← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وقت أخرى" (١). قيل: نستعمل هذا فنقول: لا يخرج وقتها الجائز حتى يدخل الوقت الذي تختص به عشاء الآخرة، وهو قبل طلوع الفجر بمقدار أربع ركعات، وإنما كلامنا في الوقت المختار، وقد ثبت لحديث الميقات، فقد استعملنا حديثكم على ما يوافق مذهبنا، واستعملنا الأحاديث الثابتة في بيان الأوقات المختارة. فإن قيل: في حديث زيد بن ثابت أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطول وهي: المص" (٢). وهذا عبارة عن فعله على الدوام. قيل: أول ما في هذا أن المص ليست أطول الطول (٣)؛ لأن البقرة أطول منها، وكذلك آل عمران والنساء (٤)، لأن آيات المص قصار ليست بأطول الطول. وعلى أنه يحتمل أن يكون فعل ذلك في صلاة المغرب؛ لأنها تدرك

стр. 1647

بعض الناس وهم صيام، وأكثرهم يحتاجون إلى العشاء لتشاغلهم بمعايشهم بالنهار، فهم يطلبون التخفيف، فكان المنافقون يحضرونها طلب التخفيف، فأراد أن يروا صبر المسلمين عليها، ورغبتهم في الاجتهاد مع الأعذار التي لهم، والمشاق الصعبة، فإن المنافقين إذا رأوا ذلك ربما دعتهم الرغبة إلى ما عليه المسلمون، أو ينصرفون فلا يعودون إليها مخافة التطويل، وليس كذلك سائر الصلوات؛ لأنها لا تدركهم على مثل حالهم في المغرب من التوقان إلى العشاء، والضجر من الصوم، ألا ترى أنه قد قال للمؤمنين: "ابدؤوا بالعشاء" (١) لما ذكرناه، وقد قلنا: إن مثل هذا يكون عذرًا في امتداد وقتها. والمرجوع إليه في ابتدائها حديث المواقيت، ومطابقة العمل على ذلك. فإن قيل: فقد روي أنه قال ﵇: "ليس التفريط فيمن نام عن صلاة، إنما التفريط أن يصلي صلاة في وقت غيرها" (٢). فدل أنه إذا لم يبتدئها في وقت غيرها فليس بمفرط. قيل: أول ما في هذا أنكم لا تقولون بدليل الخطاب (٣)، فكيف تحتجون به. (٢٩٠) على أننا نقول: إنه إنما ابتدأ الصلاة في الوقت الذي تقولون: إنه مسيء وليس بمفرط؛ لأن كلامنا في وقت الاختيار، وإذا صلى المغرب قبل طلوع

стр. 1648

الفجر بمقدار أربع ركعات - وهو الوقت الذي يختص به عشاء الآخرة -؛ فهو المفرط يلحقه الوعيد، ويكون قاضيًا إذا كان لغير عذر. فإن قيل: خبرونا عن قولكم: إن لها وقتًا واحدًا؛ هو جزء غير معلوم؟ أو هو جزء معلوم؟ فلا بد أن يكون وقتًا معلومًا. فيقال لكم (١): أخبرونا عن هذا الوقت، فلا بد أن تحدوا فيه حدا، فتصيرون إلى قولنا في الوقتين. قيل: [عن هذا أجوبة: الأول] (٢): وقتها وقت الدخول فيها، وله أن يمد ما لم تدخل صلاة الأخرى، كما يقال فيمن أدرك ركعة فإنه يزيد في المدة لقضاء الركعتين. والثاني: أنه ينقلب عليكم في آخر الوقت؛ لأنكم لا تحدونه بحد لا يتجاوز، إنما هو على حسب تطويل المصلي وتخفيفه. فما تجيبون به؛ فهو جوابنا لكم فيما سألتم. وجواب ثالث: وهو أنه بمقدار الطهارة، وستر العورة، والأذان، وصلاة ثلاث ركعات على مهل وتمكن (٣). فإن قيل: فلو كان وقتها واحدًا؛ لحصرت القراءة، فلما لم تحصر؛ دل على أن وقتها موسع كسائر الصلوات.

стр. 1649

قيل: هذا لا يلزم؛ لأننا قد حددنا أول أوقات سائر الصلوات ولم نحصر القراءة فيها، وقد يقرأ الإنسان القرآن الكثير في صلاة الفجر حتى تكاد أن تطلع الشمس فيقال له: لا ينبغي أن تفعل ذلك، وتحدَّد على حسب العرف من حال هذه الصلاة، كذلك المغرب. فإن قاسوها على سائر الصلوات بعلة أنها صلاة فرض سن فيها الأذان؛ قيل: هذا قياس يدفع النص، أو يَثبت أصلًا، فليس لأحد أن يقيس غيرها عليها. وجواب آخر: وهو أننا نقول: إن المواقيت لم تؤخذ قياسًا، ولا سيما على مذهب أبي حنيفة فإنه لا يأخذ المقدرات والمؤقتات من حيث القياس (١). وأيضًا فقد ذكرنا لأي معنى خُصت المغرب؛ وهو أنها صلاة تدرك الناس عند فراغهم من معايشهم، ووقتها حيّ ظاهر وهو غروب الشمس، وقد نُدِبوا إلى تعجيل الفطر [إن] (٢) كانوا صيامًا، وهم مستيقظون لا يشق ولا يضيق عليهم أن يكون لها وقت واحد، وكل صلاة من الصلوات غيرها لو جعل وقتها وقتًا واحدًا؛ لضاق عليهم ذلك وشق فوسع لهم في أوقاتها. وأيضًا فإنها وتر فجعل وقتها وترًا، ولما كانت سائر الصلوات شفعًا؛ جعل وقتها شفعًا (٣).

