← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فإن قيل: كيف يصح هذا ونحن نعلم أن الصف الطويل الذي طوله أضعاف طول الكعبة يصلون، هاهنا وليس في سمت الكعبة منهم إلا من كان في طولها، فنعلم أن ما زاد على ذلك متصل على الجهة الخارجة عن سمت الكعبة. قيل: هذا إنما يكون عند المعاينة لقربها من الناظرين، وأما مع التباعد؛ فلا يمتنع أن يكونوا بأجمعهم في سمتها، ألا ترى أن هذا الصف الطويل يشاهد عين الشمس، أو القمر، أو الكوكب إذا كان مقابلًا، وكل واحد منهم يرى أنه مقابله لبعده، فكذلك عين الكعبة يعتقد كل واحد منهم أنه متوجه إليها (١)، كما

стр. 1717

هو متوجه إلى عين الشمس، والقمر، والكوكب، فإن انحرف عنه يسيرًا؛ لم يضر. ويدل على ذلك أيضًا أن قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خطاب للنبي ﵇، وأصحابه ﵃، ولسائر الناس في حال غيبتهم من مكة، فلو كان الوجوب معلقًا بالجهة؛ لقال: "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم جهته"، فلما قال: "شطره" أي نحوه؛ علمنا أنه لم يرد الجهة. فإن قيل: فإن الأمة قد أجمعت على الجهة، فثبت حكمها بإجماع، فمن أخطأ في الاجتهاد؛ فقد رجع من اجتهاد إلى إجماع يسقط معه حكم الاجتهاد. قيل: فإن إجماعهم على الجهة مرجوع أيضًا إلى اجتهاد، فقد عاد من اجتهاد إلى اجتهاد، وليس كذلك الإجماع في حكم من أحكام الحوادث من جهة اجتهاد؛ لأن مرجع ذلك الإجماع إلى نص مقطوع عليه (١)، فمتى أجمعوا عليه؛ جرى مجرى النص في حكمه، فيبين ذلك أنه لو صلى عن يمين القبلة أو يسارها؛ أجزأه، وإن تيقن أنه قد أخطأ. ولا يجوز العدول فيما وقع عليه الإجماع في حكم الحادثة، ويجوز

стр. 1718

استقبال ضد القبلة في صلاة التطوع مع القدرة (١)، وفي الفروض في مواضع (٢)، ولا يجوز في حكم الحوادث الحاصل من جهة الاجتهاد العدول عنه، فبان أن إجماعهم في حكم القبلة مخالف لحكم إجماعهم في الحوادث. وأيضًا فإن حكم ما أجمعوا عليه من أمر القبلة إذا جاز أن يسقط حكمه مع العلم به؛ فلأن يسقط في حال اجتهاده واشتباه الأمر عليه أولى. فإن قيل: أفليس لو اجتهد فصلى في ثوب نجس وعنده أنه طاهر، ثم بان له أنه نجس؛ فإنه يعيد الصلاة. قيل: الأمر فيهما واحد، يعيد الصلاة ما دام الوقت باقيًا استحبابًا. ثم لو قلنا: إن إزالة الأنجاس فرض؛ لما لزم هذا السؤال (٣)؛ لأن نجاسة الثوب تعلم بيقين، فقد عاد من اجتهاد إلى يقين، وعين القبلة مع الغيبة لا تعلم بيقين، ألا ترى أن أحدًا لا يتحقق أنه محاذ لها غير زائل عنها في حال الغيبة، فبان أنه يرجع ذلك من اجتهاد إلى اجتهاد. ويجوز أن نقيس ذلك عليه إذا كان قد تيامن وتياسر عن القبلة باجتهاد، فإنه لا يجب عليه الإعادة، والمعنى في ذلك أنه صلى إلى جهة يجوز له أن يصلي إليها في حال السفر راكبًا إذا لم يقدر على غير ذلك، وكذلك في المسايفة (٤) لوجود العذر، فكذلك من أخطأ القبلة. وبالله التوفيق.

стр. 1719

ويدل على صحة قولنا أيضًا ما رواه محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا مع النبي ﵇ في سفر، فأصابنا غيم، فتحرينا، فاختلفنا في القبلة، وصلى كل واحد منا على حدة، وجعل يخط بين يديه لنعلم أينا أصاب، فذُكر ذلك للنبي ﵇ فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم" (١). فإن قيل: فيجوز أن يكونوا صلوا عن يمين القبلة وعن يسارها. قيل: فإنه ﵇ لم يسألهم، بل أطلق جواز صلاتهم، فلو كان يختلف؛ لسألهم وبين لهم ذلك (٢). فإن قيل: فإنه متى تيقن الخطأ الذي لو فعله عالمًا وجب القضاء؛ كانت عليه الإعادة، دليله من صلى قبل دخول الوقت. قيل: هذا منتقض على أصولنا بمن نسي أو أخطأ فصلى في ثوب نجس، أو عليه نجاسة، فإنه لا إعادة عليه. وينتقض على أصولنا وأصولهم بمن علم أنه منحرف عن القبلة فتجزئه صلاته، ولو كان عالمًا في الابتداء؛ لم يجزئه. وينتقض بمن صلى أربع صلوات إلى جهات مختلفة أنه لا إعادة عليه عندنا وعندكم، وإن كان قد تيقن أنه صلى ثلاث (٣٠٥) صلوات إلى غير جهة القبلة.

