مَسْألة (١١):
وقت الظهر الذي يختص به إذا زالت الشمس إلى أن يمضي بعد الزوال مقدار ما يصلي فيه إنسان أربع ركعات، لا مدخل للعصر فيه، ووقت العصر الذي يختص به قبل مغيب الشمس بمقدار أربع ركعات لا مدخل لصلاة الظهر فيه، وما بين هذين مشترك للظهر والعصر في باب الإجزاء.
والذي نقوله من أنه آخر وقت الظهر إذا صار ظل الشيء مثله، وهو أول وقت العصر، فهذا وقت الاختيار.
وخالفنا أبو حنيفة والشافعي في الفصل الأول والثاني (١).
والدليل لصحة الفصل الأول؛ ما روي أن النبي ﵇ "كان في سفره إذا كان نازلًا، وأراد الرحيل وقد زالت الشمس؛ صلى الظهر والعصر إذا زالت الشمس" (٢).
والأوقات عنه تؤخذ بالقول والفعل، وهذا فعله، فلولا أن الأمر على ما قلناه، وأن الوقت لهما؛ لم يجمع بينهما، ألا ترى أنه لم يجمع بين صلاة الصبح وبين غيرها من الصلوات، وجمع بين الظهر والعصر في وقت واحد، ومع هذا فقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣).
فإن قيل: فما تقولون في المغرب والعشاء.
стр. 1612
قيل: كذلك نقول بعد مغيب الشمس بمقدار ثلاث ركعات يختص المغرب، وقبل طلوع الفجر الثاني بمقدار أربع ركعات يختص بعشاء الآخرة، وما (٢٨٣) بينهما مشترك لهما.
دليل: وهو قوله ﵇: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (١).
فلولا أن هذا الوقت وقت لها؛ لم يكن مدركًا، كما أنه لا يكون مدركًا للظهر بإدراك هذا القدر.
وأيضًا قوله ﵇: "فمن فاته العصر حتى غابت الشمس؛ فكما وُتر (٢) أهلَه ومالَه" (٣).
فلو لم يكن قبل مغيب الشمس وقتًا للعصر؛ لم يتعلق الوعيد بغروب الشمس دون ما قبله.
فإن قيل: فقد روي في حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: "لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٤).
стр. 1613
قيل: هذا دليلنا؛ لأنها لا تفوت الظهر حتى يدخل الوقت الذي تختص به العصر.
وأيضًا فإن النبي ﵇ جمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت واحد (١)، والمغرب والعشاء، ولم يجز الجمع بينها، كما لا يجوز الجمع بين الصبح وغيرها من الصلوات.
وأيضًا فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: "آخر وقت الظهر أول وقت العصر" (٢).
وقد قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر" (٣).
فدل على أن قبل هذا [وقت] (٤) للظهر إذا كان غروب الشمس وقتًا للعصر.
وأيضًا ما روى أبو أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر وقت العصر" (٥).
وقد قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر" (٦).
стр. 1614
فإذا كان هذا وقتًا للعصر؛ فما قبله وقت للظهر، لقوله ﵇: "ما لم يحضر وقت العصر" (١).
فإن قيل: فهذا يمنع من إجماعهما في وقت واحد.
قيل: قد ثبت أن وقت الظهر ما ذكرناه، وثبت أن وقت العصر بعد مقدار أربع ركعات بعد الزوال، فجمع النبي ﵇ فيه، فقد صار ما بين ذلك مشتركًا، توقع الظهر فيه تارة، والعصر تارة.
فإن قيل: فقد روى ابن عباس، و [أبو] (٢) مسعود، وجابر، وأبو سعيد، وأبو موسى: "أن النبي ﷺ صلى الظهر في اليومين: أحدهما: في [آخر] (٣) الوقت، والآخر: في أوله، وقال: "ما بين هذين وقت" (٤).
قيل: كذلك نقول هذه أوقات الاختيار، بدلالة أن النبي ﵇ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء (٥)، فأوقع إحداهما في وقت الأخرى.
стр. 1615
فإن قيل: في خبر عبد الله بن عمرو [و] (١) أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال "وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر" (٢).
وفي بعض الألفاظ في خبر أبي هريرة: "وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر" (٣).
قيل: هذا أدلة لنا؛ لأنه قال: "ما لم يحضر وقت العصر" (٤)، ونحن نقول: ما بعد الزوال بمقدار أربع ركعات هو وقت الظهر الذي يختص به.
وأيضًا فإنه أراد الاختيار بما تقدم ذكره.
وأما صلاته في اليومين في وقتين فكذا نقول إن ذلك هو وقت الاختيار، فنجمع بين أفعاله كلها، فنجعل جمعه بين الظهر والعصر في وقت واحد للإجزاء، وتفرقته في ذلك للاختيار.
فإن قيل: ففي خبر أبي قتادة أن النبي ﵇ قال: "التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٥).
قيل: كذلك نقول: إذا فرط في صلاة الظهر حتى دخل في مقدار الأربع الركعات التي قبل غروب الشمس؛ لحقه التوعد، وحصل منه التفريط، لأن هذا الوقت مختص بصلاة العصر.
стр. 1616
فإن قيل: فإن تارك الظهر لغير عذر حتى يدخل وقت العصر مفرط، فلولا أنهما لا يشتركان في وقت واحد؛ لم يلحقه التفريط.
قيل له: إن كنت تعني أنه أخر الظهر إلى قبل مغيب الشمس حتى حصل في وقت العصر المختص بها على ما بيناه؛ فهو مفرط يلحقه التوعد؛ فكذا نقول، وإن كنت تعني أنه إن أخر الظهر حتى جاوز ظل الشيء مثله أو مثليه؛ فإننا لا نقول إنه مفرط يلحقه الوعيد، بل نقول: إنه مسيء لتركه وقت الاختيار، فسقط ما ظننت بنا.
