← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

به، فكل دم تتأذى به المرأة فهو حيض حتى يقوم الدليل (١). ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) (٢). فأطلق ولم يخص دما من دم. وأيضا ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: "ميقات حيض النساء وطهرهن شهر" (٣). فظاهر هذا أنه نصفان: نصف للحيض، ونصف للطهر. وما روي أنه قال في المرأة: "إنها ناقصة العقل والدين"، وبين أن نقصان دينها أن تصلي نصف دهرها، وفي حديث: نصف عمرها، وشطر عمرها (٤). وأيضا قوله ﵇ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإنه دم أسود يعرف، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٥). فأحالها على إقباله وإدباره، ولم يقل: إذا مضت عشرة أيام، فهو عام. وقوله أيضا للأخرى: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن" (٦).

стр. 1472

ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة أيام. وقوله أيضا: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة" (١)، فأعلم أن الحكم يتعلق بدم هذه صفته، ولم يقيده بمدة عشرة أيام ولا غيرها، فلا ينتقل عن حكمه إلا بدليل. [وأيضا فقد حصل الحيض عليها في العشر بيقين، فلا ينتقل عنه بالزيادة عليه إلا بدليل] (٢). وأيضا فإن كل وقت من الشهر أبقى لأقل الطهر وقتا جاز أن يكون ذلك الوقت كله حيضا، دليله العشرة الأيام لما كانت تبقي من الشهر ما يجوز أن يكون وقتا لأقل الطهر فالعشرة كلها حيض، كذلك الخمسة عشر لما أبقت من الشهر وقتا لأقل الطهر جاز أن تكون كلها حيضا. وأيضا فإن كل شفع من العدد قد حكم له بحكم الحيض فالاتفاق إذا

стр. 1473

أضيف إليه نصف صار به وترا جاز أن يكون بمجموعه حيضا، دليل ذلك: الستة الأيام لما أضيف إليها نصفها فصارت شفعا (١) وهي وتر وتكون حيضا، كذلك [العشر] (٢) تكون حيضا باتفاق، فإذا أضيف إليها نصفها صارت به وترا جاز أن تكون كلها حيضا. وأيضا فإن العشرة الأيام موجودة في النساء في العرف والعادة وجبلة وخلقة، فيجوز أن يكون على تلك العادة زيادة في الحيض، أصله الستة الأيام والسبعة والثمانية. فإن قيل: فإن الصلاة في الأصل قبل الحيض عليها بيقين، فلا تسقط عنها إلا بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالعشر، ولم يتيقن فيما بعدها. قيل: بإزاء هذا مثله، وهو أننا تيقنا سقوط الصلاة عنها في العشر، فلا ينتقل عن هذا اليقين حتى نوجب عليها بعدها شيئا إلا بيقين، والصلاة وإن كانت عليها في الأصل بيقين فإنها تسقط بإقبال الحيض بيقين؛ لأننا لا نقطع على يقين ما تعلق عليها من حكم الحيض؛ لأنها قد تحيض وتطهر قبل العشر، فلا يتحقق الوقت الذي ينقطع فيه، فلا ينبغي أن ننتقل عن حكمه إذا أقبل إلا بيقين، ولسنا نتيقن على العشرة أنها أكثر؛ لأن الخلاف قائم فيها. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٣)، فتجب عليها المحافظة في كل وقت إلا في الوقت الذي حصل بالاتفاق أنه حيض، وقد

стр. 1474

اتفقنا في العشرة أنها حيض. قيل: إنما تجب المحافظة على من عليه الصلاة بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالحيض، ولم نتيقن وجوبها عليها بعد العشرة. على أنه لو ثبت العموم لكان مخصوصا ببعض ما ذكرناه. فإن قيل: فقد قال ﵇: "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا" (١)، فلا يجوز الزيادة عليها إلا بدليل، وقد قام دليل العشرة، فنحن عليه حتى يقوم دليل بالزيادة. قيل: هذا وارد في امرأة بعينها مبتدأة اتصل بها الدم، ولم يكن لها تمييز ولا أيام ترجع إليها، فردها إلى عادة النساء سواها. ألا تراه كيف قال لفاطمة بنت أبي حبيش وهي مميزة: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي" (٢). وعلى أنه لما لم يدل على أنها لا تحيض عشرة أيام لما قامت من الأدلة عندكم فكذلك لا يدل على أنها لا تحيض خمسة عشر يوما لما ذكرناه من الأدلة. فإن قيل: فقد روي أنه قال: "اقعدي أيام أقرائك" (٣).

стр. 1475

وقال: "لتنظر عدد الأيام والليالي" (١)، وهذه عبارة عما دون العشرة. قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول: أيام أبي بكر، وأيام عمر، فتكون عبارة عما هو أكثر من عشرة بكثير (٢)، وقد قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مَّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٥)، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة، ولو أراد الأيام الأقل الذي هو ثلاثة لم يمنع أن تقوم الدلالة على الزيادة إلى خمسة عشر، كما قامت لكم الدلالة في الزيادة إلى عشرة أيام. وعلى أن الخبرين وردا على امرأة اشتبهت عليها حال حيضتها لا أنها عرفت أيامها. فإن قيل: فقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "أكثر الحيض عشرة أيام" (٦). قيل: هذا لم يصح عندنا، ولو صح لكان محمولا على ما تأولناه أنه قضية في امرأة بعينها.