стр. 1720

وينتقض أيضًا بالإمام يقف بعرفة باجتهاد ثم يتبين أنه وقف قبل الوقت أنه يجزئه (١)، وكون هذا عامًّا في الناس لا يمنعه القضاء، مثل أن يجتهد الجماعة في [التوجه] (٢) إلى [القبلة] (٣)، أو الصلاة قبل الوقت فيخطئ في ذلك، فلما لم [توجبوا] (٤) القضاء في الخطأ بعرفة - وإن أوجبتموه في خطأ وقت الصلاة -؛ سقط ما ألزمتموه وانتقض. وعلى أن فرض الوقت لا يسقط بالعذر، الدليل على ذلك أن المريض لو صلى قبل الوقت؛ لم يجزئه، ولو صلى إلى غير القبلة ولم يقدر على غير ذلك؛ أجزأه، وكذلك الخائف والمسايف. وأيضًا فإن من صلى قبل الوقت؛ فهو عائد من اجتهاد إلى يقين، وفي مسألتنا يرجع من اجتهاد إلى مثله. وليس لهم أن يقولوا: إن مستدبر القبلة قد رجع من اجتهاد إلى يقين؛ لأنه لا يتيقن باستقباله نفس القبلة في هذه الجهة على ما تقدم بيانه، وإنما يغلب على ظنه ذلك. فإن قيل: فإن صلاته باجتهاد كحكم الحاكم باجتهاد، ثم إذا تبين له القبلة؛ صار كالنص، فهو كالحاكم يجد النص بعد أن يحكم باجتهاد، فيرجع إليه لأنه حكم بفعل تارة بالنص، وتارة باجتهاد.

стр. 1721

قيل: هذا منتقض بما ذكرناه، وبالمنحرف عن القبلة، وبالوقوف بعرفة، وبمن صلى أربع صلوات إلى أربع جهات؛ أنه يؤدي مرة بالاجتهاد، ومرة بالنص. وعلى أننا لا نسلم لكم ذلك في حال الغيبة عن القبلة؛ لأنه لا يؤدي، فلذلك وجب نسخ الحكم باجتهاد، ويجوز ترك استعمال القبلة مع القدرة إلا باجتهاد، وعلى النص لا يجوز العدول عنه مع القدرة؛ فلأن يجوز في حال الاشتباه أولى. ويرجح ما قلناه بأن المجتهد لا سبيل له إلى عين القبلة مع الغيبة، فلا يجوز أن يكلف غير ما قدر عليه، ولأن ما يسقط من غير عذر فلأن يسقط بالعذر أولى. وبالله التوفيق.

стр. 1722

فَصْل: الكلام على أبي حنيفة عندنا أن مخطئ القبلة يعيد الصلاة (١) التي صلاها ما دام وقتها باقيًا (٢). وعند أبي حنيفة لا يعيد. والدليل لقولنا أنه إذا كان الوقت باقيًا؛ قدر على أداء الصلاة إلى القبلة في وقتها، فاجتمع له الأمران جميعًا، وخرج من الخلاف، فكان ذلك أحوط له. فإن قيل: فينبغي أن يكون هذا واجبًا. قيل: لا يجب ذلك؛ لأن الصلاة التي صلاها أداها على ما كلف، فاحتسب بها لأنه معذور، وليس عذره بدون عذر من يعلم القبلة ولا يمكنه التوجه إليها، فحصل الإجزاء دون الكمال، فاستحببنا له الإعادة في الوقت ليحصل الإجزاء والكمال. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين الخائف والمسايف؛ ومن لا يقدر على التوجه إلى القبلة، لِمَ لَمْ تُستحب لهم الإعادة في الوقت كما استحب لمخطئ القبلة؟

стр. 1723

قيل: إن فرقنا بينهم؛ فالفرق بينهم وبين هؤلاء أن هؤلاء جوز لهم ترك القبلة على يقين منها، وذلك لو تيقن؛ لم يجز له العدول عنها، فاستحببنا له الإعادة في الوقت لئلا يكون قد وقع في اجتهاده تقصير من غير عذر تعمد منه، فاحتطنا له في ذلك. فإن قيل: فما الفرق بينه وبين من عدم الماء حتى تيمم وصلى، ثم وجد الماء في الوقت، لِمَ لَمْ تستحبوا له الإعادة؟ قيل: الطهارة ركن في غير الصلاة (١)، والقبلة تجري مجرى أركان الصلاة، ألا ترى أن الشافعي وغيره يقول: يعيد مخطئ القبلة وجوبًا. وجميعنا ومعنا الشافعي لا نقول في من صلى بالتيمم: إنه يعيد. مَسْألة (٢٠) في الصبي يبلغ في صلاته: إن بلغ وقد أدرك من وقت العصر مثلًا مقدار ما يصلي فيه ركعة قبل غروب الشمس وهو في صلاتها على أنها العصر؛ يقطع الصلاة التي هو فيها، ويستأنفها بعد البلوغ بنية الفرض (٢). وأبو حنيفة يقول: يتممها ويقضي العصر مستأنفة، سواء أدرك مقدار

