والصيف لم يرجع فيها إلى المتقدم، وإنما يحكم لها في وقتها لأنها لا تستقر على حال واحدة.
وعروض ما نحن فيه إذا وجد دم الحيض فإننا نحكم بوجوده ومتى يوجد، ولا يعتبر به ما تقدم.
وأما طلب المثل في جزاء الصيد فهو أصل ثابت، كالأشياء التي تتلف ولها مثل من الموزونات والمكيلات لا يعمل فيها على القيم التي تختلف، ألا ترى أنه لو حكم عليه بالطعام لكانت القيمة في الوقت، وعلى سعر الطعام أيضًا في الوقت، ولم نرجع فيه إلى قيمة متقدمة.
وأما الاجتهاد في القبلة فهو لنا احتياط في الصلاة، فهو يجتهد فيخطئ القبلة فيصلي والشك موجود، فكذلك تصلي مع الاستحاضة وإن كان قد يجوز أن يكون حيضًا، فلم يكن فيما ذكروه طائل، وبالله التوفيق.
مَسْألة (٨٤):
عند مالك ﵀ أن المبتدأة إذا رأت الدم قعدت مقدار أسنانها (١) من النساء، فإن زاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام (٢)، وكذلك من كانت لها أيام معروفة فزاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام، تغتسل وتصلي، وهذا إذا لم يزد مع الاستظهار (٣) على خمسة عشر يومًا التي هي عنده أكثر الحيض.
стр. 1507
وقد روي عنه أنهما تقعدان إلى خمسة عشر يومًا (١)، وهو القياس (٢).
وإنما استحسن الأول احتياطًا للصلاة؛ لأنها تصلي قبل الخمسة عشرة يومًا لجواز أن يكون ذلك دم استحاضة؛ لأن صلاتها مع جواز أن لا يكون عليها صلاة أحوط من ترك صلاتها مع جواز أن يكون عليها صلاة (٣)، وهو علة مالك في الاحتياط؛ لأنه قد روي أنها تقعد عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن، وهو لا يقطع على الإصابة في مسائل الاجتهاد، فرأى أن يحتاط للصلاة لجواز أن يكون الحق في قول مخالفه.
فإن قيل: فينبغي أن يحتاط للصلاة بأن لا تستظهر لجواز أن تكون أيام
стр. 1508
الاستظهار أيام استحاضة.
قيل: إنما قال بذلك لحديث رواه أهل المدينة عن حرام بن عثمان، عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر، عن أبيهما جابر بن عبد الله قال: "جاءت أسماء بنت مرشدة (١) الحارثية إلى رسول الله ﷺ فقالت له - وأنا جالس عنده -: يا رسول الله! قد حدثت لي حيضة أنكرها، أمكث بعد الطهر ثلاثًا أو أربعة ثم تراجعني، أفتحرم علي الصلاة؟ فقال: إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثة ثم تطهري اليوم الرابع".
وروي أنها كانت تستحاض فسألته ﵇ عن ذلك فقال لها: "اقعدي أيامك التي كنت تقعدين واستظهري بثلاثة، ثم اغتسلي وصلي" (٢).
فإن قيل: فإن هذا حديث ضعيف.
قيل: بل هذا حديث صحيح، وهو أصح وأقوى من حديث القلتين (٣)،
стр. 1509
وحديث إبراهيم بن أبي يحيى (١)، ومن الثقة عنده (٢)، ومن قوله: حدثنا ابن جريج بإسناد لا يحضره ذكره (٣)، واحتجاج الشافعي بما لا يثبته أصحاب الحديث، وأسانيد أهل العراق في النبيذ (٤) والقهقهة (٥) وما أشبه ذلك.
فإن قيل: فإن الاستظهار خلاف ظاهر قوله ﵇: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر، فتترك الصلاة ثم تغتسل فتصلي" (٦).
قيل: لو تركنا وظاهر هذا الحديث، وصح من غير تأويل لم نزد عليه شيئًا آخر، إلا أننا أوجبنا الاستظهار بثلاثة أيام بالحديث الآخر الذي ذكرناه، فوجب الجمع بين الحديثين والعمل بالزائد (٧).
فإن قيل: فكيف اقتصرتم على ثلاثة أيام دون غيرها مما هو أقل
стр. 1510
منها أو أكثر.
قيل: للحديث الذي ذكرناه، وللنظر أيضًا، وهو أنها تميز بين الحيض وبين دم الاستحاضة بالثلاثة؛ لأنه شيء خارج من البدن معتاد ونادر أشكل أمره، كما أن في اللبن معتادًا ونادرًا، فلما أشكل أمره في المصراة جعل النبي ﵇ فيه الزمان الذي يتوصل به إلى الفصل بين اللبنين ثلاثة أيام (١)، فوجب أن يكون هذا القدر فاصلًا بين الدمين (٢).
وهذا القول إنما هو اختيار واستحسان.
والحديث الصحيح المتفق عليه الذي يعمل عليه مالك والذي يذهب إليه غير هذين الحديثين، وهو ما رواه مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي ﵇: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (٣).
على هذا يعتمد أنها إذا ميزت عملت على إقبال الدم وإدباره، سواء كان ذلك قبل تقضي مدة أكثر الحيض أو بعد ذلك، فإن لم تميز فهي قبل تقضي أكثره تقعد إلى أكثره، وبعد ذلك تصلي أبدا حتى ترى دمًا لا تشك فيه، فتعمل على إقباله وإدباره، والله الموفق.
