحيح، وكذلك مشقة السفر وقلة المياه في غالب الحال ما يجوز مع ذلك سقوط
стр. 1267
الطهارة جملة، كما سقط عن المسافر نصف الصلاة، فقيل: تيمموا مع عدم الماء، سواء كنتم حاضرين، أو مسافرين، أو مرضى تلحقكم المشقة، فإن الطهارة بالماء أو التيمم لا بد منه مع القدرة عليه، ويصير تقدير الآية: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وإن كنتم - خطابا لهم أيضًا - يا محدثين على حال مرض وسفر، فلم تستطيعوا استعمال الماء فتيمموا، فهو خطاب للمحدثين على اختلاف صفاتهم إذا لم يجدوا الماء تيمموا".
وأيضا فإنه لا يمتنع أن يخرج الخطاب على الأغلب، يتعذر معه التمكن من الماء، وكذلك المريض إذا اشتد خاف استعمال الماء، فخرج الكلام على الأغلب، ويكون غير المريض والمسافر عند تعذر استعمال الماء ودخول وقت الصلاة بمنزلتهما وفي حكمهما؛ لأن المعنى موجود في الجميع كما ذكر الرهن بشرط السفر (١)؛ لأن الغالب منه عدم الشهود، ثم قد ثبت جواز الرهن في الحضر كجوازه في السفر، ولم يبح التيمم الذي هو بدل الماء إلا لمراعاة وقت الصلاة، وخوف فواتها عند تعذر استعمال الماء، وهذا المعنى في الحضر موجود، كما يوجد فيه لو كان مريضا أو مسافرا.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (٢)، فخرج الكلام على الغالب من أمر الربيبة أنها تكون مع الزوج، ولو لم تكن عنده مع أمها لكانت أيضًا محرمة عليه؛ لأن المعنى الموجب للتحريم فيها موجود (٣).
стр. 1268
ثم لو ثبت أن المرض والسفر شرطان في إباحة التيمم لم يمتنع أن يلحق بهما غيرهما بالقياس، فنقول: هو غير قادر على استعمال الماء، وقد لزمه فرض الصلاة، فوجب أن يلزمه التيمم، أصله المسافر والمريض.
أو نقول: المعنى في جواز التيمم للمريض أو المسافر هو توجه الصلاة عليهما، وخوف فوت وقتها، مع العجز عن استعمال الماء، وهذا موجود في الحاضر.
هذا قياس يلزم من يمنع التيمم أصلا.
وأما من يلزمه التيمم ويوجب الإعادة فنقول: اتفقنا في المريض والمسافر أنهما إذا تيمما وصليا لم تجب عليهما الإعادة؛ لأنهما قد تيمما على ما أمرا به، وهذا موجود في الحاضر؛ لأنه مأمور بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء، مع خوف فوت الوقت وحضوره، فإذا فعل التيمم على ما أمر به لم تلزمه الإعادة؛ لأن كل واجب مجزئ في السفر والحضر إذ قد أدى ما فرض عليه، ولو لزمته الإعادة مع فعله ما فرض عليه لم يكن فرق بين أن يفعل المأمور به فيطيع، أو يفعل المنهي عنه فيعصي، ولا يجزئه في الأمرين جميعًا، وهذا فاسد (١).
بل قد رأينا في الشريعة ضد هذا، وهو أن الإنسان ينهي عن فعل شيء،
стр. 1269
فيفعله فيقع موقع الصحيح، ويجزئ عن الفرض، ولا تجب فيه الإعادة، كالصلاة في الدار المغصوبة، والتوضؤ بالماء المغصوب، ولا يجوز أن يفعل الطاعة المأمور بها ابتداء، فيقع موقع الفاسد حتى لا يجزئه، فإذا كان الحاضر قد تعذر عليه استعمال الماء، وخاف فوت الصلاة مأمورا بالتيمم، مطيعا فيه فقد صلى على ما أمر به وأطاع، فلا ينبغي أن يقع موقع الفاسد الذي لا يجزئ وتجب فيه الإعادة.
فإن قيل: فقد رأينا من يفعل ما افترض عليه، وأمر به، ولا تسقط معه الإعادة، وهو مُوقع مَوقع الفاسد، مثل من أفسد حجه، وصومه المفترض فإنه مأمور بالمضي فيه فرضا عليه، ومع هذا فعليه الإعادة.
قيل: هذه غفلة وسهو؛ لأن القضاء عن الحج والصوم الفاسد إنما وجب بالفساد الذي تقدم على المضي في باقيه، وعوقب بالمضي فيه، والحاضر إذا تعذر عليه استعمال الماء، وخاف فوات الوقت صار مطيعا بالتيمم والصلاة ابتداء، فاعلا لما أمر به، لم يفسد شيئًا يجب عليه معه القضاء، فعروضه في الحج والصوم (٢١٠) أن يؤمر قبل الدخول فيهما بالدخول، ويكون مطيعا لم يتقدم منه إفساد، فدخل فيهما بالأمر الممتثل مطيعا فيه، فلا يجب عليه إعادة، فإن أفسد بعد الدخول وجب القضاء بالإفساد، كما لو أفسد الحاضر ما دخل فيه من الصلاة لوجب عليه القضاء، فصار تيمم الحاضر بمنزلة الليل للصائم، فإن أمر بالدخول في التيمم والصلاة، ولم يطرأ عليه الفساد لم يجب القضاء.
وأيضا فإن الماضي في الحج الفاسد والصوم الفاسد مأموران بذلك،
стр. 1270
فإذا فعلا ما أمرا به أجزأهما في [المضي] (١)، ولا يجزئهما في إسقاط القضاء الواجب بالإفساد الذي هو غير المضي.
فإن قيل: هذا فاسد بالمصلوب، والذي تحت الهدم، والمحبوس في الحُش، فإنهم مأمورون بالصلاة، وعليهم الإعادة.
