стр. 1541
← Фикх малики следующие страницы →
Фикх малики · id 1566
عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار
ابن القصار
Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1542
стр. 1543
وكذلك في حديث عبد الله بن زيد (١) وغيره التفرقة بين الأذان والإقامة.
وأقوى الحجج في ذلك ما اعتمدناه من نقل أهل المدينة وإجماعهم على ذلك خلفهم عن سلفهم، مع تكرر ذلك في اليوم والليلة خمس دفعات (٢)، ومحال أن يذهب عليهم شيء من جهة النبي ﵇ مما يجري هذا المجرى ويستدركه غيرهم.
فإن قيل: ففي أخبارنا زيادة، فالزائد أولى.
قيل: الزائد أولى ما لم يكن بإزائه ما هو أقوى منه، وقد بينا نقل أهل المدينة وإجماعهم على ذلك.
وعلى أنه يلزمكم (٣) في الترجيع لأنه زائد، فلما لم تقولوا به بدليل قام عندكم؛ فكذلك نحن أيضًا لم نقل به في هذا الموضع لما ذكرناه من الدليل.
وقد روى ابن عمر وأنس "أن الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ مرتين، والإقامة فرادى" (٤).
стр. 1544
وكذلك في حديث سعد القرظ (١)، وقد أذن للنبي ﵇ ولعمر ﵁ (٢).
ويجوز أن يكون النبي ﵇ سوى بين الأذان والإقامة في وقت لقرب عهد الإسلام، أو لقربه من المشركين، ثم ترك ذلك بدلالة ما روي من الأخبار في الأذان عنه ﵇ وفي الإقامة، وفي أيام عمر ﵁، وأن الأذان شفع، والإقامة وتر، وإطباق أهل المدينة عليه، ونقلهم إياه خلفًا عن سلف.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "لا يحجب الدعاء بين الأذانين" (٣).
فسمى الإقامة أذانا، فوجب أن يكونا على صفة واحدة.
قيل: هذا دعوى، وليس إذا سماهما أذانين وجب ما قلتموه؛ لأنه قد زيد في الإقامة "قد قامت الصلاة"، وليست في الأذان، وزيد في أذان الصبح "الصلاة خير من النوم"، وليس في الإقامة، وإنما سمى النبي ﵇ ذلك بالأذانين لأن الأذان أعلى شأنًا من الإقامة، لأنه إعلام بوجوب الصلاة لمن حضر ولمن لم يحضر، والإقامة لمن حضر، فقيل فيه ذلك، كما قيل:
لنا قمراها والنجوم الطوالع ..
стр. 1545
وإنما أراد الشمس والقمر (١).
وكما قيل: سنة العمرين، فقيل فيه أبو بكر وعمر، وقيل غير ذلك.
وكما قيل: "الأسودان إنما هو التمر والماء" (٢).
وعلى أن الأذان لما كان إعلامًا؛ وجب أن يثنى حتى يسمع اللفظ الثاني من لم يسمع الأول، وفي وقته مهلة لأنه يركع بعده، والإقامة لمن حضر، [و] (٣) وقتها مضيق لاتصالها بالصلاة فاختصرت (٤).
فَصْل
وبمثل هذه الأدلة يُستدَل على أبي حنيفة وقول الشافعي (٥) في أن: "قد قامت الصلاة" مرة واحدة.
[ولنا أن نستدل في الأصل بما عليه أهل المدينة] (٦) وأن قوله: "قد
стр. 1546
قامت الصلاة" مرة واحدة بأن الإقامة منقول ذكرها في أكثر الأخبار، وأنه أفرد الإقامة، والفرد ضد الزوج، وهذه النسبة إلى قوله: "قد قامت الصلاة" منسوبة، فينبغي أن تكون مرة.
وهذا الفصل يصلح أن يستدل به ابتداء فيقال: إقامة الصلاة.
وقولنا: "قد أقام الإمام أو المؤذن الصلاة" منسوب إلى هذه الكلمة، وهي: "قد قامت الصلاة"، فإذا قالها مرة واحدة؛ انطلق عليه اسم الإقامة، فمن قال: إنه يحتاج إلى تكرارها؛ فعليه الدلالة.
فإن قيل: فقد روي في الخبر "أن بلالًا أُمِر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا قوله: "قد قامت الصلاة" فإنه مرتان" (١).
وفي خبر آخر: "أن يوتر (٢٧٠) الإقامة إلا الإقامة" (٢).
قيل: قد قلنا: يحتمل أن يكون كان ذلك في أول الأمر ثم ترك، بدليل ما ذكرناه من نقل أهل المدينة النقل الذي بمثله [قبلتم] (٣) نقلهم في القبر، والمنبر، والصاع، والمد، والأحباس، وما أشبه ذلك.
وإن قيل: قولكم في بلال: "أمر" يجوز أن يكون غير النبي ﷺ أمره بذلك، فلا يلزمنا (٤).
стр. 1547
قيل: إذا أطلق الصحابي عن الصحابي أنه أُمِر؛ فالظاهر أن يكون ﵇ أمره، ولا يطلق في ذلك إلا عنه ﵇، وفي غيره يقال: أَمر فلان بلالًا.