стр. 1511
مَسْألة (٨٥)(٢٦٣):
قد بينا حكم المبتدأة، ومن لها أيام معروفة وزاد عليها الدم، وبينا وجه الاستظهار، ونحن نذكر وجه قعودها إلى خمسة عشر يومًا ويكون جميع ذلك حيضًا، وإن زاد على خمسة عشر يومًا فإنهما تغتسلان بعد ذلك وتصليان (١).
وعند أبي حنيفة أن المبتدأة إذا تطابق (٢) بها الدم حتى زاد على أكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - فإن العشرة حيض، كما هو عندنا في الخمسة عشر (٣).
وعند الشافعي أن المبتدأة إذا تطاول دمها فهي تترك الصلاة، فإن زاد على خمسة عشر يومًا أعادت صلاة ما زاد على يوم وليلة في أحد قوليه (٤).
وفي القول الآخر: تعيد ما زاد على ست أو سبع؛ لأن الزائد استحاضة (٥).
والدليل لقولنا أن الخمسة عشر كلها حيض: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
стр. 1512
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (١).
فأعلمنا أن الدم الخارج ممن يجوز منها الحيض هو الذي يتأذى به، فهو أبدا كذلك حتى يقوم دليل الاستحاضة.
وأيضًا فإنها حائض محكوم لها به في اليوم والليلة، فهي على ذلك حتى يقوم دليل.
وأيضًا فقد حكم عليها بترك الصلاة بإجماع، فمن زعم أن عليها الإعادة فعليه الدليل؛ لأن الإعادة فرض ثان.
وأيضًا قوله ﵇: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف" (٢).
فما دامت هذه صفته فالحكم يتبعه حتى يقوم الدليل.
وأيضًا قوله: "تصلي المرأة نصف دهرها" (٣).
فهو عام في المبتدأة وغيرها حتى يقوم الدليل.
وأيضًا قوله ﷺ : "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا كما تحيض النساء في كل شهر" (٤).
فأخبر عن غالب أحوالهن، ولم يفرق بين المبتدأة وغيرها، ولم يقل يومًا وليلة، فهو عام.
стр. 1513
وهذا الخبر يلزم على القول الذي يقول فيه: إن حكم الحيض منه يومًا وليلة لا على القول الآخر.
فإن قيل: فأنتم لا تقولون بهذا، وتقولون خمسة عشر يومًا.
قيل: مرادنا أن تزيدوا على اليوم والليلة، فإذا تجاوزتم ذلك فقد قام دليلنا على الزيادة ذلك بشيء ينضم إليه.
فإن قيل: فهو حجتنا على الوجه الآخر.
قيل: هو كذلك، ولكنه حجة عليكم في هذا الوجه.
وأيضًا فقد أجمعوا على أنها عند رؤية الدم تترك الصلاة و [لا] (١) تمضي مع وجود الدم، ولم يجمعوا على ترك صلاة هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض، ويكون مشكوكًا فيه، فلولا أنه دم حيض لم تترك الصلاة التي هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض.
وأيضًا فإن الدم لو لم يزد على مدة الغالب أو على أكثره لم يرد إلى أقل الحيض؛ لأن الدم قد تمادى إلى أكثره، فكذلك إذا زاد.
فإن قيل: فهذا يلزمكم إذا كانت لها أيام معروفة وزاد عليها.
قيل: الأمر عندنا واحد لا فرق بينهما.
فإن قيل: فإن الصلاة عليها في الأصل بيقين فلا تسقط إلا بدليل.
قيل: قد أجمعوا على سقوطها عنها قبل الخمسة عشر في اليوم والليلة،
стр. 1514
فمن زعم أنها قد وجبت بعد ذلك فعليه الدليل، ونحن مختلفون في الإعادة.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١).
قيل: هذا يتناول حال الطهر بإجماع، وقد اختلفنا في حكم المبتدأة فيما زاد على يوم وليلة هل هي طاهر أم حائض؟ فلم يتوجه إليها الخطاب.
وأيضًا فالألف واللام لتعريف الجنس المقصود في أوقاته بأن لا تضيع وقته، وقد أجمعوا على أن المبتدأة تترك أوقات الصلاة مع وجود الدم، لا تجوز لها المحافظة عليها، وإنما يقولون: تقضي الفوائت، [والفوائت] (٢) قد أمرت بترك أوقاتها، فكيف يتوجه الخطاب إليها؟ بل تلزمها في المستأنف إذا طهرت أن تحافظ على الصلوات في أوقاتها.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣).
قيل: لا يخلو أن يكون تعالى أراد: أقم الصلاة عند ذكري بها، أو إذا ذكرتها (٤)، وكلاهما لا يتوجه إلى هذه؛ لأن الذي قال: "أقم الصلاة عند ذكري"، هو الذي قال لها: لا تصلي مع وجود الدم، فكأنه قال لها: اتركي الصلاة عند ذكري؛ لأنه بأمره تركت.
والوجه الآخر يتوجه إلى من نسي وذكر، وليست هي كذلك.
стр. 1515
وأيضًا فإن لفظة ﴿وَأَقِمِ﴾ للمذكر الواحد، وهي لا تدخل فيه (١).
فإن قيل: فقد قال ﵇ لحمنة بنت جحش: "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا، وذلك ميقات حيضهن وطهرهن" (٢).
قيل: قد قلنا إنه لما قال: "ذلك ميقات حيضهم وطهرهن" عام لم يفرق بين المبتدأة وغيرها، فإن أردتم أنه حجة لقولكم الآخر الذي تردونها فيه إلى ذلك فقد أقمنا الدلالة من حديث أسماء بنت مرشدة في الاستظهار عليه بثلاثة أيام (٣)، على الوجه الذي نقول: تستظهر، وعلى هذا الوجه نحمله على أنها كانت لها أيام معروفة يتميز معها الدم بدلالة قوله لفاطمة: "إذا أقبلت الحيضة (٢٦٤) فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٤)، وبما ذكرناه من الدلائل.