стр. 1476

ولنا أن نقول: إن هذا دم ترخيه الرحم يسقط الصلاة والصوم، فجاز أن يحكم له بحكم الحيض في الخمسة عشر يوما، دليله دم النفاس. وأيضا فكل حكم استوفى فيه تسعة أيام ولم تبلغ به العشرين اقتصر على خمسة عشر، دليله: أقل الطهر لما كانت التسعة الأيام قد ثبت لها حكم في أقل الطهر ولم تبلغ بأقله العشرين اقتصر فيه على خمسة عشر يوما. ونقول أيضا: إنه حكم معلق على الأيام، يجوز أن يستوفى به عشرة أيام، فيجوز أن يستوفى فيه خمسة عشر، كالطهر. وأيضا فإنه زوج من العدد لا يزيد على العقد، نصفه يوتره، فجاز أن يكون هو مضموما إليه نصف حيض، دليله الست. فقد ثبت صحة ما قلناه بالظواهر والاستدلالات والقياسات، ثم الحكم بشهادة الأصول، وذلك أن الله تعالى جعل الأشهر الثلاثة بإزاء الأقراء الثلاثة في التي لم تحض والتي قد يئست من المحيض، فكان كل شهر بإزاء قرء، فدل على أن الشهر يجمع الحيض والطهر جميعا، فإذا ثبت أن الشهر بإزاء القرء فلا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون يجمع أقل الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثرهما، وإما أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثر الحيض، وأقل الطهر، فلا يخلو من هذه الأقسام الأربعة. فتبطل منها الثلاثة الأول، فيبطل أن يجمع الأقَلَّين؛ لأنهما ينقصان عن الشهر، وهو يزيد عليهما.

стр. 1477

ويبطل أيضا أن يجمع الأكثرَين؛ لأنه ليس لأكثر الطهر حد، فهما يزيدان عن الشهر. ويبطل أيضا أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض لما ذكرناه في أكثر الطهر. فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أنه يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فإذا كان أقل الطهر خمسة عشر يوما ثبت أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما. وإن عبرنا عن الترجيح بعبارة أخرى أخصر من ذلك قلنا: إن الشهر في الحكم يجمع طهرا وحيضا، فحصل ظرفا لهما، فوجب أن يحوي أقصى أحد النوعين وأدنى الآخر، ثم قد حصل الاتفاق على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما (١)، فوجب أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما ليتم بها الشهر، كما أن ثلاثين شهرا حوت مدة الفصال والحمل، وجعلت ظرفا لهما، ثم كان

стр. 1478

أقصى مدة الفصال حولين بالقرآن، ثم كان مدة أدنى الحمل ستة أشهر، لتستوفي الثلاثون شهرا المدتين جميعا. وبالله التوفيق. مَسْألة (٨١): والحامل عند مالك تحيض، فإذا رأت الدم تركت الصلاة كالحائل سواء (١). وهو أحد قولي الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة: لا حكم لدمها في ذلك (٣)، وتجعله استحاضة (٤).

стр. 1479

والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) (١). قال ابن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن: "إنه حيض الحبالى"، وكذلك قال عكرمة ومجاهد (٢)، ومع هذا فهو عموم في كل رحم، حاملا كانت أو غير حامل. وأيضا قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣). فظاهره يوجب أن ما انفصل منها مما يتأذى به فهو حيض إلا أن تقوم دلالة، ولم يفرق بين حامل وحائل. وقول النبي ﵇ لفاطمة بنت أبي حبيش وقد سألته: إني أستحاض فلا أطهر: "إذا أقبلت الحيضة فاترك الصلاة" (٤). فلو كان الحكم يختلف لبين لها، ولقال: إلا أن تكوني حاملا. وأيضا ما روي أن عائشة ﵂ قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ

стр. 1480

وأسارير وجهه تبرق، فقلت له: أنت أحق بما قال أبو كبير الهذلي: ومبرأ من كل غُبّر حيضة … وفساد مرضعة وداء مغيل (١) معنى مبرأ: أي أمك لم تحملك في حال حيضتها (٢)، فلم يقل لها: كيف تحمل المرأة في حال الحيض. وقوله: ﵇: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف" (٣)، فأخبر بعلامته، فلو كان يختلف لقال: "إذا كان على غير حمل"، ولم يغفل ذلك كما لم يغفل باقي علاماته، فهو عام في الحائل والحامل إلا أن يقوم دليل. وأيضا فإن كل دم يحرم الوطء ويمنع الصلاة والطواف فإنه يجوز وجوده مع الحمل، أصله دم النفاس إذا كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا وتأخر وضع الآخر وهي ترى الدم بينهما.

стр. 1481

ولو جعل هذا استدلالا مبتدأ لجاز، وذلك أن يقال: إن النفساء من واحد من اثنين إلى أن تضع الآخر يوجد الدم منها بينهما، فيحكم له بحكم الحيض باتفاقنا (١)، وهو حكم موجود مع حمل، فلم يناف الحمل الحيض، فكذلك قبل أن تضع شيئا لا فرق بينهما؛ لأن دم الحيض والنفاس واحد، ولأنه دم يجتمع في الرحم، فربما أرخت الرحم بعضه على الحمل، وربما تأخر إلى أن تضع. وأيضا فإنه دم موجود منها بصورته في أيام عادتها، فوجب أن يكون حيضا كالحائل. أو نقول: إنها رأت الدم المشبه للحيض في حال الإمكان، فيجب أن يكون حيضا كما لو رأته وهي حائل. وأيضا فإنه لا يخلو أن يكون الدم الظاهر من الحُمَّل حيضا أو استحاضة، وقد بطل أن يكون استحاضة؛ لأن من شرط الاستحاضة أن يكون بعد الحيض، فثبت أنه دم حيض. وأيضا فإن الأصل في ذلك الوجود، وقد يوجد في الحامل كما يوجد من الحائل، فينبغي أن يرجع فيه إلى الوجود فيحكم به. وأيضا فإنه لو عقد عليها عقد نكاح، ثم لما تقرر حكم العقد وطئها،