стр. 1724

ركعة أو مقدار تكبيرة الإحرام، على خلاف بينهم في مقدار تكبيرة الإحرام (١). وقال الشافعي: يسقط عنه الفرض بالصلاة التي هو فيها، ويكون قد صلاها، وتنوب عن الفرض الذي لزمه بعد البلوغ بها (٢). وهذا ينبغي أن يفصل على مذهبنا إن جاز أن يُنبت وهو في الصلاة، وقد بقي عليه القدر الذي بيناه، فيقطع ويستأنف الصلاة بنية الفرض. وإن بلغ الاحتلام؛ فلا خلاف أنه يحتاج أن يغتسل، فإن بقي عليه بعد قدر اغتساله المقدار الذي ذكرناه؛ فإنه تلزمه الصلاة، وإن كان أقل؛ لم يلزمه. وعند أبي حنيفة والشافعي مقدار تكبيرة الإحرام، ولم يراعوا الاغتسال. وإن لم ينبت ولا احتلم؛ فمقدار ما يعلم أن مثله قد بلغ، فيحتمل أن يستكمل ثماني عشرة سنة وهو في الصلاة (٣)، فيلزمه أن يستأنف الصلاة إذا بقي عليه مقدار ركعة قبل غروب الشمس. إلا أن قول أبي حنيفة مثل قولنا أن من صلى قبل بلوغه لا يجزئه من الفرض، وكذلك الصلاة التي بلغ فيها لا تجزئه ويعيد (٤).

стр. 1725

والدليل لقولنا أن دخوله في الصلاة قبل البلوغ أحسن أحواله (٣٠٦) أن تكون تطوعًا، ونية التطوع لا تنوب عن الفرض، الدليل على ذلك: الكبير لو دخل في الصلاة بنية التطوع، ثم قلبها بعد أن مضى جزء من الصلاة؛ لم تنقلب إلى الفرض، فلما كان الصبي قبل البلوغ غير مخاطب، ولا هي فرض عليه؛ أشبه الكبير إذا دخل في الصلاة تطوعًا قبل الزوال ثم زالت الشمس وهو في التطوع، لم يجز صرفها إلى ما لزمه من الفرض. ويجوز أن نقول: إن ما يفعله الصبي لا يخلو أن يكون فرضًا أو نفلًا، ولا يجوز أن يكون فرضًا؛ لامتناع أن يخاطب الصبي بالصلاة مع قول صاحب الشريعة ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة"، فذكر الصبي (١). وإن كان نفلًا؛ لم يسقط به الفرض الذي يتعلق به الوجوب، ألا ترى أن من تنفل بأربع ركعات لم يسقط بها عنه فرض الوقت. وأيضًا فإنه لا يخلو اختلافنا في هذه المسألة أن يكون في وجوب فرض الوقت عليه، أو في أن الفرض يلزمه، وينوب عنه ما فعله قبل البلوغ. فإن كان المخالف يقول بوجوب فرض الوقت عليه، وإنما يسقط عنه ما تقدم من صلاته؛ فإنه خطأ بيّن؛ لأن ما فعله [الصبي] (٢) أحسن أحواله أن يكون نفلًا، فلا يجوز أن ينوب عن الفرض، ولأنه لم يؤده بنية الفرض؛ لامتناع أن ينوي الفرض ولا فرض عليه، ومن أدى صلاته بنية النفل؛ لم ينفع عن فرضه.

стр. 1726

وأيضًا فإنه أداها قبل وجوبها عليه، فلا يسقط ما يجب عليه في الثاني، كمن صلى قبل وجوب الوقت فلا ينوب مناب فرض الوقت. وإن كان المخالف يقول: إن فرض الوقت لا يتعلق عليه مع إدراك وقت الوجوب؛ فقوله أيضًا فاسد؛ لأن البلوغ سبب لتكليف الصلاة، فمتى أدرك وقتها أو وقت ركعة منها؛ لزمه فعل الصلاة، مثل الحائض إذا طهرت، ومثل الصبي إذا لم يكن صلى، ولا يختلف في حجه قبل البلوغ أنه لا ينوب عما يجب عليه بعد بلوغه، لوقوعه قبل وجوبه، فكذلك الصلاة، بل هم يقولون: لو بلغ محرمًا؛ لصار عن فرضه كما يقولون لو بلغ في صلاته، إلا أنهم يقولون: لو فرغ من حجه ثم بلغ؛ وجب عليه ابتداء الحج، ويقولون: لو صلى الظهر بعد الزوال وفرغ ثم بلغ؛ لم تجب عليه إعادة الصلاة. ونقول: إن الكافر متى أسلم؛ لزمه فرض الوقت لإدراكه وقت الوجوب، فكذلك الصبي. فإن قيل: فإنها عبادة قد فعلها في حال صغره مع كونه مأمورًا بها، مضروبًا على تركها، فوجب أن لا يلزمه قضاؤها إذا بلغ، دليله الطهارة. قيل: إن أردتم بقولكم: إنه مأمور بها من قبل الله تعالى؛ فغلط؛ لأن القلم مرفوع عنه. وإن أردتم أنه مأمور بها من جهة العادة ليتمرن عليها، ويعتادها؛ فنحن إذا عودناه صلاة تطوع اعتاد ذلك، فسهل الفرض عليه إذا بلغ (١).

