← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فلو قلنا: إن الأذان واجب؛ لكان أفضل الأعمال في الثاني من وقته. [قال] (١): فإن قيل: إن هذه أمور تتقدم الصلاة كالوضوء. قيل: قد يجوز تقدمة الوضوء على الوقت، ولا يجوز تقدمة الأذان. وأيضًا ما روي في قصة جبريل ﵇ حيث قال النبي ﷺ : "صلى بي جبريل حين مالت الشمس" (٢). ولم يذكر أذانًا، ولو كان واجبًا؛ لذكره. وفي الخبر دليل آخر، وهو قوله: "ما بين هذين وقت" (٣)، وإذا قلتم: الأذان واجب؛ جعلتم بعض ما بينهما وقتًا. فإن قيل: قصة جبريل قبل فرض الأذان. قيل: هذا ادعاء للنسخ، فلا نقبله إلا بدليل. وأيضًا فلو كان واجبًا؛ لوجب تعيينه على كل أحد كالصلاة.

стр. 1577

فإن قيل: فإن الخطبة يوم الجمعة واجبة، ويقوم بها واحد. فالفصل بينهما أن الخطبة لا يجوز أن يفعلها الإنسان لنفسه، وليس كذلك الأذان؛ لأنه يفعله الإنسان مفردًا لنفسه. وجواب آخر: وهو أن الخطبة ليست شرطًا في صحة الصلاة التي يصلونها (١)، لأنه لو أحدث فيها لم تفسد، وتصح الصلاة، وإنما يقال: إذا تركها أعادها لأنها واجبة، وأعاد الصلاة لأنها لا تكون إلا بعد الخطبة. وأيضًا فإن أصل الأذان كان عن رؤيا ومشورة، ولو كان واجبًا؛ لابتدأه النبي ﵇، ولم يأخذه عن منامِ آخر (٢). فإن قيل: فإن الأمر وإن جرى كذلك؛ فقد يحصل (٢٧٦) واجبًا بعد ذلك، ألا ترى أن النبي ﵇ حكّم سعدًا في بني قريظة، فكان حكمه واجبًا (٣). ومعاذ اتبع النبي ﵇ في صلاته ثم قضى، فقال النبي ﵇: "سن لكم معاذ سنة فاتبعوها" (٤). قيل: إن معاذًا وسعدًا لا يجوز أن يفعلا شيئًا بين يدي رسول الله ﷺ إلا عن أمر قد ظهر لهما من دينه ﷺ بدلالةٍ نصبَها لهما. وأيضًا فإن الأذان غير واجب في السفر، فلو كان واجبًا في الحضر؛

стр. 1578

لوجب في السفر (١)، ألا ترى أن الطهارة لما كانت شرطًا؛ لم تسقط في سفر ولا حضر. فإن قيل: فقد تسقط أشياء في السفر ولا تسقط في الحضر. منها: مراعاة الوقت، وهو أن الجمع لا يجوز في الحضر ويجوز في السفر، ويجوز القصر في السفر ولا يجوز في الحضر. قيل: الجمع يجوز في الحضر للعليل (٢). وأيضًا فإن كل شيء كان شرطًا في الصلاة؛ فإنه لا يسقط، وإنما تتغير هيئته بالعذر، والقصر ليس بواجب في السفر (٣)، ولا يجوز في الحضر، فعروضه أن لا يجب في السفر، ولا يجوز في الحضر، أعني الأذان. وأيضًا فإن النبي ﵇ قد كشف عن المعنى، وأن الأذان أريد لاجتماع الناس، ألا تراهم قالوا: أنضرب بالناقوس أو نبعث رجالًا (٤)، وما أشبه ذلك،

стр. 1579

فإذا اجتمع الناس؛ فلا معنى للأذان بعد حضورهم. والنبي ﵇ قال في الداخل إلى المسجد: "ألا من يتصدق على هذا" (١)، ولم يذكر أذانًا. وليس في هذا ولا في الأول دلالة عندي، ولكني ذكرته لأنه في التعليقات عندي كما استدل به بعض الشيوخ. والجواب عما ذكروه من قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) وأنه واجب؛ فإن الأذان فيها دعاء إلى الصلاة، ولو ثبت أنه واجب؛ لكان منقولًا إلى الندب ببعض الدلائل، وهو أيضًا مجمل. فإن قيل: فقد فرق بقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣). قيل: اسم التسبيح لا يقع على الأذان. والجواب عن قوله ﵇ للرجلين: "أذنا وأقيما" (٤)؛ فإنما أراد الفضل، بدلالة أنه قال: "وليؤمكما أكبركما"، وبدلالة قوله: "أذنا وأقيما"، والواحد يجزئ (٥).

стр. 1580

وعلى أنه قد عارضه ما ذكرناه من تعليم النبي ﵇ الأعرابي الصلاة (١)، ولم يأمره بأذان. ومن قوله: "من يتصدق على هذا" (٢)، ولم يأمره بأذان. وما ذكروه من أمره لبلال "أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (٣)؛ فليس في ظاهره إيجاب ولا ندب، وإنما هو الشفع والوتر، وهل الأصل واجب أم لا؟ يحتاج إلى دلالة. والنبي ﵇ قد يأمر بصفات في السنن فلا تدل على أنها واجبة في الأصل، بل إذا فعلت ودخل الإنسان فيها وجب عليه أن يفعلها بصفاتها (٤). على أن جميع ما ذكرناه يقضي على ذلك. وما ذكروه من أنه جعله بمنزلة التوحيد شعارًا للإسلام؛ فلا دلالة فيه