فإن قيل: فإن وقت الظهر لما لم يكن وقتا للعصر؛ وجب أن يكون كذلك وقت العصر، ألا ترى أن الفجر والعشاء لما لم يشارك أحدهما صاحبه في الوقت؛ لم يشركه الآخر.
قيل: الأمر كما قلت، وقت الظهر الذي يختص به ليس بوقت للعصر الذي يختص به، ووقت العصر الذي يختص به ليس وقتًا للظهر، وإنما المشترك ما بين ذلك، والمغرب والعشاء فبهذه المثابة، ما بعد غروب الشمس بمقدار ثلاث ركعات يختص المغرب ليس بوقت للعشاء، وقبل الفجر الثاني الذي بمقدار أربع ركعات يختص بالعشاء، وليس بوقت للمغرب، والظهر والعصر فبهذه [المثابة] (١).
ويدل على ما نقوله أيضًا أن الحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ - وقد بقي من النهار قدر خمس ركعات أو أكثر -؛ فقد أدركوا وقت (٢٨٤) الظهر والعصر، فلولا أن ذلك وقت للظهر؛ لم تجب عليهم
стр. 1617
صلاتها، وكانت بمنزلة الصبح وغيرها من الفوائت المتقدمة التي لا يجب عليهم قضاؤها، فبان بهذه الأدلة صحة ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: هذه أوقات ضرورة.
قيل: هذا الذي يدل على أنها أوقاتها، إذ لو لم تكن أوقاتها؛ لم تقض في غير أوقاتها كما لم يقض ما تقدمها من الصلوات، ألا ترى أن الحائض لو طهرت قبل أن تغرب الشمس بركعة؛ لم يكن هذا وقت ضرورة للظهر، ولو طهرت بعد أن طلعت؛ لم يجب عليها قضاء الصبح، لأنها تكون واقعة في غير وقتها، فيتبين صحة قولنا. وبالله التوفيق.
فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فإن الحائض إذا طهرت قبل مغيب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام تكون مدركة للظهر والعصر على أحد الأقوال، وأنتم لا تقولون إن هذا الوقت مشترك.
قيل: لأن هذا من القول خطأ عندنا؛ لأن النبي ﵇ قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (١).
ولم يقل: أدرك الظهر والعصر.
وعلى أنكم قد زدتم علينا في باب الاشتراك، وقويتم قولنا أنهما يشتركان في وقت، ألا ترى أنها لو لم تدرك تكبيرة الإحرام قبل مغيب الشمس؛ لم تصل الصلاتين جميعًا، أعني: الظهر والعصر، فإذا كانت تصليهما جميعًا بإدراك تكبيرة الإحرام، وتسقطان جميعًا عنها إذا لم تدرك هذا القدر؛ فأي
стр. 1618
شيء في الاشتراك في الوقت أبين من هذا، وأنتم منعتم من ذلك في الوقت الذي جعلناه مشتركًا، مع تخصيصنا كل صلاة لوقت لا تشركها فيه الصلاة الأخرى، وأتيتم بما هو أعظم؛ لأنكم لم تخصوا كل صلاة منهما بوقت لا تشركها فيها الأخرى إلا في أوقات الاختيار التي سميتموها، وأوقات مقام ورفاهية، فصارت حجتنا عليكم أظهر. وبالله التوفيق.
مَسْألة (١٢):
وآخر وقت الظهر هو أول وقت العصر على سبيل الاشتراك، فمن لم يصل الظهر حتى صار ظل كل شيء مثله؛ كان له أن يبتدئها، ولا يكون مسيئًا، وآخر يصلي العصر يبتدئها فيه.
وقال الشافعي: من دخل في الصلاة فكان فراغه منها حين صار الظل مثله؛ فهو مصل لها في وقتها، وما بعدها من الوقت المستأنف بعد زيادة ما على المثال؛ فهو وقت العصر (١).
قد تقدم كلامنا في الاشتراك في الوقت المجزئ، ونحن نتكلم في الاشتراك في الوقت المختار (٢).
стр. 1619
والدليل لقولنا ما روي عن النبي ﵇ قال: "أمني جبريل ﵇ عند هذا البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس" (١).
فبين ﵇ أنه صلى به الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، وهذا نص في موضع الخلاف (٢).
وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله" (٣).
وهذا أيضًا نص فيما ذكرناه.
وأيضًا فما روي عن أبي مسعود في صلاة النبي وإمامة جبريل به ﵉ قال: "ثم أتاه من الغد حين صار ظل كل شيء مثله، فقال له: قم فصل، فقام
стр. 1620
فصلى الظهر" (١).
وكذلك روى ابن كيسان عن جابر قال: "جاء جبريل إلى النبي ﵇ حين زالت الشمس، فذكر الحديث إلى أن قال فيه: ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد فصل الظهر، فقام فصلى الظهر" (٢).
وهذا يمنع من كل تأويل يتأولونه من أنه صلى، أي فرغ؛ لأنه ابتدأ بصلاة الظهر، وأوقعها في اليوم الثاني بعد أن صار ظل كل شيء مثله.
فإن قيل: فإن قوله ﵇: "صلى في اليوم الثاني حين صار الظل مثله" (٣) أي فرغ؛ لأن "صلى" لفظ الماضي (٤)، فحقيقته لما قلنا إلا أن تقوم دلالة (٥).