وعلى أنه قد روي أنه ﵇ قال لبلال: "اردد عليهم الشهادتين" (١)، فدل على أن ذلك كله كان عن أمر النبي ﷺ ، وخاصة في مثل بلال خادم النبي ﵇ لا يقال فيه مطلقًا: [إنه] (٢) أُمر؛ إلا والنبي ﵇ أمره، وهذا كله مما لا
стр. 1548
يرفع ما اعتمدنا عليه من نقل أهل المدينة، وتوارثهم العمل بذلك إلى عهد مالك ﵀.
وعلى أن أنسا روى "أن النبي ﵇ أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (١).
وحقيقة هذا اللفظ هو أن يوتر قوله: "قد قامت الصلاة".
ولأصحاب أبي حنيفة أخبار يستدلون بها على أن الإقامة بأسرها تثنى كالأذان.
منها: ما رواه إبراهيم، عن الأسود، عن بلال أنه كان يثني الأذان ويثني الإقامة (٢). ومنها: حديث روي عن أبي محذورة أن النبي ﵇ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم وصف الأذان، ثم قال: "والإقامة هكذا مثنى مثنى" (٣).
فقد بين أن العدد سبع عشرة كلمة، قالوا: فزال الإشكال بذكر العدد، وبقوله: "والإقامة هكذا مثنى مثنى".
وهذا ربما استدل به أصحاب الشافعي علينا في الأذان في زيادة التكبير في أوله.
стр. 1549
وربما استدللنا به نحن وأصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة في الترجيع.
وقد استدل به أصحاب أبي حنيفة علينا وعلى الشافعي في تثنية الإقامة.
والجواب على ما يوجبه مذهبنا في حروف الإقامة ما رويناه من حديث بلال "أن النبي ﵇ أمره أن يوتر الإقامة" (١).
وذكرنا في حديث عبد الله بن زيد وبلال عنه أنه جعلها وترًا (٢).
وعلى أنه لو صحت المعارضة؛ لكان استفاضة العمل بالمدينة، ونقلهم بذلك، وتوارثهم إياه خلفًا عن سلف؛ لا يقوم بإزائه خبر يوردونه، ونحن نعلم أنهم لا يطبقون على ذلك إلا وهو آخر الأمر من النبي ﵇، فيدل على أن جميع ما يوردونه لو صح؛ لجاز أن يكون ذلك في وقت مّا ثم تُرك، فعمل أهل المدينة على الآخِر الذي استقر العمل عليه.
وحديث أبي محذورة أيضًا محمول على هذا.
فكل حجة لأصحاب أبي حنيفة تسقط بهذا، لأن جميع ما يذكرونه خبر واحد.
وتسقط حجج أصحاب الشافعي علينا بهذا الذي ذكرناه أيضًا؛ لأنه هو قد احتج بنقل أهل المدينة في الترجيع، فيلزمه نقله في عدد حروف الإقامة.
فإن قيل: فإن أهل المدينة قد كانوا يعملون على قول أمير يلي عليهم،
стр. 1550
ومحتسب، ووال، فيجمعون على عمله حتى ربما تركوا له الخبر.
قيل: هذا لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن الوالي لم يكن يلي عليهم إلا وهو من أهل الاجتهاد في العلم، فإذا حدثت حادثة لم يكن فيها نص فاجتهد فيها، فحكم، ثم تبين للجماعة أنه قد أصاب في اجتهاده، اتبعوه، فحصل الحكم باجتهادهم، ولكن كان الأصل فيه ذلك الوالي، وهذا إن لم يكن في تلك الحادثة خبر يروى، وخرج الحكم باجتهادهم بخلاف ما يوجبه الخبر؛ قدموا القياس عليه؛ لأنه عندهم أولى من خبر الواحد إذا نافاه (١).
وربما كانت الصحابة قد عقلت من مقصد النبي ﵇ خلاف ما يوجبه ظاهر الخبر، فيعملون على ما فهموه، ثم يعمل من بعدهم على عملهم، وتكون الحاجة دعتهم عند حدوث حادثة ينظر فيها الوالي الذي يلي عليهم، فيظهر الحكم فيها.
وهذا لو كان مثله في عصر الصحابة حتى تحدث حادثة ينظر فيها بعض الأئمة فيحكم فيها باجتهاده، ويتفق اجتهاد الباقي على مثل ذلك، فيطبقون عليه؛ لم يجز أن يقال: إنما عملوه على قول الوالي عليهم وتركوا ما عندهم؛ لأن الإجماع يصح من طريق القياس.
والوجه الآخر: هو أن مالكًا ﵀ كان يحكي حكم الوالي عليهم تأسيًّا به؛ لأنه من أهل العلم والاجتهاد، كما يتكلم في المسألة ويحتج فيها، ثم
стр. 1551
يذكر أن الصحابي حكم فيها بمثل ذلك تأسيًّا به، لا أنه مقلد له، فأما ما يعلم أنه كان من النبي ﷺ ، أو في زمانه، أو الأغلب منه أن يكون في وقته ﷺ ، ويرى الناس عليه متفقين؛ فإن هذا الموضع هو الذي يقول فيه: "لم يزل الناس على ذلك"، و"هذا الأمر الذي لا اختلاف فيه" (١).
وقد علمنا (٢٧١) أن الأذان كان على عهد النبي ﷺ خمس مرات في كل يوم، فإذا رأى أهل المدينة مطبقين على صفته قولًا وفعلًا لم يزالوا عليه، ولا يسمع بخلاف عنهم فيه، أو سمع خبرًا قد سمعوه ثم رأى العمل على خلافه؛ كان العمل أقوى، إذ لا يجوز أن يظن بهم أنهم خالفوا ولا قصدوا العناد، ولا يظن ذلك بهم إلا مخذول.