стр. 1727

وقد قال بعض الناس: ليس بنفل ولا فرض؛ لأن صحة الصلاة لا تتعلق بلا نية، ونية الصبي لا حكم لها، وإنما يفعل ذلك على وجه الاعتياد. فأما قياسهم على الطهارة إن صحت لهم علة؛ فلا يشبه؛ لأن التطوع من الطهارة ينوب عن فرضها، ولا يتغير لصلاة ما، ولكن من شرط الصلاة أن تفعل على طهارة، سواء كانت الطهارة لتلك الصلاة أو لغيرها، كما نقول: إن من شرط الاعتكاف أن يوقع في صيام أي صيام كان، لا أننا نوجب صيامًا لاعتكاف (١)، والصلاة تراد في نفسها متعينة، فلا ينوب تطوعها عن فرضها. وعلى أن قياسهم منتقض بالحج على أحد قولين فيما أظن. فإن قيل: فإن ارتفاع النقص لا يوجب إعادة صلاة مؤداة بشرائطها، دليله العبد يصلي ثم يعتق. قيل: هذا تشبيه فاسد؛ لأن العبد مخاطب بأداء الصلاة، يجب عليه فعلها في حال نقصه، فإذا فعلها قبل العتق، أو أعتق وهو فيها؛ لم يغير حكم الفرض عليه، ألا ترى أننا نقول في الحج الذي ليس مفروضًا عليه في رقه: لو فعله وهو رقيق ثم أعتق أو أبق بعد إحرامه؛ أنه لا يجزئه عن فرضه،

стр. 1728

ويلزمه فرض الحج مبتدأ. على أن قياسهم ينتقض بالكافر يصلي ثم يسلم. فإن قيل: إن صلاة الكافر ليس بصلاة. قيل: هي صلاة، ولكنها لا تصح منه حتى يسلم، كما لا تصح من المحدث وهو عندنا مخاطب بها (١)، والصبي جملة ليس بمخاطب بها، فهو أولى أن لا تجزئه عما يلزمه في المستقبل. وعلى أننا نقول: إن ارتفاع النقص من الصبي لا يوجب إعادة، ولسنا نقول: إنه يعيد ما صلى، وإنما نأمره بعوض مستأنف لا على سبيل الإعادة؛ لأن الذي فعله نفل، وما يفعله بعد البلوغ فرض. فإن قيل: فهو كالبالغ، بعلة أنه صلاها في حال الأمر بها، والتأديب عليها إذا تركها، وهذا المعنى موجود في الصغير.

стр. 1729

قيل: هذا خطأ؛ لأنه خلاف الإجماع؛ لأن الصبي غير مأمور بأدائها من قبل الله تعالى، الدليل على ذلك أنه غير عاص بتركها، والبالغ لو تركها لغير عذر؛ لعصى، ووجب عليه عندنا قتله. وعلى أننا قد جعلنا البالغ حجة لنا؛ لأنه إذا صلى قبل الوقت ثم دخل الوقت؛ لم يجزئه، فبلوغ الصبي (٣٠٧) كدخول الوقت على الكبير، فصار ذلك حجة لنا. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢١) في كيفية التكبير للصلاة: التكبير للصلاة عند مالك ﵀ أن يقول: "الله أكبر" لا يجوز غيره (١). وقال الشافعي: يجوز مع ذلك "الله الأكبر" (٢). وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز أن يدخل في الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى، كقوله: "الله أكبر"، و"الله أجل"، و"الله أعظم"، وما أشبه ذلك. وقال أبو يوسف: ولا يجوز إلا بلفظ التكبير (٣).

стр. 1730

والدليل لقولنا أن الصلاة عليه بيقين، فلا يحكم بدخوله فيها ولا بسقوطها عنه إلا بدليل. وأيضًا فإن النبي ﵇ افتتح الصلاة فقال: "الله أكبر" (١). فخرج ذلك منه مخرج البيان، وأفعاله وأقواله على الوجوب إلا أن تقوم دلالة (٢). وأيضًا فإنه قال: "الله أكبر" (٣). وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤).

стр. 1731

وهذا أمر ظاهره الوجوب، فلا يجوز خلافه. فإن قيل: قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) إشارة إلى الأفعال. قيل: الأفعال لا تشاهد؛ لأنها حركات، والإنسان يشاهده على هيئات تسمى بها صلاة، ونسمع منه أقوالًا فيها وهي صلاة، وإنما أراد ﵇ بقوله: "كما رأيتموني أصلي" (٢) أي علمتموني؛ لأن الرؤية يعبر بها عن العلم، كما يقول القائل: رأيت الله قد فعل كذا، أو قال كذا، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٣). وقال الشاعر: رأيت الله أكبر كل شيء … محاولة وأكثره جنودا (٤) وقد علمنا كيف صلى، فيجب أن نقتدي به في قوله وفعله. وأيضًا فقد روي أنه ﵇ علم الأعرابي لما قال له علمني، فقال له: "افعل كذا وكذا ثم كبر، فقل: الله أكبر" (٥).