فإن قيل: فإن دمها إذا زاد على خمسة عشر دخل حيضها في الاستحاضة، فوجب أن يرد أمرها إلى العرف والعادة، أصله من لها أيام معهودة فتجاوز حيضها.
ولأنه دم لم ينفصل عما تيقنا فساده ممن لم يصر لها أكثر الحيض عادة فلم يجز أن يحكم فيه بأكثر الحيض، دليله من لها أيام معروفة تجاوزها الدم ثم استمر بها.
стр. 1516
قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنهما عندنا سواء، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة.
وأيضًا فقد بينا أن الدم لا يستقر على عادة واحدة؛ لأنه يزيد ويقل، وينتقل، ويختلف باختلاف الطباع والزمان، فينبغي أن نردها إلى أكثر الحيض الذي وجوده أكثر من وجود يوم وليلة، وعلامة الدم موجودة فيها بصفته، ويكون قولنا أولى بما ذكرناه من تركها الصلاة التي كانت عليها بيقين بوجود الدم الذي هذه صفته.
مَسْألة (٨٦):
وإذا حاضت المرأة يومًا أو يومين، وطهرت يومًا أو يومين، مبتدأة كانت أو كانت لها أيام معروفة فزاد عليها الدم فإنها تلفق أيام الدم إلى الدم، وتصلي في أيام الطهر، فإذا اجتمع في يدها من أيام الدم - وهي مبتدأة - أقصى ما يجلس أسنانها من النساء استظهرت على ذلك بثلاثة أيام من أيام الدم تضيفها إلى أيام الدم الذي قد قعدته، ثم تغتسل وتصلي في أيام الدم وأيام الطهر؛ لأنها مستحاضة (١)، وكذلك التي لها أيام معروفة تستظهر بثلاثة
стр. 1517
أيام كما ذكرنا (١).
وقد قال - وهو القياس -: إنهما تلفقان حتى يجتمع في أيديهما من الدم خمسة عشر يومًا، ثم تكونان مستحاضتين على ما ذكرنا، تصليان أبدا حتى يأتي دم لا يشك فيه أنه دم حيض، فتعملان على إقباله وإدباره على حديث فاطمة بنت أبي حبيش (٢).
وهذا قول محمد بن مسلمة (٣)، وقول أحمد بن المعذل (٤).
وقال عبد الملك بن الماجشون: إن دمها إذا كان موازيًا لطهرها مثل أن ترى الدم يومًا والطهر يومًا، أو الطهر يومين والدم مثل ذلك فإنها تغتسل وتصلي في يوم الطهر، وتترك الصلاة في يوم الحيض، تعمل هذا أبدا (٥).
ووجه قول عبد الملك هذا قول النبي ﷺ : "تصلي المرأة نصف دهرها، ونصف عمرها" (٦)، وإذا استوى الطهر والحيض في المرأة، ولم يتميز لها،
стр. 1518
وعملت بهذا فقد دخلت تحت الظاهر (١).
وأيضًا فإذا وجد هذا في امرأة ولم تدر ما تعمله من ذلك إلى خروجها عن أكثر الحيض ولا عن أقل الطهر، وهذا في أيامه حيض على علاماته، وهذا طهر على صفته، فينبغي أن تعمل عليه، فإنه ليس يخرج عن الحد المجعول في الشريعة لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهما أصلان في الشريعة، كما لو اتصل الدم خمسة عشر يومًا، والطهر بعده خمسة عشر يومًا؛ لأنهما حدان لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهو عندي أولى؛ لأن فيه احتياطًا لحفظ هذا الأصل مع وجود الدم وعلاماته، وليس يضر أن تختلف الحال في أحكام الحيض، فيكون في امرأة حكم، وفي غيرها بخلافه، لوجوده مختلفًا عليهن وفيهن، من زيادة ونقصان، وكثرة وقلة.
فإذا كانت هذه بفعلها ما ذكره عبد الملك لا يخرج عن ظاهر قول النبي ﷺ : "تصلي نصف دهرها" (٢)، ولم تخرج عن أن يكون حيضها موازيًا لطهرها فهو كما يوجد في أن تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر؛ لأن معنى هذا أنها تصلي نصف دهرها، فلا فرق بين أن تصليه مجتمعًا أو مفرقًا، وكذلك لا فرق بين أن تحيضه مجتمعًا أو مفرقًا.
стр. 1519
ومن الظاهر لقوله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١).
ولم يقل: تلفق، بل جعل الشرط مقرونًا بوجود الدم الذي يتأذى به.
وقول النبي ﵇: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف" (٢)، فأعلمنا أن الحكم يتعلق عليه بوجود هذه الصفة، فحيث [وجدت] (٣) قارنها الحكم إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: فقد قال النبي ﵇: "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا" (٤).
قيل: معناه إذا اتصل الدم وكان أيضًا يختلف لونه، وإنما خرج على سؤال من اتصل دمها، فأما من صورتها ما ذكرناه فلم تدخل تحت ذلك.
وأيضًا فإنها قضية في عين، لا يتعدى بها إلى غيرها حتى يعرف معناها.
فإن قيل: فإن الرواية الأخرى فيها احتياط للصلاة؛ لأنها [إذا] (٥) لفقت صار الباقي استحاضة، فتصلي أبدا.