وبمثل هذا احتج على من يخالفه في كثير من المسائل، فاحتج بنقلهم وبفعلهم في ترك الزكوات في الخضر (٢)، وبالأحباس، وفي المد والصاع على من خالفه (٣).
واحتج من خالفنا وخالفه أيضًا والجماعة معنا ومعهم أن هذا قبر النبي ﵇، ومنبره، ومسجده (٤)، فلا ينبغي أن يخرج أحد عما يجدهم عليه، ولا يلتفت
стр. 1552
في خلافهم إلى نقل خبر من طريق الآحاد لما حكيناه عنهم.
ولعلهم لم يخف عليهم ذلك الخبر، وقد تركوه على علم لما تقدم ذكره.
ومن المحال أيضًا أن يذهب عليهم خبر يستدركه غيرهم، فلا يقع إليهم جملة حتى يذهب على السلف والخلف إلى وقت مالك ﵀.
وقد سئل عند الملك عن روايتهم الحديث وتركهم العمل به، [فقال] (١): "إنما روينا لتعلم أننا تركناه على علم".
فإذا كان هكذا؛ لزم أصحاب أبي حنيفة والشافعي الرجوع إلى ما عليه أهل المدينة من عدد حروف الأذان والإقامات.
ولهم قياسات واستدلالات لم أشتغل بها فيطول الكتاب، ولأنه يسقط بأسره مع هذه الطريقة، لاسيما وهذا مما لا ينبغي أن تدخل المقاييس فيه؛ لأنه كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فإن أهل مكة قد أطبقوا على عدد حروف الإقامة، وفيها: "قد قامت الصلاة" مرتين، كما أطبق أهل المدينة على مرة واحدة.
قيل: فأهل المدينة أولى (٢)؛ لأن النبي ﵇ قبض فيهم، وكان الأذان
стр. 1553
متصلًا بصلواته بهم، فكذلك أَمر أبا بكر الصديق ﵁ بأن يصلي بهم في مرضه (١)، وانقطع الوحي بموته ﵇ بينهم، فآخر الفعل منه حصل فيهم، واتصل فعلهم بعده ﵇ على ذلك، فليس لأهل مكة مثل هذا.
فإن قيل: فأهل المدينة اختلفوا في نقل ذلك.
قيل: إن وردت عنهم أخبار مختلفة عن النبي ﷺ في ذلك؛ فالعمل على فعلهم فيه، وقد قلنا: إن عملهم استقر على ما نقول، ولم ينقل عنهم خلاف في فعلهم الأذان والإقامة على هذه الصفة، وإنما معكم أخبار العمل بخلافها، وهي أخبار آحاد فلا تثبت مع وجود العمل المتفق عليه.
وبمثل هذا يحتج على من يقول بأن أهل الكوفة مطبقون على ما نقول، وذلك أن أصل عمل أهل الكوفة إنما هو عن خبر واحد، ليس منزلتهم بمنزلة أهل المدينة الذين يتصل عمل الطائفة عن مثلها إلى النبي ﵇.
стр. 1554
مَسْألة (٤):
عند مالك، والشافعي، وأبي يوسف أنه يجوز أن يؤذن لصلاة الصبح قبل وقتها (١).
وقال أبو حنيفة، ومحمد، والثوري: لا يجوز ذلك (٢).
والدليل لصحة قولنا ما رواه مالك ﵀ من إجماع أهل المدينة على جوازه، وأنه من الأمر القديم الذي لم يزل عليه العمل عندهم من لدن رسول الله ﷺ إلى وقته (٣)، وهو من الأمور التي لا تنقطع، بل تتصل وتدوم، ومثلُ مالك لا يحكي هذا عنهم إلا وقد سمعه منهم، مع كونهم عاملين به، فيصير قوله "إن العمل عندهم من لدن رسول الله ﷺ [عليه] " (٤) كالخبر الذي يسمعه فيهم، ويجدهم عاملين به، وهذا كما قلناه في عدد حروف الأذان والإقامة، وليس يؤخذ هذا من جهة القياس.
وأيضًا فما روي أن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" (٥).
فأخبر أن نداء بلال في الصبح يقع في الوقت الذي يجوز لمن أراد الصوم أن يأكل ويشرب فيه، وهذا لا يكون إلا قبل الفجر، وأخبر أن الأكل
стр. 1555
والشرب يحرمان بعد أذان ابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
وقال ﵇: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل" (٢).
فجعل أذانه بمنزلة الفجر الأول الذي هو من الليل، وهذا نص منه في مسألة الخلاف.
فإن قيل: فإن بلالًا كان يؤذن بليل في شهر رمضان ليتسحر الناس بأذانه (٣)، ويستيقظ النائم، وينام القائم، كما قيل في الخبر (٤).