стр. 1732

وهذا موضع علمه فيه الفروض (١)، فلا يجوز خلافه. وأيضًا قوله ﵇: "تحريمها التكبير" (٢). فدل على أن غير التكبير لا يكون تحريمًا لها (٣). والتكبير مصدر كبر يكبر تكبيرًا، بخلاف عظم يعظم تعظيمًا (٤). فإن قيل: فأجز "الله الكبير"؛ لأنه من لفظ كبر لا من لفظ عظم. قيل: فقد سقط دخول لفظ أجل وأعظم، فصرنا نطلب ما كان من لفظ كبر، وامتنعنا من لفظ الكبير لوجهين: أحدهما: تعليم النبي ﵇، وفعله، وقوله: "الله أكبر". والوجه الآخر: أن "أكبر" أبلغ من "الكبير"؛ لأنه يقال في الإنسان الكبير،

стр. 1733

وغيره أكبر منه، فإذا قال: "أكبر"؛ تضمن أنه أكبر من كل شيء (١). فإن قيل: فأجز الأكبر. قيل: لم يجز ذلك لوجهين: أحدهما: بيان النبي ﵇ بقوله، وفعله، وتعليمه. والوجه الآخر: أن الألف واللام للتعريف، فهي تدخل تارة لتعريف النكرة في الجنس، وتارة لتدل على العهد فأنت تقول: زيد طويل، فتخبر عن طوله، وهو معرفة ليستفيد المخاطب أنه طويل، وتقول: زيد الطويل؛ للعهد، وتميزه من غيره، مع أن زيدًا وإن كان اسمًا معرفة؛ فقد تُعرفه بالصفة بالألف واللام لتميزه من غيره، وتدخل الألف واللام أيضًا على تعريف النكرات في الجنس (٢)، ولما كان هذا الاسم - وهو قوله "الله أكبر" - لا يلتبس بغيره، ولا يحتاج إلى التمييز بينه وبين غيره؛ ينافيه الألف واللام التي هي للتعريف؛ لأنها أشد تعريفًا من المعرفة التي تعرفه بها؛ لم يحتج إلى أن يقال: "الله الأكبر"، فصار قولنا "الله" أعرف المعارف، فقيل: "الله أكبر" بلا ألف ولام (٣).

стр. 1734

دليل: قد ثبت أن النبي ﵇ اقرأ بفاتحة الكتاب قبل الركوع، وجعل الركوع قبل السجود، وجعل السجود على الجبهة، وتشهد في آخر الصلاة (١)، فعلمنا أن المراد من ذلك أعيان تلك الأفعال والأقوال، فمن حيث لم يجز أن يسجد على الذقن، ولم يجز أن يسجد قبل الركوع، ولا يعدل عن فاتحة الكتاب إلى غيرها (٢)، كذلك لا يجوز أن يدخل بغير "الله أكبر"؛ لأنه خلاف ما فعل. وأيضًا فقد اتفقنا على أنه لو قال في أول الأذان غير "الله أكبر"؛ لم يكن داخلًا فيه، فكذلك في الصلاة؛ بعلة أنها عبادة جعل أولها التكبير. وهذا القياس قد ذكره بعض أصحابنا، ورأيت بعض العراقيين يقول: قد روي عن أبي حنيفة أنه يجوز في أول الأذان "الله أعظم"، و"الله أجل" (٣). فإن قيل على هذا: ليس الأذان عبادة. قيل: هذا خطأ، ولو جاز أن يقال لمسنونات الصلاة ليست عبادة؛ لكانت سائر سننها كذلك، ونحن نعلم أن الأذان سن للصلاة وإن كان قبلها.

стр. 1735

فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١). فجعله مصليًّا بعد ذكره اسم الله، والذكر الذي تتعلق به الصلاة التكبير، فوجب اعتبار عموم اللفظ في جميع أسماء الله تعالى إلا ما قامت عليه الدلالة. قيل: لا دلالة في هذا؛ لأنه قد ثبت عندنا أن الدخول في الصلاة من الصلاة، وقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قد فصل بين الذكر والصلاة، فدل على أن المراد غير التكبير، ومثل ذلك قوله: "لقيت زيدا فأعطيته"، ظاهره أن العطاء غير لقائه، وأنه بعده (٢)، ولو كان الظاهر يقتضي ما ذكروه؛ لكان عمومًا يدخل تحته كل ذكر، فبين النبي ﵇ ما ذلك الذكر (٣٠٨) بقوله: "الله أكبر" (٣)، وبقوله للذي نقص من صلاته قل: "الله أكبر" (٤)، وبقوله: "تحريمها التكبير" (٥). وأيضًا فإن الآية وردت في من تزكى وذكر اسم ربه فصلى، كيف الزكاة وكيف الصلاة؟ مأخوذ من الدلائل التي ذكرناها. وأيضًا فإنه إخبار عمن تزكى وصلى، وهذا يقتضي صلاة شرعية، ونحن لا نسلم أن هذا صلى صلاة شرعية إلا على الوجه الذي ذكرناه؛ لأنه لو ذكر الله ربه، ولم يتوضأ، وصلى، أو أحدث في صلاته، أو تعمد ترك شيء من فروضها؛ لم يطلق عليه أنه صلى صلاة شرعية تقتضي صلاة شرعية، ونحن