قيل: إذا كانت علامة دم الحيض باقية على طريقة واحدة، وكذلك حكمنا له بأنه حيض في أيامه فينبغي أن لا يتغير حكمه، وليس الاحتياط بأن تصلي ما ليس عليها بأولى من ترك صلاة لا تجب عليها؛ لأنها تحصل عاصية
стр. 1520
بصلاتها حائضًا، وهي طائعة بترك ما لا يجب عليها، وقد عملت على ما أوجبته الشريعة في الظاهر من اتباع حكم الدم الذي جعلت له علامة، ومن (١٣٣ ب) أنها تصلي بإزاء ما تترك.
فإن قيل: قد أجمع أصحابنا على أن أيامها إذا اختلفت فكانت يومين حيضًا ويومًا طاهرًا، أو يومين طهرًا ويومًا حيضًا فإنها تلفق، والمعنى في ذلك أن ما بين الدمين ليس بطهر كامل، فكذلك إذا اتفق.
قيل: المعنى في المختلف عدم المساواة فيهما، فلما لم يتفق لفقت، وإذا استوى لم تلفق.
فإن قيل: لو كان لهذا الدم حكم نفسه لوجب أن لا يكون عدتها إذا طلقت سنة كالمستحاضة، وهذا موضع لا تختلفون فيه.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يحك عن عبد الملك نصًّا في هذه أنها تعتد سنة، ولعلها أن تجعل الشهر مقسومًا بين حيضة وطهر؛ لأن الله تعالى جعل في التي لا تحيض كل شهر بإزاء قرء، ولو قال: إن عدتها سنة لم يضر؛ لأنه استظهر فيها؛ لأن الحامل تحيض، فجعل عليها تسعة أشهر الغالب من مدة الحمل، وإن كان الدم موجودًا، ثم بعدها ثلاثة كل شهر بإزاء قرء؛ لأنه قد جمع الحيض والطهر.
وأيضًا فإن الدم الذي تترك له الصلاة بخلاف الذي تعتد به، ألا ترى أن مالكًا قال: تترك الصلاة لدفعة من دم، ولا تعتد بذلك في العدة، فلم يلزم عبد الملك هذا السؤال، وبالله التوفيق.
كمل كتاب الطهارة وهي ست وثمانون مسألة. والحمد لله كثيرًا.
قال مالك ﵀: والأذان أوله: "الله أكبر الله أكبر" مرتين (١).
وقال غيره من الفقهاء: أربع مرار، إلا أبا يوسف في رواية الحسن عنه مثل قولنا: مرتين (٢).
والدليل لقولنا أن الأذان إنما هو إعلام بأن الصلاة قد وجبت (٣)، وأدنى ما يفيد ذلك ويتعلق به الاسم يجزي إلا أن يقوم دليل على زيادة شيء فيه.
وأيضًا فقد أجمعوا على المرتين، واختلفوا في الزيادة، فنحن على الإجماع حتى يقوم دليل الخلاف.
وأيضًا فإن الأخبار إذا اختلفت، وكان في أحدها زيادة على ما في الآخر، وصحب العملُ الخبرَ الناقص؛ كان أولى من الزائد، ولو كان على غير ذلك؛ لكان الزائد أولى.
وروي في حديث عبد الله بن زيد أنه قيل له في المنام الذي هو أصل الأذان: "ألا أخبرك بخير من ذلك؟ قل: "الله أكبر الله أكبر" مرتين، في رواية سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد.
стр. 1523
وفي رواية محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه عبد الله بن زيد: أربع مرار (١).
وكذلك في رواية عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ علمه سنة الأذان فقال فيه: "الله أكبر الله أكبر"، أربع مرات.
وروي عنه أنه علمه الأذان وألقى عليه حرفًا حرفًا، فقال له: "قل: الله أكبر، الله أكبر، مرتين" رواية إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أباه يذكر ذلك.
وكذلك روي عنه من طريق آخر عن عبد الله بن محيريز الجمحي.
وكذلك روي من حديث مالك بن دينار أنه قال: سمعت ابن أبي محذورة قلت له: كيف كان أذان أبيك؟ فقال: حدثني أبي عن رسول الله ﷺ
стр. 1524
فقال: "الله أكبر، الله أكبر" فقط.
وكذلك روي من حديث جعفر بن سليمان، عن ابن أبي محذورة، عن عمه، عن جده، أنه قال: "ثم يرجع فيرفع صوته بالشهادتين" الحديث (١).
стр. 1525
فإذا كانت الأخبار قد وردت على هذا، ثم قد رأينا أهل المدينة خلفهم عن سلفهم يعملون على المرتين، لا يزيدون عليهما، وينقلونه نقلًا متوترًا؛ انقطع العذر، وسقط معه حكم الزائد، ولم يقم لهذه الطريقة شيء، ولو لم
стр. 1526
يكن هناك خبر يعضد عملهم؛ لكان عملهم على ذلك أقوى من كل شيء من طريق خبر الواحد، لأن الأذان مما يتكرر في كل يوم خمس دفعات بتكرر الصلوات، وليس هو شيئًا يقع نادرًا فيذهب عليهم، فإذا وجدناهم مطبقين على ذلك نقلًا وفعلًا، وليس هو مما يؤخذ قياسًا؛ علمنا أن ذلك هو الصحيح، وأنهم علموا ذلك من جهة النبي ﷺ ، فوجب الرجوع إلى ما هم عليه كما رجع من خالفهم (١) إلى صاعهم ومدهم، وغير ذلك مما نقلوه وعملوا به (٢).