стр. 1581

على الوجوب، وإنما جعله علامة يستدل بها على أن الناحية ناحية فيها مسلمون؛ لأن المشركين لا يؤذنون. وما ذكروه من أنه قد سقط من النفل؛ فإننا نقول: إنه سن في الفرائض التي أكد أمرها. على أنه دليل لنا؛ لأنه لو كان واجبًا كالطهارة؛ لوجب أن لا يخص به نفل من فرض. وما ذكروه من قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ (١)، و ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢)؛ فهو خبر عما يفعله المشركون عند أذاننا، ثم هل هو واجب؟ يحتاج إلى دليل. وما ذكروه من أنه عمل الناس؛ فلا يمنع أن يكون منتشرًا على طريق الفضل، ثم قد نجد جماعة لا يؤذنون، ولعلك لو تصفحت الأسواق؛ لكان أكثرها على هذا، يصلي الرجل في بيته، وفي سوقه، وفي باب دكانه، ولا يؤذن.

стр. 1582

مَسْألة (٧): ويحل للمؤذن أخذ الرزق (١) على الأذان (٢). وكذلك عند الشافعي (٣). وقال أبو حنيفة: لا يصح هذا العقد، ولا يملكه (٤). والدليل لقولنا أن هذا من عقود الإجارات، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥). وأيضًا فإن النبي ﷺ قال: "من استأجر أجيرًا؛ فليُعلمه أجره" (٦).

стр. 1583

ولم يفرق بين الأذان وغيره، فهو عموم إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا فإن أبا محذورة لما أذن؛ أعطاه النبي ﷺ صرة (١). فإن قيل: هذه هبة من غير عقد (٢)، ونحن نجيز ذلك. قيل: إن عطيته وقعت عقيب الأذان، فلو كان مما لا يجوز أخذه الأجرة عليه؛ لكان ﵇ يعلمه ذلك، ويقول له: هذه هبة، وليست بعوض عن الأذان، وخاصة إنسان مبتدئ يحتاج إلى التعليم. وأيضًا فإن بعض الصحابة ﵃ قال لأهل الحي في اللديغ: "لست أرقي صاحبكم إلا بشيء، فجعلوا له جُعلًا (٣)، ثم قدم على النبي ﵇ فأخبره (٢٧٧) أنه رقاه بفاتحة الكتاب، فقال النبي ﷺ : "من أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق" (٤).

стр. 1584

وأيضًا فإن هذا عمل الناس لا يتناكرونه، وهو إعطاء المعلمين الأجرة على تعليم الصبيان القرآن. وأيضًا فإننا وجدنا عقد الخلافة يتضمن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واختباء الصدقات، وإقامة الحدود، وأخذ الخمس، وقسمة الفيء، وأخذ الخراج والجزية، وغير ذلك من أمور الدين، ثم قد صح أخذ الأجرة على الخلافة، فكذلك هذا. فإن قيل: هذا يلزمكم في الصلاة، فجوِّزوا أخذ الأجرة عليها. قيل: الصلاة كل إنسان مخاطب بها في نفسه، إن كانت مفروضة هي عليه في نفسه لا ينوب فيها عن أحد، وإن كانت مسنونة؛ فكذلك مما ليس منها بد، فلا يأخذ أجرًا على ما عليه فعله منها، لأنه لا بد أن يصلي، فلا فرق بين أن يكون إمامًا أو غير إمام، فيصير في معنى أكل المال بالباطل، ألا ترى أن الذي لا يلزمه في نفسه، ويحتاج إلى التشاغل به عن تجارته ومعاشه، وهو أجل الأمور، مثل الخلافة؛ اتفق المسلمون على أن جعلوا لأبي بكر ﵁ جعلًا على ترك أشغاله، وتجارته، ومعاشه، وتشاغل بأمور المسلمين، فلا فرق بينه وبين المؤذن والقاضي. على أن أخذ الأجرة على الصلاة مكروه، فإن فعل؛ جاز من قول مالك. وأيضًا فاتفقنا على جواز الأجرة للقضاة والحكام [في] (١) العلم أن ما يفعلونه ويفصلونه بين الناس من الأحكام في حدود الله وحقوقه، وما يشبه

стр. 1585

حكم الأذان من النيابة وفعل الخير، و [لا فصل] (١) بين ذلك وبين الأذان. وأيضًا فإن الله تعالى فرض للعاملين على الصدقة فرضًا، ولا محالة أنه قائم بشيء من أمور الدين. وأيضًا فإنه لما كان عملًا يصح أن يتطوع به عن الغير؛ صح أن يأخذ عليه أجرًا. وأيضًا فإن الله تعالى قال في ولي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، فجوّز له ذلك، وفي نظره من الفضل والثواب ما يعرف. فإن استدلوا باستصحاب الحال، وأن الأصل أن لا عقد إلا بشرع. قيل: قد نقلناكم عن هذا بقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣). فإن قيل: فإن عثمان بن أبي العاص قال: "أمرني رسول الله ﷺ حين أمّرني على الطائف أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا" (٤). قيل: يجوز أن يكون على الاحتياط والفضل (٥)، ويكون معناه: إن وجدت متطوعًا؛ فالفضل في ذلك، ألا تراه قال: "لا تتخذ مؤذنًا يأخذ على

стр. 1586

أذانه أجرًا". فهذا يدل على أن هناك من يأخذ على أذانه أجرًا، ولكن ندبه إلى من يتطوع بذلك (١). وكذلك تأول اللفظة الأخرى في حديثه وأنه قال: "علمني القرآن، واجعلني إمام قومي، فقال ﵇: اقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" (٢). فإن قيل: إنه أمر من أعلام الدين، سنة من سننه. قيل: فالحكم والنظر في الحدود مثله، ويقوم به الحكام، وقد صح أن يؤخذ عليه أجر. وعلى أننا نقول: إن ما يفعله نيابة عن قوم؛ فإنه يصح أن يأخذ عليه أجرًا، مثل رجل يدعوه رجل إلى مسجد فيقول له: تؤذن في مسجدي، وتلازم الصلوات للأذان، فإنه يدع أشغاله ومكاسبه حتى يعمل شيئًا لا يلزمه في نفسه فعله (٣)، وكذلك إن ندبه سلطان لمثل هذا؛ جاز له ذلك. وعلى أن أخذ الأجرة على [الصلاة] (٤) مكروه، وليس بمحرم (٥).