стр. 1621
قيل: الخبر خبر واحد، وجميع أوقات الصلوات فيها هذا اللفظ الذي هو عبارة عن الماضي وقد أريد به الابتداء، وإنما معناه أنه أوقع صلاته في هذا الوقت، ومع هذا فلا يجوز أن يصرف مِن صلى إلى ما ذكرتموه للفراغ؛ لأنه نُقل لتُعلم من جهته الأوقات التي يتأتى لكل أحد أخذ الصلاة فيها، وتكون معروفة له، وما تقولونه لا يتحصل لفاعل واحد، فكيف يكون علمًا للناس كلهم؛ لأن الواحد يتعذر عليه أن يبتدئ بصلاة يكون آخرها مع كون الظل مثله (١)، وكيف بالجميع الذين تختلف صلاتهم، فمن مطول، ومقصر، وثقيل، وخفيف، فعلمنا أن المقصود منه العلامة الظاهرة، وهو إذا زاد الظل حتى إذا صار مثله عرفه جميع الناس، كالزوال، وكالمغيب، وكالشفق، والفجر، لأن هذه علامات ظاهرة إذا شاهدناها ابتدأنا الصلاة، كذلك الظل إذا بلغ مثله عرفه (٢٨٥) جميع الناس كما يعرفونه إذا بلغ مثليه، وصارت الأوقات كلها معروفة غير مجهولة، ويتأتى الابتداء فيها لجميع الناس.
стр. 1622
وعلى أن العرف والإطلاق أنه إذا قيل: إن فلانًا صلى العيد لما أصبح، وصلى ركعتي الفجر، وصلى الضحى حين أشرقت الشمس؛ لم يعقل منه إلا أنه أوقع الصلاة في هذا الوقت، ولم يعقل منه الفراغ حسب.
وإذا أرادوا الخبر عن الفراغ؛ قالوا: قد صلى الظهر، وقد صلى العصر، وقد صلى العيد.
وعلى أن الخبر الذي ذكرناه عن جابر، وأبي مسعود: "أن جبريل جاء من الغد حين صار ظل الشيء مثله، فقال له: قم يا محمد فصل الظهر" (١).
فسقط معه ما ذكرتموه، ولا تأويل لكم فيه.
فإن قيل: فإن فعله في اليوم الثاني قد نسخ الأول، وصار الوقت ممتدًا للظهر.
قيل: قد أجبنا عن النسخ فيما تقدم، وأننا لا نحمل هذا على النسخ بالدعوى ولا بالمحتمل، فكيف وليس هاهنا دلالة ولا احتمال.
فإن قيل: فإن حديث أبي هريرة بأن النبي ﵇ قال: "آخر وقت الظهر أول وقت العصر" (٢)؛ إنما أراد أن آخر وقت الظهر يتلوه أول وقت العصر بلا فاصل بينهما.
قيل: هذا غلط؛ لأن آخر الشيء هو (٣) الشيء، والنبي ﵇ جعل الآخر هو الأول وقتًا للعصر.
стр. 1623
فإن قيل (١): فقد قال فيه: "آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر" (٢) الذي صليته في اليوم الأول، وهو كون الظل مثله.
وقوله: "حين يدخل وقت العصر" هو الذي جعله وقتًا للظهر، فهذا حجتنا.
فإن قيل: ففي حديث عبد الله بن [عمرو] (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" (٤).
فهذا بيّن في موضع الخلاف.
قيل: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه أراد ما لم يحضر وقت العصر الذي يختص به، على ما ذكرناه قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات (٥).
والوجه الآخر: يحتمل أن يكون أراد: وقت الظهر المختار ما لم يحضر
стр. 1624
وقت العصر الأخير، وكذلك نقول.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (١).
فلو قلنا: إنه إذا دخل وقت الأخرى لم يك مفرطًا في تأخير الظهر؛ كان منافيًا للحديث.
قيل: إنما يكون مفرطًا يلحقه الوعيد إذا أخر الظهر حتى تصير قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات؛ لأن هذا الوقت يختص العصر، وكذلك نقول.
ويحتمل أن يكون أراد التفريط الذي يكون به مسيئًا، وهو إذا أخر الظهر حتى دخل وقت العصر الأخير، ولم يقل: حتى يبتدئ دخول الأخرى، وإنما قال: "حتى يدخل"، معناه كله أو أكثره، وكذا نقول إنه مسيء.
الدليل على أن المراد ما نقول؛ أنه لو أخر الصبح إلى ضحوة النهار؛ لكان عاصيًا متوعدًا عليه، وهو لم يؤخرها إلى صلاة الظهر، فعلمنا أنه أراد بالمفرط من أخرج صلاة عن وقتها الذي تختص به هو المفرط، لا من أخرجها عن المختار، وقد بينا في [وقت] (٢) الظهر كيف يكون مفرطًا يلحقه الوعيد، وكيف يكون مسيئًا لا يلحقه ذلك.
فإن قيل: وجدنا سائر الصلوات لا تتداخل أوقاتها، ولا تكون مشتركة في باب الاختيار، فكذلك الظهر والعصر، والمعنى الجامع بينهما أنهما
стр. 1625
صلاتان خصتا بوقت، فلم يكن وقت إحداهما مشاركًا للأخرى في حال الرفاهية.
قيل: هذا قياس يعترض على نص السنة فيسقط.
على أننا نفرق فنقول: إنما كان هذا في صلاة الظهر والعصر لأنهما في العدد واحد، وإحداهما بعد الأخرى، ولما اختلف أعداد سائر الصلوات غيرهما ولم تتفق؛ لم يشرك بينهما في وقت الاختيار.