стр. 1650

ثم هذا يستند إلى فعل المسلمين جميعًا فهو يؤيده. فإن قيل: لما جاز أن يمد فيها؛ جاز أن يبتدئها في وقت جاز أن يمد فيها، كسائر الصلوات لمّا جاز أن يبتدئها في الوقت الذي يجوز أن يمد فيها، ولا يكون هذا مُخرِجًا لها عن وقتها. قيل: أما الجواز؛ فيجوز، ولكنه يكون مسيئًا، فإن أردتم الجواز في الاختيار؛ فإنه فاسد، فمن أدرك ركعة من الجمعة؛ فإنه يبني عليها، ولا يجوز أن يبتدئ في ذلك الوقت جمعة (١). وفاسد أيضًا بالذي يدرك ركعة من العصر فإنه يكون مدركًا لها، ويمتد في فعلها، ولا يجب عليه بإدراك الزمان الذي يمد فعلها فيه شيء. وأيضًا فإنا قد رأينا كثيرًا من الأصول يجوز أن يقيم عليها ولا يجوز أن يبتدئها (٢)، منها المعتدة، والمرتدة المدخول بها تقف على العدة، والمُحْرِمة، والمتزوج بالأمة مع الشرائط ثم ترتفع، كل هؤلاء قد فرقنا بين حكم الابتداء

стр. 1651

فيهن وبين الاستدامة. على أنه اعتراض على السنة بالاعتبار، ولا نقول به. وعلى أنه ينقلب عليكم في الفضيلة؛ لأن الأفضل عندكم ما نقول، فقد فرقتم بين الموضعين. فإن قيل: فإنها تجمع إلى ما بعدها، فأشبهت صلاة الظهر مع العصر، فلما كان للظهر وقتان؛ فكذلك المغرب (١). قيل: لا يقبل القياس إذا اعترض على السنة. فإن قيل: فأنتم تقدمون القياس على خبر الواحد إذا نافاه (٢). قيل: إنما نفعل ذلك فيما يجري هذا المجرى (٣)، فأما في الموضع الذي يعضده العمل، والسنة فيه متواترة أعني خبر إمامة جبريل ﵇؛ فلا. وعلى أننا قد قلنا: إن صلاة الظهر والعصر مما يشق على الناس تضييق الوقت فيهما فرُفّهوا، وليس كذلك المغرب؛ لأن تضييق الوقت لا يشق في الغالب. ثم نقول: إن دل كونها مجموعة إلى ما بعدها على اجتماعهما في حكم الوقت؛ ليَدُلَّن إجماع العصر مع المغرب في اتصال وقتهما على جواز الجمع بينهما، وليدلن أيضًا وقت عشاء الآخرة مع وقت الفجر على جواز الجمع

стр. 1652

بينهما، فلما لم يدل اتصال الوقت على الجمع؛ كذلك لا يدل حكم الجمع على اتصال الوقتين. فإن قيل: لو كان وقتهما واحدًا؛ لطولبوا بالدخول فيها في ساعة واحدة، فلما رأينا الناس على خلاف ذلك؛ دل على ما ذكرناه. ومع ذلك لو كُلِّفوه؛ لشق (٢٩١) عليهم وأحرجهم؛ إذ هو مما لا يمكن ضبطه، وإن قلتم: إن أولها مؤقت والخروج منها مضيق؛ لزمكم مثل ذلك؛ لأننا نجد الناس متباينين في ذلك. قيل: لو كان كذلك؛ لكان الأمر على ما ذكرتم، ولسنا نوجب على الجميع الدخول في حالة واحدة، وإنما ذلك على حسب العرف. ثم ما نقوله في باب الفضيلة؛ فمثله نقول في الواجب، وقد مضى الجواب عن مثل هذا السؤال (١).

стр. 1653

* مَسْألة (١٤): والشفق الحمرة التي تكون في المغرب، فإذا غابت الحمرة؛ فهو أول وقت العشاء المختار (١). وبه قال الشافعي، ومحمد، وأبو يوسف، وابن أبي ليلى (٢). وقال أبو حنيفة والمزني (٣): الشفق البياض الذي بعد الحمرة، فإذا غاب البياض؛ وجبت عشاء الآخرة (٤). والدليل لقولنا أحاديث المواقيت، قال في حديث جابر في إمامة جبريل ﵇: "ثم جاءه العشاء فقال له: قم فصله، فصلى حين غاب الشفق" (٥). وفي حديث ابن عباس: "ثم صلى العشاء حين غاب الشفق" (٦). وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت العشاء الآخر حين يغيب الشفق في الأفق" (٧). فإذا ثبت هذا؛ لم يجز فعلها ولا فعل شيء منها قبل غيبوبة الشفق على وجه الاختيار.

стр. 1654

والشفق يصلح للحمرة، ويصلح للبياض الذي بعد الحمرة (١)، فلو أراد البياض؛ لقال: حين غاب الشفقان، أو قال حين غاب الشفق الثاني، كما أن الفجر فجران: الأول والثاني، فلما اختلف حكمهما؛ بيّن فقال: "لا يمنعكم الفجر المستطيل" (٢). فأعلمنا أن الحكم لا يتعلق بالأول، وإنما يتعلق بالآخر، فلو اختلف الحكم في الشفقين؛ لبيّن أن الحكم يتعلق بأحدهما كالفجر. فإن قيل: فلو أراد الأول على ما نقوله؛ لبينه. قيل: ليس يشكل على مذهبنا فنحتاج إلى البيان، لأن الاسم إذا أطلق وهو يصلح لشيئين؛ تعلق الحكم بأولهما (٣). ثم مع هذا فنحن نقول: إن صلى إذا غابت الحمرة؛ جاز، وهو وقت الاختيار، وإن صلى إذا غاب البياض؛ جاز وهو وقت الاختيار إذ كان يغيب في ثلث الليل، فإذا غاب أي شفق كان؛ جازت الصلاة فيه، وكان مختارًا، وأنتم تقولون: الحكم تعلق بالشفق الثاني دون الأول، فكان ينبغي أن يكون مبينًا حتى يصح مذهبكم. فإن قيل: فقد روي في بعض الأخبار من طريق جابر في خبر المواقيت: "أنه صلى المغرب حين حل فطر الصائم، والعشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق" (٤).