стр. 1587

مَسْألة (٨): ويستحب له أن يؤذن على طهارة، فإن أذن محدثًا؛ أجزأه، وكذلك إن كان جنبًا (١)، غير أنه إن كانت المئذنة في المسجد؛ لم يجز له أن يدخله (٢)، وإن أذن خارجًا؛ أجزأه (٣). فوجه الاستحباب في ذلك فلأنه ذكر الله تعالى بفعل الصلاة نفسها. وأيضًا فربما كانت المئذنة في المسجد، والأفضل دخول المسجد على طهارة حتى يصلي تحية المسجد، أو تدركه صلاة جنازة، أو غير ذلك من الجلوس فيه، والركوع بعد الأذان (٤). وأيضًا فربما سمع الناس أذانه، فإذا جاؤوا ولم يروه؛ انصرفوا، وقدَّروا أنه لم يكن أذانًا صحيحًا. وقد روي عن وائل أنه قال: "حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم" (٥).

стр. 1588

فإن أذن محدثًا؛ أجزأه. فإن خالف مخالف (١) وقال: فما الفصل بين هذا وبين الخطبة، أليس تقولون: لو خطب جنبًا؛ لم تجزئه. قيل: عندنا لو انتقضت طهارته وخطبهم؛ توضأ وصلى جاز، ولسنا نحفظ في الجنب شيئًا، ولكنه إن رهقته الجنابة فلم يقطع؛ فعندي أنه يصير فاسقًا بإقامته في المسجد إن لم يخرج (٢)، فلا تجوز الصلاة خلفه (٣)، لا من أجل أنه خطب جنبًا، وكذلك إن ابتدأ الخطبة وهو يعلم أنه (٢٧٨) جنب من

стр. 1589

أجل كونه جنبًا في المسجد متعمدًا. ولو كان ناسيًا، ثم ذكر بعد الخطبة، فاغتسل بالقرب؛ أجزأته الخطبة. وإنما قلنا: إنه يصح أن يؤذن كذلك؛ لأنه ذكر ليس بصلاة ولا قرآن، وإن خطب ناسيًا؛ فهو دون أن يقرأ ناسيًا، والأذان والخطبة كلام مجموع، يجوز أن يتكلم في خلاله، وإن كنا نكره له ذلك، ويجوز أن يستدبر فيه القبلة مع القدرة عليها. ولو قال قائل: إن الخطبة لا تجزئه وهو جنب؛ لجاز أن يفصل بينها وبين الأذان بوجوه: أحدها: أن الخطبة يقال إنها أقيمت مقام الركعتين، ألا ترى أنه لو لم يخطب؛ لم تسقط الركعتان، وليس كذلك الأذان؛ لأنه لو لم يؤذن؛ لصحت. وأيضًا فأمر الجمعة مغلظ؛ لأنه قد اشترط في صحتها المسجد، والجماعة، والخطبة، وأن يكون إمامها حرًّا. وأيضًا فالجمعة في المسجد، والجنب لا يدخل المسجد. وأيضًا فالخطبة من شأنها أن تتصل بالصلاة، وليس كذلك الأذان؛ لأن بينهما مهلة.

стр. 1590

مَسْألة (٩): الكلام في مواقيت الصلاة: عند مالك ﵀ والشافعي (١) أن صلاة الظهر تجب بزوال الشمس وجوبًا متسعًا إلى أن يصير ظل الشيء مثله (٢)، وهو آخر وقتها المختار عند مالك والشافعي فيما قاله المزني (٣). وقال أصحاب الشافعي غير المزني: إنه إذا صار الظل مثله؛ فهو الوقت المضيق، حتى لو صلى الإنسان الظهر بعده بقليل؛ كان قاضيًا (٤). وحكي عن الكرخي أن مذهب أبي حنيفة أن وجوب صلاة الظهر متعلق بآخر الوقت عنده، وأن الصلاة في أوله نفل، فإن صلى إنسان عند زوال الشمس الظهر، ثم بقي إلى آخر الوقت على حال سليمة يصح معها أن يكون مخاطبًا بها؛ ناب ذلك الفعل عن الوجوب (٥). وإن مات، أو جن، أو أغمي عليه، أو حاضت امرأة، وذلك قبل بلوغ الوقت الآخر؛ كانت الصلاة التي صلاها عند الزوال نفلًا لا أداء عن فرض لزمه (٦).

стр. 1591

وحكي عنه أنه في الوقت نفل على كل حال (١). وحكي عنه أنه واجب موقوف، فإن بقي [على] (٢) حال تلزمه الصلاة في آخر الوقت؛ كان واجبًا، وإن كان على صفة لا تلزمه الصلاة؛ كان نفلًا (٣). والفقهاء بأسرهم على خلاف ذلك. والحجة لقولنا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٤). وقال ابن عباس وابن عمر: "دلوكها ميلها" (٥).