ويسقط مع هذا قول من يقول: إنا نجد العمل في هذا الوقت على الزيادة؛ لأن الإجماع إجماع من تقدم، والعمل عليه، وهل هذا في بلد أو بلدان؟ ولعل أكثر البلاد على خلاف ذلك، وليس الكلام على ما نشاهده، وإنما العمل على ما كان عليه أهل المدينة الذين يتصل نقلهم وعملهم خلفًا عن سلف إلى صاحب الشريعة الذي كان بينهم، وكانت الأحكام تنزل عليه فيشاهدون ما يجري، وينتشر من جهتهم إلى غيرهم (٣).
وهذه الطريقة من أقوى دليل على المسألة، يصلح أن يستدل بها ابتداء، ويصلح أن يرجح بها إحدى الروايتين في ذلك.
فإن استعملوا القياس في المسألة؛ فلنا أن نقول: قد اتفقنا على المرتين (٢٦٦) في أول الإقامة وآخرها؛ بعلة أنه تكبير في طرفي النداء، فكذلك الأذان.
стр. 1527
أو نقيسه على أول الإقامة؛ بعلة أنه تكبير في صدر النداء، فلم يجز أن يزاد على اثنين منه.
أو نقيسه على آخر الأذان؛ بعلة أنه تكبير في أحد طرفي الأذان، فكل تكبير في طرف الأذان فلا يزاد في المسنون على مرتين.
فإن استدلوا بقول الله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وبقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٢) وأن هذا يقتضي التكرار والكثرة إلا أن تقوم دلالة.
قيل: الأذان كله ذكر كثير، وإذا انطلق عليه اسمُ كثير؛ فقد قضينا عهدة الظاهر.
وأيضًا فإن هذا لا تعقل منه صفة الأذان، فالرجوع فيه إلى غير هذه الآية.
وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾؛ فقد كبرنا بقولنا: "الله أكبر" مرة واحدة، وهذا حجة لنا؛ لأنه أمر بما يسمى تكبيرًا.
وإن استدلوا بما روي عن مكحول وأن ابن محيريز حدثه أن أبا محذورة أخبره أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة، الأذان: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر" (٣). وذكروا باقيه، فلا ينبغي لأحد مخالفة هذا بوجه.
стр. 1528
قيل: هذا حكاية عن فعلة، وهي فعلة التعليم، فيجوز أن يكون علمه أذان الصبح مع قوله: "الصلاة خير من النوم" مرتين، فذلك عندنا تسع عشرة (١) كلمة (٢).
على أننا قد بينا أن العمل من أهل المدينة صحب الأخبارَ الأخر، فسقط معها كل خبر يوردونه، لأنه يجوز أيضًا أن يكون ما ذكرتموه منسوخًا، لأن السنة تنسخ السنة، وتكون التفرقة بين الأذان والإقامة في هذا الخبر من أجل قوله: "الصلاة خير من النوم".
والكلام يجيء بعد هذا في الإقامة.
فإن هم حرروا قياسًا فقالوا: اتفقنا على أن التشهد في الترجيع أربع، كان المعنى فيه أنه ذكر أعيد في عجز الأذان، فوجب أن يكون في صدره مربعًا.
بيان ذلك: أن "لا إله إلا الله" في عجز الأذان، و"أشهد أن لا إله إلا الله" في صدره، و"الله أكبر" في صدره، و"الله أكبر" في عجزه، فوجب أن يكون في صدره مربعًا.
قيل: قد تقدم قولنا: إن القياس لا مدخل له في الأذان، وإنما يؤخذ توقيفًا كأعداد الصلوات.
ثم نقول: لم يكن المعنى ما ذكرتم في ذلك؛ وإنما دخل الترجيع فيه لأنه قرن بالتشهد وبذكر الرسول ﵇ الذي كان الكفار والمنافقون يغتاظون
стр. 1529
من الشهادة فيها.
على أننا قد ذكرنا القياس على التكبير في آخره فهو أولى؛ لأنه رد التكبير إلى التكبير، ورد ما في طرفه إلى ما في طرفه (١).
مَسْألة (٢):
ومن سنة الأذان الترجيع (٢) فيه عند مالك والشافعي (٣).
ولا يقول به أبو حنيفة (٤).
стр. 1530
وأقوى الطرق في إثباته ما ذكرناه من عمل أهل المدينة، ونقلهم خلفهم عن سلفهم حروف الأذان والإقامة الذي لا تثبت له أخبار الآحاد، ولا يسوغ معه الاجتهاد، ووافقهم نقل أهل الحجاز وعملُهم أيضًا (١).
ومن جهة الأخبار ما روي عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن محيريز أخبره - وقد كان يتيمًا في حجر أبي محذورة - حين جهزه إلى الشام، قال: فقلت لأبي محذورة: أي عم! إني خارج إلى الشام، وإني أخشى أن أُسأل عن مآذينك، فأخبرني أبو محذورة قال: "خرجت في بعض نفر فكنا في بعض طريق حنين، فقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع النبي ﷺ الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ، وصدقوا، فأرسل القوم كلهم وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت ولا شيء أكره إلي من النبي ﵇، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه ﷺ ، فألقى علي التأذين هو نفسه، فقال لي: قل: "الله أكبر، الله أكبر"، وذكر التشهدين، ثم قال لي: ارجع وامدد صوتك (٢)، فذكر ترجيع الشهادتين، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني
стр. 1531
صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية (١) أبي محذورة، ثم أمرّها على وجهه، ثم من بين يديه (٢)، ثم على كبده، ثم بلغت يده سرة أبي محذورة، ثم قال لي رسول الله ﷺ : بارك الله فيك، وبارك عليك، فقلت: يا رسول الله، مرني بالتأذين بمكة، فقال: قد أمرتك، ثم ذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لنبي الله ﷺ ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ ، فأذنت بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ " (٣).