فإن قيل: فقد أشركتم بين المغرب والعشاء في وقت الإجزاء، فكان ينبغي أن تكونا سواء في الاختيار كالظهر والعصر، أو تفرقوا بين الظهر والعصر كما فعلتم في المغرب والعشاء.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يحصل للمغرب وقتان، وإنما لها وقت واحد (١)؛ لأنها وتر، فجعل وقتها وترًا، ففارقت عشاء الآخرة من هذا الوجه، وليس كذلك الظهر والعصر.
فإن قيل: نتأول الخبر ونقول: قوله ﵇: "إن جبريل جاءني في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله، فقال لي: قم يا محمد فصل الظهر" (٢)؛ إنما أراد بظل كل شيء مثله مع مقدار ما زالت عليه الشمس، وهذا هو [حقيقته] (٣)، ولا يفهم من ظل كل شيء مثله إلا ما ذكرناه، وإنما يجعل ظل كل شيء مثله بعد خط الزوال من حيث المعاني والفقه.
стр. 1626
قيل: هذا تأويل ساقط من وجوه:
أحدها: أنه ﵇ ذكر أن جبريل جاءه حين زالت الشمس، ولم يقل في أي زمان (٢٨٦) كان، وقد تزول الشمس في وقت يكون فيه فيء الشمس مثله وأكثر، فقوله: "جاءني في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله"؛ لا يصح مع قوله أيضًا: "ما بين هذين وقت" (١)، فلو كان كما ذكرتم؛ لكان ﵇ يبينه إن كان في زمان لا يكون للشخص ظل عند الزوال.
وأيضًا فإن أصل المواقيت هو هذا الخبر، ولم يجئ جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ يومين غير هذين اليومين.
والصحابة ﵃ وسائر من بعدهم لم يعقلوا من قوله: "ظل الشيء مثله ومثليه" إلا من حين الزوال، ولم يعتبر واحد القدر الذي زالت عليه الشمس؛ لأنه يختلف باختلاف الأزمان، وإذا كانت القصة واحدة والحال واحدة، وأنتم تقولون: فراغه من صلاة الظهر حين صار ظل الشيء مثله، وهو بعد القدر الذي زالت عليه الشمس؛ فكيف يحمل الأمر على ما ذكرتم، وقد أجمع المسلمون على أن المراد من الخبر اعتبار للظل بمثله ومثليه بعد الفيء الذي تزول عليه الشمس، فسقط ما ذكرتموه.
وقد روي أن النبي ﵇ قال: "لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت أخرى" (٢).
فدل على أنه إذا دخل وقت العصر؛ فإنما يدخل على وقت الظهر.
стр. 1627
فَصْل
وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم قالوا على الرواية المشهورة: إن أول وقت العصر إذا كان الظل مثليه (١)، وآخر وقتها غروب الشمس (٢).
وقد تقدم الكلام في أن آخر وقت الظهر إذا صار الظل مثله، وأنه أول وقت العصر، فتلك الدلائل لا تورد عليهم، فإذا ثبت لنا أن أول العصر إذا صار الظل مثله (٣)؛ ثبت قولنا في أن آخرها إذا صار الظل مثليه في الاختيار.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "من فاتته العصر حتى غابت الشمس كأنما وتر أهله وماله" (٤).
стр. 1628
فدل أنها لا تفوت قبل غروب الشمس.
قيل: كذلك نقول؛ لأن وقتها الذي تختص به قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات، فأما وقت الاختيار؛ فهو الذي صلاه جبريل ﵇ بالنبي ﷺ ، وصلى به النبي ﷺ بأصحابه ﵃، وعلمه السائل الذي سأله عن مواقيت الصلاة (١)، وهو أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل الشيء مثله، وصلاها في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثليه، وقال: "الوقت في ما بين هذين" (٢).
فإن قيل: فقد قال ﵇: "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" (٣).
قيل: كذلك نقول إنه إذا صلى العصر قبل غروب الشمس؛ لن يلج النار؛ لأنه صلاها في وقتها المجزي، ولكنه ليس وقت الاختيار.
والأخبار كلها على مذهبنا مستعملة في بيان وقت الإجزاء، وبيان وقت الاختيار، ولا يسقط بعضها ببعض.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (٤)، والطرف هو الأخير.
قيل: كذلك نقول: إذا صلى العصر في الطرف الأخير قبل غروب
стр. 1629
الشمس؛ فقد امتثل المأمور به، وإذا صلاها حين يصير ظل الشيء مثليه؛ فقد أوقعها أيضًا في طرف، ولكنه مختار.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدركها" (١).
فدل أنها لا تفوت ما لم تغرب الشمس.
قيل: كذلك مذهبنا سواء في أنها لا تفوت، وكلامنا في وقت الاختيار.
فإن قيل: فقد روي أنه قال: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في أن يصلي صلاة في وقت غيرها" (٢).
فدل على أنه متى لم يصل في وقت غيرها؛ لم يكن مفرطًا.
قيل: هكذا مذهبنا أنه لا يكون مفرطًا يلحقه الوعيد إلا كذلك، وكلامنا في الاختيار الذي إذا تركه يكون مسيئًا.
وعلى أنكم لا تقولون بدليل الخطاب (٣)، فلا حجة لكم في هذا الخطاب.
فإن قيل: فقد روي أن "آخر وقت العصر غروب الشمس" (٤).
قيل: كذلك نقول وقتها الذي تختص به، وهذه الأخبار كلها تدل على
стр. 1630
مذهبنا، وإنما تلزم أصحاب الشافعي دوننا (١).
ويدل على قولنا ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أن صل العصر والشمس بيضاء نقية قبل أن تدخلها صفرة" (٢).
وكذلك روي عن الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك (٣)، فدل على أنه لا خلاف بينهم (٤).
فإن قيل: هذا على وجه الاختيار؛ وهو أن يقيم الصلاة في أول الوقت، وهو إذا صار الظل مثليه.