стр. 1655

فهذا يدل على اختلاف واضطراب في حديث جابر، ويدل على أنها لا تتعلق بالبيان الذي عولتم عليه. قيل: هذا هو حجة لنا؛ لأنهم قد أجمعوا أنها لا تصلى قبل غيبوبة الحمرة مع الاختيار، فدل على أنه صلى قبل غيبوبة البياض. ولنا أن نستدل بهذا الخبر على هذه الطريقة في أن وقت المغرب والعشاء مشتركٌ فيما بعد ثلاث ركعات من غروب الشمس الذي يختص المغرب بهذا الخبر، وأن النبي ﵇ صلى العشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة. ولنا أن نستدل على الوجه الذي ذكرناه بدءًا، وأنها لا تصلى في الاختيار قبل أن تغيب الحمرة، فدل أنه صلاها قبل غيبوبة البياض. فإن قيل على هذه الطريقة: فإن هذا وهم، مع أنه يجوز أن يكون فعله في حال الجمع، ويجوز أن يكون عنى بذلك المغرب. قيل: قد بينا أن الجمع يدل على الاشتراك على ما تقدم، وأنتم لا تقولون بالجمع. وقولكم: إنه وهم؛ فإن الرواية إذا وردت وتعلقت بها فائدة؛ فلا نحملها

стр. 1656

على الخطأ، ولا نسقطها إلا بدليل على ذلك. وقولكم: يجوز أن يكون أراد المغرب؛ فغلط؛ لأنه قد جمع بينهما في الذكر فقال: "صلى المغرب، ثم قال: صلى عشاء الآخرة" (١). فإن قيل: قوله: "صلى عشاء الآخرة حين غاب الشفق"؛ ظاهره يقتضي جميع ما يقع عليه اسم شفق. قيل: هذا لا يقتضيه الظاهر؛ لأنه إذا قيل: "عند غيبوبة الشفق"، و"حين غاب الشفق"؛ لا بد أن تكون الإشارة إلى واحد، وأن الصلاة وقعت عنده. دليل: وهو ما روى النعمان بن بشير "أن النبي ﵇ صلى العشاء الآخرة لسقوط القمر لثلاث، وقد قيل: لأربع" (٢). والشفق الذي هو البياض لا يغيب إلا بعد ذلك (٣). فإن قيل: يجوز أن يكون للجمع. قيل: قد مضى الجواب عنه، وقلنا أيضًا: إنكم لا تقولون بالجمع، مع أن لفظة "كان" يستعمل في الدوام (٤).

стр. 1657

وأيضًا فقد روي تفسير الشفق عن جماعة من الصحابة، فمنهم ابن عمر قال: "الشفق الحمرة، فإذا ذهبت الحمرة؛ فقد ذهب الشفق" (١). ومنهم ابن عباس قال: "الشفق الحمرة" (٢). ومنهم عبادة وشداد بن أوس كانا يصليان العشاء في بيت المقدس إذا غابت الحمرة (٣). وروي عن علي رضوان الله عليه مثل ذلك (٤). وقد روي أن النبي ﵇ قال: "الشفق الحمرة".

стр. 1658

رواه نافع عن ابن عمر عنه ﵇. وقال (١): "إذا غابت الحمرة؛ (٢٩٢) فقد وجبت الصلاة" (٢). وكذلك قال الزهري (٣) ومكحول: "الشفق الحمرة" (٤). فإذا ثبت هذا؛ فقد حصل كالإجماع بينهما. فإن قيل: فقد روي عن أنس أنه كان يقول لجاريته: "إذا استوى الأفق فآذنيني" (٥). قيل: إنه لم يبين بأي شيء يكون استواؤه، فعندنا أن استواءه بغيبة الحمرة. فإن قيل: فظاهر الاستواء أن تكون الآفاق كلها سواء، لا يكون فيها بياض ولا حمرة. قيل: هذا استواء، وغيره استواء، على أنه لو ثبت عن أنس ما تقولون؛ كان العدد الكثير أولى.

стр. 1659

وأيضًا فإننا لا نختلف أن المراد غيبوبة الشفق، ولا نختلف أن كل واحد من هذين يقع عليه اسم شفق (١)، فإذا أطلق في الشرع؛ فينبغي أن نحمل على ما كثر استعماله في الاغلب (٢)، والحمرة هي الأغلب؛ لأن البياض هو الأصل، والحمرة تطرأ. وعلى أنه يستعمل في عرفهم على ما نقول، قال الشاعر: وقد تغطت بكمها خجلًا … كالشمس غابت في حمرة الشفق وقال آخر: .................... … [فباذر من] ثوبه كالشفق يصف حمرة الدم، ويقال: صبغت ثوبي شفقًا (٣). فإن قيل: فإن الشفق من الشيء في استعمال العامة؛ الرقيق، والبياض هو أرق من الحمرة (٤). قيل: ليس الأمر على ذلك، وإنما الشفق عندهم هو [اللون] (٥)، فقد يكون رقيقًا، ويكون صفيقًا.

стр. 1660

وعلى أن الحمرة تكون رقيقة كما أن البياض يكون رقيقًا (١). دليل: يجوز أن يستدل بقوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٢). وإذا صلى وقد غابت الحمرة؛ فله ما نواه. دلائل القياس: فنقول: هي صلاة متعلقة بغروب أحد نَيِّرين، فينبغي أن تكون متعلقة بغروب أنورهما كصلاة المغرب، فالحمرة أنور من الشفق الذي هو البياض، كما أن الشمس في المغرب أنور من الشفق الذي هو الحمرة. ولنا أن نقيسها على صلاة الفجر، لما تعلق وجوبها بأحد الشفقين؛ كان الوجوب متعلقًا بالأول منهما، الذي يكشف ذلك أن في أول الليل الشفقين هما بعد الغروب الأول منهما الحمرة، والثاني البياض، وأما اللذان في آخره؛ فهو الفجر الثاني وهو البياض، والثاني: الشفق الثاني وهو الحمرة التي تتلوها الشمس. ولنا أن نقول: لما كانت صلاة الفجر مترددة بين الثلاثة طوالع؛ كان الوجوب متعلقًا بالأوسط من الطوالع التي هي: الفجر الأول، والثاني، وطلوع الشمس، كذلك عشاء الآخرة لما ترددت بين ثلاثة غوارب: الشمس، والشفق الأول، والشفق [الثاني] (٣)؛ رجب أن يكون الوجوب متعلقًا بأوسط الغوارب (٤).

