السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا" (١).
فهو مقصور على سببه إذا كان خلف الإمام.
ولو ثبت العموم؛ لكان دليل الخطاب من قوله: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها" (٢) يقضي عليه؛ لأنه أخص منه.
فإن قيل: لما كان المدرك لركعة بسجدتيها مدركًا لجزء من أجزاء الصلاة، ثم مع ذلك جعل مدركًا لها كلها به؛ فكذلك المدرك لقدر ما يُحرِم فيه من الوقت بالصلاة مدرك لجزء من أجزائها، فوجب أن يكون مثله.
قيل: لم يكن المعنى ما ذكرت، بل المعنى فيه أنه مدرك لركعة بسجدتيها، وهذا القدر بانفراده صلاة في الشريعة، لأن ركعة الوتر هي واحدة، وتصح عند بعض الناس أن يتنفل بركعة (٣)، فالركعة يتناولها اسم صلاة حقيقة، وقد تكون معظم صلاة من الفرائض وهي صلاة الصبح.
وأيضًا فإنه إذا أدركها مع الإمام؛ بنى عليها، ولم يلزمه قضاؤها، وليس كذلك المدرك لقدر ما يُحرم فيه من الوقت؛ لأنه لم يدرك مقدار ما يبني عليه.
وقد ورد عن النبي ﵇ ما يشهد لصحة ذلك، وهو ما رواه أبو هريرة،
стр. 1682
- وقيل: إنه موقوف عليه - أنه قال: "من أدرك الركوع فقد أدرك السجود" (١).
فهذا يدل على أن حكم السجود يلزمه بإدراك الركوع، ولا يلزمه بما دون الركوع، إذا لم يحصل الزمان الذي يكون مدركًا للركوع فيه لم يلزمه السجود.
فإن قيل: فاعتبار المدرك لجزء من الصلاة في الوقت بمثله؛ أولى من اعتباره بالمدرك لنفس الفعل مع الإمام؛ لأن رد الشيء إلى نظيره أولى.
قيل له: واعتبار المدرك لما يسمى بانفراده صلاة في الشريعة حقيقة إذا وقع؛ أولى من غيره، واعتبار المدرك لعظم الصلاة بمثله؛ أولى من غيره.
ويجوز أن نقول: إنه لما لم يدرك مقدار ما يصلي فيه ركعة بسجدتيها؛ لم تلزمه؛ قياسًا عليها إذا لم يدرك منها شيئًا أصلًا.
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه لم يدرك جزءًا منها، وليس كذلك من أدرك تكبيرة الإحرام.
قيل: قد قلنا: إن هذا الجزء لا يسمى بانفراده صلاة في الحقيقة إذا وقع في هذا الزمان.
فإن قيل: فإن مقدار تكبيرة الإحرام له تأثير في الأصول؛ وذلك أنه إذا أدرك من صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام، فكبر؛ صار في حكم الإمام، فلم يجز له أن يقطع.
стр. 1683
قيل: إن أردت أنه مدرك معه هذا في صلاة ليست عليه؛ فله أن يقطع، وكذلك إن كانت صلاة فرض قد صلاها لنفسه، ألا ترى أنه لو كان في الجمعة؛ لم تلزمه عندنا جمعة، ولكن تكبيرة الإحرام حصلت له، كما لو كان وحده فهو يتمم الظهر، كما لو دخل وحده لم يقطعها حتى يتممها.
ولو كان مسافرًا دخل خلف مقيم، فلم يلحق إلا تكبيرة الإحرام؛ فإنه يُسِر كما لو كان مفردًا لا يجهر بالقراءة، فقد صار هذا شاهدًا لنا.
ولا يمتنع أن يجعل الله له ثواب الجماعة بلحوقه مع الإمام هذا القدر، كما لو سارع ونيته الجماعة فوجدهم قد صلوا، وكما لو حصل في صلاة الجماعة فرعف أو غلب عليه الحدث (٢٩٧) فتشاغل به حتى فاتت، بل ليس يصير في حكم الإمام في أفعاله.
ويؤيد هذا أن من لم يدرك معظم الحج - وهو الوقوف بعرفة -؛ لم يلزمه حكم الحج، وإن أدرك جزءًا من أجزائه، وقد قال النبي ﵇: "الحج عرفة، فمن أدرك الوقوف بعرفة فقد أدرك الحج" (١).
كما قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها" (٢).
فصار كل واحد من هذين ركنا يعتد به عند إدراكه، ويبني عليه ما بعده، فمتى لم يدرك لواحد منهما؛ لم يكن مدركًا لحكم ما بعده.
стр. 1684
فَصْل
الكلام على من قال: إنه إذا أدرك ركعة قبل غروب الشمس وجب عليه أن يصلي الظهر والعصر (١).
الدليل لقولنا في أنه لا يجب عليه غير العصر؛ هو أن الذمة بريئة، فلا نوجب عليه شيئًا إلا بدليل.
وأيضًا ما روي أن النبي ﵇ قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٢).
فجعله ﵇ مدركًا لصلاة واحدة، فكأنه قال: تجب عليه صلاة واحدة، فلا يجوز أن نوجب عليه غير ما أوجبه.
وأيضًا فإن دليل الخطاب بخلافه، فإذا قال: "من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك العصر" (٣)؛ يدل على أنه لا يكون مدركًا للظهر، لأن ما عدا المذكور بخلافه، وقد اتفقنا أنه لو بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض في وقت المغرب؛ لم تلزمهم صلاة الصبح، فكذلك صلاة الظهر، والمعنى فيه أنه لم يدرك من وقتها شيئًا.
فإن قيل: فإنه إذا أدرك مقدار ركعة من العصر؛ فقد أدرك جزءًا من وقت الظهر؛ لأن وقتيهما مشترك؛ بدلالة أن النبي ﵇ جمع بين الظهر
стр. 1685
والعصر في وقت العصر (١).
قيل: هذا غلط؛ لأن النبي ﵇ لم يجمع بينهما في الوقت الذي تختصه إحداهما، معلوم أنه إذا صلى الظهر بعد الزوال ثم أتبعها بالعصر؛ لم يوقع العصر في وقت صلاة الظهر؛ لأنها تختص بمقدار أربع ركعات بعد الزوال، لا مدخل لوقت العصر فيه، وإذا جمع بين الظهر والعصر في الحضر في وقت العصر؛ فإنه يجمع بينهما إذا بقي من النهار مقدار ثماني ركعات أو خمس، فإنه يصلي الظهر لأنه قد أدرك وقتها أو بعضه، وأدرك وقت العصر أو بعضه، وليس يقدر أحد [أن] (٢) يقول: إن النبي ﵇ جمع بينهما في آخر وقت العصر.