стр. 1482

ثم حاضت عقيب الوطء فإنها تترك الصلاة ويحرم وطؤها، فلو أتت بعد ذلك بولد لستة أشهر من يوم العقد للحق نسبه بالاتفاق، فعلمنا بهذا أنها حاضت على الحمل. وكذلك لو عقد عليها حائضا ثم أتت بولد لستة أشهر من يوم العقد للحق به، فثبت أن الحمل طرأ على الحيض، فإذا كان الحيض لا ينافي الحمل فكذلك الحمل لا ينافيه. فإن قيل: فإن الحمل يضاد الحيض، لإجماع الأمة أن المرأة إذا طلقت وهي من ذوات الأقراء فتكرر الحيض منها انقضت عدتها به، وعلم فراغ رحمها، فلو كان الحيض يوجد مع الحمل ما كان وجوده دليلا على البراءة لجواز أن تكون حاملا مع وجوده، يدل على ذلك قوله ﵇: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (١). فجعل علامة براءة الرحم الحائل وجود الحيض، وبراءة رحم الحامل الوضع. قيل: هذا هو الدليل على جواز وجود الحيض مع الحمل؛ لأن براءة رحم الحائض بالأقراء إنما هو عام ظاهر، وغلبة ظن، لا يقين وإحاطة علم، ولو كان يقينا لاقتصر على قرء واحد، ألا ترى أن وضع الحمل من حيث

стр. 1483

أفادنا اليقين لم يضم إليه سواه، ومن حيث اشترط العدد في الأقراء دل على أن ذلك كالعدد من الشهور التي تدل على البراءة من طريق غلبة الظن، ومنزلته منزلة الشهود على الحقوق من حيث كان قولهم دلالة ظاهرة لا متيقنة افتقر فيه إلى العدد، ثم الشهود في الدلالة وإن كانوا كالأقراء فقد يجوز أن تنكشف الحقيقة بخلاف الظاهر، فكذلك الأقراء. وأيضا فمعنى قوله ﵇: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (١) أي أن الحامل وإن حاضت فلا يبرئها الحيض حتى تضع، فلا توطأ وإن رأت الحيض وانقطع عنها حتى تضع، فهو بخلاف الحائل، فهذا فائدته (٢). وأيضا فإن الحامل باثنين إذا وضعت واحدا ورأت الدم ولم تضع الآخر فهي تترك الصلاة لرؤية ذلك الدم، فلا تنقضي به العدة. وأيضا فإن الحيضة الواحدة من الحائل تترك لها الصلاة، ولا تنقضي بها العدة، وكذلك إذا مات فحاضت في الشهور فإنه حيض ولا تنقضي به العدة. فإن قيل: لو كان حيضا لحرم الطلاق فيه. قيل: الطلاق محرم فيه. فإن قيل: لما كان الحمل تنقضي بوضعه العدة كما تنقضي بالحيض، ثم لما لم يجز أن تحمل الحامل وجب أن لا تحيض إذ الحيض بمنزلة الحمل في انقضاء العدة.

стр. 1484

قيل له: يجوز الحمل مع عدم الحيض، ويجوز الحيض مع عدم الحمل، ويجوز اجتماعهما على ما بينا، وإنما لم يجز أن تحمل الحامل من أجل شغل الموضع بالحمل، كما لا يجوز كون الجسمين في محل واحد؛ لأن أحدهما قد يشغل المكان، فمنع غيره من الحيز الذي حصل فيه، ولم ينتقل عنه، فسبيل الحمل الموجود هذا السبيل، وليس كذلك الحيض؛ لأنه ليس بمستحيل وجوده مع الحمل، كما لا يستحيل (٢٥٨) وجوده مع الحائل. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة (١)، والصحابة إذ ذلك متوافرون، ولم ينكر أحد منهم عليها، ولو خالفها أحد منهم لكان قولها أولى لاختصاصها بعلم أحكام الحيض، وأنه مما يختص به النساء، ولقربها من رسول الله ﷺ ، مع ما يعتادها من الحيض، ولكثرة أسئلة النساء عن ذلك، بحيث تكون هي ولا يكون الرجال، فكيف ولم ينقل عن أحد منهم خلافها؟ فصار هذا كالإجماع. ثم نقول أيضًا: إن للون الدم من الدلالة على الحيض ما للحيض من

стр. 1485

الدلالة على براءة الرحم، فلو بطل كون أحدهما دليلا؛ لأنه قد يخلف في حال ما بطل الثاني؛ لأنه قد يخلف في حال ما، والله أعلم. وفيه إجماع الصحابة؛ لأنه أن روي رجلين تنازعا ولدا، فترافعا إلى عمر، فعرضه على القافة (١)، فألحقه القائف بهما، فعلاه عمر بالدِّرة (٢)، وسأل نسوة من قريش، وقال: أبصرن ما شأن هذا الولد. فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت على الحمل، فاستحشف (٣) الولد، فظنت أن عدتها انقضت، فدخل بها الثاني فانتعش المولود بماء الثاني. فقال: الله أكبر، وألحقه بالأول" (٤).

стр. 1486

ولم يقل: إن الحامل لا تحيض. وأيضًا فإنه دم صارع (١) دم الحيض صفة وقدرا في أيام العادة، فجاز أن يكون حيضًا، دليله الحامل. مَسْألة (٨٢): وأكثر النفاس عند مالك ﵀ ستون يومًا (٢). وقد حكي عنه أنه يرجع إلى أكثر الوجود في النساء في غالب أحوالهن (٣).

стр. 1487

وعند الشافعي ستون يومًا (١). وعند أبي حنيفة أربعون يومًا (٢)، وما زاد على ذلك (٣) فهو استحاضة. والدليل لقولنا أن أصل الحيض والنفاس مبني على الموجود في طباع النساء على حسب عادتهن فيه، وهن مختلفات في وجوده على حسب اختلاف البلدان، واختلاف الأزمنة عليهن، واختلاف أسنانهن وطباعهن، فالمرأة الواحدة يختلف ذلك عليها بحسب احتداد الحرارة بها والبرودة، ويختلف عليها في الزمانين، وتختلف الحال في صغرها وكبرها، وكذلك يختلف في المرأتين على حسب طباعهما واختلاف أحوالهما، وينتقل الحيض عليها من زمان إلى زمان، ويزيد في زمان وينقص في آخر، وبعضهن ترى الدم في النفاس أربعين يومًا، وبعضهن تراه أقل من ذلك، وبعضهن تراه أكثر، ولعل المرأة الواحدة يختلف الحال بين نفاسها في الولد الثاني وبين الأول، فإذا