قيل: هؤلاء لا تجب عليهم الصلاة إذا لم يقدروا على الماء والتيمم، ولا يجب عليهم القضاء كالحائض والمغمى عليه؛ لأن المنع أتاهم بغير اختيارهم، حيث لا يمكنهم دفعه (٢).
ومن قال من أصحابنا: عليهم الإعادة فمعناه عندي: إذا كانوا على طهارة ولم يصلوا بالماء وغيره (٣)، ومعهم عقولهم، فتصير منزلتهم منزلة من وجب عليه التيمم فتيمم ولم يصل، فعليه الإعادة.
ثم هذا بعينه يلزمهم في المسافر إذا تيمم وصلى، ينبغي أن تكون عليه الإعادة، وإن كان قد فعل المأمور به، كما ظنوا أنه يلزمنا فيما أوردوه.
فإن قيل: المسافر والمريض قد أبيح لهما الفطر في رمضان، ففعلا المأمور به، ولم يسقط عنهما القضاء، فكذلك الحاضر يفعل التيمم والصلاة، ولا يسقط عنه القضاء.
стр. 1271
قيل: أيضًا هذا سهو؛ لأن الفطر رخصة، ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعل الواجب، وفعل الصلاة، فلو رخص له في الخروج من الصلاة كما رخص للمسافر في الفطر لوجب عليه القضاء، ألا ترى أن المصلي لو رأى إنسانا يغرق أو شيئًا له يتلف لخرج منها، وكان عليه القضاء؛ لأنه لم يصل، فسقط ما ذكروه.
وعلى أن هذا نفسه يلزم في المسافر والمريض إذا عدما الماء، وتيمما، ثم صليا.
فإن قيل: فإن الله تعالى لما أباح التيمم بشرط المرض والسفر دل على أن ما عداهما بخلافهما.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الحكم من نص الآية لم يعلق بشرط المرض والسفر، وإنما خصا بالذكر للمعنى الذي بيناه.
والجواب الثاني: أنه لو ثبت حكم دليل الخطاب لم يمتنع أن تقوم دلالة القياس، فيلحق المسكوت عنه بالمنطوق به، وقد ذكرنا دليل القياس.
ونقول: إن كل من لزمه فرض التيمم فتيمم فإنه يسقط فرضه كالمسافر.
وأيضا فإن القادر على استعمال الماء لا يفترق حكمه بين أن يكون مقيما أو مسافرا في سقوط الفرض عنه، فكذلك العادم للماء، يجب أن لا يفترق حكمهما.
هذا يحتمل أن يلزم أبا حنيفة والشافعي.
стр. 1272
ولنا أن نخص كل واحد منهما بلفظ فنقول: لما كان الواجد للماء القادر على استعماله، وقد حضر وقت الصلاة يجب عليه استعماله، ولم يفترق حكم الحاضر والمسافر في وجوب استعماله وجب أن يكون العادم للماء الذي لا يقدر على استعماله في وجوب التيمم عليه والصلاة به لا يفترق حكم المسافر والحاضر فيه؛ لأن وقت الصلاة قد حضر، ويخاف فواته. هذا على أبي حنيفة.
ونقول للشافعي: لما كان واجدا للماء إذا استعمله على ما أمر به لم يفترق حكم المقيم والمسافر فيه وجب أن يكون العادم له يستوي فيه المقيم والمسافر في أنه إذا فعله لم يجب عليه القضاء، كواجد الماء سواء.
فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١).
فشرط تعالى في جواز التيمم السفر، فلا يخلو أن يكون شرطا في جواز التيمم أو شرطا في سقوط الفرض بذلك التيمم، فبطل أن يكون شرطا في جواز التيمم؛ لأن المقيم عندنا وعندكم يتيمم،، فدل أنه شرط في سقوط الفرض بذلك التيمم، ولم يوجد هاهنا سفر، فلم يسقط فرضه.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أننا قد ذكرنا أنه ليس بشرط، وإنما خص المرض والسفر بالذكر لما بيناه، لا على أن يكون شرطا يتعلق الحكم به لا يجزئ مع عدمه.
стр. 1273
والجواب الآخر: هو أن ظاهره شرط في جواز التيمم، ثم قامت دلالة على جواز التيمم ووجوبه مع عدم السفر، فسقط أن يكون شرطا في الجواز، إذا سقط أن يكون شرطا في إباحة التيمم - وقد وجب التيمم - سقط الفرض على ما شرحناه.
ثم لا يمتنع مع هذا أن تقوم دلالة تسقط الفرض، كما أسقطت مع التيمم، وقد ذكرنا قياسا يوجب ذلك.
فإن قيل: فإنه مقيم صحيح، فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم، أصله إذا كان واجدا للماء.
وأيضا فإن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم؛ لأن الأوطان والبنيان لا تبنى على غير مياه والأعذار النادرة لا تسقط الفرض، وإنما يسقطه الأعذار العامة السائدة، ألا ترى أنه إذا لم يجد ماء ولا ترابا يصلي ويعيد، وكذلك إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة سقط فرضها؛ لأنه عامّ يدوم، وكذلك سلس البول، وكذلك السفر، وكذلك الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لأنها لا تلحقها المشقة في قضاء الصوم؛ لأنه في السنة مرة، والصلاة تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، فتلحقها المشقة في قضائها، وكذلك نكتتهم.
والجواب: أما قولهم: "إنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم كواجد الماء" غلط؛ لأن واجد الماء القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم لم يجزئ في حضر ولا سفر، وعادم الماء مأمور بالتيمم، حتى إن لم يفعله عصى، فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء.
стр. 1274
وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى المنهي عن التيمم.