قيل: هذا غلط؛ لأنه إذا صار الظل مثليه؛ فقد داخلتها الصفرة، فإنما الحث على أن يصلي قبل ذلك، وهو قبل الوقت الأخير، وأنتم لا تجوّزون ذلك، ولو لم يكن ذلك وقتًا لها؛ لم يأمر عمر بذلك، ولا عملت الصحابة
стр. 1631
عليه، وقد روي: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" (١).
فنفى أن يكون اصفرار الشمس وقتًا للاختيار.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٢).
فدل أن وقت العصر (٢٨٧) لا يخرج حتى يدخل وقت المغرب.
قيل: كذا نقول في وقتها الذي تختص به، وكذلك نتأول خبر أبي هريرة وأنه ﵇ قال: "لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٣).
وليس كلامنا في الفوات، إنما هو في وقت الاختيار.
وكذلك ما يذكرونه من بلوغ الصبي، وطهر الحائض، وإسلام الكافر قبل غروب الشمس وبعد المثلين، فإنهم يدركون وقت العصر الذي تختص به [لا] (٤) الوقت المختار.
وهذه الأخبار كلها دلائل لنا في أن قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات وقت العصر تختص به، وأن المصلي في هذا الوقت مؤد غير قاض. وبالله التوفيق.
стр. 1632
* مَسْألة (١٣):
وقت صلاة المغرب غروب الشمس وقت واحد، لا تؤخر عنه في الاختيار (١).
وبمثل قولنا قال الأوزاعي (٢).
وبه قال الشافعي في أظهر قوليه (٣).
وعند أبي حنيفة، والثوري، وأحمد وإسحاق: أن لها وقتين (٤).
стр. 1633
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١).
والدلالة من هذا أن قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ هو المغرب، كذلك فسر، فذكر الصلاة باسم التسبيح، فكأنه قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: صلوا لله ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ حين المساء، هو وقت المغرب، فلا يجوز أن تصلى في وقت آخر إلا بدلالة.
والدليل أن المراد هاهنا بالتسبيح الصلاة؛ قولُ المفسرين (٢)، وقول الأعشى:
فسبِّح على حين العشيات والضحى … ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (٣)
دليل آخر: وهو ما روي في إمامة جبريل بالنبي ﵉، وتبيينه له المواقيت عند البيت مرتين، فذكره إلى أن قال: "ثم صلى بي المغرب حين غابت الشمس، ثم ذكر صلاته في المرة الأخيرة، ثم قال: "وصلى بي المغرب كما صلاها بالأمس لم يغيرها، ثم قال في آخره: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك" (٤).
стр. 1634
وفي حديث ابن عباس، وجابر، وأبي موسى، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم: أن رسول الله ﷺ صلى المغرب في اليومين جميعًا لوقت واحد حين بين المواقيت.
فذكر في بعض الأخبار: "حين سقط القرص" (١).
وفي بعضها: "حين غربت الشمس" (٢).
وفي بعضها: "حين أفطر الصائم" (٣).
وصلى غيرها من الصلوات في اليوم الثاني لوقت غير الوقت في اليوم الأول (٤).
وفي حديث أبي مسعود أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي المغرب حين تسقط الشمس" (٥).
وفي حديث أبي هريرة أنه قال: "ثم صلى المغرب من الغد وقتًا واحدًا" (٦).
стр. 1635
وفي حديث جابر أيضًا عن رسول الله ﷺ : "جاءه جبريل إلى أن بلغ المغرب، فقال له: قم يا محمد فصل، فصلى حين وجبت الشمس، فذكره، قال: ثم جاءه من الغد [فصلى] (١) المغرب وقتًا واحدًا لم يزل عنه" (٢).
وهذا يكشف موضع الخلاف، إذ الأصل في المواقيت إمامة جبريل بالنبي ﵇.
وأيضًا فقد روى سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، وعبد الله بن أبي بكر، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم: "أن النبي ﷺ سئل عن وقت الصلوات فجعل لها وقتين وقتين، إلا المغرب فإنه قال: إذا غربت الشمس" (٣).
وهذا وإن كان مرسلًا؛ فنحن وهم نقول بالمراسيل.
وعن عطاء "أن النبي ﵇ صلى المغرب في وقت واحد" (٤).
وهو أيضًا مرسل.
وقد روي عن أبي أيوب أنه أنكر على عقبة بن عامر - وهو أمير مصر -
стр. 1636
تأخيره الصلاة، فقال له أبو أيوب: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: شغلنا، فقال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب حتى تُستبان النجوم" (١).
وأيضًا "فإن ابن عمر أخرها حتى رأى كوكبًا فأعتق رقبة" (٢).
فلولا أن الأمر يقتضي عنده فعلها قبل ذلك؛ لما أعتق، لأن من صلى في الوقت المختار لا يكون فيه تقصير (٣).
وأيضًا فقد روي عن ابن مسعود "أنه كان يصلي المغرب إذا غاب حاجب الشمس، ويحلف: والذي لا إله غيره إنه للوقت الذي قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٤).
وقد حفظ عنه أنه قال: "ما لها وقت غيره".
وابن عمر وابن مسعود ﵄ صحابيان، يظهر منهما هذا بحضرة الصحابة، فلا يحفظ عن أحد أنه قال لهما: إن لها وقتين في الاختيار، الثاني منهما مثل الأول.