стр. 1736

لا نسلم أن هذا صلى صلاة شرعية إلا على الوجه الذي دلت عليه الشريعة، فثبت أنه أراد تعالى بقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ مدح من قد فعل الصلاة على ما أوجبته الشريعة. فإن قيل: فقول النبي ﵇: "تحريمها التكبير" (١)، والتكبير والتعظيم يعبر بهما عن معنى واحد، ألا ترى أن من رأى غيره يكبر الله؛ جاز أن يقول: رأيت فلانًا يعظم الله، وكذلك من رآه يعظمه. قيل: ينبغي أن يتبع اللفظ الذي ورد على صاحب الشريعة لا المعاني؛ لأن للفظ معنى يختصه هو به أخص من غيره، وذلك أن كل من كبر الله تعالى فقد عظمه، وليس كل من عظمه فقد كبره، الذي يدل على ذلك أننا إذا عظمنا رئيسًا من الناس بالإكرام والتبجيل، ورفعنا محله؛ قيل: قد عظم، ولا يقال: قد كبر، وإذا قيل: رجل كبير من الناس؛ لم يعقل منه: عظيم من الناس، وقد يقال: كبير المحل، وعظيم المحل، فيشتركان في موضع، ويختص كل لفظ بمعنى يخصه دون صاحبه في موضوعه، وليس يعقل من إطلاق قوله ﵇: "تحريمها التكبير" (٢) تحريمها التعظيم؛ لأننا نعظم الصلاة بأفعال نفعلها من الخشوع، والقنوت، والصمت، والإصغاء، وغير ذلك، فنكون معظمين، ويقال: فلان يعظم الصلاة، ولا يقال: قد كبر الصلاة، فعلمنا بهذا أن للتكبير في الموضوع معنى يخصه. هذا لو لم يرد عن النبي ﵇ غير قوله: "تحريمها التكبير" (٣)، فكيف

стр. 1737

وقد ورد عنه التعليم بقوله: [قولوا] (١) "الله أكبر". فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ (٢) أي عظمنه. قيل: هذا صحيح، وليس معناه معنى كبر يكبر تكبيرًا؛ لأن "أكبرنه" حكاية عن فعل فعلنه، فيه تعظيم له، وكبر يكبر في موضع حكاية عن شيء صغير يصير كبيرًا بفعل يفعل، وتكون حكاية عن قول الإنسان: "الله أكبر"، ألا ترى أنه إذا قيل: "الإمام قد كبر للصلاة"؛ لم يعقل منه معنى أكبرها، وكذلك يقال: كبر على أضحيته، أو في أيام النحر، وعقيب الصلوات، لا يعقل منه أكثر (٣) ولا أعظم، فلكل لفظ هذه الألفاظ من معنى يخصه في إطلاقه وموضوعه. فإن قيل: فقد روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٤) قال النبي ﵇: "لا إله إلا الله" (٥). فلولا أن ذلك يفيد معنى التكبير؛ لم يكن لذكره معنى، ألا ترى أن ظاهر فعله وقوعه على وجه الائتمار لما أمر به. قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أننا لا نمنع أن يعقل أن المراد هذا بدلالة،

стр. 1738

وهذا موضع لم يكن النبي ﵇ قد فرضت عليه الصلاة، فعقل أن المراد التوحيد، ألا تراه قال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فعقل أن المراد توحيد الله تعالى وهجران الصنم (١)، وليس إذا قامت الدلالة في موضع مّا؛ وجب أن يزول عن حقيقة الموضوع والإطلاق، ألا ترى أنه إذا قيل: قد كبر الإمام؛ لم يعقل منه أنه قال: لا إله إلا الله، وكذلك لم نعقل نحن ولا أنتم من قوله ﵇: "تحريمها التكبير" (٢) أي تحريمها التهليل، ولو دخل في الصلاة بقوله: "لا إله إلا الله"؛ لم يجزئه عندكم فيما أظن، بل أظن أنه يدخل في الصلاة بقوله "الله" عندكم (٣)، ونحن نعلم إذا قال: "اللهم اغفر لي"؛ فهو وإن كان دعاء لنفسه فقد عظم الله تعالى؛ لأنه لم يدْع غيره، وهو معتقد أنه لا يغفر الذنوب غيره، ومع هذا لا يجزئه من التكبير (٤). فإن قيل: فإن التكبير ذكر من غير القرآن، جعل شرطًا في صحة الصلاة، فوجب أن لا يتعين، قياسًا على الخطبة. قيل: الخطبة ليست من نفس الصلاة، والتكبير عندنا من نفس الصلاة (٥).

стр. 1739

على أنه قياس يرفع النص الذي رويناه. على أن الخطبة عندكم لو قال كما قال عثمان ﵁: "إنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال"، أو أتى بلفظ غير هذا؛ لأجزأه، وهذا اللفظ لا يدخل به في الصلاة، ولا يقوم مقام قوله: "الله أكبر". فإن قيل: فإننا لا نسلم أن قوله: "الله أكبر" من الصلاة، وإنما هو قبلها. قيل: الأمر عندنا بخلاف ذلك، ونحن نذكر المسألة بعد هذا. فإن قيل: قولكم: إن هذا قياس يدفع النص؛ لا معنى له؛ لأننا نجوز الأمرين جميعًا، فلسنا نسقط النص، وهذا مثل قياس الأرز على البر بالعلة، فنمنع التفاضل فيهما جميعًا. قيل: هذا غلط، ولا يشبه قياس الأرز على البر؛ لأن المصلي إذا دخل في الصلاة بقوله: "الأعظم الله؛ فقد أسقط من هذه الصلاة اللفظ (٣٠٩) الذي نص ﵇، بل لو قالهما جميعًا؛ كان ما تقولونه صحيحًا، فسقط ما ذكرتموه. فإن قيل: فإن التكبير ذكر واجب من غير القرآن، فوجب أن يعتبر فيه المعنى، دليله الشهادتان. قيل: الشهادتان المطلوب منهما الإسلام، ويكون باعتقادهما داخلًا في الإسلام، وباعتقاد التكبير لا يكون داخلًا في الصلاة، فنحن وإن أوجبنا عليه التلفظ بالشهادتين مرة في دهره؛ فلا يعتبر اللفظ؛ لأننا نحتاج أن نعلم دخوله في الإسلام ليحكم له بحكمه، وهو بالاعتقاد قد صار مسلمًا، فبأي لفظ