стр. 1488

كان هذا هكذا صار حكم النفاس في ذلك كحكم الحيض، لأقله حد، ولأكثره حد، على حسب الوجود في عادتهن، فوجب الحكم في ذلك في النادر والمعتاد، كما كان في الحيض أيضًا، فالرجوع إلى حكم الوجود أولى؛ لأنه قد وجد مَن نفاسها ستون يومًا، ثم ترى بعده طهرًا تامًّا، فيعلم أن ذلك نفاس إذ الوجود إليه انتهى. وأيضًا فقد حكي عن الأوزاعي أن المرأة كانت ترى الدم عندهم شهرين (١). وأيضًا فإن العلماء مجمعون على أن أقصى غاية النفاس عادة أربعة حُيّض (٢)، فمن يقول: أكثر الحيض خمسة عشر يقول: أقصى النفاس ستون، ومن يقول: أكثر الحيض عشرة يقول: أقصى النفاس أربعون، وقد دللنا على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا (٣)، فيجب أن يكون أكثر النفاس ستون يومًا. وأيضًا فإن الأربعين يومًا لما كانت عادة في النساء في النفاس وجب أن يكون أكثره زائدًا على العادة، كدم الحيض الذي الست والسبع منه عادة فيهن زادت نهاية أكثره عليه. ولنا من الظواهر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.

стр. 1489

فجعلهن مؤتمنات على ذلك ليقبل منهن، فإذا ذكرت ذلك تعلق الحكم عليه إلا أن يقوم دليل. وأيضًا فإننا قد حكمنا لها بحكم النفاس والدم موجود فيما دون الأربعين وفي الأربعين، فلا ينقل عنه إلا بدلالة؛ لأن العلم الموجب للحكم موجود. فإن قيل: فقد روى ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "للنفساء أربعون يومًا، فإذا مضت اغتسلت وصلت" (١). وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغسل وتصلي" (٢). وروى عثمان بن أبي العاص أن النبي ﷺ قال: "أكثر النفاس أربعون يومًا، وما زاد فهو استحاضة" (٣). قالوا: وكذا روي أن أم سلمة قالت: "كن النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ

стр. 1490

في النفاس أربعين يومًا" (١). (٢٥٩) قالوا: ومعلوم أن وجود هذا القدر لا يتعلق بنساء أهل زمان واحد، فثبت أن المراد كون مدتهن مقصورات على هذا القدر، وهذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر من النبي ﵇. قيل: أما خبر عائشة عنه ﷺ فيحتمل وجوهًا منها: أنه خرج على سؤال قيل له: ما حكم النفساء ترى الدم أربعين ثم ينقطع؟ فقال: للنفساء التي هذه صفتها أربعون يومًا، فإذا مضت الأربعون يومًا بالدم اغتسلت وصلت. ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، وهي امرأة يعرفها النبي ﵇ هذه صفتها، فأفتى فيها بذلك، وهذا ظاهر؛ لأنه ليس في العرف أن يبتدئ الإنسان على غير سؤال فيقول: للنفساء أربعون يومًا (٢)، وقد اختلف الناس

стр. 1491

في الألف واللام إذا دخلت على النكرة هل تكون للعهد وتعريفًا للنكرة، أو للجنس (١)؟ والأليق في هذا المكان أن تكون للتعريف والعهد لما ذكرناه من حال الابتداء. فإن قيل: فهذا كقوله ﷺ : "للفرس سهمان، وللفارس سهم" (٢). قيل: هذا أيضًا حجتنا؛ لأنه خرج كلامه على الفرسان الذين كانوا معه في المغنم، وهم أصحابه الذين يعرفهم، ولم يرد تعريف الجنس في كل فارس في الأرض أو البلد. وأيضًا فلا يمتنع أن تقوم الدلالة في الموضع أن ذلك للجنس، فلا ينبغي أن يحمل كل موضع فيه الألف واللام عليها. وأما خبر ابن عمر (٣) عنه ﵇: "تنظر النفساء أربعين ليلة فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، فإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي" فإنه خبر لا يعرف، فإن صح فيحتمل أن يكون في امرأة جرت عادتها بذلك على السنين، وكثرة الولادة، فحكم لها بعادتها، كما إذا زادت على عادتها في أيام الحيض عندهم. ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : "فإذا جاوزت الأربعين" وبعدها عشرين؛ لأنها أيضًا متجاوزة، ولم يقل: أول ما تجاوز بالدلائل التي قدمناها.

стр. 1492

وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد قيل: إنه موقوف عليه (١). ويحتمل أن يكون قوله ﵇: "أكثر النفاس أربعون يومًا" لمن لم يزل عادتها كذلك. ويحتمل أن يكون وما زاد عليها وعلى عشرين يومًا آخر؛ لأننا قد أقمنا الدلائل على الستين، فلو قال: أكثر النفاس أربعون وبعدها عشرون لما استحال إذا [دلت] (٢) الدلالة على الستين، ولم يقل: وأول الزيادة استحاضة، وإنما قال: وما زاد، فيحتمل أن يريد وما زاد فأفرط حتى تجاوز الأربعين بأكثر من عشرين بالدلائل التي أقمناها. وأما قول أم سلمة: "كان النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ أربعين" (٣) فهذا يدل على أنهن بعده قد تغيرت أحوالهن فقالت هذا القول، فيحتمل أن يكون أولئك [النساء] (٤) كان طباعهن وعاداتهن في ذلك الوقت جارية بالأربعين، ثم تغير الزمان، وقد بينا أنه يتغير بتغير الأزمنة، وإنما خبرت عن حال كان النساء عليها في ذلك الوقت، ولم تقل لمن حضر: فاقعدن أنتن كذلك، وإنما أعلمتهن أن عادات أولئك كانت على خلاف عاداتكن. وقولهم: "إن هذا لا يتعلق بأهل زمان واحد" غلط؛ لأننا قد بينا أنه

стр. 1493

يختلف عليهن باختلاف الأزمان. وقولهم: إن هذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر النبي ﵇ فقد بينا الاحتمال في صريح قول النبي ﷺ ، وليس ما ذكروه اتفاقًا، وإنما هي روايات مختلفة، وألفاظ مختلفة محتملة. فإن قيل: فقد روي عن عمر (١)، وابن عباس (٢)، وعثمان بن أبي العاص (٣)، وعامر بن عمير (٤): أن أكثر النفاس أربعون يومًا، وما زاد فهو استحاضة. قالوا: والاستدلال بهذا من وجهين: أحدهما: أن تقدير الأربعين في مدة النفاس لا يتوصل إليه إلا من طريق التوقيف، فصار هذا كروايتهم عن النبي ﵇.