أما قولهم: "إن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم إلى آخر الفصل" عنه جوابان:
أحدهما: أن واجد الماء في السفر العام نادر، كما أن عادم الماء في الحضر عذر نادر، فلما ردوا واجد الماء في السفر إلى الغالب من حكم الحضر لزم أن يرد نادر [الحضر في عدم الماء إلى الغالب من حكم السفر؛ لأن عادم الماء في الحضر نادر] (١)، وواجد الماء في السفر نادر.
وعلى أن المسافرين ربما احتاطوا في جمع الماء خوفا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، ومع هذا فقد جوز لمن عدمه التيمم، فكذلك الحاضر.
على أن هذا يستمر لمن لا يوجب على الحاضر التيمم، فأما من يوجبه عليه كما يوجبه على المسافر فينبغي أن يسقط فرضه كالمسافر.
والجواب الآخر: أنه ساقط بمن لم يجد ما يستر عورته، فصلى عريانا، فإنه نادر، ويسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من عدو، وسبع، وأفعى، وغيره، وهذا كله نادر.
فأما من صلى وعليه نجاسة فلا إعادة عليه؛ لأن إزالتها ليست بفرض عندنا (٢)، وقد قلنا: إن من لم يجد ترابا ولا ماء فإن الصلاة تسقط عنه، ولو
стр. 1275
صلى لم تجب عليه الإعادة (١)، أما من سلس مذيه وبوله فإن طهارته لا تنتقض، وليس عليه أن يتوضأ لكل صلاة (٢)، وكذلك المستحاضة ليست بمحدثة عندنا.
ثم لو أوجبنا على هؤلاء الطهارة لم يكن هذا عاما بل هو نادر؛ لأن العادة جارية بالحيض لا بالاستحاضة فهي نادرة، وكذلك سلس البول والمذي نادر، فإذا توضأ أو تيمم وصلى سقط فرضه، وإن كان نادرا، لولا ذلك لم يجب عليه التيمم.
وقد ثبت أيضًا أن التيمم يجب لمراعاة الوقت، والصلاة في وقتها بالتيمم الذي هو طهارة ناقصة أولى من الصلاة في غير وقتها بطهارة تامة، فإذا وجب التيمم لمراعاة الوقت لم تجب الإعادة في غير الوقت بالطهارة الكاملة؛ لأنها قد مضت في وقتها، كما مضت في السفر بالتيمم.
وأما قضاء الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة فهو حجة عليكم؛ لأن الصلاة لما كانت تتكرر ثم سقط قضاؤها فيجب إذا صلى من لزمه التيمم أن لا يكون عليه قضاؤها؛ لأنه قد أداها على ما أمر به، فهو أولى بسقوط القضاء عنه من الحائض، وهو كالمسافر إذا تيمم، ألا تري أن الحائض غير مخاطبة بالصلاة ولا بالصوم، ولو صلت وصامت لم يصح منها، وعادم الماء في الحضر مخاطب بالتيمم والصلاة، إن تركهما عصى كالمسافر سواء، فقد استويا في وجوب التيمم والصلاة، فوجب أن يستويا في سقوط الفرض، كما
стр. 1276
استويا في فعل الصوم إذا صاما.
وافتراقهما في أن المسافر مرخص له في الفطر، ولم يرخص للحاضر لا يضر في الجمع بينهما في الصلاة؛ لأن كل واحد منهما غير مرخص له في ترك التيمم والصلاة، ألا ترى أنهما قد استويا في الاجتهاد في القبلة، وكُلفا طلبها، ووجب عليهما الصلاة إلى حيث يغلب على ظنهما لمراعاة الوقت، وكذلك الخائف مسافرا كان أو حاضرا، يجتهد في القبلة فيصلي إليها مع القدرة، ويصلي إلى غير القبلة مع عدم القدرة، وإن كانا يعلمان جهتها إذا لم يتمكنا من الصلاة إليها، وهذا كله لمراعاة وقتها، إذا فعل ذلك على ما أمر به سقط فرضه، فالباب كله مستمر عندنا؛ لأن الصلاة في وقتها بالتيمم أولى منها في غير وقتها بالوضوء.
فإن قيل: فجوِّزوا للحاضر أن يتيمم ويصلى الجمعة إذا خاف فواتها مع الإمام إلى أن يفرغ من الوضوء بالماء؛ لأنه إن تشاغل بطلب الماء فاتته الجمعة مع الإمام، وكذلك يجب أن تجوز له الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فواتها (١).
قيل: أما الجمعة فليس فيها نص لمالك، وقد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب ذلك (٢)، فعلى هذا لا يلزم السؤال، وينبغي أن يكون هذا سؤالا لأصحاب الشافعي؛ لأننا ألزمناهم في الموضع الذي يوجبون فيه التيمم والصلاة كما نوجبه فقلنا: كل من وجب عليه التيمم والصلاة سقط فرضه،
стр. 1277
كالمريض والمسافر، ونحن وهم نقول: لا يجب عليهم التيمم للجمعة وإن خافوا فوات الجماعة والماء موجود؛ لأن الظهر هي فرض (١)، فإن فاته فرض الجماعة فليس يفوته وقت الظهر وهو قادر على استعمال الماء، ووقت الظهر باق، فمن كان قادرا على الماء وخاف إن تشاغل به فاتته الجمعة مع الإمام فإنه لا يتيمم عندنا وعند الشافعي.
فإن كان عادما للماء وجب عليه التيمم، فلا فرق بين الجمعة وغيرها في أن فرضها يسقط بصلاته بالتيمم إن خاف فوات الوقت المضيق؛ لأن التيمم قد وجب عليه، وكلف الصلاة، فلما وجب عليه أن يتيمم ويصلي وفعل ذلك سقط فرضه، وليس الكلام في هذه المسألة فيمن يقدر على الماء، ويخاف إن تشاغل به فات الوقت، وإنما الكلام في عادم الماء، ولا يعرف له موضعا، فيجب عليه التيمم والصلاة، فإذا فعل ذلك قلنا: سقط فرضه.