وأيضًا فإننا رأينا المسلمين بأسرهم قد أجمعوا على ما قلناه فعلًا، وذلك أننا رأيناهم منذ وقت فرضت الصلوات يصلون المغرب لوقت واحد،
стр. 1637
مع اختلاف هممهم ودواعيهم في تأخير الصلاة وتقديمها، ألا ترى أن طائفة من الناس لهم رسم في مسجدهم أن يؤخروا الظهر قليلًا ويقدموا العصر، ورسم أهل البصرة في جامعهم على هذا شهادتهم عليه، وصارت كالسنة لهم، وطائفة من الناس يقدمون، وطائفة يؤخرون، وطائفة يتوسطون، فلو كانت المغرب (٢٨٨) بمنزلة سائر الصلوات؛ لوجب أن يكونوا فيها كذلك (١).
فإن قيل: فإنهم يستحبون تقديمها.
قيل: كل الصلوات لما كان لها وقتان؛ لم تتفق دواعيهم وهممهم على تقديمها على طريقة واحدة، وبعضهم يستحب التقديم، وبعضهم يؤخر، وفي المغرب هم على طريقة واحدة، لولا أن التوقيت ثابت في أن لها واحدًا مختارًا؛ لكانت هممهم تفترق فيها كما افترقت في سائر الصلوات.
ثم ما قلتموه فاسد؛ لأنه أمر ينقض التواتر لو كان هذا من غير توقيف في صلاتها في أول الوقت، ألا ترى أن هممهم ودواعيهم لم تدعهم إلى الإسفار بصلاة الصبح وهي مستحبة عندكم، ومع هذا فوجدنا خاص الناس وعامتهم ينكرون على من أخرها، ومع الإنكار عليه لا يتجاسر آخر على التأذين لها بعد اختلاط الظلام، بل هم متفقون على المبادرة بالأذان لها،
стр. 1638
وترك الركوع بين الأذان والإقامة لها (١)، وليس هذا إلا لما ذكرناه.
وأيضًا فقد اتفقنا على أن من أداها وقت المغرب (٢)؛ فقد أداها في وقت صحيح على الكمال، واختلفنا فيما زاد عليه، فنحن على موضع الاتفاق، وبه مستمسكون حتى يقوم دليل الخلاف.
فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٣)، وأن الدلوك الغروب، فقد أمرنا بإقامتها إلى غسق الليل وهو اجتماع الظلمة.
قيل: الدلوك للزوال، ويصلح للغروب، فهو اسم مشترك كالقرء، لا يجوز ادعاء العموم فيه، فيقف فيه حتى يتبين أيهما أريد (٤).
وعلى أننا قد بينا أن المراد به حين تغرب الشمس بتفسير ابن مسعود، وأنه كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، ويقول: والله إنه للوقت الذي قال الله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٥).
стр. 1639
ويكون معنى قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ العشاء الآخرة (١).
وعلى أننا قد عارضناه بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٢).
وحكينا التفسير فيه، وأن حين المساء هو غروب الشمس (٣).
وعلى أنه لو حصل لكم فيه شيء من الظاهر؛ لخصصناه بحديث المواقيت.
فإن قيل: فقد روي في حديث أبي هريرة: "أن آخر وقت المغرب حين يغيب الشفق" (٤).
وحديث عبد الله بن عمرو: "وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق" (٥).
قيل: قد روينا في حديث جابر وابن عباس أنه ﵇ صلاها في الوقتين جميعًا في وقت واحد (٦)، فقد تعارضا ورجعنا إلى شيء آخر.
стр. 1640
وقد قيل: الصحيح من حديث عبد الله بن [عمرو] (١) أنه موقوف عليه (٢).
وحديث أبي هريرة قيل فيه: إن راويه ابن فضيل، وأنه أخطأ في هذا الحديث (٣).
وعلى أننا نحمل ذلك على العذر وهو الجمع بينهما، فإن أخرها في الجمع [فإلى] (٤) هذا الوقت.
وقوله ﷺ في حديث عبد الله بن [عمرو] (٥): "وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق" (٦) هو حجتنا؛ لأنكم تقولون: إذا غاب الشفق فهو [وقتها] (٧)
стр. 1641
الأخير، وقد نفى أن يكون وقتها إذا غاب الشفق (١).
ومعنى هذا عندنا أن خروجه منها ما لم يغب الشفق؛ لأنه إذا دخل فيها حين الغروب؛ فليس لخروجه حد محدود، ولكنه ما لم يغب الشفق؛ لأن صلاة الناس تختلف، فمن مطول، ومن مقصر، وخفيف، وثقيل، وكلهم يخرجون منها ما لم يغب الشفق، ولم يقل أول وقتها ما لم يغب الشفق، وإنما قال: وقتها، فأراد وقته كله ما لم يغب الشفق أول الصلاة (٢).
وتستند أحاديثنا أن فعل الخاصة والعامة في المبادرة إلى فعلها.
وأيضًا فإن أصل المواقيت إمامة جبريل ﵇ وبيانه، فلا يُقضى عليه بأخبار نقلت في أخبار متفرقة يحتمل أن تكون الأحوالُ أوجبت ذلك، ثم يقضى بذلك على هذه الأخبار إلا أن تُفهَم دلالة تقطع العذر، فإن خبر إمامة جبريل قد تواتر حتى قطع العذر، فلا يُعدل عنه إلا بمثله، فيكون منسوخًا إن لم يمكن الاستعمال.
فإن احتجوا بحديث ابن بريدة عن أبيه أن سائلًا سأل النبي ﷺ عن أوقات الصلاة، فقال له: "صل معنا، فأقام الصلوات، إلى أن قال: فأمر بلالًا من الغد فأقام المغرب قبل أن يغيب الشفق، ثم قال في الحديث: وقت صلاتكم بين ما رأيتم" (٣).
قيل: نحن نقول قبل غيبوبة الشفق، ثم كم ذاك القَبْل، وكم مقداره،
стр. 1642
هو على ما ذكرناه في المواقيت.