قال ابن جريج: "وأخبرني بذلك من أدركت من آل أبي محذورة (٢٦٧) على نحو مما أخبرني ابن محيريز".
فإذا ثبت هذا؛ وجب المصير إليه، لاسيما وقد عضده عمل ولد أبي محذورة فنقله خلفهم عن سلفهم.
وما ذكروا أن ذلك في عام الفتح استفاض ذلك فيهم بمكة والمدينة،
стр. 1532
وأجمع عليه أهل المدينة والحجاز، ولو جرى خلاف؛ لنقل واستفاض.
فإن قيل: فليس في هذا دلالة؛ لأن النبي ﵇ كرر ذلك عليه لأنه كان يعلمه، فهو بمنزلة المعلم يكرر على الصبي آية حتى يتعلم، فلا يدل ذلك على أنها في القرآن مكررة.
وأيضًا فإن التكرير بالشهادتين كان لعلة هو أنه كان بقرب المشركين، وكان أبو محذورة هذا يكره ذلك، فكرره عليه ليألفه ويغيظ به المشركين.
قالوا: وعلى أنه قد كان خفَض صوته فأمره أن يعيد، ألا تراه أمره بأن يمد صوته حتى تكون الشهادتان مرفوعًا بهما صوته، فأمره كيما يرى ما ذكرناه (١).
فالجواب عن قولهم: "إنه كرر عليه ليغيظ"؛ باطل؛ لأنه قد روي عنه أنه قال: "علمني تسع عشرة كلمة" (٢)، ولا يكون ذلك إلا مع الترجيع، فحصل ذلك أصلًا.
وعلى أن أبا محذورة لم يخْفَ عليه ذلك المقدار، ألا تراه قال: فأذن مؤذن النبي ﷺ ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به.
وعلى أن هذا نفس الدعوى، وعلى أنه لو كان للتكرار؛ لم يستدم الأذان
стр. 1533
به، وقد حكينا أنه كان يؤذن به، ثم انتقل إلى عقبه من بعده، وانتشر واستفاض بالحرمين مكة والمدينة.
وعلى أنه لو كان للتكرار؛ لكان يقع ذلك مرارًا، وكيف وقع التكرار في الشهادة دون غيرها.
وأما الجواب عن قولهم: "إن التكرار في الشهادتين لعلة"؛ فهو دعوى، على أنه لو كان كما ذكر فينبغي أن يستدام؛ لأنه ليس تخلو ديار المسلمين من قوم من المشركين.
وعلى أن هذا لو كان لهذه العلة؛ لم يستدم ذلك، خاصة في الحرمين اللذين لا يدخلهما مشرك.
وعلى أن هذا الشيء قد يكون ابتداؤه لعلة، ثم ترتفع تلك العلة ويبقى الحكم (١)، ألا ترى أن السعي والرمل قد كان لعلة، وهو أن يرى المشركون والمنافقون قوة المسلمين (٢)، ثم زالت العلة، وبقيت السنة.
والجواب لقولهم: "إنه أمر بالترجيع لأنه خفض صوته، ألا ترى أنه قال له: ارجع ومد من صوتك"؛ فهذا سنته عندنا أن يمد في الترجيع صوته زيادة على الأول، فإذا سلمتم هذا المقدار؛ فما [فوقه] (٣) أكثر منه.
стр. 1534
وعلى أنه لو كان لما ذكرتم؛ لم يستدم فعله، فقد فهم أبو محذورة وهو المعلَّم خلاف ما فهمتموه.
فإن قيل: ليس الترجيع من صلب الأذان؛ لأنه ليس في أذان عبد الله بن زيد وعمر ﵄ (١).
[قيل] (٢): والعمل على تعليم النبي ﷺ أبا محذورة، فإنه قال: "علمني الأذان حرفًا حرفًا: تسع عشرة كلمة"، وذكر فيه الترجيع، فلو تجرد الخبران وفي أحدهما زيادة؛ لكان الزائد أولى، فكيف وقد عضده ما ذكرناه من إجماع أهل الحرمين خلفًا عن سلف، وبينا فساد التأويلات التي [تأولها] (٣) في أمر أبي محذورة.
فإن قيل: فإن الترجيع لو كان من صلب الأذان؛ لكان متواليًا كالتكبير.
قيل: هذا اعتراض على السنن فهو ساقط، وهو أيضًا فاسد بالتكبير؛ لأنه قد أعيد في آخره، ولم يجز أن يقال لو كان مسنونًا لكان مواليًا لما في أوله.
وفاسد أيضًا بالتهليل؛ لأنه قد أعيد في آخره، ولم يجز أن يقال: لو كان مسنونًا لأتي به مواليًا للتهليل الذي في أوله.
فإن قيل: قد وجدنا الإقامة من جنس الأذان، وقد سماها النبي ﷺ
стр. 1535
أذانين (١)، ثم اتفقنا على أنه لا ترجيع فيها، كذلك الأذان، فكل نداء إلى الصلاة لا ترجيع فيه.
قيل: هذا غلط؛ لأن التكبير قد يقع فيه ترجيع وهو التكبير الآخر.
وعلى أنه قياس يسقط السنة.
وعلى أننا نفرق بينهما فنقول: إن الإقامة لمن حضر فوقع فيها الاختصار.
وأيضًا فإن وقت الأذان في مهلة واتساع في وقته عن الصلاة، فوقع فيه الترجيع، والإقامة مضيق وقتها لاتصالها فاختصرت.
فإن قيل: فلم نجد شيئًا في الأذان أسقط جملة في الإقامة، فلو كان الترجيع مسنونًا في الأذان؛ لأسقط بعضه وترك بعضه.