فأما الذي يجد الماء في الحضر أو السفر فيخاف إن استعمله فات الوقت فإننا نقول: إن خاف فوات الوقت المضيق بتشاغله بالماء فإنه عندنا يتيمم ويصلي، والمخالف يقول: لا يتيمم مع وجوده إلا أن يخاف على نفسه التلف باستعماله وإن خاف فوات الوقت.
وقد قال مالك ﵀ فيمن جاء ماء وخاف إن عالجه طلعت الشمس وفاتته صلاة الصبح: فإنه يتيمم ويصلي.
وقد ذكرت اختلاف الرواية عنه فيه، فعلى هذا ينبغي أن يفصل، فإن كان عادما للماء أصلا فإنه إذا خاف فوات الوقت المختار تيمم لكل صلاة،
стр. 1278
جمعة كانت أو غيرها، في سفر أو حضر، وإن كان واجدا للماء، يخاف بتشاغله أن يفوته الوقت المضيق فإنه عندنا يتيمم ويصلي، ويسقط فرضه؛ لأن التيمم جعل لمراعاة الوقت، إما المختار، وإما المضيق.
وقد يجوز أن يفرق بين صلاة الجمعة وغيرها فنقول: إن الحاضر الذي عليه صلاة الجمعة إذا عدم الماء وخاف فواتها مع الإمام فإنه لا يتيمم، ويصبر حتى يجد الماء، إلا أن يخاف فوات الوقت المضيق، مثل أن لا يصلوا الجمعة حتى يبقى من النهار قدر ثلاث ركعات ثم تغيب الشمس فإنهم يصلون الجمعة، فإن خاف فواتها تيمم وصلى، سواء كان عادما للماء أصلا أو واجدا له، يخاف إن اشتغل به فاتته الجمعة.
فأما إن صلاها الإمام في الوقت الأول أو الأوسط فإن المأموم لا يصليها بالتيمم؛ لأن الظهر هي الأصل، ألا ترى أنها تجب على الحاضر، والمسافر، والعبد، المرأة، والجمعة لا تجب إلا على الحاضر الحر الذكر، فإن فاتته الجمعة مع الإمام فإنما تفوته الجماعة، والوقت الذي هو الظهر باق لم يفته، وينتظر حتى ييأس من الماء، إلا أن يخاف أن يفوته الظهر المختار فيتيمم.
وكذلك إن صلاها الإمام في آخر الوقت المختار ولم يجد المأموم ماء فإنه يتيمم ويصلي معه.
فأما صلاة الجنازة فإن كان الحاضر واجدا للماء غير أنه إن توضأ فاتته صلاة الجنازة فإنه لا يصلي بالتيمم؛ لأنه ليس بها مخاطبا في عينه؛ لأن غيره ينوب عنه، وليست الجمعة والظهر كذلك؛ لأن كل إنسان مخاطب بها في نفسه، وليست على الكفاية كصلاة الجنازة، وإن كان عادما للماء أصلا، وهو
стр. 1279
ممن يلزمه التيمم لصلاة الفرض جاز له عندي أن يصلي على الجنازة كالمسافر، وهذا هو القياس.
وفرق مالك ﵀ بين الحضر والسفر في صلاة الجنازة فقال: المسافر إذا عدم الماء ووجب عليه التيمم للفرض جاز أن يصلي على الجنازة بالتيمم.
وأما الحاضر فإنه يتيمم للفرض، ولا يصلي على الجنازة؛ لأن الفرض يتعين عليه في الحضر والسفر، وله وقت مخصوص يخاف فواته، فهو آكد، وقد دخلت الرخص في السفر بخلاف الحضر، فيجوز أن يصلي على الجنازة في السفر بالتيمم، ولأجل خلاف الناس في صلاة الفرض في الحضر بالتيمم.
فإن قيل: فما تقول إن تعينت عليه الصلاة على الجنازة في الحضر ولم يكن غيره، وخاف التغير على الميت ولا يقدر على الماء؟
قيل: قد ذكرت أن القياس يوجب الصلاة عليه، ويحتمل أن لا يصلي عليها؛ لأن من الناس من يجوز الصلاة على القبر (١)، وقد روي ذلك عن مالك، فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر هو أو غيره.
стр. 1280
ويحتمل أن يصلي عليه إذا لم يكن غيره ممن يحمل الميت إلا من هو مثله في عدم الماء، وهذا هو القياس، كالمسافر إذا عدم الماء.
وقد جمعت في هذه المسألة الكلام على أبي حنيفة في أن الحاضر إذا عدم الماء فإنه عندنا يتيمم ويصلي الفرض، وعنده لا يتيمم ولا يصلي، ويكون الفرض في ذمته، والكلام على الشافعي في أنه يجب عليه أن يتيمم ويصلي كما نقول، وأن فرضه لا يسقط عنده، وعندنا يسقط، وذكرت الفرق بين الفرض وصلاة الجنازة، والتيمم في الحضر، فاستغنيت عن إفراد المسائل في ذلك.
ووجه قول مالك: إنه يعالج الماء، ويبلغ إليه وإن طلعت الشمس يوافق قول أبي حنيفة، والحجة له هي حجة أبي حنيفة.
ووجه قوله: يصلي بالتيمم ويعيد هو قول الشافعي، فما ذكرته من حجتهم هو حجة لهذه الرواية. والله الموفق للصواب.
فَصل
فإن سئلنا على مذهب أبي حنيفة والثوري في صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر إذا خاف فوتها مع وجود الماء مسألة مبتدأة قلنا: لا يجوز (١).
стр. 1281
وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢).
والدليل لقولنا الظاهر من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣).