وأيضًا فإن الشافعي عنده أن صلاة الظهر تفوت قبل دخول وقت العصر، فإذا فاتت؛ لم يلزم هؤلاء قضاء ما فات، كما لا يلزمهم قضاء صلاة الصبح، وكذا عندنا نحن بدخول الوقت الذي تختص به العصر فلا يلزمهم قضاء الظهر.
وقد حكي عن الشافعي أنه يفرق بين الصبي إذا بلغ وبين الحائض إذا طهرت، فإن كان هذا صحيحًا؛ فإن الصغر ينفي لزوم الصلاة كالحيض، فكما لا يلزم الحائض قضاءُ شيء من الصلوات التي فات وقتها؛ فكذلك إذا بلغ الصبي.
فإن قيل: فإننا نجد الوقت الذي تقولون: إنه يختص الظهر، والوقت الذي يختص العصر؛ يتداخل وقت الظهر في العصر، ويتداخل وقت العصر
стр. 1686
في الظهر من وجهين:
أحدهما: أن المسافر يصلي الظهر ركعتين، ثم يصلي العصر عقيبها، فتقع العصر في نصف الوقت الذي كانت الظهر تختص به في الحضر، ويصلي قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات الظهر ركعتين، ثم العصر ركعتين، فتصير الظهر واقعة في نصف الوقت الذي كانت العصر تختص به في الحضر، فدل أن الوقت المختص مشترك بينهما.
والوجه الآخر: أن الحائض إذا طهرت، والصبي إذا بلغ، - وقد بقي من النهار مقدار خمس ركعات -؛ فإنه يبدأ بالظهر أربعًا في وقت ثلاث ركعات من العصر، وتبقى من وقت العصر ركعة يكون مدركًا للعصر بها، فثبت اشتراكهما في وقت الاختصاص، ولا يمتنع أن يكون إدراكه بمقدار ركعة يكون مدركًا للصلاتين جميعًا.
قيل: هذا ساقط من قِبل أن المسافر إذا صلى الظهر عند الزوال ركعتين؛ فقد أتم بهما في الوقت الذي يختصه من أجل قصر العدد، فإذا صلى العصر عقيبها ركعتين؛ فلم يوقعها في الوقت الذي يختص الظهر في السفر، وكذلك إذا صلى الظهر قبل مغيب الشمس بمقدار أربع ركعات في السفر ركعتين، ثم صلى العصر عقيبها ركعتين؛ فلم يوقع إحداهما في الوقت الذي تختصه الأخرى في السفر، وأنتم تجعلونه مدركًا للظهر بإدراك الوقت الذي تختصه العصر في الحضر والسفر، وهو ركعة أو ركعتان.
فإن قيل: فاجعلوه مدركًا للظهر بإدراك مقدار أربع ركعات قبل غروب الشمس؛ لأن مقدار ركعتين منها قد شارك الظهر في السفر، فإذا كان
стр. 1687
النبي ﵇ قد جمع بينهما في السفر على (٢٩٨) هذا الوجه، وهو يجوز عندكم، وبمثله تحتجون علينا في أن الوقت مشترك على الوجه الذي تقولون (١).
قيل: هذا لا يلزم؛ لأننا وأنتم جميعًا قد فرقنا بين الوقت في السفر وبينه في الحضر؛ لأجل أداء الصلاة على النصف من صلاة الحضر.
على أننا لو جوزنا المداخلة في الوقت على هذا الوجه؛ لكان الفرق بين الموضعين هو أن العصر إذا وقعت عقيب ركعتي الظهر عند الزوال في السفر؛ لم ينزحم أول وقتها حتى يقع في وقت غيرها، ألا ترى أن أول الظهر لا يحصل قبل الزوال، ولو جعلنا الصبي إذا بلغ قبل مغيب الشمس بمقدار أربع ركعات أو أقل مدركًا للظهر والعصر، ثم صلى الظهر؛ لانزحم أول العصر حتى يحصل في وقت غيرها، فيصير ابتداؤه بالعصر في وقت المغرب، وهذا لا يجوز.
على أنه لا يجب من أجل جواز الجمع أن يكون الإدراك معتبرًا به، بدلالة أنه لو أغمي عليه في الوقت الذي جاز الجمع فيه، أو حاضت المرأة فيه، فلم يفق ولم تطهر حتى غابت الشمس؛ [وجب] (٢) قضاؤهما جميعًا إذا طهرت الحائض، وأفاق المغمى عليه (٣)، ولو حاضت، أو أغمي عليه فيه، أو بقي بينه وبين غروب الشمس [قدر ما يصلي فيه] (٤) أربع ركعات إلى
стр. 1688
ركعة واحدة؛ لسقط عنه قضاء العصر، ووجب عليه قضاء الظهر، لأن الوقت الذي أغمي عليه فيه، أو طهرت فيه المرأة وقت انفرد بالعصر، فلذلك سقط القضاء عنهما، ولم يجب من أجل سقوط [ … ] (١) أن يسقط عنهما الظهر فكذلك [ … ] (٢) العصر وجوب الظهر؛ لأن الوقت الذي أمكنه أن يصلي فيه أربع ركعات إلى ركعة واحدة وقت تختص به العصر [ولا تدخل] (٣) فيه الظهر [على العبرة] (٤) التي ذكرناها في باب السقوط.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٥).
وهذا يفيد إقامتها في جميع الأوقات المذكورة.
قيل: قد قلنا: الدلوك اسم مشترك يصلح للزوال، ويصلح للغروب، فليس لكم صرفه إلى الزوال إلا ولنا صرفُه إلى الغروب.
وعلى أن هذا خطاب يتوجه إلى من تلزمه الصلاة وقت الزوال، والصبي قبل البلوغ، والحائض قبل الطهر، والمغمى عليه قبل أن يفيق؛ لا تلزمهم الصلاة، ولا هم مخاطبون بها عند الزوال، فكيف يصح الاستدلال في هذه المسائل بالآية.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٦).
стр. 1689
فهذا عام في كل صلاة.
قيل: هذا خطاب يتوجه إلى من يلزمه أداء الصلاة، ونحن نتنازع في الوقت، فهو عندنا للعصر، فهو يخاطب بأداء ما يلزمه في المستأنف.
وعلى أن المراد بالآية الصلوات الخمس لذكره الوسطى، ونحن نقول: تلزمه المحافظة عليها من وقت يلزمه الخطاب، ولم يلزمه إلا في وقت العصر، وليس المراد بالآية الجنس؛ لأن الجنس لا غاية له فيحصل له وسط؛ لأن الوسط يكون بين طرفين محصورين، فإذا بطل الجنس؛ ثبت أن المراد المعهود وهي الصلوات في أوقاتها، لأن ما مضى في حال الصبا والحيض لا يكون معهودًا له بعد البلوغ والطهر، فالمراد بالآية الصلوات الواجبة، وما مضى وقته - مع تلك الأعذار - فليس بواجب.