стр. 1592

وأيضًا فالأخبار المشهورة عن صلاة جبريل بالنبي ﷺ الظهر في الوقت الأول حين زالت الشمس، وصلى به في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله، وقال له: "الوقت فيما بين هذين" (١).

стр. 1593

وما روي عن النبي ﵇ من تعليمه للسائل مواقيت الصلاة فقال له: "صل معنا، فلما زالت الشمس صلى النبي ﵇ الظهر" (١). ولا يقال: "صلى الظهر" لمن صلى النفل. ونكتة الكرخي أنها لو وجبت بزوال الشمس ثم أخرها مؤخر؛ لكان عاصيًا، وقد أجمعوا أنه يؤخرها إلى آخر الوقت فلا يكون عاصيًا.

стр. 1594

وهذا لا يلزم؛ لأننا نقول: إنها واجبة وجوبًا متسعًا، حتى إنه مخير في إيقاعها في أي وقت شاء، وبعد الزوال إلى آخر الوقت، ففي أي وقت من ذلك أوقعها؛ فعل الواجب، كالتخيير في الكفارات أنه مخير في أيها شاء (١)، فإذا فعل واحدًا منها؛ فقد فعل الواجب، كذلك هذا مخير في الأوقات مع وجوب الصلاة عليه، ففي أي الأوقات أوقعها؛ فعل الواجب. ومن جعل الوجوب متعلقًا بآخر الوقت، وجعل الفعل في أوله نفلًا؛ فقد خرج عما يقتضيه الأمر، لأن الوقت إذا جعل له؛ فهو واجب بحكم الأمر والإلزام، فجعله إذا وقع في أوله نفلًا؛ فاسد؛ لأنه إخراج الواجب عن وجوبه. فإن قال: لو جعلته واجبًا؛ لوجب أن يعصي من لم يفعله أول الوقت؛ لأنه يكون مفرطًا يستحق الذم، لأن هذا علامة مَن ترك الواجب (٢). قيل: قد أجبنا عن هذا بما ذكرناه من اتساع وقت الوجوب. وأيضًا فإننا نسألك؛ أجعلته نفلًا بحكم الأمر والإلزام أم بدليل؟ فإن قال بالأمر؛ قيل: هذا محال، أليس الأمر والإلزام قد اقتضى الوجوب، فكيف يجوز أن تحتج به في كونه ندبًا بما ذكرته من الدليل. [وإن قال بالدليل] (٣)؛ قيل: هذا يصح لك لو لم يكن له وجه إلا ندبًا،

стр. 1595

فأما وهو يصح أن يخرج عن كونه ندبًا ولا يتوجه عليه الذم، ويكون مع ذلك واجبًا مخيرًا فيه؛ فما ذكرته لا يصح. فإن قال: فعدولكم عن كونه واجبًا بعينه إلى أن تجعلوه مخيرًا فيه بينه وبين غيره كعدولي عن القول بوجوبه إلى كونه نفلًا في أنه ترك للظاهر، فلِم صرتم بما قلتموه أولى مني بما قلته؟ قيل: لأن في قولك إنه نفل [تركا] (١) للظاهر الذي اقتضى الوجوب، وليس في قولنا إنه واجب على التخيير ما يخرجه عن الظاهر، فلهذا قولنا أولى. (٢٧٩) فإن قال: فإن في قولكم: واجب على التخيير؛ تركا للظاهر؛ لأنه يقتضي وجوب الفعل، وقد أقمتم غيره مقامه. قيل: إن الظاهر لما اقتضى وجوبه في جميع الوقت الذي حد له، ولا يمكن إخراجه أن يكون واجبًا مضيقًا في آخره، وكان مع تضييقه في آخره لا يصح تضييقه في أوله؛ وجب أن يكون مخيرًا فيه في أوله، وذلك يوجب إثبات بدل لا محالة، فالقول إنه واجب أدى إلى ذلك؛ لأنه لا يتم القول بوجوبه في قوله إلا على هذا الوجه، فقد يصح القول بأنه ليس بنفل في أوله أصلًا، والبدل الذي يصير إليه في ترك الصلاة في أول الوقت هو العزم على فعله في الوقت الآخر، لأن عزمه على تركها رأسا عصيان، وإنما يؤخرها إلى الوقت الثاني وهو عازم على إيقاعها فيه (٢).

стр. 1596

ويقال للكرخي ومن نصر قوله: إنه لا خلاف أن الذي يصلي الظهر في أول الوقت لو نوى [بصلاته النفل] (١) ولم ينو بها أداء [ما افترض] (٢) عليه؛ لم يصح، وأن من شرط صحتها أن ينوي بها أداء الواجب، فلو كانت نفلًا في الحقيقة مع كون النية على هذه الصفة؛ لكانت النية المطابقة للواجب الذي هي عليه بأن يقتضي صحة ما نقوله أولى من النية المخالفة له، فإذا ثبت أن ذلك ليس بنفل؛ فالقول بأنه واجب موقوف؛ فاسد، لأن وجوب الفعل لا يقف على ما يحصل بعد حاله، وإنما يتعلق بشروط تحصل قبل وجوبه أو معه، فأما أن يتعلق بما يتأخر عنه؛ فهو محال، فوجب بطلان القول بأنه موقوف، فلم يبق إلا أنه واجب مخير فيه، لأنه إن قيل: إنه مضيق خرج عن اتفاقهم. على أن من أخره إلى آخر الوقت لا يأثم. وبالله التوفيق.