стр. 1661

وإن شئنا قلنا: لما تعلق وجوب الفجر بأوسط الطوالع؛ وجبت العشاء بأوسط الغوارب. ولنا أن نقيسها على الفجر بعلة أنها صلاة تفعل في طرف الليل بعد صلاة المغرب، فوجب أن تكون متعلقة بأقرب الطالعين إلى النهار من البياض (١). وقد حكي أن الخليل بن أحمد قال: "رمقت البياض فلم يغب إلا عند الفجر" (٢). فإن صح ذلك؛ علم أنه ينتقل من مكان إلى مكان، وأنه لا يغيب، ومن ظن أنه قد غاب؛ فإنما ذلك لتنقله من المواضع التي كان [فيها] (٣)، والله أعلم.

стр. 1662

فإن قيل: قد اتفقنا على غيبوبة البياض أنه وقت لها، واختلفنا عند غيبوبة الحمرة، فلا نجعله وقتًا إلا بدلالة (١). قيل: ما استدللنا به يقضي على استصحاب الحال. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. فصلاة المغرب لدلوك الشمس الذي هو ميلها للغروب، وصلاة العشاء إلى غسق الليل، والغسق هو اجتماع الظلمة، ولا يكون ذلك إلا بعد غيبوبة البياض. قيل: يوافق مذهبنا؛ لأنه إن صلاها إذا غاب البياض؛ فهو وقت للاختيار بهذه الآية؛ لأنه يغيب قبل ثلث الليل، وإن صلاها إذا غابت الحمرة؛ فهو وقت للاختيار أيضًا بالدلائل التي تقدمت، ولو ثبت أن البياض لا يغيب إلى آخر الليل؛ لقلنا إن صلاة العشاء جائزة إلى قبل الفجر، ولكن الاختيار غير ذلك. على أننا قد حكينا عن بعض الصحابة أن دلوك الشمس هو وقت الظهر، وهو الزوال (٢). وأيضًا فإن [في] (٣) الآية دلالة من وجه آخر؛ لأننا إن لم ندخل ما بعد "إلى" (٤) التي للغاية فيما قبلها؛ فكأنه قال: "إلى ابتداء غسق الليل"، وهو

стр. 1663

ابتداء اجتماع الظلمة، وهذا يكون بعد غيبوبة الحمرة. وإن أدخلنا الحد في المحدود؛ فهو أيضًا دليلنا، فكأنه قال: "أقم الصلاة عند الغسق وقد وجد غيبوبة الحمرة"، وليس يلزمنا أن نستوفي كل غسق في الليل. وعلى أنه لو كان الظاهر معهم؛ لقضى عليه حديث المواقيت. فإن قيل: وجدنا الفجر لا يجب إلا بآخر الطالعين، فوجب أن لا يجب العشاء إلا بآخر الغاربين. وعبروا عبارة أخرى فقالوا: وجدنا الفجر لا يجب إلا بآخر الفجرين، فوجب أن يكون وجوب (٢٩٣) العشاء لآخر الشفقين.

стр. 1664

قيل: إن صحت حكاية الخليل وأن البياض لا يغيب؛ سقط سؤالهم، وإن صح أنه يغيب؛ فإنها دعوى، ثم إذا صح؛ يجب ما ذكرتموه. على أنه من قياس الضد، وهم لا يقولون به. على أننا قد جعلنا هذا بعينه دليلًا، وهو أن صلاة الفجر لما تعلقت بشفقين، ثم كان الموجب لها أولهما؛ كذلك عشاء الآخرة ينبغي أن يكون الموجب لها أولهما. وأيضًا فلما وجبت صلاة الفجر بالفجر الثاني - وهو الذي يلي الشمس وأقرب إليها من الأول -؛ كذلك عشاء الآخرة، فينبغي أن يجب بالسقوط الذي يلي الشمس، وهو أقرب إليها من البياض. وهكذا نقول أيضًا: لما لم يجب الصبح إلا بأوسط الطوالع؛ وجب أن لا تجب عشاء الآخرة إلا بأوسط الغوارب (١). فإن قيل: قد وجدنا الحمرة والبياض دليلين على بقاء الشمس، فوجب أن يكونا بمنزلة سواء، فلما لم يجز أن تصلى مع وجود الحمرة؛ كذلك لا يجوز فعلها مع البياض؛ لأنه دال على قرب الشمس. قيل: هذا كما ذكرتم، ولكن ما الذي يمنع من وقوع الصلاة في البياض. ثم قد حررنا قياسًا فقلنا: لم نمتنع نحن وأنتم أن توقع صلاة العشاء قبل الفجر الثاني وهو قريب من الشمس، كذلك إذا غابت الحمرة، ولما كانت الفجر واجبة بأول الصفرتين؛ كذلك عشاء الآخرة بأول الشفقين.

стр. 1665

فإن قيل: وجدنا البياض من توابع النهار، وصلاة العشاء لا تتصل بالنهار؛ إذ بينها وبين النهار صلاة المغرب. قيل: ومن الذي قال لكم: إنها لا تقع في توابع النهار، مع أننا قد أوقعناهما جميعًا قبل الفجر الثاني وهو تابع للنهار. والمزني يوافقهم، واستدل بأن قال البياض متقدم على مجيء الشمس، ويذهب بذهابها، فلما كان الصبح يجب بمجيء البياض الذي يتقدم طلوع الشمس، وهو البياض الأول؛ وجب أن تجب العشاء الآخرة بذهاب البياض الذي يذهب بذهابه، وهذا كسؤالهم الأول، وهو عكس. ثم قد قلناه عليه وعليهم بما تقدم ذكره، وكل ما تستدلون به من "أن النبي ﷺ صلاها حين اسود الأفق" (١)، وأن ابن عمر "صلاها حين ذهب بياض الأفق" (٢)، وما أشبه ذلك مما يدل على أنها تصلى بعد ذهاب البياض؛ فلا دليل لهم فيه على موضع الخلاف؛ لأن الذي يقولونه هو عندنا وقت الاختيار، وذهاب الحمرة وقت الاختيار، ففي أي الوقتين صلى؛ فقد أتى بالاختيار، فلا طائل لهم فيه. فإن قيل: فإن معرفة وقت عشاء الآخرة مما يعم البلوى به، فلو كان وقته قبل غيبوبة البياض؛ لورد النقل به متواترًا، مثل سائر المواقيت. قيل: إن عمل أهل المدينة وإطباقهم على أن الشفق الذي تجب فيه العشاء هو الحمرة، وهذا دليل في المسألة يجري مجرى التواتر.