стр. 1494

والثاني: أن هذا القول نقل عنهم من غير خلاف من نظرائهم، فتصير مسألة إجماع. ولأن المقادير التي تتعلق بها حقوق الله تعالى على غير وجه الفصل بين القليل والكثير لا يتوصل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على الأربعين، وما فوق ذلك مختلف فيه، فلا يصح إثباته إلا بتوقيف أو اتفاق. قيل: هذا الذي ذكرتموه عن هذه الجماعة ليس بأولى من صريح قول النبي ﷺ ، وقد تأولناه، فهذا بالتأويل أولى. وأما الوجه الآخر فإنه لا يجري مجرى الإجماع إلا أن تكون فتيا ظاهرة (١)، تنتشر منهم في الصحابة فلا يخالفون، فأما حكايات عنهم تُتأول فلا يجيء منها ما ذكرتم. على أنكم أنتم لا تحكمون بفتوى الصحابي إذا انتشرت، حتى إن بعضكم لا يجعله حجة، فكيف يجري مجرى الإجماع. وأما أن المقادير لا توجد إلا (١٣٠ ب) عن توقيف فأنتم تعلمون خلافنا لكم في الكفارات وغير ذلك من المقدرات. ثم مع هذا كله فإننا استدللنا بالوجود الذي هو الأصل الذي ردنا صاحب الشريعة إليه بما بيناه فيما تقدم، وهو أقوى مما أوردتموه؛ لأنه أصل

стр. 1495

ثابت لا يعترض عليه بهذه الأشياء المحتملة. وقد استدل بعض من وافقنا في المسألة باستدلالات وقياسات أنا أذكر بعضها، وهو أن قال: لما اتفقنا على كون الأربعين نفاسًا جاز أن يضاف إليها مثل نصفها، دليله العشرون. ولأنه دم ليس لأقله غاية فجاز أن يجاوز الأقل والعادة، دليله الحيض. ولأن دم النفاس هو دم الحيض الذي اجتمع في الرحم من أجل الحائل الذي هو الولد، ومتى عددنا لكل شهر ستًّا أو سبعًا حصل قريبًا من ستين يومًا، فوجب أن يكون ذلك مدة نفاسها. واعترض على ذلك باعتراضات كرهنا التطويل بذكرها، وفيما ذكرناه كفاية. وبالله التوفيق (١). مَسْألة (٨٣): عند مالك ﵀ أنها (٢) إذا ميزت بين الدمين عملت على إقبال الدم وإدباره، فتركت الصلاة عند إقبال الحيضة، وتغتسل وتصلي (٣).

стр. 1496

وبذلك قال الشافعي (١). وقال أبو حنيفة: تعمل على عدد الأيام (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (٣). فأعلمنا أنه يزيد وينقص، وذلك يعرف بعلامة، وقد بينا (٤) أنه يتغير في الأزمان والأحوال والأسنان، وينتقل من وقت إلى وقت، فيجب أن يدار معه حيث دار إلا أن تقوم الدلالة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٥)، فردهن إلى التمييز، وهو الدم الذي يكون معه أذى. وقال النبي ﷺ : "دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف" (٦)، رواه أبو هريرة. فأعلمنا أن الحكم يتبع هذه الصفة حيث وجدت إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: "إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٧).

стр. 1497

فردها إلى التمييز عند اشتباه الدم وتجاوزه مدة حيضها، ولا يقول لمن هذه صفتها: "إذا أقبلت الحيضة" إلا وهي عارفة بالحيضة، هذا الأشبه والأظهر. وأيضًا فإن الأيام لا حكم لها بمجردها، ولها حكم مع الدم، فثبت أن الحكم للدم لا غيره. وأيضًا فإن الخارج متى اختلفت أحكامه عند اختلاف أنواعه وألوانه كان التمييز فيه [بنفسه] (١)، دليل ذلك المني والمذي. وأيضًا فإن الوصف إذا أمكن أخذه من ذات الشيء لم يجز تعديته إلى غيره، كما إذا أمكن من ذات الحيض لم نصر فيه إلى عادة النساء. فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال لأم سلمة: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر" (٢) قبل أن يصيبها الذي أصابها فتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فردها إلى أيامها. قيل: إنما كان هذا في امرأة لم يكن لها تمييز، وكان دمها مشتبهًا، ولها أيام تعرفها، وقد زاد على أيامها. ويحتمل أن تكون المرأة ظنت أنه مع التمييز إذا انقطع عنها دم الحيض بعد أيامها وتغير أن حكمها واحد في ترك الصلاة، فأعلمها أنه إذا تغير بعد تقضي أيامها التي كانت تحيضها اغتسلت وصلت، وأنها تترك الصلاة في تلك الأيام لرؤية الدم الذي تعرفه، تحمل على هذا بدليل ما ذكرناه.