فعلق التيمم بشرط المرض والسفر وعدم الماء، وهذا ليس بواحد منهم.
ونورد أسئلتهم التي سألونا عنها في الحاضر يصلي الفرض بالتيمم.
стр. 1282
فإن قاسوا ذلك على الفرض فهم لا يقولون به في الفرض، وإن ألزمونا ذلك على أصلنا فقد فرقنا بينهما بما تقدم.
وإن قاسوه على المسافر لزمهم الفروض في الحضر؛ لأن في عدم الماء يجوز التيمم للفروض في السفر، وللمسنون، وللمستحب، والحكم في الحضر يختلف عندهم، ولا يجيزون التيمم للفروض ولا للتطوع، ويجوزونه لصلاة الجنازة إذا خاف فوتها، فإذا لم يجوزوا التيمم للفروض التي قد روعي فيها الوقت وهي متعينة على كل أحد ففي صلاة الجنازة أولى أن لا يصلي بالتيمم في الحضر.
فإن قيل: إن لصلاة الجنازة فضيلة على سائر النوافل، حتى إنه قد اختلف فيها فقيل: هو فرض على الكفاية، وقيل: سنة مؤكدة (١)، فإذا خيف عليها الفوات واستدراك فضيلتها جاز التيمم لها.
قيل: إن الجمعة آكد منها، وهو إذا أدرك الركعة الآخرة مع الإمام خاف فوتها، ولم يجز له أن يتيمم عندكم، فإذا لم يجز مع خوف فوات الأوكد كان في الأضعف أولى أن لا يجوز.
مع أننا قلنا: إنه لا وقت لها يفوت، فيجوز أن يصلي على القبر (٢).
стр. 1283
فإن قيل: فقد قيل: قال النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" (١).
وهذا عام في جنس الصلوات، وفي الحضر والسفر، وصلاة الجنازة من جنس الصلوات، فقد تناولها ظاهر الخبر.
قيل: المقصود من الخبر بيان الفضيلة التي خص ﵇ بها، ألا تراه قد قال: "أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي" (٢)، فذكر هذا منها.
على أنه لو ثبت العموم فهو مرتب على قوله ﵇: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء" (٣)، وهذا واجد له، وعلى قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤)، وهذا واجد للماء.
فإن قيل: إن صلاة الجنازة تترك لا إلى بدل، فيجوز أداؤها في الحضر بالتيمم كرد السلام.
قيل: صلاة الجنازة لا تفوت؛ لأن لها على قولكم بدلين، إما الصلاة عليها أو على قبرها (٥).
ثم لو كانت كرد السلام لجازت بغير طهارة أصلا، كما يجوز في رد السلام، فإذا كان قد شدد في صلاة الجنازة حتى حصل من شرطها أن تصلى
стр. 1284
بطهارة جاز أن تستوفى بشرطها.
على أن هذا منتقض به إذا لم يخف فوتها.
فإن قيل: فهي دعاء، فجاز أن تصلى بالتيمم.
قيل: هو فاسد به إذا لم يخف فوتها، وهذا واجد للماء.
وعلى أنه يلزم أن تجوز بغير طهارة أصلا، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وبغير سترة كما يجوز في الدعاء.
ثم نقول: إن التيمم طهارة ضرورة، وصلاة الجنائز لا ضرورة بالإنسان إليها؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي، أو يكون مع غيره ممن هو على [وضوء] (١)، فإن ذلك الغير إذا صلى عليها كفى وسقط عن غيره.
ونقول أيضًا: هي صلاة تفتقر إلى القبلة مع القدرة، لا وقت لها معين يخاف فواته، وهو واجد للماء، لا يخاف استعماله، فلم تجز بالتيمم، أصله صلاة الخسوف، والاستسقاء، وغيرهما.
ونقول: كل من لا يجوز له أن يصلي غير صلاة الجنازة والعيدين لم تجز له صلاة الجنازة والعيدين، أصله إذا لم يتيمم.
وهذه الأدلة تلزم الطبري (٢).
وأيضا فإن النبي ﵇ صلى على الجنائز فسميت صلاة، وقد قال:
стр. 1285
"لا صلاة إلا بطهور" (١).
وأيضا فإنها مفتقرة إلى التوجه (٢) والتكبير فهي كغيرها.
مسألة (٦١):
وكل من خاف التلف من استعمال الماء جاز له تركه، وأن يتيمم بلا خلاف من فقهاء الأمصار.
وأما إن خاف زيادة في مرضه أو تأخير برئه، أو حدوث مرض وإن لم يخف منه التلف فعندنا يجوز له أن يتيمم (٣).
وبه قال أبو حنيفة وداود (٤).
وقال أبو يوسف ومحمد: يتيمم ويصلي، وعليه الإعادة إن كان مقيما، وإن كان مسافرا فلا إعادة عليه (٥).
стр. 1286
واختلف قول الشافعي فقال مثل قولنا (١).
وقال: لا يعدل عن الماء إلا أن يخاف التلف (٢).
وقد روي عن مالك ﵀ مثل هذا.
وقال عطاء والحسن البصري: لا يستباح التيمم بالمرض أصلا، وإنما يجوز للمريض التيمم إذا عدم الماء، فأما مع وجوده فلا (٣).
والدليل لجواز التيمم وإن لم يخف التلف: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤).
стр. 1287
ولم يفرق بين مرض يخاف من التلف أو مرض يخاف زيادته، فهو عام في كل مرض وكل مريض إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) أي ضيق، فنفى الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق.
وأيضا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢).
ومن العسر وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣).
وزيادة الضنى والعلة من التهلكة، فهو ممنوع منه ومن كل سبب يؤدي إليه.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤).
وزيادة المرض ربما أدى إلى قتلنا.