стр. 1666

وعلى أن مثل هذا يلزمك في آخر وقت العصر وأنه إلى غروب الشمس، ويلزمك في آخر وقت المغرب. فإن قيل: فإن هذا منصوص عليه في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١). قيل: هذا من أطرف شيء، كيف يكون هذا نصًّا وفيه من الخلاف في الدلوك [ما فيه] (٢)، وأي صلاة أريدت بذلك، فمنهم من يقول: هو مجمل، فإن كان هذا نصًّا؛ فما ذكرناه لكم نص أبين من هذا. فإن قيل: فإن صلاة المغرب صلاة لا تقصر في السفر، فوجب أن تجمع البياض والحمرة اللذان من آثار الشمس في وقتها كالفجر، فإذا استوفت المغرب الحمرة والبياض (٣)؛ وجبت صلاة العشاء بغيبوبة البياض. قيل: قد تقدم كلامنا في أن للمغرب وقتًا واحدًا في الاختيار (٤)، ودللنا على صحته بما فيه بلاغ. وقلنا أيضًا: إن المغرب تجمع الوقتين في الجواز؛ لعلة الاشتراك بينها وبين عشاء الآخرة على ما بيناه، وبالله التوفيق.

стр. 1667

* مَسْألة (١٥): ويستحب تأخير الظهر عن الزوال قليلًا حتى يكون الفيء (١) ذراعًا، وكذلك يستحب تأخير العصر عن كون الظل مثله قليلًا (٢). والتأخير فيهما عند أبي حنيفة أفضل، وقد تقدم خلافه في التقدير (٣). وقال الشافعي: الأفضل تقديمها عند الزوال (٤). قال: وأول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله، لأن رسول الله ﷺ قال ذلك (٥). قال: وعفو الله يشبه أن يكون للمقصرين. وجوابه: أنه ﵇ لو ثبت أنه أراد بقوله: "وآخره عفو الله" للتقصير؛

стр. 1668

لكان دليله أن ما قبل آخره بخلافه، فلا يكون له دليل على موضع الخلاف، بل يكون وسط الوقت مثل أوله. ولو جعل قوله ﵇: "أول الوقت رضوان الله" على حقيقته؛ لكان آخره سخط الله، فأما ما عفا عنه؛ فقد رضيه، وهم ونحن لا نقول إن من صلى إذا صار الشخص مثله أن ذلك ليس برضا الله تعالى، فدل حقيقة الكلام على أن العفو ليس للتقصير، وكيف يكون للتقصير وجبريل (٢٩٤) ﵇ علمه الأوقات الأول والأخر منها ثم قال له: "الوقت ما بين هذين" (١). وإنما أراد أن وقت الاختيار ما بينهما (٢)، وهذا يؤكد قولنا في استحباب تأخيرها عن الزوال. والنبي ﷺ لما صلى في اليوم الثاني حين صار الظل مثله؛ لم يقل أحد إنه نسب في ذلك إلى التقصير؛ لأنه لا يخلو في صلاته في هذا الوقت إما أن يكون أراد الواجب، أو المندوب، أو المباح، فلما أعلمنا ﵇ أن ذلك وقت لها كما كان الأول وقتًا لها؛ ثبت أنه لا تقصير في الصلاة في أول الأوقات وآخرها بما بينه ﵇. ولكن قوله: "وآخره عفو الله" يحمل على من أخر الصلاة عن أوقات الاختيار إلى أوقات الضرورة لغير عذر، مثل أن يؤخر العصر إلى أن يبقى من النهار قدر ركعة، والصبح إلى أن يبقى إلى طلوع الشمس ركعة، كذلك يؤخر الظهر إلى أن يبقى من النهار قدر خمس ركعات.

стр. 1669

على أن العفو في اللغة قد يكون للذنب، ويكون للتسهيل والتوسعة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ (١) أي كثروا. وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٢). أي ما سهل من الأمور. وقال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٣). أي تركت وسهلت، وليس هذا من ذنب، فكذلك قوله: "وآخره عفو الله" أي سعة الله. ويدل على صحة قولنا أيضًا بأن النبي ﵇ قال: "وصلى بي جبريل الظهر حين زالت الشمس على قدر الشراك" (٤). فذكر الزيادة على الزوال، ونبه به على ما زاد على ذلك إلى أن صار مثل الشراك، وقال: "الوقت ما بين هذين" (٥). وهذا إشارة إلى المعهود الذي بينه، وأن ذلك الاختيار، فاستحببنا أن يؤخر حتى يكون الفيء ذراعًا لوجهين: أحدهما: أنه مذهب عمر ﵁ (٦)، ورضي به خلفاؤه بحضرة الصحابة ﵃.

стр. 1670

والوجه الآخر: هو لأن يجتمع الناس، ويتأهب من يتأهب للصلاة، وأنها تدرك الناس متشاغلين بمعايشهم وصنائعهم، فربما لم يمكنهم أن ينفكوا منها بسرعة، ففي التمهل عليهم قليلًا - وهو وقت للاختيار - ثواب. * مَسْألة (١٦): الاختيار في صلاة الصبح التغليس بها (١). وبه قال الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة فيما حكاه الطحاوي عنه: الاختيار الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك؛ فالإسفار أولى من التغليس (٣). وحكي عنه أن الإسفار أفضل ما لم يخش طلوع الشمس (٤).