стр. 1740

علمناه؛ حكمنا له بحكم الإسلام (١)، ولو جاز أن يعلم باعتقاده؛ لكفاه ذلك، وليس كذلك الصلاة؛ لأنه باعتقادها لا يكون داخلًا فيها (٢)، لا فيما بينه وبين الله تعالى، ولا فيما بيننا. على أنه ينتقض بكل لفظ مما ذكرناه من دعائه للأنبياء، والمرسلين، والملائكة، والأولياء؛ لأن فيه تعظيمًا لله تعالى، وهو قصده إليه دون غيره، واعتقاده أنه لا يقدر على ذلك غيره تعالى، ولأن في دعائه للأنبياء والملائكة تعظيمًا لله تعالى، ومع ذلك فلا يجزئه عندكم غير التكبير. وعلى أنه قياس يدفع النص على ما بيناه. وعلى أننا نعارض بقياس آخر فنقول: هو ركن لا تصح الصلاة إلا به (٣)،

стр. 1741

فوجب أن يكون معيّنًا؛ دليله الركوع والسجود. وأيضًا فإنه ذكر واجب في الصلاة يفعل لا على وجه البدل، فوجب أن يتعين قياسًا على فاتحة الكتاب (١). ويكون قياسنا أولى؛ لأنه موافق للنصوص التي ذكرناها. فإن كنا مسؤولين؛ سلم قولنا: إنه ركن في الصلاة أو ذكر فيها؛ لأننا نبنيه على أصولنا من أن التكبير من الصلاة، فإن لم يسلموه؛ نقل الكلام إليه. وإذا كنا سائلين؛ فإنهم يمنعوننا من ذلك - أعني أصحاب أبي حنيفة -، ولكنا نذكر قياسًا يلزم، سواء كنا مسؤولين أو سائلين، فنقول: اتفقنا أنه لو قال: "اللهم غفر لي"؛ لم يجزئه من التكبير، العلة في ذلك أنه لم يقل: "الله أكبر"، فكذلك إذا قال: "الله أعظم"، أو "أجل"، ونرجح قياسنا بما ذكرناه. وهذا القياس أيضًا يلزم أصحاب الشافعي في قوله: "الله الأكبر". أو نقول لهم: إذا قال: "الله الكبير"؛ لم يجزئه، فكذلك إذا قال: "الأكبر"، بعلة أنه لم يقل: "الله أكبر". ويجوز أن نقول: من لم يقل شيئًا؛ لم يكن داخلًا في الصلاة، والمعنى فيه أنه ترك قوله: "الله أكبر" مع القدرة عليه. فإن ذكروا قياسًا يعارضه؛ رجحنا قياسنا باستناده إلى النصوص، وإلى ما عليه الناس خلفًا عن سلف يحفظ عنهم، ولا يسمع منهم غير "الله أكبر" (٢).

стр. 1742

وهذا لو جعل دلالة مبتدأة في المسألة؛ لجاز. وأيضًا فقد روي أن النبي ﷺ قال: "سبحان الله نصف الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السموات والأرض" (١). وهذا يدل على تفضيل هذه الكلمة، فوجب أن لا يعدل عنها. فإن قيل: فإذا جاز أن يكبر بالفارسية؛ جاز ما نقول؛ لأنه يأتي بالمعنى (٢). قيل: نحن لا نُجوّز أن يكبر بالفارسية مع القدرة على العربية، وإنما يجوز ذلك مع الضرورة، والفارسية لفظ يعبر به عن العربية، لأن عندهم أيضًا لفظ "الله أكبر" غير لفظ "الله أعظم"، وغير لفظ "الله أجل"، وغير لفظ "الله الكبير"، وأنتم تقيمون لفظًا مقام لفظ لا أنه عبارة عن ذلك اللفظ (٣)، وإن جوزنا ذلك للضرورة؛ فلا ينبغي أن نجيزه مع القدرة، ألا ترى أن الذي لا يحسن

стр. 1743

القرآن يجوز له التسبيح، ولا يجوز له التسبيح مع القدرة على القراءة. فإن قيل: فأجيزوا القراءة بالفارسية للضرورة. قيل: إنما امتنعنا من ذلك لأن المعنى الذي أريد من القرآن الإعجاز والنظم الذي فيه، وترجمته بالفارسية تبطل هذا المعنى ويصير غير معجز، وليس كذلك التكبيرة؛ لأن المبتغى منه المبالغة. وهذه الدلائل في المسألة كلها تلزم أصحاب الشافعي في قولهم: "الله الأكبر". وبمثل هذه الدلائل يستدل على أنه لا يجوز في التسليم غير "السلام عليكم" بفعل النبي ﵇ وتعليمه (١). وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٢) في التكبيرة الأولى التي هي تكبيرة الإحرام هل هي من الصلاة (٢): عندنا وعند الشافعي أنها منها (٣).