فإن قيل: فإنه معذور إلى عذره قبل غروب الشمس، فوجب أن يكون مدركًا للظهر كما لو أدرك مقدار خمس ركعات.
قيل: هذا خطأ؛ لأن الصبي لا يقال: إنه معذور في ترك الصلاة؛ لأنه غير مخاطب بها، وكذلك المجنون والحائض.
على أننا نعارضهم بقياس آخر فنقول: لو لم يبلغ الصبي وتطهر الحائض إلا في وقت المغرب؛ لما لزمته صلاة الظهر، بعلة أنه لم يدرك في الحضر مقدار أربع قبل غروب الشمس.
فإن قيل: فإن وجبت عليه العصر؛ وجبت عليه الظهر، دليله السكران
إذا أفاق قبل غروب الشمس بمقدار ركعة.
стр. 1690
قيل: هذا خطأ؛ لأنهم إن أرادوا: من وجبت عليه صلاة العصر في وقتها وجبت عليه الظهر في ذلك الوقت؛ فإننا لا نسلم لهم هذا الوصف في السكران؛ لأن الظهر تلزمه في وقتها ثم يقضيها في وقت العصر، كما لو سكر عن صلاة الصبح ثم أفاق هذا الوقت؛ لقضاها.
وإن أرادوا من وجبت عليه صلاة العصر في وقتها فلا بد أن تكون الظهر قد لزمته في وقتها؛ فهو فاسد أيضًا؛ لأن وجوب إحدى الصلاتين لا تتعلق بالصلاة الأخرى، ألا ترى أن المرأة لو حاضت في وقت العصر، أو جن الرجل؛ لم تلزمهما العصر، وإن كان عندكم قد وجبت الظهر عليهما.
على أن السكران لو لم يفق إلا في وقت المغرب؛ فإن جميع الصلوات ثابتة عليه لبقاء التكليف، وأن القلم غير مرفوع؛ لأن الحدود تلزمه لو قذف وزنى، ويلزمه حكم الكفر (١)، والمجنون ليس كذلك.
ولو أفاق وقت المغرب؛ لم يقض الصلوات التي فاتته: الظهر، والعصر، (٢٩٩) وغير ذلك، فسقط ما ذكروه. وبالله التوفيق.
فَصْل
الكلام على أبي حنيفة في أن من أدرك من هؤلاء صلاة العصر بعد أن يصير ظل كل شيء مثليه؛ فإنه لا يصلي الظهر، عنده أن بينهما وقتًا تفوت فيه الظهر، وعنده أن الظل إذا صار مثليه هو أول وقت العصر، وليس بمشترك مع الظهر في وقت الإجزاء والأداء.
стр. 1691
والشافعي أيضًا لا يجعل وقت الظهر الأخير مشاركًا لأول وقت العصر المختار، ولكنه يوافقنا في أن هؤلاء إذا أدركوا وقت العصر الذي لا تختص به فإنهم يصلون الظهر والعصر.
وهذه المسألة مبينة لنا فيما بعد أربع ركعات من زوال الشمس، وقبل أربع ركعات قبل غروب الشمس، مشترك فيما بين هذين الوقتين في الحضر، وفي ما بعد ركعتين من الزوال، وقبل ركعتين من غروب الشمس في السفر، فإذا ثبت هذا بالدلائل التي تقدمت في هذه المسألة؛ سلمت مسألة الخلاف.
على أننا نقول: فينبغي إذا سلمنا هذه المسألة؛ بنيناها على الأصل، فإن سلم؛ فإن من أدرك من النهار مقدار ثماني ركعات إلى خمس فقد أدرك وقتيهما جميعًا، فتجب عليه صلاتهما، ومن أدرك أربع ركعات إلى ركعة؛ فلم يدرك الوقت المشترك، إنما أدرك العصر على ما بيناه.
وإن لم يسلم الأصل؛ نقل الكلام [إليه] (١)، واستُدل له بالدلائل التي ذكرناها فيه. وبالله التوفيق.
فَصْل
الكلام على أبي حنيفة فإنه زعم أن المغمى عليه إذا فاتته خمس صلوات فدون؛ وجب عليه قضاؤها، وإن كان مغمى عليه حتى فاتته أكثر من ذلك؛ لم يقض.
قال أصحابه: والقياس أن لا قضاء عليه لما فات وقته، مثل قولنا
стр. 1692
وقول الشافعي (١).
والدليل لقولنا قول النبي ﵇: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق" (٢).
والجنون ذهاب العقل بأمر من قِبل الله تعالى ليس بعادة، والمغمى عليه بهذه الصفة، فوجب أن يكون القلم عنه مرفوعًا في كل شيء، وعلى كل حال، إلا أن تقوم دلالة.
ولا يتوجه رفع القلم إلى رفع المأثم؛ لأن هذا معلوم من جهة العقول، فلا يجوز صرف الخبر إليه؛ لأنه لا تكون فيه فائدة، وإنما يجب أن يحمل كلام الرسول ﵇ على فائدة لا تعلم إلا من جهته.
وأيضًا فإن الذمة بريئة، فلا يوجب شيء إلا بدليل، وقد قيل في الخبر: "والمبتلى حتى يكشف الله تعالى ما به" (٣).
وهذا نص في المغمى عليه؛ لأنه مبتلى.
ونقول: قد اتفقنا على أنه لا يقضي ما زاد على يوم وليلة، بعلة أنها صلوات فات وقتها في حال الإغماء، فلم يجب قضاؤها، فكذلك فيما دون يوم وليلة.
стр. 1693
وأيضًا فإننا نقول: رأينا الحال التي تبقي توجه الخطاب إذا زالت؛ لم يفترق الحكم فيها في القضاء أو ترك القضاء بين القليل والكثير، فوجب أن يستوي حال الإغماء في القضاء في القليل والكثير، في سقوطه أو وجوبه، فإذا اتفقنا في الكثير في أنه يسقط؛ ففي القليل مثله، ألا ترى أن الحائض لا تقضي القليل ولا الكثير، وكذلك المجنون والنائم تستوي حاله في القضاء في القليل والكثير، فيجب أن لا نخرج المغمى عليه عن هذه الأصول.
فإن قيل: فقد روي عن أصحابنا المساواة بين المجنون والمغمى عليه في قضاء خمس صلوات فدون (١).
قيل: الذي لم نزل نعرفه من مذهب أبي حنيفة الفرق بينهما، فإن كان كما تقولون؛ فالحائض تكفي في ذلك.