ثم لا ينبغي أن يعترض بهذا الحديث على تلك الأحاديث؛ إذ لو كان له من الصحة ما لها؛ لم يتطابق العمل على خلافه (١).
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة؛ فابدؤوا بالعشاء" (٢).
قيل: هذا لا يلزم من وجوه:
أحدها: أن الذي خرج مخرج البيان للمواقيت أولى من هذا.
والثاني: أنه يتوجه إلى الأكل اليسير الذي يكف نهمته ليسلم له خشوعه، كما نهي أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين (٣).
معناه: لئلا يشتغل (٢٨٩) عن الخشوع (٤)، وكذلك هذا، ألا ترى أنه لو أراد أن يواصل الأكل [وينقل] (٥) عنه ألوان الطعام حتى يدخل عليه وقت
стр. 1643
عشاء الآخرة؛ فإنه يمنع منه، فعلمنا أن الحديث يتوجه إلى ما ذكرناه.
وجواب [آخر] (١): وهو أن هذا الحديث يدل على ما قلناه، وأن للمغرب وقتًا واحدًا، وذلك أنه خص هذه الصلاة بهذا العذر، فلولا أن وقتها مضيق؛ لم يحتج إلى هذا، ولكانت كغيرها من الصلوات (٢)، ونحن فلا نمنع أن [النبي عليه] (٣) السلام خاطب الصحابة ﵃ لأنهم كانوا يصومون، وفطورهم يسير، ولعله إلى أن يقيم الإمام الصلاة ويدخل في الصلاة يفرغون من العشاء قبل أن تفوتهم الركعة الأولى مثلًا، وهذا لا يبطل به ما تريد.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قرأ فيها بسورة الأعراف (٤)، وهذا لا يكون إلا في الزمان الطويل، فلو كان وقتها واحدًا؛ لم يجز أن يؤخر حتى يدخل وقت صلاة أخرى.
قيل: هذه قضية وفعلة واحدة (٥)، لا يجوز أن يدعى فيها العموم (٦)،
стр. 1644
ولا يعترض بها على الأحاديث التي فيها بيان المواقيت.
ويجوز أن يكون سمع الراوي أول السورة فظن أنه أتمها، ويحتمل أن يكون الراوي مجتازًا وقد صلى المغرب في مسجده، أو وحده فسمع أول السورة، وجاز ولم يصل معهم؛ لأن المغرب عندنا لا تعاد، فظن أن النبي ﵇ يقرأ السورة كلها لأنه قد سمعه قرأ أولها.
ويحتمل أن يكون الراوي قد قال ذلك تجوزًا، كما لو سمع رجل يقرأ بعض البقرة؛ لجاز أن يقول: فلان يقرأ البقرة (١).
ويحتمل أن يكون النبي ﵇ قرأ الآية التي فيها ذكر الأعراف، فقال الراوي: قرأ الأعراف.
стр. 1645
ويجوز أيضًا أن يكون الله تعالى خصه بذلك وبسرعة القراءة، فقراءته [ … ] (١)، أو مد الله له في الوقت.
ويحتمل أن يكون ﷺ فعل ذلك في السفر أو بالمزدلفة، فهو يريد أن يجمع بينها وبين عشاء الآخرة.
ويحتمل أن يكون ﵇ دخل فيها وقت الغروب وعزمه أن يقرأ بعضها، فدخل ورآه قوم من المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، فمد بهم لوجهين:
أحدهما: أن يسمعوا السورة وما فيها من القصص.
والوجه الثاني، لما قلناه من تكاسلهم حتى يروا صبر المسلمين على طول القيام والنشاط له، ولعل فيهم الصائم، فيشاهد المنافقون ما عليه المسلمون من تحمل المشقة والرغبة لما عند الله تعالى.
وأيضًا فإنه إذا دخل فيها أول الوقت؛ لم يضر خروجه منها ولو بعد الاختيار (٢)، كما قال عمر لأبي بكر ﵄ وقد طوّل في صلاة الصبح:
"كادت الشمس تطلع: فقال: لو طلعت؛ ما وجدتنا غافلين" (٣).
فإن قيل: فإنه قد روي أنه ﵇ قال: "لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل
стр. 1646
وقت أخرى" (١).
قيل: نستعمل هذا فنقول: لا يخرج وقتها الجائز حتى يدخل الوقت الذي تختص به عشاء الآخرة، وهو قبل طلوع الفجر بمقدار أربع ركعات، وإنما كلامنا في الوقت المختار، وقد ثبت لحديث الميقات، فقد استعملنا حديثكم على ما يوافق مذهبنا، واستعملنا الأحاديث الثابتة في بيان الأوقات المختارة.
فإن قيل: في حديث زيد بن ثابت أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطول وهي: المص" (٢).
وهذا عبارة عن فعله على الدوام.
قيل: أول ما في هذا أن المص ليست أطول الطول (٣)؛ لأن البقرة أطول منها، وكذلك آل عمران والنساء (٤)، لأن آيات المص قصار ليست بأطول الطول.
وعلى أنه يحتمل أن يكون فعل ذلك في صلاة المغرب؛ لأنها تدرك
стр. 1647
بعض الناس وهم صيام، وأكثرهم يحتاجون إلى العشاء لتشاغلهم بمعايشهم بالنهار، فهم يطلبون التخفيف، فكان المنافقون يحضرونها طلب التخفيف، فأراد أن يروا صبر المسلمين عليها، ورغبتهم في الاجتهاد مع الأعذار التي لهم، والمشاق الصعبة، فإن المنافقين إذا رأوا ذلك ربما دعتهم الرغبة إلى ما عليه المسلمون، أو ينصرفون فلا يعودون إليها مخافة التطويل، وليس كذلك سائر الصلوات؛ لأنها لا تدركهم على مثل حالهم في المغرب من التوقان إلى العشاء، والضجر من الصوم، ألا ترى أنه قد قال للمؤمنين: "ابدؤوا بالعشاء" (١) لما ذكرناه، وقد قلنا: إن مثل هذا يكون عذرًا في امتداد وقتها.