قيل: لو كان إنما يؤذن ليتسحروا؛ لكان أذانه علامة لوقت السحور، فلا يجوز أن يتسحروا قبله، ولا يحتاج أيضًا أن يقول لهم: كلوا واشربوا؛ لأنهم قد علموا أن أذانه لذلك، ولكان يقول لهم: "حي على (٢٧٢) السحور"، ولا يقول: "حي على الصلاة"، فيدعوهم إليها وهو يدعوهم إلى السحور، فثبت بهذا أنه كان يؤذن لصلاة، [ويكون] (٥) لهما جميعًا، فيكون أذانه دعاء إلى الصلاة وحضًّا عليها، حتى إن احتاج منهم إنسان إلى الغسل اغتسل، ولعله أن يكون فيهم من لم يوتر، ولعل منهم من كان عادته صلاة الليل فإذا
стр. 1556
استيقظ بوقت صلاها، ويكون إنسان قائمًا فيعلم أن ما بقي عليه وقت يستريح فيه بنومة، كما روي عن النبي ﵇ أنه كان يفعل (١)، ألا ترى أنه قيل في الحديث: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل" (٢).
وقيل فيه: "ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" (٣).
وهذا يحتاج إليه في شهر رمضان وغيره؛ لأن في الناس من يصوم دهره، وفيهم من عليه النذر، وفيهم من يتطوع بأيام يختارها، فليس يختص هذا بشهر رمضان وحده.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﵇ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام" (٤).
قيل: إلا أنه قال له: قل: "ألا إن العبد نام"؛ لأنهم كانوا يعرفون منه أنه كان يؤذن في وقت ليتسع لهم الأكل، والشرب، والصلاة، وغير ذلك مما يعملونه بالليل، فلما نام وانتبه في وقت يضيق عن ذلك وهو بقرب الفجر؛ قال له ﵇: ارجع فقل ذلك، حتى يعلموا بقوله: "إن العبد نام" أن وقته قد تأخر عن الوقت
стр. 1557
الذي عهدوه منه، لئلا يطول سحورهم وشربهم، ويتّكلون على فضل الوقت الذي كانوا يعرفونه، فيطلع الفجر وهم على تلك الحال فيفسد صومهم (١).
مع [أن] (٢) هذا من أخبار الآحاد الذي قد بينا أن العمل بخلافه، هذا مع احتمال التأويل فيه، ومعارضة الأخبار التي ذكرناها له.
وكذلك الحديث الذي روي أنه قال لبلال: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومد يديه عرضًا" (٣).
ويحتمل أن يكون في يوم فاته الوقت الذي جرت عادته فيه، ورأى النبي ﵇ الوقت قد قرب من الفجر، فقال: لا تؤذن؛ لئلا يظنوا أن هذا الوقت هو وقتك المعهود.
وكذا يتأول ما روي عن مؤذن عمر ﵁، واختلف في اسمه فقيل: مسعود، وقيل: مسروح، وأنه أذن قبل الصبح، فأمره عمر أن يعيد الأذان (٤).
стр. 1558
وكذلك ما رواه عروة أن امرأة من بني النجار قالت: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه للفجر، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى ثم يؤذن" (١).
يحتمل أن يكون يفعل هذا في اليوم الذي يحمله النوم فيه حتى يقارب الفجر.
ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يجعل النبي ﵇ ابن أم مكتوم مؤذنًا، فلما صار له مؤذنان؛ جعل إلى بلال الأذان قبل الوقت، وأعلمهم أن أذانه لا يمنعهم مما كانوا يعملونه قبل الفجر، وأن أذان ابن أم مكتوم يمنع ذلك (٢).
فإذا احتملت هذه الأخبار هذه التأويلات، وعارضتها أخبارنا أيضًا؛ وجب الرجوع إلى ما عليه العمل من الجماعة.
فإن قيل: فقد روى أنس أن النبي ﵇ قال: "لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا" (٣).
قيل: هذا الذي يدل على جواز التأذين للصبح قبل الوقت، إذ لو كان لا يجوز؛ لوجب أن يمنعه من ذلك لئلا يخطئ الوقت المجعول، ولمّا أقره على ذلك؛ علمنا جوازه.
стр. 1559
وعلى أن هذا يمنع من تأذينه في سائر الصلوات؛ لأنه في الفجر المضيء مع عدم الموانع يشك فيه؛ ففي النهار وفي الشموس وما يحدثه الشعاع في الناظر أولى أن [يعتريه] (١).
فإن قيل: لما كان الأذان موضوعًا للدعاء للصلاة؛ لم يجز أن يؤتى به قبل دخول وقت الصلاة، ألا ترى أن سائر الصلوات لم يجز أن يؤذن لها قبل وقتها؛ لأنه وقت لا يجوز أداء الصلاة فيه، فلا يجوز الدعاء إليها.
قيل: هذا مما لا يتعرض فيه القياس، وإنما يؤخذ توقيفًا، ثم هو منكسر لأن أذان الجمعة يقع في وقت لا يجوز إقامتها فيه من أجل الخطبة التي هي واجبة قبل الصلاة.
هذا قد ذكره بعض أصحابنا، ولكن نقول: إن القياس يسقط مع وجود أهل المدينة مجمعين على جواز ذلك.
ونقول أيضًا: إن هذه الصلاة خصت بذلك من بين سائر الصلوات لأنها تدرك الناس نيامًا، وفيهم الجنب، ومَن نومه ثقيل، ومن سهر لقيام صلاة الليل ثم ينام، فإذا سمع الأذان، تأهب واغتسل، وتشاغل بالطهارة التي في الغالب يكون فيها [مجلس] (٢) العادة بخلاف سائر الصلوات، وحتى يؤدوا الصلاة بغلس عند طلوع الفجر الثاني، فلهذا خصت بذلك، ولا يمتنع أن تكون مخصوصة من بين سائر الصلوات، وتكون أصلًا في نفسها.