стр. 1597

مَسْألة (١٠): وآخر وقت الظهر المختار إذا صار ظل الشيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس (١). وكذلك عند الشافعي، غير أنه يقول: هو الوقت المضيق للمقيم. وقال المزني مثل قولنا (٢). وهو قول أبي حنيفة في ما رواه عنه الحسن بن زياد (٣). وفي رواية أبي يوسف عنه (٤): إذا صار ال الشيء إلى مثليه (٥). وقول أبي يوسف ومحمد مثل قول أبي حنيفة الذي تَوافقْنا فيه (٦). والدليل لقولنا حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أمّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، فكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله" (٧).

стр. 1598

هذا لو تجرد لعلمنا أن وقت العصر إذا صار ظل الشيء مثله، ويبطل أن يكون آخر الظهر بعد هذا الوقت، فكيف وقد قال: "فلما كان من الغد؛ صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله" (١). وروي فيه: "لوقت العصر بالأمس" (٢). وهذا يزيل كل إشكال، وقيل فيه لما فرغ من أوقات الصلوات كلها: قال له جبريل: "يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين" (٣). وكذلك رواه جابر (٤). وما رواه جابر أيضًا في الحديث الآخر بأن سأل رجل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة، فقال: "صل معنا، فصلى رسول الله ﵇، وذكر الحديث إلى أن قال: ثم صلى العصر حين كان ظل الإنسان مثله، ثم ذكره، ثم قال: ثم صلى بي الظهر من الغد حين كان فيء الإنسان مثله، والعصر حين كان فيء الإنسان مثليه" (٥).

стр. 1599

فقد بين في هذا تعليمًا للرجل أول الوقت وآخره، وفيه: وآخر وقت الظهر، وآخر وقت العصر. فإن قيل: فإن هذه الأخبار منسوخة؛ لأن حديث إمامة جبريل إنما كان عند البيت. قيل: إن أخبار النبي ﵇ إذا ثبتت؛ لم يجز أن يقال: إنها منسوخة؛ إلا بدلالة قاطعة، وأصل ما في أيدينا من المواقيت حديث جبريل ﵇، فلا يجوز أن ينسخ مثل هذا فيخفى. دليل: اتفقنا على أن صلاة عشاء الآخرة أمدّ وقتًا من صلاة المغرب، العلة أنها صلاة تجمع إلى ما قبلها، فكل صلاة جمعت إلى ما قبلها وجب أن يكون أمدُ وقتها [أكثر] (١) من التي قبلها. دليل: روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وآخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه" (٢).

стр. 1600

فبين ﷺ في هذا الخبر أول الوقت وآخره. دليل: وهو ما رواه الزهري قال: حدثني أنس: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي صلاة العصر والشمس حية مرتفعة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها (٢٨٠) والشمس مرتفعة" (١). والعوالي من المدينة أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وهذا بيّن في موضع الخلاف، وذلك أن مذهبهم أن صلاة العصر في مثل هذا الوقت لا يجوز. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٢). فالظاهر يقتضي أننا نصلي الظهر من وقت الزوال (٣) إلى آخر النهار (٤). قيل: ما بيناه من المواقيت يخص هذا، فيكون التقدير فيه أنه أراد جنس

стр. 1601

الصلوات، الظهر، والعصر، وغير ذلك من النوافل، ثم بين على أي وجه تصلى المفروضات، وفي أي وقت بما ذكرناه من بيان المواقيت. على أنه قد قيل: إنه أراد بالدلوك الغروب (١)، وهكذا نقول: يصلي المغرب، ثم يصلي العشاء الآخرة إلى غسق الليل أي إجماع الظلمة. وأيضًا فقد قلنا: إن الألف واللام في الصلاة للجنس، فنحن نقول: نقيم جنس الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل، وهي عشاء الآخرة، ألا ترى أننا لا نختلف في أنه لا يجوز أن يؤخر شيئًا من الصلوات إلى غسق الليل إلا عشاء الآخرة. وأيضًا فإننا نجعل هذه الآية دلالة لنا، وذلك أن الله تعالى أوجب علينا صلاة عند الدلوك، فإذا وجب بهذا الظاهر فعل صلاة عند الدلوك؛ فلا قول إلا قولنا. وعلى كل حال فالأحاديث التي فيها بيان المواقيت تخص هذا الظاهر وتقضي عليه. فإن قيل: فقد روي عن أبي مسعود الأنصاري قال: "جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ فقال له في اليوم الأول: "قم فصل، وذلك لدلوك الشمس حين مالت، فقام فصلى أربعًا، وذكر الصلوات، ثم أتاه من الغد حين صار ظل الشيء مثله، فقال له: قم فصل، فقام فصلى الظهر" (٢).

стр. 1602

وهذا يدل على أن صلاة الظهر وقعت بعد أن صار ظل الشيء مثله، وأنتم لا تجيزون صلاة الظهر [عند هذا الوقت] (١). قيل: هذا وهم علينا، وإنما يلزم ذلك أصحاب الشافعي؛ لأنهم يقولون: "صلى" أي فرغ (٢)، ونحن نقول: إذا صار ظل الشيء مثله؛ ابتدأ الظهر إن كان لم يصل، وآخر يبتدئ العصر، فعلم أنه مشترك على مذهبنا في الاختيار. وعلى أنه يلزمكم هذا الخبر؛ لأن النبي ﵇ صلى في اليوم الأول العصر حين صار ظل الشيء مثله، وعندكم أن وقتها إذا صار ظل الشيء مثليه، فصار الخبر حجة عليكم لنا. فإن قيل: لما صلى ﵇ في اليوم الثاني الظهر حين صار ظل كل شيء مثله؛ دل على أن ما بعده من وقت الظهر، إذ ليس يجوز أن يكون وقتًا للظهر والعصر لقول رسول الله ﷺ : "آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر" (٣). قيل: هذا فاسد؛ لأن النبي ﵇ صلاها في اليوم الثاني لوقت العصر بالأمس، فصار مشتركًا بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. وقوله: "آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر" (٤) وهو معنى ما ذكرناه. فإن قيل: فإن صلاته في اليوم الأول منسوخة بصلاته في اليوم الثاني. قيل: هذا فاسد من وجهين:

стр. 1603

أحدهما: أنه لو كان منسوخًا؛ لم يجز فعله، وقد أجمع المسلمون على جواز صلاة الظهر مع الزوال، فكيف يكون ذلك وقد صلى في اليوم الثاني العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وقال: "ما بين هذين وقت" (١). وعلى أنه يلزمك أن يكون منسوخًا في سائر الصلوات. وأيضًا فإن الخبر خبر واحد، فكيف يحمل بعضه على النسخ بغير دلالة، أو تكون فيه دلالة النسخ فلا ينقل. فإن استدلوا بحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وإنما مثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل إلى نصف النهار بقيراط، فعملت له اليهود، ثم قال: من يعمل إلى صلاة العصر بقيراط، فعملت النصارى على ذلك، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: كنا أكثر عملًا وأقل عطاء، فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال فإنه فضلي أوتيه من أشاء" (٢). قالوا: فهذا يدل على صحة قولنا من وجهين: أحدهما: قوله: "إنما أجلكم في أجل من خلا قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس". فلو كان وقت العصر من وقت أن يكون ظل كل شيء مثله؛ لم يكن

стр. 1604

لضرب هذا المثل معنى. والدلالة الثانية: هو أنه حكى عن اليهود والنصارى أنها غضبت وقالت: "نحن أكثر عملًا وأقل عطاء". فلو قلنا: إن وقت العصر من حين يصير ظل كل شيء مثله؛ لكان وقت العصر أطول من وقت الظهر (١). قيل: أما ضرب المثل في الأجل؛ فهو صحيح، لأننا إذا قدرنا هذا المقدار مع (٢٨١) الزمان الذي هو من طلوع الفجر؛ كان قليلًا في جنبه. وأما قصة الأجير؛ فعنه أجوبة (٢): أحدها: أنه قال: فعملت النصارى إلى صلاة العصر، وليس فيه أنه إلى أول وقت العصر، فنحمله على أنها عملت إلى آخر وقت صلاة العصر، فيستوي في الخبر ما أردتموه منا من تقليل عمل المسلمين وكثرة أجورهم، فلا تصح لكم فيه دلالة. وجواب آخر: وهو أن [هذا من] (٣) الأخبار التي لم يقصد بها ذلك وإنما قصد بها تضاعف الثواب، وهذا كما نقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٤) أنها

стр. 1605

وردت في مدحة قوم (١)، فلم يجز أن يؤخذ منها تحليل ولا تحريم (٢). وجواب آخر: وهو أننا نقول: إن اليهود والنصارى قالت: "نحن أكثر عملًا"، ولعمري إن عملها أكثر من عمل المسلمين، إذ عملهم من أول النهار إلى وقت العصر. فإن قيل: هذا لا يصح؛ لأنه لو كان الخطاب عنهما جميعًا؛ لم يقولوا: "وأقل أجرًا"، إذ أجرهما جميعًا مثل أجر المسلمين. قيل: ظاهر الخبر أن الطائفتين قالت، ثم قولهم: "وأقل عطاء" يعنون به إذا قسمناه. وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون عملهم من الظهر إلى العصر أكثر وإن كانت المدة فيه أقصر منها من العصر إلى مغرب الشمس، وأراد بالمثل أنهم يَكِدّون أنفسهم ويجهدونها، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ (٣).

стр. 1606

فوصف أن عملهم وجهدهم مما يأخذون به أنفسهم النهار القصير أكثر من عملكم وإجهادكم في النهار الطويل، وأراد بهذا الحديث الحث للمسلمين على الاجتهاد، وهذا أولى في ضرب المثل. فإن قيل: فإنه لم يصف أحد الفريقين بسرعة العمل دون غيره، وإنما أخرج كلامه على المتعارف من عمل الناس، وليس إثبات هذا المعنى للمسلمين بأولى من إثباته لغيرهم. قيل: إنما أردنا أن الذي قلناه يحتمل، فيكون المقصود أن النصارى تعمل العمل الكثير في الزمان القصير، واليهود تعمل العمل القليل في الزمان الطويل، فيكون [فائدته] (١) تفضيل النصارى على اليهود، وأن اليهود زمانها أطول من زمان النصارى، والنصارى تعمل في الزمان القصير مثل عملهم، ثم أعلم المسلمين أن عملهم أكثر من عملكم، قدر هذا بالأوقات ليعرفوه من أول وهلة، ولم يقدره بالساعات؛ لأنه لا يكاد كل أحد بسرعة يعرف القسمة بالساعات، ولم يقدره بأجزاء اليوم؛ لأنهم لا يعرفون بالعاجل ثلث اليوم أيّ وقت هو، ولم يقصد به بيان المواقيت. وأما قولهم: إنه ليس هذا لفرقة المسلمين بأولى منه في غيرهم؛ فإنما [نقول] (٢): ما أراد بهذا إلا الحث للمسلمين على الاجتهاد، وأن يحملكم أن يكثر اجتهادكم؛ لأن أعماركم قصيرة، كما كدّت النصارى أنفسها في الزمان القصير.