وأيضا ما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: "ولّاني رسول الله ﵇ غزاة ذات السلاسل، فاحتلمت في ليلة باردة، فقلت: إن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس، فأتيت رسول الله ﷺ فقال: صليت بالناس وأنت جنب؟ فقلت: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فضحك
стр. 1288
النبي ﵇، ولم يقل شيئًا" (١).
ففي هذا الخبر فوائد كثيرة:
أحدها: جواز التيمم للخائف من استعمال الماء، وقد يقول الإنسان "هلكت" ولم يمت ولم يخف الموت، مثل من يقع في شدة فيقول: هلكت.
والفائدة الثانية: جواز التيمم للجنب، خلاف ما روي عن عمر وابن مسعود (٢).
والثالثة: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه ﵇ قال له: "صليت بالناس وأنت جنب".
والرابعة: جواز التيمم لأجل البرد.
والخامسة: أن المتيمم يصلي بالمتطهرين (٣).
وأيضا ما روي في حديث جابر قال: "خرج أصحاب رسول الله ﷺ - وجابر فيهم - في غزوة، فأصاب أحدهم حجر فشجه (٤)، فاحتلم فقال لهم: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: لا نجد لك من رخصة، فاغتسل فمات، فأتوا رسول الله ﷺ فأخبروه، به، فقال: قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا، فإن شفاء العِيّ (٥) السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصب رأسه ويتيمم، أو يمسح
стр. 1289
على العصابة ويغسل سائر جسده" (١).
وفي هذا دليل على جواز التيمم للمشجوج إذا خاف ضرر الماء، ولو كان الحكم يختلف فيه لبينه ﵇، وقال: إنما كان يكفيه أن يتيمم إن خاف التلف من استعمال الماء، وفي الابتداء لم يعلم هل كان يخاف التلف أو الزيادة في العلة.
وفي هذا الخبر أيضًا دليل على جواز المسح على العصائب.
стр. 1290
وفيه أيضًا دليل على أن الغسل والتيمم لا يجتمعان في وجوبهما عليه في حالة واحدة.
ونقول أيضًا: إنه يستضر باستعمال الماء، فيجب له جواز التيمم، أصله إذا خاف التلف.
وأيضا فإنه إذا خاف التلف جاز له التيمم، فكذلك إذا خاف زيادة المرض؛ لأن خوف التلف موجود فيه إذ لا تلف إلا من زيادة المرض.
وأيضا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة، ولا تقف على خوف التلف، كالفطر وترك القيام في الصلاة، وما أشبه ذلك، فإن المريض يفطر إذا شق عليه الصوم، ولا يجوز أن يقال له: لا تفطر حتى تخاف التلف، وكذلك إذا شق عليه القيام في الصلاة جاز له القعود، وإن لم يخف من القيام التلف، كذلك المريض يتيمم للمشقة، وخوف المرض، أو الزيادة فيه إن استعمل الماء، وكذلك المضطر يأكل الميتة إذا لحقه الجوع الشديد وإن لم يخف التلف، وكذلك خائف اللصوص، وقطاع الطريق، والخوف من الجراح، وأخذ الماء، قد رخص له في ترك الحج، وحرمة النفس أعظم من حرمة المال، فإذا كانت الرخص على ما قلنا والأصول تشهد له صح ما قلناه.
فإن قيل: آية التيمم لا حجة لكم فيها من وجهين:
أحدهما: أنه تضمنت حكم المريض العادم للماء، ونحن نجوز له التيمم، ومسألتنا غير هذه، وهي في المريض الواجد للماء، وليس في الآية حكمه.
والوجه الآخر: هو أن ابن عباس - رحمة الله عليه - فسر الآية فقال:
стр. 1291
"المراد بالمريض القريح المجروح الذي يتلف من مس الماء" (١).
قيل: أما الوجه الأول فساقط باتفاق، وبالظاهر أيضًا؛ لأن من لم يجد الماء فالتيمم له جائز لعدمه الماء، لا لأجل المرض، وإنما خص المريض بالذكر ليخص بالحكم، فيكون بمرضه في جواز التيمم مخالفا للصحيح، سواء وجد الماء أو عدمه، وإلا فهو داخل في جملة المحدثين إذا عدموا الماء، مسافرين وغيرهم.
وأما تفسير ابن عباس فلا يلزم؛ لأنه لم يذكره عن الله تعالى، ولا عن رسوله (٢)، والظاهر أولى من التفسير؛ لأنه ليس بمجمل فيحتاج إلى تفسير.
على أن قوله: "الذي يتلف من مس الماء" لا يعلمه إلا الله، وهذا قطع على أنه يتلف من مسه، وإنما يغلب على ظنه أنه يتلف، وقد يغلب على ظنه زيادة في المرض تجر إلى التلف، فأسباب التلف أيضًا ممنوع من فعلها كما يمنع من التلف، وما ذكرناه من الرخص وشهادة [الأصول] (٣) أولى.
فإن قيل: قياسكم على الخائف من التلف لا معنى له؛ لأنه يخاف التلف، ومن خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف، وقد يباح عند خوف التلف ما لا يباح عند عدمه.
стр. 1292
وقولكم: "إن الخوف من الزيادة في المرض كالخوف من التلف؛ لأن سبب التلف هو الزيادة في المرض" فليس من مسألتنا؛ لأن الذي يخاف زيادة في المرض وهي مؤدية إلى التلف يجوز له التيمم عندنا، وإنما كلامنا فيمن يخاف زيادة في المرض فقط، مثل أن يكون في رجله قرح إن أصابه الماء زاد في وجعه ومرضه، ولا يخاف التلف من زيادته.
قيل: قولكم: "إن من خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف" فإنه ليس كذلك؛ لأن كل عليل خائف من التلف يخوفه تزايد علته، وهذا كله اجتهاد، وقد يعلم أن من بدأ به المرض يخاف الموت ما لا يخافه وهو صحيح، فكلما تزايد مرضه تزايد خوفه، وكله مخافة الموت.