فإن قيل: فإن معنا إجماع الصحابة، وذلك ما رواه علي بن أبي علي،
стр. 1560
عن إبراهيم قال: شيعنا علقمة إلى مكة، فخرج ليلًا فسمع مؤذنا يؤذن بليل، فقال: "أما هذا فقد خالف سنة (٢٧٣) أصحاب النبي ﵇، لو كان نائمًا؛ كان خيرًا له، فإذا طلع الفجر؛ أذن" (١).
فحكى إجماع الصحابة في ذلك.
قيل: هذا لا يلزم من وجوه:
أحدها: لأنها حكاية عن فعلة واحدة لا يدعى فيها العموم، فيحتمل أن يكون أذن قبل نصف الليل، أو بعده بقليل، لأن هذا وقت العشاء الآخرة، فقال: هذا لو نام كان خيرًا له؛ لأنه جاهل.
ووجه آخر: وهو أن قول علقمة: إن هذا إجماع الصحابة؛ خبر واحد، لا يُرجَع إلى قوله في الإجماع حتى [يعلم] (٢) بالاستفاضة.
ووجه آخر: وهو ما ذكرناه من إجماع أهل المدينة ونقلهم إياه خلفًا عن سلف، فهذا أولى أن يعلم إجماع الصحابة على ما نقول.
فإن قيل: فإن الأذان ذكر يختص بالصلاة، فوجب أن لا يتقدم على وقتها، قياسًا على خطبة الجمعة.
قيل: الخطبة شرط في [صحة] (٣) الصلاة؛ لأنه لو لم يخطب؛ لم تجزئه، وهي متصلة بها، والأذان ليس شرطًا في صحتها، غير أنه لا يمتنع أن تكون
стр. 1561
سنة الأذان لها بعد دخول وقتها، لأنها وسائر الصلوات تفارق صلاة الصبح للمعنى في صلاة الصبح، ولما كانت صلاة الصبح الأفضل عندنا التغليس بها عند طلوع الفجر الثاني (١)؛ جاز تقديم الأذان قبلها، ولما كانت سائر الصلوات في الاستحباب تخالفها؛ لم يجز تقديم الأذان قبل وقتها (٢).
فإن قيل: فإنها دعاء إلى الصلاة فأشبهت الإقامة، ولأنها صلاة مفعولة في وقتها فأشبهت سائر الصلوات.
قيل: قد بينا الفرق بين صلاة الصبح وبين سائر الصلوات، فالمعارضة به حاصلة على كل قياس يوردونه، ومع هذا فإنكم [تدعون] (٣) على قياس الأصول بخبر واحد، ونحن قد ذكرنا ما يجري مجرى التواتر من عمل أهل المدينة.
فإن قاسوه على قبل نصف الليل بعلة أنه وقت لا يجوز فعل الصلاة التي أذن لها فيه؛ قيل: ذلك وقت لصلاة عشاء الآخرة، فإن أذن لها بعد نصف الليل؛ قيل: يجوز ذلك، وجميع ما ذكرناه يسقط هذا القياس.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ كان إذا سمع الأذان قام فصلى ركعتي الفجر (٤)، وهذا ينافي جواز الأذان قبل الفجر.
قيل: هذا كان يفعله في أذان ابن أم مكتوم.
стр. 1562
فإن قيل: فإنها صلاة لا يجوز تقديم الإقامة لها على وقتها، فوجب أن يكون أذانها كذلك كسائر الصلوات.
والجواب عن القياس كله على طريقة واحدة وهو ما ذكرناه.
وعلى أننا نقول: الإقامة جعلت لاستباح الصلاة وهي لمن حضر، والأذان إعلام الناس حتى يتأهبوا.
وعلى أنه لو كان كل قياس صحيحًا معكم؛ لكان إجماع أهل المدينة ونقلُهم ذلك خلفًا عن سلف يسقطه، وبالله التوفيق.
وقد ذكر بعض من وافقنا في هذه المسألة قياسات لا تتحرر؛ لأن القياس في المسألة مع المخالف، وإنما المعول في صلاة الصبح على ما عليه أهل المدينة من العمل.
فقال هذا الموافق: إنها صلاة مكتوبة، يجهر فيها بالقرآن، مع كونها من صلاة النهار، فجاز تقديم الأذان على وقت جواز فعلها كصلاة الجمعة.
ولأنها عبادة يحُل وجوبها بطلوع الفجر، فجاز تقديم أسبابها المنفصلة عنها على وقتها، دليله الصوم.
واحتج أيضًا بحديث زياد بن الحارث الصُّدائي قال: "أتيت النبي ﷺ لمبايعته على الإسلام، إلى أن قال: فلما كان أذان الصبح؛ أمرني فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا نبي الله؟ فجعل ﵇ ينظر إلى ناحية المشرق وإلى الفجر، ويقول: لا، حتى إذا طلع الصبح، - وقيل الفجر -؛ أمرني رسول الله ﷺ ،
стр. 1563
فأراد بلال أن يقيم، فقال ﷺ : إن أخا صُداء أذن، ومن أذن فهو يقيم" (١).
وقيل: إن الحديث ضعيف، وقد تأولوه وأنه كان أول الفجر؛ لأنه قال: "أذن للصبح"، والنبي أخره حتى يسفر، قالوا: لأن الإسفار عندنا أفضل.