стр. 1498

فإن قيل: فقد روي في حديث حمنة بنت جحش أنه قال لها: "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا فذلك ميقات حيض النساء وطهرهن" (١). قيل: إنما هذا وارد في امرأة مبتدأة لم يكن لها بعد أيام ولا تمييز، فردها إلى هذا القدر الذي هو الغالب في أسنانها. فإن قيل: فإنه قد روي أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٢) فردها إلى الأيام. قيل: هذا الذي يدل على أنها كانت مميزة، فأحالها على أيام أقرائها التي تعرفها مع وجود الدم الذي تعرفه؛ لأنه لم يقل: أيامك. وإنما قال: أيام حيضك، فلا بد أن تكون قد عرفت الحيض بلونه أو غير ذلك، وإلا كان مشكلًا؛ لأنها سألت عن الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره؟ فلا يجوز أن يقول لها: اقعدي أيام حيضك؛ لأنها تقول: هذا حيضي أيضًا، ولو أراد أيام حيضك فيما مضى لكان أيضًا مشكلًا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه، فإنما أحالها على حيض تعرفه. فإن قيل: فإن الدم إذا جاوز خمسة عشر يومًا لم يكن حيضًا، وإن نقص كان حيضًا، فعلمنا (٢٦٠) أن الاعتبار بالأيام لا بالدم. وأيضًا فإنه لما لم يختلف حكم السواد وغيره في الأيام في أنه حيض لم يختلف حكمها في غير الأيام، وعلم أن المعتبر بالأيام لا بالدم.

стр. 1499

قيل: قولكم: "إن الدم إذا جاوز خمسة عشر لم يكن حيضًا مع ما ذكرتموه" لا يلزم؛ لأننا قد ذكرنا أن بعض أيام العشر لو خلت من الدم لم تعتبر، وإنما يحكم لها بحكم الحيض مع وجود الدم فهو المعتبر والمتبع. والفصل الآخر فلا يلزم أيضًا؛ لأن الأيام لها حكم - عندكم - قبل العشرة، ولا حكم لها بعد العشرة، فكذلك نقول في التمييز نفرق بين حكمه بعد أكثر الحيض وبين حكمه قبل ذلك. وعلى أنه قياس ساذج لم يذكروا معنى يجمع بينهما. على أننا نقلب ذلك عليهم فنقول: لما لم يكن في غير أيام الحيض للأيام حكم فكذلك مع وجود الدم المشتبه ليس لها حكم. على أنهم لو صح لهم معنى يعارض ما ذكرناه لكان قولنا أولى؛ لأننا نستعمل الأخبار على كثرة الفوائد لاختلاف أحوال النساء في ذلك، فتكون أخبارهم لا تنافي ما نقوله، ولا تحمل الأخبار على التكرار والإعادة، فنحمل قوله: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" (١) على امرأة لها تمييز، وكذلك قوله: "دم الحيض أسود ثخين يعرف" (٢). ويحمل قوله: "لتنظر عدد الأيام والليالي" (٣) على امرأة لها أيام ولا تمييز معها، أو على التمييز على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك قوله: "اقعدي أيام أقرائك" (٤).

стр. 1500

ويحمل قوله: "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا" (١) على امرأة ليس لها تمييز ولا أيام تقدمت. ويحتمل قوله ﵇: "حيض نساء أمتي بين الست والسبع" إما على المبتدأة في الأغلب، أو على أن العادة في غالب أمرهن هذا مع وجود الدم الذي وصفه ولم ينقص لونه، فهذا أولى من حمل الأخبار على الإعادة والتكرار. ويكون قولنا أيضًا أولى لما ذكرناه من الاعتبار والاستدلال، وقياس الشيء على نفسه. فإن قيل: لما كان دم النفاس مشاركًا لدم الحيض في وجوب ترك الصلاة معه والصوم ومنع الوطء ووجوب الغسل عند زواله، ثم لم يعتبر لونه فكذلك لا يعتبر لون دم الحيض. قيل: دم النفاس لم يعتبر لونه؛ لأنه لا يتكرر [كتكرر] (٢) دم الحيض الذي يعرف بلونه؛ لأن دم النفاس احتبس مع الحمل لغذائه لما يتغذى منه، فإذا وضعت الحمل ثجت (٣) الرحم ما يبقى من ذلك الذي قد اجتمع في طول الحمل، فلم يعتبر لونه لذلك، فإذا بلغ أقصى مدته زال حكمه، ثم لم يكن لما بعده حكم أصلًا حتى تطهر بعده طهرًا كاملًا ثم يظهر فيكون لظهوره حكم الحيض. ثم إننا نقول: الفراش دليل النسب، ثم إنه إنما يدل إذا أمكن، فأما إذا لم يمكن فلا يدل.

стр. 1501

ألا ترى أن ما عقد للصبى الذي لا يطأ وأتت بولد لستة أشهر من يوم العقد لم يلحق به، ولو كان هناك إمكان وطء للحق النسب، فكذلك التمييز يدل على الممكن، ولا يستدل به فيما لا يمكن. والأصول تشهد لنا وذلك أننا وجدنا أحكام الحيض تعتبر تارة بالدم، وتارة بالأيام، فيجب أن لا تعتبر الأيام ما دام لنا طريق إلى وصول الاعتبار بالدم. الدليل على ذلك أننا نعتبر العدة مرة بالأيام ومرة بالدم، ثم لما كان الدم مقدمًا على الأيام فكذلك هاهنا ما دام التمييز موجودًا، فلا ينبغي أن نعتبر بالأيام كما كان فيما ذكرنا. وأيضًا فإن الأيام ظرف للدم، والدم هو المقصود، فاعتبار الحكم بالمقصود أولى من الحكم بظرفه، ألا ترى أنها إذا اشتبهت عليها الأيام والتمييز وكانت لها أيام متقدمة معهودة كان المصير إلى ما [لها من] (١) الأيام - عندكم - أولى من ردها إلى غيرها من النساء، ثم لو لم تكن لها أيام متقدمة معروفة وكانت مبتدأة لكان الاعتبار بنساء أهلها وبلدها أولى من الاعتبار بمن يتعذر عليها؛ لأن الحكم بما قرب من المقصود أولى من الحكم بما بعد عنه، فإذا كان ذلك كذلك والدم هو المقصود وجب أن يكون الاعتبار به دون غيره. وأيضًا فإن الخارج من الفرج نوعان: أحدهما يوجب الوضوء، والآخر يوجب الغسل، وهما متباينان في غالب الزمان مع السلامة والاستقامة، ثم قد