وقولكم: "إن كلامنا فيمن يخاف زيادة المرض فقط" فإن هذا أمر لا يعلمه إلا الله تعالى، وكل من خاف زيادة المرض لا يتحقق زيادة تقف دون زيادة تزيد وتقوى، فتؤدي إلى التلف، بل الطباع مجبولة على أن أول العلة يخاف معها التزايد الذي يؤدي إلى التلف، والحذر كله من الموت، ومن برجله قرح يخاف تزايده بمس الماء فليس يخاف تزايده إلا حنيفة أن تؤدي إلى التلف.
فإن قيل: هذا يلزم في المحموم والمصدع (١).
قيل: الغالب من أمر المحموم والمصدع أن ينفعه الماء، ألا ترى أن النبي ﵇ قال: "اكسروها بالماء" (٢)، وليس كلامنا فيمن لا يخاف استعمال
стр. 1293
الماء، ولا فيمن يستشفي بالماء، وإنما كلامنا فيمن يخاف أن يحدث به مرض، أو يخاف زيادة مرضه، فقد أرخص الله له تعالى أن يعدل إلى الرخص، كما ذكرناه في فطر العليل، وتركه القيام في الصلاة المفروضة.
فإن قيل: الفرق بين فطر المريض وتركه القيام في الصلاة وبين تيممه حيث قلنا له: لا تتيمم وأنت واجد للماء، إلا أن تخاف التلف من استعماله من وجهين:
أحدهما: أنه إنما جاز له أن يفطر وإن لم يخف التلف على نفسه إذا لحقته المشقة في الصوم؛ لأن للمسافر أن يفطر إذا لحقته مشقة وإن لم يخف التلف، ولما لم يجز للمسافر الواجد للماء أن يتيمم إلا إذا خاف التلف من استعمال الماء كذلك المريض مثله، فيجعل حكم المريض كحكم المسافر في الفطر والتيمم جميعًا؛ لأن الفطر مباح للمريض والمسافر، كما يباح التيمم للمريض والمسافر.
الفرق الثاني: وهو الفقهي: أن المريض إنما جاز له أن يفطر ويقعد في الصلاة وإن لم يخف التلف منه على النفس؛ لأن عذره موجود في الحال متحقق؛ لأن وجود المشقة في الصيام والقيام حاصلة، فكان له أن ينتقل عنه، وليس كذلك في مسألتنا إذا خاف زيادة المرض؛ لأنه لم يتحقق العذر الذي هو زيادة المرض، وإنما يخاف وجوده فيما يأتي، وقد يوجد وقد لا يوجد، فلما لم يتحقق العذر لم يجز له أن يتيمم إلا في الموضع الذي هو
стр. 1294
تغرير بالنفس، وهو أن يخاف التلف؛ لأن التغرير بالنفس ممنوع منه.
قيل: أما الفرق الأول فغلط ولا فرق بين المسافر والمريض لأن المسافر إن خاف من استعمال الماء حدوث مرض جاز له أن يتيمم وإن لم يخف التلف، كما يجوز له إن خاف التلف، كالمريض سواء، فسقط هذا الفرق.
وأما الفرق الثاني وقولكم: "إن المريض عذره موجود متحقق؛ لأن وجود المشقة في الصيام والقيام في الصلاة حاصلة، وأن الزيادة في المرض لا تتحقق" فإن هذا ليس بشيء، وليس فطر المريض إلا لرجاء برئه أو خوف زيادة مرضه (١)، ألا ترى أن المشقة في الصيام تلحق الصحيح، ولا يجوز له الفطر حتى يخاف مرضا يحدث عندنا، أو يخاف التلف من الصوم، وإنما الاعتبار مشقة تؤدي إلى المرض أو التلف.
وعلى أن المريض الخائف من استعمال الماء عذره في المرض موجود متحقق، وما يخافه من الزيادة هو المراعي، كما أن مرضه موجود وخوفه من الصوم مراعي، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فقد روي في حديث أبي ذر أن النبي ﵇ قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته" (٢).
стр. 1295
فأمره بإمساس الماء البشرة إذا وجده، ولم يفرق بين أن يخاف التلف، أو الزيادة في المرض، أو كيف ما كان، فهو على عمومه حتى يقوم دليل.
قيل: هذه الآية (١) مرتبة على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) أي من ضيق، واستعمال الماء للمريض الذي يخاف هو من أشد الضيق.
ومرتبة أيضًا على قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣).
ومن أشد العسر استعمال الماء الذي تخاف منه زيادة المرض.
ومرتبة على قول النبي ﵇ في المشجوج: "إنما كان يكفيه أن يتيمم" (٤).
ويؤيد هذا ما ذكرناه من الرخص، وشهادة الأصول، والقياس الذي يخص الظاهر، فيصير تقدير قول النبي ﵇: "فليمسسه بشرته" (٥) إذا لم يخف الضنى وزيادة المرض، كما لو خاف التلف.
فإن قيل: فإنه واجد للماء، لا يخاف من استعماله التلف، فوجب أن لا يجوز له التيمم، ولا يعتد به، أصله إذا كانت به حمى أو صداع.
стр. 1296
قيل: إن كان الصداع يضره الماء البارد الشديد البرد حتى يخاف منه تزايد الصداع فله أن يتيمم، فأما إن كان الصداع من شدة الحمى ينفعه الماء فإنه يستعمله، وكذلك الحمى التي تُكسر بالماء، فالمعنى في هذا النوع أنه لا يخاف مرضا ولا زيادة فيه، بل هو ينفعه.