والمرجوع إليه في ابتدائها حديث المواقيت، ومطابقة العمل على ذلك.
فإن قيل: فقد روي أنه قال ﵇: "ليس التفريط فيمن نام عن صلاة، إنما التفريط أن يصلي صلاة في وقت غيرها" (٢).
فدل أنه إذا لم يبتدئها في وقت غيرها فليس بمفرط.
قيل: أول ما في هذا أنكم لا تقولون بدليل الخطاب (٣)، فكيف تحتجون به. (٢٩٠)
على أننا نقول: إنه إنما ابتدأ الصلاة في الوقت الذي تقولون: إنه مسيء وليس بمفرط؛ لأن كلامنا في وقت الاختيار، وإذا صلى المغرب قبل طلوع
стр. 1648
الفجر بمقدار أربع ركعات - وهو الوقت الذي يختص به عشاء الآخرة -؛ فهو المفرط يلحقه الوعيد، ويكون قاضيًا إذا كان لغير عذر.
فإن قيل: خبرونا عن قولكم: إن لها وقتًا واحدًا؛ هو جزء غير معلوم؟ أو هو جزء معلوم؟ فلا بد أن يكون وقتًا معلومًا.
فيقال لكم (١): أخبرونا عن هذا الوقت، فلا بد أن تحدوا فيه حدا، فتصيرون إلى قولنا في الوقتين.
قيل: [عن هذا أجوبة:
الأول] (٢): وقتها وقت الدخول فيها، وله أن يمد ما لم تدخل صلاة الأخرى، كما يقال فيمن أدرك ركعة فإنه يزيد في المدة لقضاء الركعتين.
والثاني: أنه ينقلب عليكم في آخر الوقت؛ لأنكم لا تحدونه بحد لا يتجاوز، إنما هو على حسب تطويل المصلي وتخفيفه.
فما تجيبون به؛ فهو جوابنا لكم فيما سألتم.
وجواب ثالث: وهو أنه بمقدار الطهارة، وستر العورة، والأذان، وصلاة ثلاث ركعات على مهل وتمكن (٣).
فإن قيل: فلو كان وقتها واحدًا؛ لحصرت القراءة، فلما لم تحصر؛ دل على أن وقتها موسع كسائر الصلوات.
стр. 1649
قيل: هذا لا يلزم؛ لأننا قد حددنا أول أوقات سائر الصلوات ولم نحصر القراءة فيها، وقد يقرأ الإنسان القرآن الكثير في صلاة الفجر حتى تكاد أن تطلع الشمس فيقال له: لا ينبغي أن تفعل ذلك، وتحدَّد على حسب العرف من حال هذه الصلاة، كذلك المغرب.
فإن قاسوها على سائر الصلوات بعلة أنها صلاة فرض سن فيها الأذان؛
قيل: هذا قياس يدفع النص، أو يَثبت أصلًا، فليس لأحد أن يقيس غيرها عليها.
وجواب آخر: وهو أننا نقول: إن المواقيت لم تؤخذ قياسًا، ولا سيما على مذهب أبي حنيفة فإنه لا يأخذ المقدرات والمؤقتات من حيث القياس (١).
وأيضًا فقد ذكرنا لأي معنى خُصت المغرب؛ وهو أنها صلاة تدرك الناس عند فراغهم من معايشهم، ووقتها حيّ ظاهر وهو غروب الشمس، وقد نُدِبوا إلى تعجيل الفطر [إن] (٢) كانوا صيامًا، وهم مستيقظون لا يشق ولا يضيق عليهم أن يكون لها وقت واحد، وكل صلاة من الصلوات غيرها لو جعل وقتها وقتًا واحدًا؛ لضاق عليهم ذلك وشق فوسع لهم في أوقاتها.
وأيضًا فإنها وتر فجعل وقتها وترًا، ولما كانت سائر الصلوات شفعًا؛ جعل وقتها شفعًا (٣).
стр. 1650
ثم هذا يستند إلى فعل المسلمين جميعًا فهو يؤيده.
فإن قيل: لما جاز أن يمد فيها؛ جاز أن يبتدئها في وقت جاز أن يمد فيها، كسائر الصلوات لمّا جاز أن يبتدئها في الوقت الذي يجوز أن يمد فيها، ولا يكون هذا مُخرِجًا لها عن وقتها.
قيل: أما الجواز؛ فيجوز، ولكنه يكون مسيئًا، فإن أردتم الجواز في الاختيار؛ فإنه فاسد، فمن أدرك ركعة من الجمعة؛ فإنه يبني عليها، ولا يجوز أن يبتدئ في ذلك الوقت جمعة (١).
وفاسد أيضًا بالذي يدرك ركعة من العصر فإنه يكون مدركًا لها، ويمتد في فعلها، ولا يجب عليه بإدراك الزمان الذي يمد فعلها فيه شيء.
وأيضًا فإنا قد رأينا كثيرًا من الأصول يجوز أن يقيم عليها ولا يجوز أن يبتدئها (٢)، منها المعتدة، والمرتدة المدخول بها تقف على العدة، والمُحْرِمة، والمتزوج بالأمة مع الشرائط ثم ترتفع، كل هؤلاء قد فرقنا بين حكم الابتداء