فإن قيل: فإن الحائض لم تعجز عن فعل الصلاة، ألا ترى أنها تقدر على ذلك، وإنما المنع من قبل الله تعالى لا [بعجز] (٢)، والمغمى عليه والمجنون عاجزان عن الفعل فيها كالمريض.
قيل: الصبي المراهق غير عاجز عن فعل الصلاة، وكذلك الكافر، ومع هذا لو أسلم الكافر، وبلغ الصبي؛ لم يلزمهما قضاء شيء مما فات وقته من الصلوات.
فإن قيل: فإن هذين لم يتقدم الخطاب عليهما، والمغمى عليه كان مخاطبًا قبل الإغماء.
стр. 1694
قيل: فما تقول فيمن بلغ مجنونًا ثم أفاق بعد أربع صلوات، أو بلغ مغمى عليه حتى فاتته أربع صلوات، هذان لم يخاطبا.
على أن الكافر مخاطب عندنا بالشرائع (١).
ثم مع هذا فإن الحائض قد تقدم الخطاب لها قبل الحيض، ثم يسقط في حالة ولا يجب القضاء.
على أن هذه الفروق ساقطة؛ لأن ما ذكرتموه من عجز المغمى عليه وقدرة الحائض قد أسقطناه بالكافر والصبي، فالفرق بعد هذا ساقط.
ويدل على ما نقول أن ترك الصلاة على أقسام:
أحدها: يجب بتركه إياها المأثم ويجب معه القضاء.
والآخر: يسقط معه المأثم والقضاء.
الثالث: يسقط معه المأثم ويجب معه القضاء.
فأما الذي يسقط معه المأثم والقضاء؛ فالحائض والمجنون، (٣٠٠) والذي يتعلق معه المأثم والقضاء؛ فتارك الصلاة من غير عذر والسكران، والذي يسقط معه المأثم ويجب القضاء؛ فالنائم والناسي، فوجب أن يعتبر المغمى عليه بأحد هذه الأقسام، فوجدناه مخالفًا للسكران والمتعمد لتركها من غير عذر؛ لأنهما في ذلك متعديان وهو غير متعد، وخالف حكمه حكم
стр. 1695
النائم من أجل أن قليل النوم وكثيره في ذلك سواء في وجوب القضاء معه، فوجب أن يكون حكمه حكم الحائض والمجنون؛ لأنهما مشتركان في سقوط القضاء فيما زاد على يوم وليلة، فوجب أن يكون ما دونه بمثابته بالعبرة التي ذكرناها.
فإن قيل: لما كان النوم والسكر في حال الغالب لا يبقيان أكثر من يوم وليلة؛ وجب أن يكون ذلك عبرة في قضاء ما فات في الإغماء.
قيل له: هذه عبرة فاسدة، وذلك أن الإغماء يبقى أكثر من يوم وليلة، كما أن الجنون كذلك، وليس للإغماء عادة غالبة، فلم يجز حمل هذا على هذا (١).
والدليل يوجب ذلك؛ لأنه إذا اختلفت أصلاهما؛ استويا في وجوب القضاء اليوم والليلة وما دونهما، ولم يكن كذلك أمر الإغماء؛ لأن كثيره يسقط القضاء كالجنون، فكان قليله وكثيره بمنزلة واحدة، وهذا أولى؛ لأنه رد الشيء إلى نظيره، واعتباره بجنسه.
فإن قيل: فإن القياس يوجب ما ذكرتم، وإنما أوجبنا القضاء في هذا القدر لما روي أن "عليًّا ﵇ (٢) أغمي عليه خمس صلوات، .......
стр. 1696
فقضى" (١).
وكذلك عمار (٢). ولا نعرف لهما مخالفًا (٣)، ومن مذهبنا ترك القياس لقول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف.
قيل: هذه فعلة وقعت من رجل، فيحتمل أن يكون اختار لنفسه القضاء، ولعله لو أغمي عليه أكثر من خمس صلوات كذا كان يفعل، ولم يجر منه ذلك مجرى الفتيا، ولا مجرى ما تقع المناظرة عليه، ولا حكم في غيره، فلا ينبغي أن يترك بمثل هذا قياس الأصول.
ثم هذا يجري مجرى الحد والتقدير، فلا ينبغي أن يكون للقياس فيه مدخل على أصولهم خاصة.
وعلى أن مثل هذا القياس عندنا مقدم على خبر الواحد المروي عن رسول الله ﷺ (٤)، فتقديمه على خبر الواحد عن الصحابي أولى.
стр. 1697
فإن قيل: فإن الإغماء مرض لا تستحق به ولاية على المغمى، فلم ينف وجوب القضاء للصلاة بعد فوات وقتها قياسًا على المرض.
قيل: إن أردت المرض الذي يزول معه العقل؛ فهي المسألة، فعلى أي شيء تقيس؟! وإن أردت المريض الذي معه عقله؛ فذاك إذا لم يصل على حسب قدرته عاص، وليس كذلك المغمى عليه، على أنه منتقض بما زاد على صلاة يوم وليلة.
فإن قيل: أليس لو زال الإغماء في وقت العصر؛ لزمه قضاء الظهر بإجماع، والمعنى فيه أنه لم يمتد به الإغماء أكثر من يوم وليلة، وهذا المعنى موجود في مسألتنا.
قيل: إنما وجب على المغمى عليه إذا أفاق وقتَ العصر صلاةُ الظهر؛ لأنه وقت لها إذا قضى؛ لاشتراك الوقت على ما بيناه، ألا ترى أننا لا نوجب عليه قضاء صلاة الصبح لو كان فيها مغمى عليه.
فإن قيل: فإن الإغماء لا ينافي صحة الصوم، فوجب أن لا ينافي وجوب قضاء الصلوات بعد فوات وقتها قياسًا على المرض (١).
قيل: ينتقض بما زاد على صلاة يوم وليلة، وينتقض بالحائض والمجنون (٢).
стр. 1698
فإن قيل: فإن الإغماء يمنع العقل والاستدراك من غير أن يستحق به ولاية، فوجب أن لا يمنع وجوب فعل الصلاة بعد مضي وقتها، قياسًا على النوم.
قيل: قد بينا أنه ينتقض بالمجنون والحائض، وبه إذا زاد على خمس صلوات أولى؛ لأن النائم يقضي القليل والكثير.
مَسْألة (١٨):
عند سائر الفقهاء أن صلاة الجماعة في غير الجمعة سنة.
إلا داود (١) فإن صلاة الجماعة عنده فرض على الأعيان، في الجمعة وغيرها من الصلوات (٢).
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وأن الذمة بريئة، فلا يجب شيء إلا بدليل.