والمعول في المسألة على ما عليه أهل الحرمين. وبالله التوفيق (٢).
مَسْألة (٥):
قال مالك ﵀: ويزيد في نداء الصبح بعد "حي على الفلاح": "الصلاة خير من النوم" مرتين (٣).
стр. 1564
стр. 1565
على الفلاح" قال: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم" (١).
ويخص بذلك صلاة الصبح لقول بلال: "أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب إلا في صلاة الصبح" (٢).
وهي أيضًا صلاة تطرق الناس نيامًا، وغيرها ليس كذلك.
دليل آخر في التثويب بعد "حي على الفلاح": (٢٧٤) حديث أبي محذورة قال: "لما رجع رسول الله ﵇ من حنين خرجت [عاشر] (٣) عشرة، وذكر الحديث، إلى أن قال: "حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"، وذلك في صلاة الصبح" (٤).
وهذا اللفظ بعد أن قال: "فعلمني الأذان" وذكره.
стр. 1566
وفي هذا الحديث دليل على التثويب، وعلى تكريره، وعلى كونه بعد "حي على الفلاح"، وهو دليل أيضًا يدل على خلاف قول الشافعي في الجديد.
وفي الحديث أيضًا: "إنني لما انتهيت إلى "حي على الفلاح"؛ قال لي: ألحق فيها "الصلاة خير من النوم"" (١).
وروى أيوب قال: "كان ابن سيرين إذا أذن في صلاة الصبح فقال: "حي على الفلاح، حي على الفلاح"؛ قال: "الصلاة خير من النوم" (٢).
وروي عن محمد بن سيرين قال: "كانوا يقولون في صلاة الصبح إذا بلغ "حي على الفلاح، حي على الفلاح" قال: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم" (٣).
وذكر محمد بن سيرين قال: "ذهبت أنا وأبو العالية إلى أنس بن مالك، فأذنت لصلاة الغداة، فقال لي أبو العالية: إنما تقول: "الصلاة خير من النوم" إذا قلت: "حي على الفلاح" (٤).
وكذلك يقول طاوس أنه كان يقول: "يقال ذلك في عهد أبي بكر ﵀" (٥).
стр. 1567
وكذلك يقول الحسن (١)، وقتادة.
وروى محمد بن إبراهيم التيمي "أن بلالًا كان يقول في التأذين على عهد النبي ﵇: "الصلاة خير من النوم" (٢).
وعن بلال قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب إلا في الفجر" (٣).
وكذلك روى الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد القرظ، أن جده سعدًا كان يؤذن في عهد رسول الله ﷺ لأهل قباء، انتقله عمر ﵁ في خلافته، فأذن بالمدينة في مسجد رسول الله ﷺ ، فزعم حفص أنه سمع من أهله أن بلالًا أتى رسول الله ﷺ ليؤذنه بصلاة الصبح بعدما أذن، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فنادى بأعلى صوته: "الصلاة خير من النوم"، فأُقِرت في صلاة
стр. 1568
الصبح منذ سنها بلال" (١).
وفي هذا دليل على أنه مستحب.
وذهب أبو حنيفة إلى هذا الخبر في أنها بعد الأذان، وإلى حديث آخر رواه حكيم بن جبير، عن عمران بن أبي الجعد، عن الأسود بن يزيد، أنه سمع مؤذنًا أذن، فلما بلغ "حي على الصلاة"؛ قال: "الصلاة خير من النوم"، فأتاه الأسود فقال له: ويحك! لا تزد في أذان الله ، قال: سمعت الناس يقولون، قال: فلا تفعل" (٢).
وحكيم بن جبير ضعيف الحديث، قال يحيى بن سعيد: "سألت [شعبة] (٣) عن حديث كان عنده عن حكيم بن جبير، فقال: أخاف الله أن أحدث به" (٤).
وهذا هو أذان الناس وعليه العمل، وهو الأشبه أن يكرر به "حي على
стр. 1569
الفلاح"؛ لأن "حي على الفلاح" دعاء إليها، و"الصلاة خير من النوم" حث عليها.
وحديث بلال (١) أنه قالها بعد الأذان؛ فيجوز أن يكون هذا في الابتداء ثم أقرها النبي ﷺ بعد "حي على الفلاح" بما ذكرناه عن أبي محذورة، وأنس بن مالك، وبعمل أهل المدينة، والناس على ذلك إلى هذه الغاية.
وقد احتج أصحاب الشافعي لقوله الجديد بأخبار ليس فيها نص [عن] (٢) النبي ﵇.
منها: ما روي أن أبا محذورة قال: "علمني النبي ﵇ الأذان تسع عشرة كلمة" (٣).
فلو كان فيها: "الصلاة خير من النوم"؛ لكان إحدى وعشرين كلمة.
وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه يجوز أن يكون في غير أذان الصبح (٤).
ويجوز أن يكون أراد نفس الأذان، ولسنا نقول: إن قوله: "الصلاة خير من النوم" من نفس الأذان، وإنما يزاد فيه.
وأيضًا بالخبر عن أبي محذورة أنه قال: "فقال لي بعد "حي على
стр. 1570
الفلاح": ألحقها" (١).
وهذا زائد، والزائد أولى، فكيف وقد عضده العمل.
ورووا عن عمر كلامًا لا نترك كلام النبي ﵇ وأمره باجتهاد عمر (٢).