стр. 1502

تعرض علة فتصور المني تصور المذي، ثم لا يمنع من أن يكونا معتبرين في أنفسهما، فكذلك حكم الحيض والاستحاضة ينبغي أن يكون الاعتبار بهما في أنفسهما وإن جاز أن تعترض ذاك شبهة علينا، ويشكل علينا شأنهما، وبالله التوفيق. فَصْل عند الشافعي أن المستحاضة إذا فاتها التمييز عملت على الأيام (١)، وعندنا لا اعتبار بالأيام (٢) لما ذكرناه مع أبي حنيفة من أن الحيض ينتقل من زمان إلى زمان، ويقل ويكثر ويختلف، فإذا لم توجد علامته لم تترك الصلاة (٢٦١) التي عليها بيقين بدم مشكوك فيه حتى يتيقن أنه دم حيض. ولنا أن نستدل باستصحاب الحال، وهو أن الصلاة عليها واجبة بيقين مع وجود الاستحاضة، فمن زعم أنها تسقط عنها فعليه الدليل. وأيضًا فإن النبي ﷺ قال لفاطمة: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" (٣). فإنما يعرف إقبالها بالعلامة، فدليله أنها إذا لم تقبل لا تدع الصلاة، ولم يقل لها: إذا أقبلت مثل الأيام التي كنت تحيضها، وإنما قال: "إذا أقبلت الحيضة" التي هي الدم.

стр. 1503

وقد قال: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة" (١). فأعلمنا أن الحكم يتعلق بما هذه صفته، فما لم تره لا يتعلق [به] (٢) الحكم إلا أن تقوم دلالة. وقد قال: "لدم الحيض أمارات وعلامات، فإذا أدبر فاغتسلي وصلي" (٣). كذلك قالت أم عطية: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا" (٤)، فدل على أن الاعتبار بالدم لا بالأيام. وقد قلنا: إن ذلك دلالة قائمة في نفس الدم، فهو بالاعتبار أولى، كما أن حكمها في نفسها أولى من حكم غيرها. ولأن الأيام لا حكم لها إذا لم يكن دم، ولها حكم مع الدم، فعلم أن الحكم للدم. فإن قيل: نورد عليكم الأخبار التي ذكرها أصحاب أبي حنيفة في ذكر الأيام، ونستعملها على ما يوجب مذهبنا من كثرة الفوائد. قيل: استعملنا نحن الأخبار بفوائدها، ولم نستعمل استعمالًا يؤدي إلى إسقاط الصلاة التي هي بيقين بدم مشكوك فيه، مع جواز أن ينتقل الحيض من تلك الأيام؛ لأننا نجده في غير المستحاضة ينتقل من شهر إلى شهر، ومن وقت إلى غيره، ويقل في وقت ويكثر في غيره، فلا ينبغي أن يجرى فيه

стр. 1504

على طريقة واحدة، إلا بوجود الدم المحكوم له بحكم الحيض احتياطًا للصلاة. فإن قيل: فإن اعتبار الأصول يدل على ما قلناه، وذلك أننا وجدنا أن الأمور إذا اشتبهت على مجتهديها، وأشكلت على مميزيها، وفاتهم أقرب الوجوه إلى الإصابة فيها وجب الرجوع إلى ما يقاربها ويدانيها، لا المقام على العمى والجهل فيها، وهذه الجملة تجدونها كالمشاهدة في كل أمر مجتهد فيه، مختلف فيه اثنان فاعتبروه في الاجتهاد والنوازل، وطلب الحكم في المسائل، وقيَم المتلفات، وتقويم النفقات، وطلب المثل في جزاء الصيد، والاجتهاد في القبلة وغير ذلك، فكذلك ما قلناه. والجواب أن الذي ذكروه لا يشبه ما نحن فيه؛ لأننا لم نقم على العمى والجهل؛ لأن الحكم تعلق في الشريعة بشرط، وهو أن تجد علامة الحيض، فلما لم تجدها لم يتعلق علينا حكم، فلسنا على عمى، بل على يقين حتى تحضر العلامة، ألا ترى أن اليائسة عن الحيض قد كان لها زمان وأيام تحيض فيها، فإذا لم تر الدم فليست على عمى، وكذلك التي تحيض لو انقطع عنها الدم أصلًا فلم تحض مدة من الزمان فإنها تصلي حتى يجيئها الدم الذي ذكره صاحب الشريعة أنه حيض، ولو كان طهرها في عادتها خمسة عشر يومًا، ثم لم يحضرها الدم حتى مضى لها شهران فإنها تصلي وليست على عمى. ولا يجوز أن نقول لها: إذا جاءك الدم بعد هذا أنك كنت على عمى، فكيف هذه إذا حكمنا لها بحكم الاستحاضة؟ فهي على يقين كمن لم تر دمًا أصلًا، فهي تصلي بيقين، ولا تنتقل حتى يجيئها ما ينقلها عن ذلك، وإنما كان هذا في الحيض والاستحاضة لما ذكرناه من أن دم الحيض ليست له حال

стр. 1505

يستقر عليها؛ لأنه قد يتنقل من وقت إلى وقت، ويزيد في زمان وينقص في آخر، فهو بالحمل أشبه؛ لأنه قد يكون في غالب الحال تسعة، ثم قد يكون في ستة (١)، وفي أكثر من تسعة، وإلى سنتين عندكم (٢)، وأكثر عندنا، ثم لم يجز أن يرجع فيه إلى الغالب ويقال: إننا فيما زاد على تسعة أشهر في عمى. وأما ما ذكروه من قيم المتلفات فهو عليهم لا لهم؛ لأن المُقوِّم يُقوِّمه في زمانه بقيمته التي ربما زادت على مقام متقدم أو نقصت؛ لأن القيم تختلف ولا تثبت على أصل واحد، وهم لا يعتبرون في قيمة المتلف ما كان يساوي، ولا يجعلون ذلك أصلًا يرجعون إليه، بل يرجعون إلى القيمة في وقت الإتلاف؛ لأن القيم لا تستقر على حال واحدة، فكذلك يحكم لدم الاستحاضة بحكمه في وقته، ولا نرده إلى حال متقدمة لو لم تكن له، وكذلك تقدير النفقات لما كانت تختلف باختلاف الأسعار واختلاف (٢٦٢) الشتاء