стр. 1699
وأيضًا قول النبي ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (١).
وهذا قد صلى مفردًا، ونوى الصلاة، فله ما نواه.
وقوله أيضًا: "لا صلاة إلا بطهور" (٢).
و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣).
ومن صلى مفردًا وبطهر وقرأ؛ فقد صلى.
فإن قيل: فإننا لا نسلم لكم أن هذه صلاة.
قيل: هذا خطأ؛ لأنه ﵇ لما نفاها مع عدم القراءة والطهارة؛ وجب أن تثبت [بثبوتهما] (٤)، وهذا مذهبنا في دليل الخطاب إذا كان ذا وصفين فعلق الحكم بأحدهما؛ دل على أن ما عداه بخلافه.
وأيضًا فإننا نقرر معهم أصلًا فنقول: إن المفاضلة لا تثبت إلا بين فاضلين، أحدهما أفضل من الآخر؛ لأن قائلًا لو قال: "فلان الزاهد أفضل من إبليس"؛ لكان هذا قولًا خطأ، وإنما سبيله أن يقول: "فلان الزاهد أفضل من فلان المسلم التاجر".
فإذا ثبت هذا؛ فقد روينا عنه ﵇ أنه قال: (٣٠١) "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٥).
стр. 1700
فمن هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنه أثبت صلاة الفذ وسماها صلاة، وهم يقولون ليست بصلاة.
والدلالة الثانية: أنه ﵇ فاضل بينهما، فأثبت للجماعة فضلًا، فدل أن المفردة فاضلة، إلا أن مرتبتها أخفض، ولو كانت المنفردة باطلة؛ لم يصح اللفظ (١)، وصار بمنزلة رجل يقول: صلاة بطهور أفضل من صلاة بغير طهور، فلما كان هذا خطأ؛ دل على ما ذكرناه.
فإن قيل: قوله ﵇: "صلاة الفذ" (٢) يعني بها صلاة المعذور من مرض أو غيره (٣)، فنحن نقول: إن صلاته صحيحة إلا أنها في جماعة أفضل.
قيل: هذا خطأ؛ لأنه روي أن الله تعالى يقول للملائكة: "اكتبوا العبد في أفضل ما كان يعمله في صحته، ما دام مربوطًا في وثاقي" (٤).
أفلا تراه أثبت له مثل صلاة الصحيح وزاده زيادة فضل.
على أننا نقيس على المعذور فنقول: كل من تكون الجماعة [ليست] (٥)
стр. 1701
شرطًا في صلاته؛ لم تكن واجبة عليه فيه، دليله المعذور عندنا وعندهم، ليس الجماعة شرطًا في صلاته، فلم تجب الجماعة عليه، وكذلك غير المعذور؛ لأن الجماعة ليست شرطًا في صحة صلاته، فلم تجب عليه، لأنهم يقولون: لو صلى مفردًا؛ ترك واجبًا، لأنه ترك شرطًا في صحتها، فكذلك وجبت الجماعة.
وأيضًا فما روي من حديث الرجلين اللذين دخلا المسجد فلم يصليا، فقال ﵇: "ألستما بمسلمين؟ فقالا: بلى، فقال: ما منعكما أن تصليا؟ فقالا: كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵇: صليا وإن كنتما قد صليتما" (١).
فموضع الدلالة منه أنه ﵇ لم يسألهما: في جماعة صليتما أم فرادى؟
وما روي أنه ﵇ قال: "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" (٢).
ولم يفرق بين جماعة أو فرادى، بل الظاهر منه أن كل واحد يصلي في رحله وحده.
ونقول أيضًا: أخبرونا عمن كان وحده في صحراء؛ ينتظر الجماعة حتى يخرج الوقت؟ أو يصلي وحده؟
فإن قالوا: ينتظر؛ لم يكن هذا قول أحد، وإن قالوا: يصلي وحده؛ فقد جوزوا له الصلاة فرادى.
وأيضًا فما روي "أنه ﵇ رأى رجلًا يصلي يسيء الصلاة، فقال له:
стр. 1702
ارجع فصل فإنك لم تصل، قال له: ما أحسن غير هذا، فقال له: افعل وافعل وافعل" (١).
فلو كانت الجماعة فرضًا؛ لم يجز صلاته وحده.
وقوله ﵇: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في ما سواه من المساجد" (٢).
ولم يفرق بين جماعة وفرادى.
فإن قيل: فإنه إجماع الصحابة: علي، وابن عباس، وأبو هريرة ﵃ (٣)، قالوا: هي على الوجوب.
وقال علي ﵇: "لو لم تكن فرضًا؛ لسقطت في حال شدة الخوف" (٤)، فلما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٥) دل على ما ذكرناه (٦).
стр. 1703
وقول الصحابة ﵃: "من ترك الجمعة والجماعة وقع في النار" (١).
فتوعدوا على ترك ذلك، فدل أنه فرض.
قيل: يجوز أن يكون قالوا ذلك تغليظًا من أجل أنها سنة، ويكون قولهم: "إنها على الوجوب" وجوب سنة.
ويحتمل أيضًا أن يكون توعدهم لمن رغب عن صلاة الجماعة على طريق الاعتقاد، وأنها ليست سنة.
وجواب آخر: يجوز أن يتوجه إلى صلاة [الجمعة و] (٢) الجماعة؛ لأنهم قالوا: "من ترك الجمعة والجماعة"، وتاركهما جميعًا كذلك، وكذلك نقول: إن من ترك الجمعة لغير عذر؛ في النار، وإذا علق التوعد بشرط تركهما جميعًا؛ دل على أن التوعد بترك أحدهما ساقط؛ لأن ما عدا المذكور بخلافه، ولو ثبت أن التوعد على ترك كل واحد منهما؛ لجاز أن يحمل على من رغب عنها وقال: إنها ليست بسنة (٣).
стр. 1704
فأما ما ذكر عن علي ﵇ من الدليل على فرضها في أنها لا تسقط في شدة الخوف واستدلاله بالآية؛ فالآية تدل على أنها ليست بواجبة؛ لأنه رد الأمر إلى اختيار النبي ﷺ بقوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، ولو كانت واجبة؛ لكان يقول له: "وإذا كنت فيهم [فأقم] (١) لهم الصلاة".
فصار منزلة قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ منزلة قول النبي ﵇: "من كان له مال فأراد أن يوصي فيه فلا يبت إلا ووصيته عند رأسه" (٢).
وجواب آخر: وهو أن الجماعة في الحرب من التدبير؛ لأنهم لو صلوا واحدًا واحدًا؛ لكان يخرج الوقت، فجعلهم فرقتين ليؤدوا الصلاة في وقتها.