ورووا عن ابن عمر: "أنه دخل ومعه مجاهد فثوب المؤذن، فقال ابن عمر: اخرج بنا من عند هذا المبتدع" (٣).
ويجوز أن يكون ابن عمر اطلع من المؤذن على بدعة لا من أجل ما قال، ويجوز أن يكون ثوب تنحنح (٤)، وهذا عندنا مكروه، ويقال له تثويب.
قالوا: نقيس على ذلك سائر الصلوات؛ لأنها صلاة سن لها الأذان، فلم يجب فيها تثويب، دليله سائر الصلوات.
قالوا: وقد اتفقنا على أن الإقامة لا تثويب فيها، فكل نداء [إلى] (٥) صلاة الصبح فلا تثويب فيه، قياسًا على الإقامة.
وهذا فاسد؛ لأن القياس يسقط مع ما ذكرناه، كما قالوا وقلنا لأصحاب
стр. 1571
أبي حنيفة في الترجيع وغير ذلك.
ثم إننا نفرق فنقول: سائر الصلوات لا تدرك الناس نيامًا في الغالب، فلم يدخل ذلك فيها.
وأيضًا فإن صلاة الصبح عندنا وعندهم السنة التغليس بها، فجعل ذلك (٢٧٥) حضًّا عليها، وقد خصت عندنا وعندهم بجواز التأذين لها قبل الوقت بمثل ما ذكرناه. وبالله التوفيق (١).
مَسْألة (٦):
والأذان سنة (٢)، ............................................
стр. 1572
وبه قال أبو حنيفة والشافعي (١).
وقال أهل الظاهر: إنه فرض (٢).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).
وبما روي أن النبي ﷺ قال لرجلين: "أذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما" (٤).
وهذا أمر ظاهره الوجوب.
وبما روى أنس أنه أمر بلالًا، وفي حديث "أن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (٥).
وهذا أمر ظاهره الوجوب، فإذا وجب به الإشفاع؛ فالأذان واجب.
стр. 1573
قالوا: وأيضًا فإن النبي ﵇ جعله بمنزلة لفظ التوحيد الذي لا بد منه، فقال لأصحابه ﵃: "إذا سمعتم الأذان من موضع فلا تغيروا" (١).
فصار بمنزلة من قال كلمة الإيمان، وهي واجبة، فكذلك الأذان.
قالوا: ووجدنا الصلاة على ضربين: فرضًا، ونفلًا، ثم رأينا الفرائض قد خصت بالأذان وأسقط من النوافل، فلو كان الأذان نفلًا؛ لأشبه أن يكون في [الصلاتين] (٢) معًا.
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (٣).
وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٤)، فجعله أمرًا مفردًا كالصلاة التي أمرها مفرد.
قالوا: وأيضًا فإنه عمل الناس من وقت أمر النبي ﵇ إلى وقتنا هذا، فلولا أنه واجب؛ لتركه واحد من الأئمة (٥).
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وأنه لا يجب شيء إلا بشرع.
وأيضًا فإننا نفرض المسألة في أن الصلاة تصح وإن لم يؤذن لها، فإن سلموا هذا غير أن الأذان واجب؛ قلنا: فلا خلاف نعلمه إلا أن الأذان إنما جعل للصلاة، فإذا صحت بغير أذان؛ فما معنى الوجوب، ألا ترى أن الطهارة
стр. 1574
لم تجب إلا لأجل الصلاة، فلو صحت الصلاة بعدمها؛ لم تكن للطهارة معنى.
وإن لم يسلموا صحة الصلاة بغير أذان (١)؛ دللنا على صحتها بقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٢).
وهذا قد تطهر.
وبقوله: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (٣).
وبقوله: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فإنك لم تصلها" (٤).
وهذا قد قرأ.
وأيضًا ما روي في قصة الرجل الذي أساء صلاته، فقال له ﵇: "ارجع فصل فإنك لم تصل، إلى أن قال له الرجل: علمني: فقال له: كبر واقرأ واركع" (٥) حتى علمه الصلاة، ولم يذكر له أذانًا، ولو كان واجبًا؛ لعلمه ذلك، أو قال له: أذن.
فإن قيل: فيجوز أن يكون الرجل قد أذن، وإنما كان يسيء فعل الصلاة، ألا ترى أنه قد كان تطهر.
стр. 1575
قيل: هذه زيادة مدعاة، وأما أمر الطهارة؛ فقد قيل في بعض الأخبار: إنه قال للرجل: "توضأ كما أمرك الله" (١).
وأيضًا فقد روي أن النبي ﵇ قال: "الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء" (٢).
والأمين متطوع، هذا قد استدل به بعض أصحابنا، وفيه عندي شيء، لأنه قد يكون أمينًا على شيء ويجب عليه تأديته، كما يقال: فلان أمين القاضي على مال اليتيم، والمودع أمين، ويجب عليه رد الوديعة، وإنما معنى "المؤذن أمين" أي أمين على الوقت الذي يؤذن فيه، فهو موكول إلى أمانته؛ لأن الناس يعملون على فعله (٣).
وقد استدل بعض من وافقنا بقول ابن مسعود: "سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها" (٤).
стр. 1576
فلو قلنا: إن الأذان واجب؛ لكان أفضل الأعمال في الثاني من وقته.
[قال] (١): فإن قيل: إن هذه أمور تتقدم الصلاة كالوضوء.