стр. 1671

والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (١) أي إلى الأعمال التي بها تغفر ذنوبكم. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣). وهذا عموم في كل خير إلا أن يقوم دليل بدلالة. وما روي عن ابن مسعود أنه قال: "سألت النبي ﵇ فقلت: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها" (٤). وكذلك روي عن النبي ﵇ أنه "صلى في اليوم الأول صلاة الصبح بغلس، وصلى في اليوم الثاني حين أسفر، ثم كانت صلاته بعد ذلك بغلس" (٥). وكذا روت عائشة ﵂: "كن نساء مؤمنات يصلين الصبح مع رسول الله ﷺ ، ثم يرجعن متلفعات (٦) بمروطهن ما يعرفن من الغلس" (٧). وأبو بكر كان يصلي بغلس، وعمر كان يُغلّس (٨)، وفي الغلس بها

стр. 1672

جرح (١)، وعثمان كان يغلّس (٢)، وعلي كان يغلّس، وفي الغلس بها جرح (٣)، ﵃. وكذلك روي في حديث أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: "إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها، وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله" (٤). وبمثل ذلك كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄ "أن صل الصبح بغلس" (٥).

стр. 1673

وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١)، وتقديمها يؤدي إلى المحافظة عليها، والوسطى أيضًا عندنا الصبح (٢)؛ لأنها بين صلاتي النهار اللتين يجمع بينهما، وبين صلاتي الليل اللتين يجمع بينهما. وقد روي عن الصحابة ﵃ أنهم قالوا: "إن كنا لنصلي الصبح مع رسول الله ﷺ فينظر بعضنا إلى بعض فما نتعارف". رواه أشعث عن الحسن عن أصحاب النبي ﵇ (٣). فقد تبين بفعل النبي ﵇، وقوله، وظاهر كتاب الله تعالى، وفعل الصحابة ﵃، ومداومتهم على ذلك، حتى صار ذلك عملًا ينقله خلف عن سلف من أهل المدينة إلى الآن؛ أن التغليس بها أفضل على ما بيناه. وعول من اختار الجمع بين التغليس والإسفار (٤) على ما روي أن النبي ﵇ غلس بها، وقال: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر" (٥). وقال في موضع آخر: "أضْحُوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم" (٦). قالوا: فينبغي أن يبتدئ التغليس بها ويخرج منها عند الإسفار.

стр. 1674

وهذا إن قلناه نحن؛ جاز، ونحمله على أنهم يخرجون في الإسفار الذي قبل الإسفار الأعلى، ولكن الاختيار (٢٩٥) ما حُكي أنهم كانوا ينصرفون ما يُعرفون، وهذا يدل على الفراغ منها أيضًا بغلس، فنحمل قوله ﵇: "أسفروا بالفجر" (١) أي تبيّنوا (٢)، ولا تصلوا حين يطلع حتى يحضر من يعرف، وإلى أن يركعوا ركعتي الفجر وتقام الصلاة، فيتمكن الوقت، فيصلوا، لأن الإسفار التبين، يقال: قد أسفرت المرأة عن وجهها؛ إذا كشفته (٣). وكذلك نقول: إذا تمكن طلوع الفجر الثاني؛ صُلِّيت حتى يكون المنصرف منها على ما ذكر، وهذا إسفار غير أنه قبل الإسفار الأعلى. يقوي هذا أنه ﵇ "صلاها في اليوم الأول بغلس، وفي اليوم الثاني عند الإسفار، وقال: الوقت ما بين هذين" (٤). فأراد الوقت المختار ما بينهما. ويجوز أن يحمل قوله: "أسفروا" في صلاة بعينها لا في سائر الصلوات؛ لأنه ﷺ وأصحابه ﵃ داوموا على التغليس (٥)، ولا تحصل المداومة إلا على الأفضل. ويدل على صحة قولنا؛ أننا رأينا صلاتين: إحداهما: يليها غروب

стр. 1675

الشمس، والأخرى: يليها طلوعها، ثم [لما] (١) كانت صلاة العصر مع التباعد من غروب الشمس أفضل؛ وجب أن تكون الصبح كلما تباعد أداؤها عن طلوع الشمس كان أفضل. ونقول أيضًا: هي صلاة لا تقصر في السفر، فوجب أن يكون تقديمها أولى؛ دليله صلاة المغرب. ونقول أيضًا: هي صلاة لا تجمع إلى ما قبلها، [فتقديمها] (٢) أولى، دليله المغرب. فإن قيل: الظهر لا تجمع إلى ما قبلها، وأنتم تستحبون تأخيرها قليلًا. قيل: لم نقل: تقديمها في أول الوقت أولى، وإنما أردنا تقديمها على ما يقارب آخر وقتها أولى، وكذلك نقول. وبالله التوفيق. فإن قيل: لا معنى لقولكم: إن الإسفار التبيين؛ لأن الإسفار عند العرب ضد الغلس. قيل: هذا خطأ، العرب تقول: "أسفر الفجر، وأسفر الصبح" (٣)، والصبح هو الفجر، وما بعد ذلك غلس إلى الإسفار الأعلى. فإن قيل: فقد روى رافع بن خديج أن النبي ﵇ قال: "أسفروا بالفجر" (٤). وقال في خبر جابر عن أبي بكر عن بلال: "أضحوا بصلاة الفجر؛ فإنه

стр. 1676

أعظم للأجر" (١). وفي حديث آخر: "فإنكم كلما أسفرتم؛ كان ذلك أعظم لأجركم" (٢). قيل: قد استعملنا هذا وخرجناه على وجه صحيح، وأنهم لا يصلون حتى يطلع، حتى [يتأهب] (٣) بالقرب، ثم يركعوا [ركعتي] (٤) الفجر على مهل، وتقام الصلاة أيضًا فيتمكن الوقت. ولو ثبت أن ظاهر ما يقولون على هذا؛ لجاز أن يحمل على وقت من الأوقات، وفي صلاة بعينها، بالدليل الذي تقدم من مداومته ومداومة أصحابه ﵇ على ذلك، وانتشار العمل بالمدينة خلفًا عن سلف، وبالقياس الذي ذكرناه. فإن قيل: فقد روي عن ابن مسعود: "أن النبي ﵇ صلى الفجر بالمزدلفة حين سطع الفجر، ثم قال: إن هاتين الصلاتين تحولان عن وقتهما في هذا المكان، المغرب، وصلاة الفجر هذه" (٥). ومعلومنا أنه لم يرد في الفجر تحويلها عن الوقت المفروض؛ لامتناع