فإن جعلوا العلة في الصحيح قيل: إن كان الصحيح يخاف أن تحدث به علة مثل النزلة من شدة برد الماء إن اغتسل وهو جنب، أو يخاف حمى فإنه يتيمم، وإن لم يخف شيئًا من ذلك فالمعنى فيه أنه غير خائف، وليس كذلك المريض الذي يخاف تزايد ما به؛ لأن تزايده من أسباب التلف، وقياسنا أولى بشهادة الأصول؛ له.
فإن قيل: إن الله تعالى ما أباح للمريض التيمم إلا وأباح للمسافر التيمم لأنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١)، ثم تقرر أن المسافر الواجد للماء لا يجوز له أن يتيمم إلا عند الخوف من التلف.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن المسافر إذا خاف العطش فليس يخاف التلف، وليس كل عطش يخاف منه التلف، وله أن يحبس الماء خوف العطش، والإنسان لا يعلم مقدار ما يحدث له من العطش، فينبغي أن يكون المريض الخائف من حدوث المرض أو تزايده كالخائف من العطش أو تزايده.
والجواب الآخر: هو أن المسافر لو لم يخف العطش وخاف استعمال
стр. 1297
الماء لحدوث مرض فإنه يتيمم، فلم يلزم ما ذكروه.
ووجه قول مالك في الرواية الأخرى أنه لا يتيمم إلا عند خوف التلف ما ذكرته من الحجاج للمخالفين، والله أعلم.
وقد تضمن حجاجنا فيما مضى من الكلام على عطاء والحسن، فتؤخذ من خبر عمرو بن العاص حين ولاه النبي ﵇ الغزاة، وأنه تيمم لما خاف التلف، وأخبر النبي ﵇ بذلك فقال له: "أصليت بالناس وأنت جنب؟ فاحتج بالآية فتيمم مع وجود الماء، ولم ينكر عليه، ولا أمره بالإعادة" (١).
وبما ذكرناه أيضًا من تغيير الفروض بلحوق المشقة وإن لم يخف معه التلف، مثل الصائم يفطر وإن لم يخف التلف إذا كان مريضا يخاف الصوم، ومثل (٢١٧) صلاته جالسا وإن لم يخف التلف من القيام، ومثل ما ذكرناه من قطاع الطريق، وترك الخروج إلى الحج، والسعي إلى الجمعة، ففيه كفاية، والله الموفق.
وما قاله محمد وأبو يوسف من أنه إن كان مقيما تيمم وصلى وأعاد تكون الحجاج عليه ما احتججنا به على الشافعي في الحاضر إذا عدم الماء فتيمم وصلى؛ لأنه قد أدى ما كلف ووجب عليه من التيمم والصلاة، وكل من صلى على ما أمر به سقط فرضه، ولم تجب عليه الإعادة (٢). والله أعلم.
стр. 1298
مسألة (٦٢):
عند مالك ﵀ أن من كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسله من الجنابة، مثل أن يكفيه لبعض أعضائه، ولا يكفي الباقي فإنه يتيمم، ولا يجب عليه استعماله، وكذلك لو كان معه ما يكفي بعض أعضائه في الوضوء، ولا يكفي جميع أعضائه فإنه يتيمم ويترك الماء الذي لا يكفيه (١).
وبه قال أبو حنيفة (٢)، والمزني، والشافعي في أحد قوليه، وهو القديم (٣).
وقال في الجديد (٤): يستعمل الماء في بعض أعضائه ويتيمم للباقي (٥).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٦).
فأمر تعالى بغسل الأعضاء، وبطهارة جميع البدن في الجنابة، ولم يذكر بأي شيء يغسل ويتطهر، فلما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧) علمنا أنه أراد غسل
стр. 1299
جميع ذلك بالماء، وعلمنا أن بعدم ما يكفي غسل ما تقدم ذكره [لا] (١) يجب الغسل، ومن معه ماء يكفي لبعض ما أمر بغسله فإنه غير واجد لما يكفي ما تقدم ذكره، فوجب عليه التيمم؛ لأنه بدل الماء المقصود به غسل جميع الأعضاء.
فإن قيل: السؤال عليكم من هذه الآية من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لو أراد عدم ما يكفي جميع تلك الأعضاء التي قدم ذكرها لعرفه بالألف واللام فقال: "فلم تجدوا الماء"؛ لأن إعادة المذكور كذا يكون معرفا، فلما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٢) ونكره كان شائعا في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا.
والسؤال الثاني: هو أنا لا نخالفكم في وجوب التيمم، وإنما خلافنا في الماء القليل قبل التيمم.
والثالث: أن الآية حجة لنا، والمعنى فيه: فلم تجدوا ماء أصلا، فإنه غير قادر على استعماله أصلا، فلهذا يكون فرضه التيمم، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه واجد لماء، قادر على استعماله، فكان فرضه استعماله.
قيل: عن هذا أجوبة:
فأما السؤال الأول فساقط؛ لأن الله تعالى لم يذكر في أول الآية بأي شيء تغسل، بماء أو غيره، فلم يجر للماء ذكر فيحتاج إلى إعادته بالتعريف
стр. 1300
فرُدِّد (١) منكرا، ونبهنا تعالى بذكره أنه أراد غسل الأعضاء بماء دون غيره من المائعات، ولكنه ما يكفي الأعضاء التي تقدمت، ألا ترى أنه لو صرح فقال: "فلم تجدوا ماء يكفيكم لتلك الأعضاء فتيمموا" لصح.
وعلى أنه لو ذكر تعالى في أول الآية ماء منكرا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب أن يعرف بالألف واللام؛ لأنه لو عرفه لصار الأمر مقصورا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاده بلفظ منكر ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا لجميع الأعضاء وجب التيمم (٢).
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٣).
فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول، ولهذا قال ابن عباس ﵁: "لن يغلب عسر يسرين" (٤).