стр. 1506

والصيف لم يرجع فيها إلى المتقدم، وإنما يحكم لها في وقتها لأنها لا تستقر على حال واحدة. وعروض ما نحن فيه إذا وجد دم الحيض فإننا نحكم بوجوده ومتى يوجد، ولا يعتبر به ما تقدم. وأما طلب المثل في جزاء الصيد فهو أصل ثابت، كالأشياء التي تتلف ولها مثل من الموزونات والمكيلات لا يعمل فيها على القيم التي تختلف، ألا ترى أنه لو حكم عليه بالطعام لكانت القيمة في الوقت، وعلى سعر الطعام أيضًا في الوقت، ولم نرجع فيه إلى قيمة متقدمة. وأما الاجتهاد في القبلة فهو لنا احتياط في الصلاة، فهو يجتهد فيخطئ القبلة فيصلي والشك موجود، فكذلك تصلي مع الاستحاضة وإن كان قد يجوز أن يكون حيضًا، فلم يكن فيما ذكروه طائل، وبالله التوفيق. مَسْألة (٨٤): عند مالك ﵀ أن المبتدأة إذا رأت الدم قعدت مقدار أسنانها (١) من النساء، فإن زاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام (٢)، وكذلك من كانت لها أيام معروفة فزاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام، تغتسل وتصلي، وهذا إذا لم يزد مع الاستظهار (٣) على خمسة عشر يومًا التي هي عنده أكثر الحيض.

стр. 1507

وقد روي عنه أنهما تقعدان إلى خمسة عشر يومًا (١)، وهو القياس (٢). وإنما استحسن الأول احتياطًا للصلاة؛ لأنها تصلي قبل الخمسة عشرة يومًا لجواز أن يكون ذلك دم استحاضة؛ لأن صلاتها مع جواز أن لا يكون عليها صلاة أحوط من ترك صلاتها مع جواز أن يكون عليها صلاة (٣)، وهو علة مالك في الاحتياط؛ لأنه قد روي أنها تقعد عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن، وهو لا يقطع على الإصابة في مسائل الاجتهاد، فرأى أن يحتاط للصلاة لجواز أن يكون الحق في قول مخالفه. فإن قيل: فينبغي أن يحتاط للصلاة بأن لا تستظهر لجواز أن تكون أيام

стр. 1508

الاستظهار أيام استحاضة. قيل: إنما قال بذلك لحديث رواه أهل المدينة عن حرام بن عثمان، عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر، عن أبيهما جابر بن عبد الله قال: "جاءت أسماء بنت مرشدة (١) الحارثية إلى رسول الله ﷺ فقالت له - وأنا جالس عنده -: يا رسول الله! قد حدثت لي حيضة أنكرها، أمكث بعد الطهر ثلاثًا أو أربعة ثم تراجعني، أفتحرم علي الصلاة؟ فقال: إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثة ثم تطهري اليوم الرابع". وروي أنها كانت تستحاض فسألته ﵇ عن ذلك فقال لها: "اقعدي أيامك التي كنت تقعدين واستظهري بثلاثة، ثم اغتسلي وصلي" (٢). فإن قيل: فإن هذا حديث ضعيف. قيل: بل هذا حديث صحيح، وهو أصح وأقوى من حديث القلتين (٣)،

стр. 1509

وحديث إبراهيم بن أبي يحيى (١)، ومن الثقة عنده (٢)، ومن قوله: حدثنا ابن جريج بإسناد لا يحضره ذكره (٣)، واحتجاج الشافعي بما لا يثبته أصحاب الحديث، وأسانيد أهل العراق في النبيذ (٤) والقهقهة (٥) وما أشبه ذلك. فإن قيل: فإن الاستظهار خلاف ظاهر قوله ﵇: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر، فتترك الصلاة ثم تغتسل فتصلي" (٦). قيل: لو تركنا وظاهر هذا الحديث، وصح من غير تأويل لم نزد عليه شيئًا آخر، إلا أننا أوجبنا الاستظهار بثلاثة أيام بالحديث الآخر الذي ذكرناه، فوجب الجمع بين الحديثين والعمل بالزائد (٧). فإن قيل: فكيف اقتصرتم على ثلاثة أيام دون غيرها مما هو أقل

стр. 1510

منها أو أكثر. قيل: للحديث الذي ذكرناه، وللنظر أيضًا، وهو أنها تميز بين الحيض وبين دم الاستحاضة بالثلاثة؛ لأنه شيء خارج من البدن معتاد ونادر أشكل أمره، كما أن في اللبن معتادًا ونادرًا، فلما أشكل أمره في المصراة جعل النبي ﵇ فيه الزمان الذي يتوصل به إلى الفصل بين اللبنين ثلاثة أيام (١)، فوجب أن يكون هذا القدر فاصلًا بين الدمين (٢). وهذا القول إنما هو اختيار واستحسان. والحديث الصحيح المتفق عليه الذي يعمل عليه مالك والذي يذهب إليه غير هذين الحديثين، وهو ما رواه مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي ﵇: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (٣). على هذا يعتمد أنها إذا ميزت عملت على إقبال الدم وإدباره، سواء كان ذلك قبل تقضي مدة أكثر الحيض أو بعد ذلك، فإن لم تميز فهي قبل تقضي أكثره تقعد إلى أكثره، وبعد ذلك تصلي أبدا حتى ترى دمًا لا تشك فيه، فتعمل على إقباله وإدباره، والله الموفق.
следующие страницы →