стр. 1677

تقديمها على وقتها بإجماع، بقي أن يكون المراد تحويلها عن الوقت المستحب فهو الإسفار، فكأنه بيّن أن المستحب فيها في غير المزدلفة الإسفار، وفي المزدلفة التغليس. قيل: لا يخلو أن يكون أراد "سطع الفجر" أي طلع (١)، فصلاها حين طلع، وخص المزدلفة بذلك، فنحن نقول به، والمستحب في سائر الصلوات أعني الصبح في غير المزدلفة أن ينتظر حتى يتمكن الوقت، ثم يصلي وهو بغلس. وإن كان أراد بقوله: "سطع الفجر" أي أسفر كما تقولون؛ فهذا يدل على أنه خص المزدلفة بالإسفار، وأعلمنا أن التغليس بغيرها مستحب، فيؤيد ذلك قولنا، بل حمله على أنه إذا سطع الفجر فهو إسفار الصبح؛ أولى؛ لأن شدة الضوء هو الساطع، فسقط ما ذهبوا إليه. وبالله التوفيق. * مَسْألة (١٧): قال مالك ﵀ في المغمى عليه يفيق، والحائض تطهر، والكافر يسلم (٢)، والمجنون يفيق، والصغير يبلغ: كل هؤلاء يصلون الصلاة التي

стр. 1678

يدركونها بإدراك ركعة بسجدتيها من آخر وقتها، فإن لم يدركوا منها مقدار ركعة بسجدتيها - بعد الفراغ مما يلزمهم من الطهارة -؛ لم يجب عليهم أن يصلوها، وصارت فائتة لم تكن واجبة عليهم، ولا يجب قضاؤها (١). وقال الشافعي مثل ذلك في أحد قوليه (٢). واختلف قوله فيهم إذا أدركوا ركعة من وقت العصر، فقال: يعيدون الظهر والعصر (٣)، وكذلك لو أدركوا مقدار تكبيرة الإحرام من العصر (٤). وقال أبو حنيفة في المغمى عليه خاصة: يقضي ما فات وقته إذا كان خمس صلوات أو أقل (٥)، وإن كان أكثر؛ لم يقض (٦). وذكروا عنه أن القياس أن لا يقضي. وقال فيمن عدا المغمى عليه: إنهم إن أدركوا صلاة العصر في وقتها؛

стр. 1679

لم يقضوا صلاة الظهر؛ لأن ما بينها وبين العصر وقت تفوت فيه (١). واتفق أبو حنيفة والشافعي (٢٩٦) في أحد أقواله أنهم إن أدركوا من وقت صلاة مقدار تكبيرة الإحرام؛ فقد أدركوها (٢). وأنا أبتدئ بالكلام عليهما في هذا الفصل الأخير. والدليل لقولنا ما روي أن النبي ﵇ قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" (٣). فدليل هذا أنه لا يكون مدركًا لها بإدراك أقل من ركعة، إذ لو كان أقل من الركعة بمنزلتها؛ لم يكن لتخصيصه الركعة معنى. وكذلك روي أنه قال: "من أدرك من الصلاة ركعة؛ فقد أدركها" (٤). وأيضًا فإن الحكم إذا ذكر وعلق باسم؛ فهو يتبعه، ولا يتعدى به إلى غيره إلا بدلالة، والنبي ﵇ جعل حكم الإدراك بما سمي ركعة، وتكبيرة الإحرام لا تسمى ركعة (٥).

стр. 1680

وأيضًا فإن النبي ﷺ جعله مدركًا بزمان ممتد تصلى في مثله ركعة، وهذا يجري مجرى المقادير والحدود التي لا مدخل لغير [التوقيف] (١) فيها. وأيضًا فإن الأصل براءة الذمة، فلا نعلق عليها شيئًا إلا بدلالة. فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" (٢). وهذا عام فيما أدركنا، سواء كان مقدار تكبيرة الإحرام، أو أقل، أو أكثر. قيل: هذا إنما ورد فيمن يأتي على صلاة بعينها قد تقدم وجوبها عليه، ألا تراه قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم

стр. 1681

السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا" (١). فهو مقصور على سببه إذا كان خلف الإمام. ولو ثبت العموم؛ لكان دليل الخطاب من قوله: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها" (٢) يقضي عليه؛ لأنه أخص منه. فإن قيل: لما كان المدرك لركعة بسجدتيها مدركًا لجزء من أجزاء الصلاة، ثم مع ذلك جعل مدركًا لها كلها به؛ فكذلك المدرك لقدر ما يُحرِم فيه من الوقت بالصلاة مدرك لجزء من أجزائها، فوجب أن يكون مثله. قيل: لم يكن المعنى ما ذكرت، بل المعنى فيه أنه مدرك لركعة بسجدتيها، وهذا القدر بانفراده صلاة في الشريعة، لأن ركعة الوتر هي واحدة، وتصح عند بعض الناس أن يتنفل بركعة (٣)، فالركعة يتناولها اسم صلاة حقيقة، وقد تكون معظم صلاة من الفرائض وهي صلاة الصبح. وأيضًا فإنه إذا أدركها مع الإمام؛ بنى عليها، ولم يلزمه قضاؤها، وليس كذلك المدرك لقدر ما يُحرم فيه من الوقت؛ لأنه لم يدرك مقدار ما يبني عليه. وقد ورد عن النبي ﵇ ما يشهد لصحة ذلك، وهو ما رواه أبو هريرة،