فإن قيل: فقد قال ابن مسعود ﵀: "لو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" (٣).
فدل (٣٠٢) على أنها فرض.
قيل: قوله: "سنة نبيكم" نص في أنها سنة (٤).
وقوله: "لضللتم" محمول على تركها على معنى الرغبة عنها، فأما مع اعتقاد فضلها؛ فلا.
стр. 1705
يدل على صحة هذا أننا لا نختلف أن من صلى منفردًا [لم يصل] (١).
ويجوز أن يكون ذلك على طريق التغليظ ليواظب الناس عليها بالدلائل التي ذكرناها.
ويحتمل أن يكون قوله: "لضللتم" أي ذهبتم عن الطريق في ترك استعمال السنن.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢).
فدل أن الاجتماع فرض؛ لأن الصلاة من الدين.
قيل: هذا عندنا ليس بتفرق، لأن التفرق إنما هو تفرق الكلمة، ونحن مجتمعون في الشريعة.
فإن قيل: فإن ابن أم مكتوم سأل النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إني رجل أعمى ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي من رخصة في أن أصلي في بيتي؟ فقال: لا" (٣).
فدل على أنها فرض.
стр. 1706
قيل: هذا يحتمل أن يكون ذلك في أول الإسلام لأنهم كانوا قليلين، ففرض عليهم الحضور، فلما كثروا؛ سقط عنهم.
ويجوز أن يكون أراد: لا أجد لك رخصة في إدراك الفضيلة، أعني فضائل الجماعة بالدلائل التي تقدمت.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١).
وهذا يدل على أن حضورها فرض؛ لأنه نفى أن تكون صلاة إلا فيه.
قيل: قوله: "لا صلاة لجار المسجد" (٢)؛ لا يستقل بنفسه، ففيه شيء محذوف حتى يصح الاستثناء؛ لأنه لا يكون إلا من كلام تام فيستقل بنفسه، وذلك الشيء المضمر المحذوف لا يصح أن يدعى فيه العموم عندكم؛ لأن العموم يدعى في الأسماء لا في المحذوف (٣)، فإن قلتم بالعموم في المعاني؛ ففيه دلالة لنا، لأنه أثبت له صلاة، ولم يخص جماعة من فرادى، فينبغي إذا صلى منفردًا في المسجد أن تجزيه، ويدل على صحة ذلك أنه لو صلى في بيته جماعة، أجزأه باتفاقنا.
стр. 1707
فإن قيل: فقد قال ﵇ للرجلين: "أذنا، وأقيما، وليؤمكما أقرأكما" (١).
وهذا أمر ظاهره الوجوب.
قيل: هذا محمول على الندب والفضل بدلالة قوله: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ" (٢).
على أنه قضية في عين يحتاج أن يعتبر معناها.
ومن الدليل على أنه أراد الفضيلة قوله: "أذنا وأقيما" (٣)، وليس أذانهما جميعًا واجبًا عندكم.
فإن قيل: فقد قال: ﵇ "لقد هممت أن آمر فتيان قريش فيحرقوا على من تخلف عن هاتين الصلاتين بيوتهم" (٤).
قيل: هذا يجوز أن يكون في أول الإسلام، ويجوز أن يكون توعد به قومًا منافقين كان يعلم أنهم يتخلفون (٥)، ألا تراه قال: "أثقل الصلاة على المنافقين الفجر وعشاء الآخرة" (٦).
стр. 1708
فإن قيل: فإن النبي ﵇ لم يكن يصلي صلواته إلا جماعة، وكذلك الصحابة، ولم يأذن في التخلف إلا لعذر، وهذا يدل على أنها فرض.
قيل: نحن نقول: إنه ﵇ لا يفعل ويداوم إلا على الأفضل، واستفدنا الجواز من قوله: "صلاة الجماعة تفضل على الفذ بسبع وعشرين درجة" (١).
فإن قيل: فالجماعة للجمعة فرض، فكذلك سائر الصلوات؛ لأنها صلاة مفروضة.
قيل: الجمعة غلظ أمرها لأنها ظُهر قصرت، فخصت بأوصاف، منها: الخطبة، ومنها: المسجد، ومنها: أنها لا تجب باثنين وثلاثة (٢)، وليس كذلك سائر الصلوات.
فإن قيل: فقد روي عنه ﵇ أنه قال: "من سمع النداء فلم يجب؛ فلا صلاة له إلا من عذر" (٣).
فنفى أن تكون له صلاة إلا مع الإجابة.
стр. 1709
قيل: الإجابة إنما هي الصلاة، قد تجيب إليها [في] (١) الجماعة [أو] (٢) فرادى، ويحتمل أن يكون ذلك في صلاة الجمعة، وهذا أيضًا يدل على أن من لم يسمع النداء؛ فصلاته وحده جائزة، فسقط ما ذكرتموه. وبالله التوفيق (٣).
مَسْألة (١٩):
قال مالك ﵀: ومن أخطأ القبلة فاستدبرها، أو غرب، أو شرق، وذلك اجتهاده؛ أعاد في الوقت استحبابًا (٤).
وقال أبو حنيفة: لا يعيد (٥).
وقال الشافعي: إن صلى إلى الشرق ثم بان له بعد فراغه من الصلاة أنه صلى إلى الغرب؛ استأنف الصلاة (٦).
فصل أصحابه هذا فقالوا: إن بان له ذلك بيقين؛ فالمسألة على قولين:
أحدهما: عليه الإعادة.
стр. 1710
والثاني: لا إعادة عليه (١).
وإن صلى باجتهاده، ثم بان له باجتهاد؛ فقول واحد لا إعادة عليه (٢).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣).
روى عطاء عن جابر: "أنها نزلت في قوم تحروا القبلة فأخطؤوا" (٤).
فصار تقدير الكلام كأنه قال: "فأين ما تولوا في الصلاة؛ فثم وجه الله"، وهذا عام في حال الاجتهاد دون غيره إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥)، فهذه الآية ناسخة لتلك.
قيل: هذا لا يلزم من وجوه:
أحدها: أن النسخ [يعلم] (٦) من طرق لا تحتمل، والنسخ لا يكون بالمحتمل.
стр. 1711
على أن الاستعمال أولى من النسخ بالاحتمال، فقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١)؛ عام في الجهات الأربع، فيخص هذا العموم بالآية الأخرى فيمن يعلم، ويبقى العموم فيمن لا يعلم وقد اجتهد.
وجواب آخر: وهو أن قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) أمر، والأمر لا يتوجه إلى من لا يعلم ولا يقدر على ذلك (٣)، فعلمنا أنه خطاب لمن يعلم الجهة ويقدر عليها، ألا ترى أن الآية الأخرى ليس فيها أمر، وإنما هو أي أنكم أين ما وليتم وجوهكم فثم وجه الله.