قيل: هذا غلط، وقد أبقينا البعض وهو: "أشهد أن لا إله إلا الله".
وعلى أنه ليس إلا قولان: فقائل يُرجِّع فيقيم هكذا، وقائل لم يُرجِّع فهو يقيم مثنى.
وأيضًا فإنه جعل عوض الترجيع "قد قامت الصلاة".
وأيضًا فما ذكرتموه فاسد؛ وذلك أن من سنة أذان الصبح أن يقال فيه "الصلاة خير من النوم"، وقد أسقط في الإقامة جملة.
وعلى أننا نعارض هذا بقياس آخر فنقول: (٢٦٨) اتفقنا على أن التكبير
стр. 1536
في الأذان أربع تكبيرات على أصلنا في أوله وفي آخره، وعلى أصلكم في أوله، والمعنى فيه أنه ذكر فيه قبل خاتمته.
ويكون قياسنا أولى؛ لأنه يستند إلى الظاهر، وإلى استفاضة العمل في الحرمين.
وعلى أن القياس يسقط مع ما تقدم ذكره من تطابق العمل الذي فيه استفاض وانتشر.
وعلى أن هذا من المقادير والأعداد التي تمتنعون من أخذه من جهة القياس (١)، فسقط ما ذكروه.
فإن قيل: فلو كانت الاستفاضة ونقل أهل الحرمين متواترًا كما تقولون؛ لوقع لنا العلم ضرورة كما وقع لنا العلم بقبره ومنبره.
قيل: [إنما وقع لكم العلم بقبره ومنبره ﵇ ضرورة أنهما بالمدينة في المسجد ممن نقل عن أهل المدينة ذلك] (٢)، وقد وقع لكم العلم ضرورة بأن الترجيع مذهب أهل المدينة والحجاز، وأنهم كلهم على ذلك، فإن [قبل] (٣) قولهم: إن هذا قبره وهذا منبره - لأن العلم وقع لكم ضرورة ممن نقل عنهم ذلك -؛ فليقبل قولهم: إن هذا الأذان أذانه ﵇؛ لأن العلم قد حصل لكم عنهم ضرورة بذلك عمن نقل عنهم، لأن خلفهم نقل عن سلفهم أن هذا قبره ومنبره، وخلفهم نقل عن سلفهم أن هذا أذانه، وبالله التوفيق.
стр. 1537
وما ذكروه من حديث بلال، وأنه لم يكن في أذانه ترجيع؛ فقد روي خلاف هذا، وأن النبي ﵇ قال: "ثم اردد عليهم الشهادتين" (١).
رواه عنه سعد القرظ، وكان سعد القرظ (٢) يؤذن به إلى إمارة ابن الزبير (٣).
وعلى أن خبر بلال كان متقدمًا، وخبر أبي محذورة متأخر فهو أولى؛ لأنه الأحدث من فعل رسول الله ﷺ .
ولو لم يرد هذا؛ لكان الخبر الزائد أولى، فكيف وقد بينا أنه قد عضده إجماع أهل الحرمين عليه.
стр. 1538
فإن قيل: فإذا كنتم تعملون بالزائد؛ فاعملوا على ما فعله من تثنية الإقامة، كما روي عنه أنه قال: "علمني النبي ﵇ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة" (١).
قيل: الظاهر في هذا الخبر ما ذكرتموه؛ لولا أنه قد عارضه ما هو أقوى منه، ونحن نذكره في مسألة إقامة الصلاة.
فإن قيل: إن المقصود من الأذان الدعاء إلى الصلاة بقوله: "حي على الصلاة"، فإذا لم يكن فيه ترجيع؛ فالذكر الذي فيه أولى.
قيل: لم يجب ذلك، على أنه ينقلب عليكم في التكبير، أليس قد ربع؟ ولم يدل بتثنية "حي على الصلاة" - الذي هو الأصل - على تثنية التكبير دون تربيعه، كذلك هذا.
وعلى أنه أمر يعترض النص فيسقط.
فإن قيل: قد اتفقنا على أن الشهادة بعد التكبير الذي في آخره على النصف منه، وهو قول: "لا إله إلا الله"، فكذلك في صدره ينبغي أن تكون الشهادة على النصف من التكبير، فكل ذكر هو شهادة في الأذان؛ فينبغي أن تكون هذه الشهادة على النصف مما قبلها من التكبير.
قيل: هذا يزاحم النص، وعلى أن التكبير عندنا مرتان في أول الأذان، والترجيع ضعف ذلك لما تقدم ذكره، ولما عليه إجماع أهل المدية خلفهم عن سلفهم.
стр. 1539
وعلى أننا قد ذكرنا لها أصلًا آخر وهو التكبير، ورتبناه الترتيب الذي قد عرف.
وعلى أننا نقول: آخره قد بني على الاختصار، ألا ترى أنه قد أسقط التشهد قبل التهليل في آخره.
فإن قيل: فلو كان الترجيع في الشهادتين بعد الفراغ منهما مسنونًا؛ لوجب أن يَستأنف لهما تكبيرًا كالتهليل في آخره.
قيل: هذا نفس الدعوى، وهو يعترض على النص.
وأيضًا فإنه ما لم يخرج من الشهادة بالتوحيد وبنبوة النبي ﵇؛ فذلك كالجنس الواحد ذكر الله تعالى، فلما خرج إلى خطاب الآدميين بـ "حي على الصلاة"، أعاد التكبير قبل التهليل.
وعلى أننا قد ذكرنا أصلًا، وبينا أيضًا على أصولكم لا ينبغي أن يؤخذ قياسًا فسقط.