стр. 1682

- وقيل: إنه موقوف عليه - أنه قال: "من أدرك الركوع فقد أدرك السجود" (١). فهذا يدل على أن حكم السجود يلزمه بإدراك الركوع، ولا يلزمه بما دون الركوع، إذا لم يحصل الزمان الذي يكون مدركًا للركوع فيه لم يلزمه السجود. فإن قيل: فاعتبار المدرك لجزء من الصلاة في الوقت بمثله؛ أولى من اعتباره بالمدرك لنفس الفعل مع الإمام؛ لأن رد الشيء إلى نظيره أولى. قيل له: واعتبار المدرك لما يسمى بانفراده صلاة في الشريعة حقيقة إذا وقع؛ أولى من غيره، واعتبار المدرك لعظم الصلاة بمثله؛ أولى من غيره. ويجوز أن نقول: إنه لما لم يدرك مقدار ما يصلي فيه ركعة بسجدتيها؛ لم تلزمه؛ قياسًا عليها إذا لم يدرك منها شيئًا أصلًا. فإن قيل: المعنى في الأصل أنه لم يدرك جزءًا منها، وليس كذلك من أدرك تكبيرة الإحرام. قيل: قد قلنا: إن هذا الجزء لا يسمى بانفراده صلاة في الحقيقة إذا وقع في هذا الزمان. فإن قيل: فإن مقدار تكبيرة الإحرام له تأثير في الأصول؛ وذلك أنه إذا أدرك من صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام، فكبر؛ صار في حكم الإمام، فلم يجز له أن يقطع.

стр. 1683

قيل: إن أردت أنه مدرك معه هذا في صلاة ليست عليه؛ فله أن يقطع، وكذلك إن كانت صلاة فرض قد صلاها لنفسه، ألا ترى أنه لو كان في الجمعة؛ لم تلزمه عندنا جمعة، ولكن تكبيرة الإحرام حصلت له، كما لو كان وحده فهو يتمم الظهر، كما لو دخل وحده لم يقطعها حتى يتممها. ولو كان مسافرًا دخل خلف مقيم، فلم يلحق إلا تكبيرة الإحرام؛ فإنه يُسِر كما لو كان مفردًا لا يجهر بالقراءة، فقد صار هذا شاهدًا لنا. ولا يمتنع أن يجعل الله له ثواب الجماعة بلحوقه مع الإمام هذا القدر، كما لو سارع ونيته الجماعة فوجدهم قد صلوا، وكما لو حصل في صلاة الجماعة فرعف أو غلب عليه الحدث (٢٩٧) فتشاغل به حتى فاتت، بل ليس يصير في حكم الإمام في أفعاله. ويؤيد هذا أن من لم يدرك معظم الحج - وهو الوقوف بعرفة -؛ لم يلزمه حكم الحج، وإن أدرك جزءًا من أجزائه، وقد قال النبي ﵇: "الحج عرفة، فمن أدرك الوقوف بعرفة فقد أدرك الحج" (١). كما قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها" (٢). فصار كل واحد من هذين ركنا يعتد به عند إدراكه، ويبني عليه ما بعده، فمتى لم يدرك لواحد منهما؛ لم يكن مدركًا لحكم ما بعده.

стр. 1684

فَصْل الكلام على من قال: إنه إذا أدرك ركعة قبل غروب الشمس وجب عليه أن يصلي الظهر والعصر (١). الدليل لقولنا في أنه لا يجب عليه غير العصر؛ هو أن الذمة بريئة، فلا نوجب عليه شيئًا إلا بدليل. وأيضًا ما روي أن النبي ﵇ قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٢). فجعله ﵇ مدركًا لصلاة واحدة، فكأنه قال: تجب عليه صلاة واحدة، فلا يجوز أن نوجب عليه غير ما أوجبه. وأيضًا فإن دليل الخطاب بخلافه، فإذا قال: "من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك العصر" (٣)؛ يدل على أنه لا يكون مدركًا للظهر، لأن ما عدا المذكور بخلافه، وقد اتفقنا أنه لو بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض في وقت المغرب؛ لم تلزمهم صلاة الصبح، فكذلك صلاة الظهر، والمعنى فيه أنه لم يدرك من وقتها شيئًا. فإن قيل: فإنه إذا أدرك مقدار ركعة من العصر؛ فقد أدرك جزءًا من وقت الظهر؛ لأن وقتيهما مشترك؛ بدلالة أن النبي ﵇ جمع بين الظهر

стр. 1685

والعصر في وقت العصر (١). قيل: هذا غلط؛ لأن النبي ﵇ لم يجمع بينهما في الوقت الذي تختصه إحداهما، معلوم أنه إذا صلى الظهر بعد الزوال ثم أتبعها بالعصر؛ لم يوقع العصر في وقت صلاة الظهر؛ لأنها تختص بمقدار أربع ركعات بعد الزوال، لا مدخل لوقت العصر فيه، وإذا جمع بين الظهر والعصر في الحضر في وقت العصر؛ فإنه يجمع بينهما إذا بقي من النهار مقدار ثماني ركعات أو خمس، فإنه يصلي الظهر لأنه قد أدرك وقتها أو بعضه، وأدرك وقت العصر أو بعضه، وليس يقدر أحد [أن] (٢) يقول: إن النبي ﵇ جمع بينهما في آخر وقت العصر. وأيضًا فإن الشافعي عنده أن صلاة الظهر تفوت قبل دخول وقت العصر، فإذا فاتت؛ لم يلزم هؤلاء قضاء ما فات، كما لا يلزمهم قضاء صلاة الصبح، وكذا عندنا نحن بدخول الوقت الذي تختص به العصر فلا يلزمهم قضاء الظهر. وقد حكي عن الشافعي أنه يفرق بين الصبي إذا بلغ وبين الحائض إذا طهرت، فإن كان هذا صحيحًا؛ فإن الصغر ينفي لزوم الصلاة كالحيض، فكما لا يلزم الحائض قضاءُ شيء من الصلوات التي فات وقتها؛ فكذلك إذا بلغ الصبي. فإن قيل: فإننا نجد الوقت الذي تقولون: إنه يختص الظهر، والوقت الذي يختص العصر؛ يتداخل وقت الظهر في العصر، ويتداخل وقت العصر
следующие страницы →