وجواب آخر وهو ما رواه عامر بن ربيعة قال: "كنا مع النبي ﷺ ليلة مظلمة، فلم نرى أين القبلة، فصلى كل واحد منا على حياله، ثم أصبحنا فذكرنا ذلك للنبي ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤).
وهذا يدل على ما ذكرناه من وجهين:
أحدهما: أنهم لم يؤمروا بالإعادة.
стр. 1712
والثاني: أن الآية نزلت في الذين لا يعلمون الجهات، فعرفوا أن الجهات كلها متساوية، فإلى أين صلوا؛ فهو إلى الله تعالى إذا اجتهدوا فغلب على ظنهم أن الجهة جهة القبلة.
وأيضًا فإن أمره تعالى بأن تولوا وجوهكم أمر بالإصابة، وهذا عندنا لا يتوجه إلا على من يعاين الكعبة، فأما المجتهد؛ فإنما أمر بالطلب ولم يكلف الإصابة، فصار معنى هذه الآية أي: "فولوا وجوهكم شطره" إما خطابًا للمعاين، أو يكون معناه في الغائب عن الكعبة: "فولوا وجوهكم شطره فيما يغلب على ظنونكم"، فهذا تكليفه، فإذا أدى ما كلف؛ لم يجب عليه غيره؛ لأنه قد أدى صلاته على ما هو شطر عنده، إذ ما عند الله لم يكلف إصابته إلا إذا كان معاينًا للكعبة.
فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ يدل على أن الموضع الذي يتوجه إليه هناك وجه الله تعالى، وهذا لا يفيد جواز صلاته.
قيل: هذا غلط؛ وذلك أن الآية نزلت في بيان الصلاة، فكأنه قال: فأين ما تولوا في الصلاة فثم وجه الله"، أي: التوجه إليه، وهذا [يفيد] (١) إقرارهم على ما فعلوه والحكم بجوازه؛ لامتناع أن يقال: هو متوجه إلى الله تعالى بصلاته فيما يحكم بفساده، ولو كان هذا يفيد إعادة الصلاة؛ لفهمت الصحابة ﵃ وإعادة الصلاة في حال نزولها.
فإن قيل: فإن ابن عمر ﵁ ذكر أن هذه الآية نزلت في التطوع (٢).
стр. 1713
قيل: إنه ذكر أن جماعتهم اختلفوا في الجهات، ولا يكادون يجمعون في النوافل، لأن نزوله على سبب لا يوجب أن يكون مقصورًا عليه (١) على ما حكيناه في الأصول عن إسماعيل بن إسحاق القاضي ﵀، فالواجب حمله على عمومه في كل صلاة (٢).
وأيضًا فإن الغائب عن القبلة يصلي إلى الجهة باجتهاده، ولا يتوصل إلى العلم بها في حال اشتباهها عليه، فوجب أن يسقط عنه فرضه.
الدليل على ذلك أن أهل قباء صلوا إلى غير جهة القبلة بعض الصلاة (٣)، ثم لم يؤمروا بالإعادة؛ لأنهم لم يمكنهم الوصول إلى العلم بالجهة التي كانوا مأمورين بالصلاة إليها، كذلك مسألتنا.
فإن قيل: إن صلاة أهل قباء حصلت ولم يكن فرض الأصل استقبال الكعبة، فصار بمنزلة من صلى بغير طهور، ثم فرضت الطهارة، فلا تلزمه إعادتها، وإن كان لم يصل بطهارة بعد فرض الطهارة من غير علم؛ كان عليه أن يعيدها (٤).
قيل: إن الصلاة المفعولة مع عدم الطهارة والعلم صلاة صحيحة ما لم
стр. 1714
يعلم بها، فما يلزمه من الإعادة إذا علم فرض ثان، فلا يجب إلا بدلالة.
فإن قيل: فإن المجتهد في هذا الموضع منسوب إلى التفريط.
قيل: متى لم يعلم بالخطأ؛ كان فرضه التوجه إلى تلك الجهة، ولو لم يفعل؛ كان عاصيًا، ولا جائز أن يكون مأمورًا بالتوجه إلى تلك الجهة مع التفريط، فسقط هذا.
وقد قلنا: إن موضع القبلة عند الغيبة عن الكعبة على الاجتهاد، الدليل على ذلك أنه لا يعلم حقيقة التوجه إلى عين البيت، وإنما يعلم من غلبة الظن بمهب الرياح وتسيير النجوم، ومتى كان ذلك فمتى أخطأ في اجتهاده؛ فإنما يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد، فلا يرتفع حكم الاجتهاد الأول، كالحاكم باجتهاد، ثم يتبين له اجتهاد آخر خلاف الأول، فلا يجوز له فسخ الأول على ما يقوله حذاق أصحابنا (١).
ويبين ما نقوله الإجماع على جواز صلاة أهل الآفاق، ومعلوم أن كل واحد منهم غير محاذ للكعبة، وإنما يحصل ذلك من الأقل منهم، وقد جازت صلاتهم لوقوع جميع ذلك باجتهاد.
فإن قيل: فإن فرض التوجه في حال عدم المعاينة للكعبة يتعلق بالجهة دون سمت البيت.
قيل: إن المأمور به لو كان استقبال (٣٠٤) الجهة؛ لما جاز أن يختلف
стр. 1715
في ذلك حكم المعاين لها والغائب عنها، كما لا يختلف في جميع شروط الصلاة، هذا عندي هو الصحيح (١).
وكان الشيخ ﵀ يقول: المطلوب مع الغيبة عن الكعبة الجهة لا عين الكعبة، ولكن الجهة باجتهاد (٢).
وأنا أقول: إذا كان كل واحد من الناس الغائبين مجتهدًا في طلب الجهة يصلي وعنده أنها هي الجهة؛ فطلب عين الكعبة بالاجتهاد في طلب الجهة أيضًا أولى (٣) لما قلته من الجمع بين المعاين و [الغائب] (٤)، ألا ترى أن مع المعاينة لا تجوز الصلاة إلى الجهة وهي خارجة عن سمت البيت، وإنما يدور الناس حولها، فينبغي أن يكون المطلوب بالاجتهاد سمت الكعبة (٥).
стр. 1716
فإن قيل: كيف يصح هذا ونحن نعلم أن الصف الطويل الذي طوله أضعاف طول الكعبة يصلون، هاهنا وليس في سمت الكعبة منهم إلا من كان في طولها، فنعلم أن ما زاد على ذلك متصل على الجهة الخارجة عن سمت الكعبة.