فإن قيل: فقد روى عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال المؤذن: "الله أكبر الله أكبر"، فقال أحدكم: "الله أكبر الله أكبر"، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر؛ قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله؛ قال: لا إله إلا الله، من قاله دخل الجنة" (١).
стр. 1540
فموضع الدلالة من هذا هو أنه وصف الأذان ولم يذكر فيه ترجيعًا.
قيل: إنما هذا ورد في فضيلة الأذان، وأن قائله يثاب عليه، والأخبار التي ذكرناها فيها (٢٦٩) تعليم الأذان أولا.
وعلى أنه يلزمكم ما نقوله نحن من التكبير أنه في أوله مرتين.
وعلى أنه أيضًا لم يكرر الشهادتين، وإنما ذكرهما مرة مرة (١).
وأيضًا فنقول: إنه يجوز أن تحصل الجنة لمن قال مع المؤذن ذلك المقدار، ألا ترى أنه قد روي أنه: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" (٢).
ويكون ما عدا الباقي من الأذان فيه ثواب لأنه ذكر، إلا أنه قد حصلت له الجنة لذلك المقدار.
فإن قيل: فإن الأخبار قد تعارضت، وينبغي أن يرجع إلى الأصول، ورأيناها تخالف؛ لأن سائر الأذان ليس فيه ترجيع، فكذلك الشهادتان.
قيل: هذا قياس يعترض على النصوص.
وعلى أننا قد بينا أن القول بالزائد أولى (٣)، وقد عضده العمل.
стр. 1541
على أنه ليس في الأذان موضع يغيظ الكفار والمنافقين مثل الشهادتين، فكررتا لذلك.
وعلى أنكم تمتنعون من القياس في مثل هذا.
وقد ذكرنا أصولًا أخر تسقط ما ذكروه.
مَسْألة (٣):
والإقامة فرادى (١)، وبه قال الشافعي، إلا في قوله: "قد قامت الصلاة" (٢) فإنه يقول ذلك مرتين في الجديد (٣).
وفي القديم كقولنا (٤).
стр. 1542
وقال أبو حنيفة: مثنى مثنى، وكذلك في "قد قامت الصلاة" (١).
والدليل لقولنا ما رواه أبو قلابة عن أنس مالك قال: "أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (٢).
وكذلك رواه ابن جريج عن عطاء عن أبي محذورة "أن النبي ﷺ علمه الأذان شفعًا، والإقامة وترًا" (٣).
стр. 1543
وكذلك في حديث عبد الله بن زيد (١) وغيره التفرقة بين الأذان والإقامة.
وأقوى الحجج في ذلك ما اعتمدناه من نقل أهل المدينة وإجماعهم على ذلك خلفهم عن سلفهم، مع تكرر ذلك في اليوم والليلة خمس دفعات (٢)، ومحال أن يذهب عليهم شيء من جهة النبي ﵇ مما يجري هذا المجرى ويستدركه غيرهم.
فإن قيل: ففي أخبارنا زيادة، فالزائد أولى.
قيل: الزائد أولى ما لم يكن بإزائه ما هو أقوى منه، وقد بينا نقل أهل المدينة وإجماعهم على ذلك.
وعلى أنه يلزمكم (٣) في الترجيع لأنه زائد، فلما لم تقولوا به بدليل قام عندكم؛ فكذلك نحن أيضًا لم نقل به في هذا الموضع لما ذكرناه من الدليل.
وقد روى ابن عمر وأنس "أن الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ مرتين، والإقامة فرادى" (٤).
стр. 1544
وكذلك في حديث سعد القرظ (١)، وقد أذن للنبي ﵇ ولعمر ﵁ (٢).
ويجوز أن يكون النبي ﵇ سوى بين الأذان والإقامة في وقت لقرب عهد الإسلام، أو لقربه من المشركين، ثم ترك ذلك بدلالة ما روي من الأخبار في الأذان عنه ﵇ وفي الإقامة، وفي أيام عمر ﵁، وأن الأذان شفع، والإقامة وتر، وإطباق أهل المدينة عليه، ونقلهم إياه خلفًا عن سلف.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "لا يحجب الدعاء بين الأذانين" (٣).
فسمى الإقامة أذانا، فوجب أن يكونا على صفة واحدة.
قيل: هذا دعوى، وليس إذا سماهما أذانين وجب ما قلتموه؛ لأنه قد زيد في الإقامة "قد قامت الصلاة"، وليست في الأذان، وزيد في أذان الصبح "الصلاة خير من النوم"، وليس في الإقامة، وإنما سمى النبي ﵇ ذلك بالأذانين لأن الأذان أعلى شأنًا من الإقامة، لأنه إعلام بوجوب الصلاة لمن حضر ولمن لم يحضر، والإقامة لمن حضر، فقيل فيه ذلك، كما قيل:
لنا قمراها والنجوم الطوالع ..
стр. 1545
وإنما أراد الشمس والقمر (١).
وكما قيل: سنة العمرين، فقيل فيه أبو بكر وعمر، وقيل غير ذلك.
وكما قيل: "الأسودان إنما هو التمر والماء" (٢).
وعلى أن الأذان لما كان إعلامًا؛ وجب أن يثنى حتى يسمع اللفظ الثاني من لم يسمع الأول، وفي وقته مهلة لأنه يركع بعده، والإقامة لمن حضر، [و] (٣) وقتها مضيق لاتصالها بالصلاة فاختصرت (٤).
فَصْل
وبمثل هذه الأدلة يُستدَل على أبي حنيفة وقول الشافعي (٥) في أن: "قد قامت الصلاة" مرة واحدة.
[ولنا أن نستدل في الأصل بما عليه أهل المدينة] (٦) وأن قوله: "قد