стр. 1607

فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (١). فلو قلنا: إن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله؛ لم يكن ذلك طرفا، وإنما يكون وسطا. قيل: ينبغي أن يكون الطرفان الفجر والمغرب. وعلى أننا لو قبلنا هذا السؤال؛ لكانت العصر موقعة في طرف لا محالة؛ لأنه ليس بعدها شيء من صلاة النهار، وأنتم أيضًا إذا أوقعتموها وقد صار ظل الشيء مثليه؛ بقي من النهار شيء، فينبغي أن يكون هذا ليس بطرف. على أننا نحن لا يلزمنا من جميع ما ذكرتموه شيء؛ لأن هذه كلها أوقات اختيار، ولو أوقع الإنسان صلاة الظهر في آخر وقت العصر المختار؛ لكان مسيئًا، لكنه مؤد لها في وقت الإجزاء، والكلام يجيء في هذه المسألة بعد هذا. فإن قيل: وجدنا وقت الظهر ليس يجمع وقتًا للجواز، ووقتًا للكراهية، بل كان جميع الوقت وقتًا للجواز، فوجب أن يكون أوسع من وقت العصر الذي فيه وقت جواز، ووقت كراهية وهو اصفرار الشمس، ألا ترى أن الفجر لما كان في وقتها وقت جواز، ويتصل بوقت مكروه وهو عند طلوع الشمس؛ كان ما قبلها أمد وقتًا منها. قيل: وقت الظهر عندنا يجمع وقتًا للجواز، ووقتًا لكراهية إيقاع الظهر فيه، وذلك أن وقتها المختار إذا صار الظل مثله، وما بعد ذلك يكره إيقاعها

стр. 1608

فيه، فإن أوقعها؛ كان مكروهًا وهي واقعة في وقتها، فكذلك صلاة العصر آخر وقتها المختار إذا كان الظل مثليه، وما بعد ذلك مكروه، غير أنه إن أوقعها فيه؛ كرهناه وهو جائز. فإن أردتم أن ما بعد العصر لا يصلح للنوافل - وهذا قصدكم - كصلاة الصبح؛ فإن هذا يوجب العكس؛ لأن وقت الظهر الصلاة مفعولة (٢٨٢) في جميعه مختارة، فوجب أن يكون للعصر من الاختيار بإزاء ذلك، فيزاد في وقتها لأجل ما زاحمها من وقت الكراهية. فأما التشبيه بصلاة الفجر؛ فدعوى، على أن صلاة الفجر معمولة في وقت ليس من عادة الناس التشاغل فيه عن الصلاة؛ إذ هم في منازلهم، ولما كانت صلاة العصر مفعولة في حال تصرفهم في معايشهم؛ وسع عليهم في وقتها لئلا يضيق عليهم. فإن قيل: لو كان هذا صحيحًا؛ للزمكم مثله في المغرب. قيل: إن المغرب مفعولة عند انصراف الناس عن أشغالهم، ودلالة وجوبها ظاهرة نيرة، يمكن التأهب لها وترك الاشتغال عند غروبها. وعلى أن هذا يرفع السنة المبينة للوقت. فإن استدلوا من القياس على صلاة الفجر بعلة أنها صلاة يليها وقت مكروه، فينبغي أن يكون ما قبلها أمدّ منها في الوقت. قيل: قد أجبنا عن هذا، وفصلنا بينهما. فإن قاسوها على صلاة العشاء الآخرة بعلة أنها صلاة موضوعة في

стр. 1609

وسط الطرفين، فوجب أن يكون وقتها أمدّ من التي بعدها. قيل: إن هذا قياس يدفع النص. وعلى أننا نرضى بهذا الأصل فنقول: قد قسناها على صلاة العشاء الآخرة بالمعنى الذي ذكرناه، وهو أنها صلاة تجمع إلى ما قبلها، فينبغي أن يكون وقتها أطول من وقت ما قبلها، فيتعارض القياسان، وبقي [معنا] (١) النصوص في بيان المواقيت. فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم" (٢). وكان ﵇ يبرد الظهر (٣). وأشد ما يكون الحر وقت الميل، فبان أن وقتها بعد الميل. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أنه أراد ﵇ أن لا تصلى في أول الوقت، فيمشي الناس في الشمس قائم الظهيرة، وإذا صار ظل الشيء مثله؛ اتسع الفيء، فيمشي الناس فيه لا في الشمس، وإنما أشفق عليهم من المشي في الشمس وحرها، لم يرد حر السموم. وجواب آخر: وهو أنه لو أبرد بالظهر حتى يصليها بعد الميل؛ لكان

стр. 1610

مؤديًا لها في وقتها، فيجوز أن يكون جعل لهم عذرًا في تأخرها عن وقت الاختيار، كما رخص لهم في السفر أن تصلى في غير وقتها المختار إذا جمعوها إلى غيرها. وجواب آخر: وهو أن هذا لا يعترض به على ما فيه بيان المواقيت. فإن قيل: فإن الأوقات ومقاديرها لا يصح إثباتها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق أن ما بعد المثلين وقت العصر، واختلفوا في جوازه قبله، فلم يجز إثباته وقتًا لجواز الأداء [إلا] (١) بتوقيف أو اتفاق، لأن المطلوب من قولنا "وقت الصلاة" جواز أدائها فيه، وقد اتفقوا على جواز الظهر بعد الميل، واختلفوا أنه قضاء أو أداء، فصار باتفاقهم على جوازها دلالة على جواز إثباتها وقتًا. قيل: فأما التوقيف؛ فقد ذكرناه بما لا اعتراض عليه، وأما الاتفاق؛ فإننا وافقناك أن هذا وقت للجواز مع جواز غيره أيضًا. ثم هذا يلزمك مثله، وينقلب عليك؛ لأننا نقول لك: قد حصل الاتفاق على أن صلاة العصر عند المثلين من الظل يجوز، وأنه وقت لها، وخالفناك فيه بعده هل هو وقت للاختيار أو للجواز، فكل ما تجيب به فهو جوابنا. وبالله التوفيق.