قيل: هذا إنما يكون عند المعاينة لقربها من الناظرين، وأما مع التباعد؛ فلا يمتنع أن يكونوا بأجمعهم في سمتها، ألا ترى أن هذا الصف الطويل يشاهد عين الشمس، أو القمر، أو الكوكب إذا كان مقابلًا، وكل واحد منهم يرى أنه مقابله لبعده، فكذلك عين الكعبة يعتقد كل واحد منهم أنه متوجه إليها (١)، كما
стр. 1717
هو متوجه إلى عين الشمس، والقمر، والكوكب، فإن انحرف عنه يسيرًا؛ لم يضر.
ويدل على ذلك أيضًا أن قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خطاب للنبي ﵇، وأصحابه ﵃، ولسائر الناس في حال غيبتهم من مكة، فلو كان الوجوب معلقًا بالجهة؛ لقال: "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم جهته"، فلما قال: "شطره" أي نحوه؛ علمنا أنه لم يرد الجهة.
فإن قيل: فإن الأمة قد أجمعت على الجهة، فثبت حكمها بإجماع، فمن أخطأ في الاجتهاد؛ فقد رجع من اجتهاد إلى إجماع يسقط معه حكم الاجتهاد.
قيل: فإن إجماعهم على الجهة مرجوع أيضًا إلى اجتهاد، فقد عاد من اجتهاد إلى اجتهاد، وليس كذلك الإجماع في حكم من أحكام الحوادث من جهة اجتهاد؛ لأن مرجع ذلك الإجماع إلى نص مقطوع عليه (١)، فمتى أجمعوا عليه؛ جرى مجرى النص في حكمه، فيبين ذلك أنه لو صلى عن يمين القبلة أو يسارها؛ أجزأه، وإن تيقن أنه قد أخطأ.
ولا يجوز العدول فيما وقع عليه الإجماع في حكم الحادثة، ويجوز
стр. 1718
استقبال ضد القبلة في صلاة التطوع مع القدرة (١)، وفي الفروض في مواضع (٢)، ولا يجوز في حكم الحوادث الحاصل من جهة الاجتهاد العدول عنه، فبان أن إجماعهم في حكم القبلة مخالف لحكم إجماعهم في الحوادث.
وأيضًا فإن حكم ما أجمعوا عليه من أمر القبلة إذا جاز أن يسقط حكمه مع العلم به؛ فلأن يسقط في حال اجتهاده واشتباه الأمر عليه أولى.
فإن قيل: أفليس لو اجتهد فصلى في ثوب نجس وعنده أنه طاهر، ثم بان له أنه نجس؛ فإنه يعيد الصلاة.
قيل: الأمر فيهما واحد، يعيد الصلاة ما دام الوقت باقيًا استحبابًا.
ثم لو قلنا: إن إزالة الأنجاس فرض؛ لما لزم هذا السؤال (٣)؛ لأن نجاسة الثوب تعلم بيقين، فقد عاد من اجتهاد إلى يقين، وعين القبلة مع الغيبة لا تعلم بيقين، ألا ترى أن أحدًا لا يتحقق أنه محاذ لها غير زائل عنها في حال الغيبة، فبان أنه يرجع ذلك من اجتهاد إلى اجتهاد.
ويجوز أن نقيس ذلك عليه إذا كان قد تيامن وتياسر عن القبلة باجتهاد، فإنه لا يجب عليه الإعادة، والمعنى في ذلك أنه صلى إلى جهة يجوز له أن يصلي إليها في حال السفر راكبًا إذا لم يقدر على غير ذلك، وكذلك في المسايفة (٤) لوجود العذر، فكذلك من أخطأ القبلة. وبالله التوفيق.
стр. 1719
ويدل على صحة قولنا أيضًا ما رواه محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا مع النبي ﵇ في سفر، فأصابنا غيم، فتحرينا، فاختلفنا في القبلة، وصلى كل واحد منا على حدة، وجعل يخط بين يديه لنعلم أينا أصاب، فذُكر ذلك للنبي ﵇ فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم" (١).
فإن قيل: فيجوز أن يكونوا صلوا عن يمين القبلة وعن يسارها.
قيل: فإنه ﵇ لم يسألهم، بل أطلق جواز صلاتهم، فلو كان يختلف؛ لسألهم وبين لهم ذلك (٢).
فإن قيل: فإنه متى تيقن الخطأ الذي لو فعله عالمًا وجب القضاء؛ كانت عليه الإعادة، دليله من صلى قبل دخول الوقت.
قيل: هذا منتقض على أصولنا بمن نسي أو أخطأ فصلى في ثوب نجس، أو عليه نجاسة، فإنه لا إعادة عليه.
وينتقض على أصولنا وأصولهم بمن علم أنه منحرف عن القبلة فتجزئه صلاته، ولو كان عالمًا في الابتداء؛ لم يجزئه.
وينتقض بمن صلى أربع صلوات إلى جهات مختلفة أنه لا إعادة عليه عندنا وعندكم، وإن كان قد تيقن أنه صلى ثلاث (٣٠٥) صلوات إلى غير جهة القبلة.
стр. 1720
وينتقض أيضًا بالإمام يقف بعرفة باجتهاد ثم يتبين أنه وقف قبل الوقت أنه يجزئه (١)، وكون هذا عامًّا في الناس لا يمنعه القضاء، مثل أن يجتهد الجماعة في [التوجه] (٢) إلى [القبلة] (٣)، أو الصلاة قبل الوقت فيخطئ في ذلك، فلما لم [توجبوا] (٤) القضاء في الخطأ بعرفة - وإن أوجبتموه في خطأ وقت الصلاة -؛ سقط ما ألزمتموه وانتقض.
وعلى أن فرض الوقت لا يسقط بالعذر، الدليل على ذلك أن المريض لو صلى قبل الوقت؛ لم يجزئه، ولو صلى إلى غير القبلة ولم يقدر على غير ذلك؛ أجزأه، وكذلك الخائف والمسايف.
وأيضًا فإن من صلى قبل الوقت؛ فهو عائد من اجتهاد إلى يقين، وفي مسألتنا يرجع من اجتهاد إلى مثله.
وليس لهم أن يقولوا: إن مستدبر القبلة قد رجع من اجتهاد إلى يقين؛ لأنه لا يتيقن باستقباله نفس القبلة في هذه الجهة على ما تقدم بيانه، وإنما يغلب على ظنه ذلك.
فإن قيل: فإن صلاته باجتهاد كحكم الحاكم باجتهاد، ثم إذا تبين له القبلة؛ صار كالنص، فهو كالحاكم يجد النص بعد أن يحكم باجتهاد، فيرجع إليه لأنه حكم بفعل تارة بالنص، وتارة باجتهاد.