قيل: قد يجوز تقدمة الوضوء على الوقت، ولا يجوز تقدمة الأذان.
وأيضًا ما روي في قصة جبريل ﵇ حيث قال النبي ﷺ : "صلى بي جبريل حين مالت الشمس" (٢).
ولم يذكر أذانًا، ولو كان واجبًا؛ لذكره.
وفي الخبر دليل آخر، وهو قوله: "ما بين هذين وقت" (٣)، وإذا قلتم: الأذان واجب؛ جعلتم بعض ما بينهما وقتًا.
فإن قيل: قصة جبريل قبل فرض الأذان.
قيل: هذا ادعاء للنسخ، فلا نقبله إلا بدليل.
وأيضًا فلو كان واجبًا؛ لوجب تعيينه على كل أحد كالصلاة.
стр. 1577
فإن قيل: فإن الخطبة يوم الجمعة واجبة، ويقوم بها واحد.
فالفصل بينهما أن الخطبة لا يجوز أن يفعلها الإنسان لنفسه، وليس كذلك الأذان؛ لأنه يفعله الإنسان مفردًا لنفسه.
وجواب آخر: وهو أن الخطبة ليست شرطًا في صحة الصلاة التي يصلونها (١)، لأنه لو أحدث فيها لم تفسد، وتصح الصلاة، وإنما يقال: إذا تركها أعادها لأنها واجبة، وأعاد الصلاة لأنها لا تكون إلا بعد الخطبة.
وأيضًا فإن أصل الأذان كان عن رؤيا ومشورة، ولو كان واجبًا؛ لابتدأه النبي ﵇، ولم يأخذه عن منامِ آخر (٢).
فإن قيل: فإن الأمر وإن جرى كذلك؛ فقد يحصل (٢٧٦) واجبًا بعد ذلك، ألا ترى أن النبي ﵇ حكّم سعدًا في بني قريظة، فكان حكمه واجبًا (٣).
ومعاذ اتبع النبي ﵇ في صلاته ثم قضى، فقال النبي ﵇: "سن لكم معاذ سنة فاتبعوها" (٤).
قيل: إن معاذًا وسعدًا لا يجوز أن يفعلا شيئًا بين يدي رسول الله ﷺ إلا عن أمر قد ظهر لهما من دينه ﷺ بدلالةٍ نصبَها لهما.
وأيضًا فإن الأذان غير واجب في السفر، فلو كان واجبًا في الحضر؛
стр. 1578
لوجب في السفر (١)، ألا ترى أن الطهارة لما كانت شرطًا؛ لم تسقط في سفر ولا حضر.
فإن قيل: فقد تسقط أشياء في السفر ولا تسقط في الحضر.
منها: مراعاة الوقت، وهو أن الجمع لا يجوز في الحضر ويجوز في السفر، ويجوز القصر في السفر ولا يجوز في الحضر.
قيل: الجمع يجوز في الحضر للعليل (٢).
وأيضًا فإن كل شيء كان شرطًا في الصلاة؛ فإنه لا يسقط، وإنما تتغير هيئته بالعذر، والقصر ليس بواجب في السفر (٣)، ولا يجوز في الحضر، فعروضه أن لا يجب في السفر، ولا يجوز في الحضر، أعني الأذان.
وأيضًا فإن النبي ﵇ قد كشف عن المعنى، وأن الأذان أريد لاجتماع الناس، ألا تراهم قالوا: أنضرب بالناقوس أو نبعث رجالًا (٤)، وما أشبه ذلك،
стр. 1579
فإذا اجتمع الناس؛ فلا معنى للأذان بعد حضورهم.
والنبي ﵇ قال في الداخل إلى المسجد: "ألا من يتصدق على هذا" (١)، ولم يذكر أذانًا.
وليس في هذا ولا في الأول دلالة عندي، ولكني ذكرته لأنه في التعليقات عندي كما استدل به بعض الشيوخ.
والجواب عما ذكروه من قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) وأنه واجب؛ فإن الأذان فيها دعاء إلى الصلاة، ولو ثبت أنه واجب؛ لكان منقولًا إلى الندب ببعض الدلائل، وهو أيضًا مجمل.
فإن قيل: فقد فرق بقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣).
قيل: اسم التسبيح لا يقع على الأذان.
والجواب عن قوله ﵇ للرجلين: "أذنا وأقيما" (٤)؛ فإنما أراد الفضل، بدلالة أنه قال: "وليؤمكما أكبركما"، وبدلالة قوله: "أذنا وأقيما"، والواحد يجزئ (٥).
стр. 1580
وعلى أنه قد عارضه ما ذكرناه من تعليم النبي ﵇ الأعرابي الصلاة (١)، ولم يأمره بأذان.
ومن قوله: "من يتصدق على هذا" (٢)، ولم يأمره بأذان.
وما ذكروه من أمره لبلال "أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (٣)؛ فليس في ظاهره إيجاب ولا ندب، وإنما هو الشفع والوتر، وهل الأصل واجب أم لا؟ يحتاج إلى دلالة.
والنبي ﵇ قد يأمر بصفات في السنن فلا تدل على أنها واجبة في الأصل، بل إذا فعلت ودخل الإنسان فيها وجب عليه أن يفعلها بصفاتها (٤).
على أن جميع ما ذكرناه يقضي على ذلك.
وما ذكروه من أنه جعله بمنزلة التوحيد شعارًا للإسلام؛ فلا دلالة فيه