стр. 1611

مَسْألة (١١): وقت الظهر الذي يختص به إذا زالت الشمس إلى أن يمضي بعد الزوال مقدار ما يصلي فيه إنسان أربع ركعات، لا مدخل للعصر فيه، ووقت العصر الذي يختص به قبل مغيب الشمس بمقدار أربع ركعات لا مدخل لصلاة الظهر فيه، وما بين هذين مشترك للظهر والعصر في باب الإجزاء. والذي نقوله من أنه آخر وقت الظهر إذا صار ظل الشيء مثله، وهو أول وقت العصر، فهذا وقت الاختيار. وخالفنا أبو حنيفة والشافعي في الفصل الأول والثاني (١). والدليل لصحة الفصل الأول؛ ما روي أن النبي ﵇ "كان في سفره إذا كان نازلًا، وأراد الرحيل وقد زالت الشمس؛ صلى الظهر والعصر إذا زالت الشمس" (٢). والأوقات عنه تؤخذ بالقول والفعل، وهذا فعله، فلولا أن الأمر على ما قلناه، وأن الوقت لهما؛ لم يجمع بينهما، ألا ترى أنه لم يجمع بين صلاة الصبح وبين غيرها من الصلوات، وجمع بين الظهر والعصر في وقت واحد، ومع هذا فقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). فإن قيل: فما تقولون في المغرب والعشاء.

стр. 1612

قيل: كذلك نقول بعد مغيب الشمس بمقدار ثلاث ركعات يختص المغرب، وقبل طلوع الفجر الثاني بمقدار أربع ركعات يختص بعشاء الآخرة، وما (٢٨٣) بينهما مشترك لهما. دليل: وهو قوله ﵇: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (١). فلولا أن هذا الوقت وقت لها؛ لم يكن مدركًا، كما أنه لا يكون مدركًا للظهر بإدراك هذا القدر. وأيضًا قوله ﵇: "فمن فاته العصر حتى غابت الشمس؛ فكما وُتر (٢) أهلَه ومالَه" (٣). فلو لم يكن قبل مغيب الشمس وقتًا للعصر؛ لم يتعلق الوعيد بغروب الشمس دون ما قبله. فإن قيل: فقد روي في حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: "لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٤).

стр. 1613

قيل: هذا دليلنا؛ لأنها لا تفوت الظهر حتى يدخل الوقت الذي تختص به العصر. وأيضًا فإن النبي ﵇ جمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت واحد (١)، والمغرب والعشاء، ولم يجز الجمع بينها، كما لا يجوز الجمع بين الصبح وغيرها من الصلوات. وأيضًا فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: "آخر وقت الظهر أول وقت العصر" (٢). وقد قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر" (٣). فدل على أن قبل هذا [وقت] (٤) للظهر إذا كان غروب الشمس وقتًا للعصر. وأيضًا ما روى أبو أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر وقت العصر" (٥). وقد قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر" (٦).

стр. 1614

فإذا كان هذا وقتًا للعصر؛ فما قبله وقت للظهر، لقوله ﵇: "ما لم يحضر وقت العصر" (١). فإن قيل: فهذا يمنع من إجماعهما في وقت واحد. قيل: قد ثبت أن وقت الظهر ما ذكرناه، وثبت أن وقت العصر بعد مقدار أربع ركعات بعد الزوال، فجمع النبي ﵇ فيه، فقد صار ما بين ذلك مشتركًا، توقع الظهر فيه تارة، والعصر تارة. فإن قيل: فقد روى ابن عباس، و [أبو] (٢) مسعود، وجابر، وأبو سعيد، وأبو موسى: "أن النبي ﷺ صلى الظهر في اليومين: أحدهما: في [آخر] (٣) الوقت، والآخر: في أوله، وقال: "ما بين هذين وقت" (٤). قيل: كذلك نقول هذه أوقات الاختيار، بدلالة أن النبي ﵇ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء (٥)، فأوقع إحداهما في وقت الأخرى.

стр. 1615

فإن قيل: في خبر عبد الله بن عمرو [و] (١) أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال "وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر" (٢). وفي بعض الألفاظ في خبر أبي هريرة: "وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر" (٣). قيل: هذا أدلة لنا؛ لأنه قال: "ما لم يحضر وقت العصر" (٤)، ونحن نقول: ما بعد الزوال بمقدار أربع ركعات هو وقت الظهر الذي يختص به. وأيضًا فإنه أراد الاختيار بما تقدم ذكره. وأما صلاته في اليومين في وقتين فكذا نقول إن ذلك هو وقت الاختيار، فنجمع بين أفعاله كلها، فنجعل جمعه بين الظهر والعصر في وقت واحد للإجزاء، وتفرقته في ذلك للاختيار. فإن قيل: ففي خبر أبي قتادة أن النبي ﵇ قال: "التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٥). قيل: كذلك نقول: إذا فرط في صلاة الظهر حتى دخل في مقدار الأربع الركعات التي قبل غروب الشمس؛ لحقه التوعد، وحصل منه التفريط، لأن هذا الوقت مختص بصلاة العصر.
следующие страницы →