стр. 1744

وحكي عن الكرخي وأصحاب أبي حنيفة أنه لا تقع في الصلاة، وأن الصلاة تقع بعدها. قالوا: وكلام محمد بن الحسن في كتاب الطهارة يقتضي ما قاله (١). والدليل لقولنا قوله ﵇ للأعرابي وقوله: "ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال: ما أحسن غير هذا فعلمني". والمراد بقوله: "فعلمني" الصلاة، فقال له: "قل: الله أكبر، ثم اقرأ" (٢). فدل على أنها من الصلاة. وكذلك روي أنه افتتح الصلاة بقوله: "الله أكبر" (٣)، ففاتحتها منها، كما أن فاتحة الكتاب من الكتاب. وأيضًا قوله ﵇: "تحريمها التكبير" (٤). والإحرام (٣١٠) بها منها، كما أن الإحرام بالحج من الحج. وأيضًا قوله ﵇: "إن صلاتنا لا يصلح فيه شيء من كلام الآدميين، إنما هي تكبير وتسبيح وقراءة القرآن" (٥). فجعل التكبير من الصلاة.

стр. 1745

وأيضًا فإن التكبير لفظ لا يصح إلا بطهارة، وستر العورة، وإزالة النجاسة مع العلم والقدرة، فأشبه سائر أفعال الصلاة. وأيضًا فإنه ذكر شرطه التوجه (١) مع القدرة، لا يجوز تركه، فأشبه القراءة. وأيضًا فإن ابتداء الشيء منه. فإن قيل: فإن قوله: "تحريمها" (٢) هذه الهاء كناية عن الصلاة، فكأنه قال: "تحريم الصلاة التكبير"، وهذا يفيد تقدمه على جميع الصلاة، ألا ترى أن قوله: "الصلاة" عبارة عن جميعها لا عن بعضها، وأن التحريمة لو كانت صلاة؛ لصارت كأنه قال: تحريم الصلاة صلاة، هذا لا يصح، فصار الخبر دلالة لنا. قيل: هذا غلط بيِّن، ليس إذا أضيف الشيء إلى اسم الكل؛ لا يكون منه (٣)، ألا ترى أن القائل يقول: هذا باب الدار، وهذا حائط الدار، وهذا سور بغداد، وهذا رأس زيد، وهذا أول الصلاة، فلا يدل على أن البعض المضاف إلى اسم الكل ليس منه (٤). وقولكم: "إنه لو كان معنى قوله: تحريم الصلاة صلاة" لم يكن له معنى"؛ فكذلك يلزم لو قال: "أول الصلاة التكبير" وهو صلاة، لكان معناه:

стр. 1746

أول الصلاة صلاة، وكذلك لو قال: "أول الصلاة صلاة"، وكذلك لو أراد إنسان أن يُعرّفنا فيقول: أول كتاب أبي حنيفة الطهارة؛ لكان معناه: أول كتاب أبي حنيفة كتاب أبي حنيفة، فعلمت أن هذا ساقط، وإنما يعرف الأول بشيء يخصه حتى يعرف منه الابتداء، وإلا فنحن نعلم أن كل جزء من الصلاة صلاة، فأراد أن يعرفنا أن ابتداء هذه الأجزاء - المعبر عنها بالصلاة - أولها وافتتاحها تكبيرة الإحرام، وقد قلنا: إن ابتداء الشيء منه. فإن قيل: فإن معنى قوله ﵇: "صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تكبير" (١). فإنه يدل أن الصلاة تكون تكبيرًا، ولا يدل على أن كل تكبيرة صلاة (٢)، وهذا موضع الخلاف، ألا ترى أن التكبيرات التي تقع في الصلاة هي منها، وخلافنا وقع فيما لا يحصل في الصلاة هل هو منها، فلا دلالة في اللفظ عليه، يدلك على ذلك أنه ذكر قراءة القرآن والتسبيح، ولم يدل هذا على أن كل ما هو من هذا الجنس فهو من الصلاة. قيل: هذا غلط بيِّن؛ لأن قوله ﵇: "إنما هي تكبير" (٣) أي هي تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبير، ولما جعلت القراءة التي فيها والتكبير صلاة؛ فتكبيرة الإحرام صلاة، ألا ترى أنه ﵇ لو صرح فقال: "إنما هي تكبيرة الإحرام، والقراءة، وتكبيرة الركوع"؛ لكان صحيحًا، فثبت بهذا أن إخراج

стр. 1747

تكبيرة الإحرام بغير دلالة لا يسوغ. فإن قيل: فإن اعتباركم بالطهارة وأن التكبيرة لا تصح إلا بها؛ اعتبار غير صحيح؛ لأن الطهارة ليست لأجل نفس التكبيرة، ولكنها لأجل ما يفعل عقيبها من أفعال الصلاة، وذلك أن الأفعال لا يمكن أن يفصل بينها وبين التحريمة، فلذلك لم يصح أن تكون على غير طهارة، فصارت الطهارة معتبرة لأجل ما بعد التكبير من أفعال الصلاة، وأفعال الصلاة تفعل بالطهارة، ولا يصح أن يكون مؤديًا لجزء من الصلاة مع الحدث. قالوا: وبين ذلك أن من حكم الطهارة أن تتقدم استقبال القبلة، ولم يدل ذلك على أن الطهارة شرط في استقبال القبلة، وأنها من الصلاة، وكذلك نية الصلاة حكمها أن تكون الطهارة موجودة قبلها وإن لم تكن من الصلاة. قيل: قولكم: "إن الطهارة تفعل لأجل ما بعد تكبيرة الإحرام"؛ دعوى لا دليل معها، وقد بينا أنها لا تصح إلا بالطهارة كسائر أفعال الصلاة وأقوالها. فأما ما ذكرتم من استقبال القبلة للصلاة؛ فإنه يصح أن يكون مستقبل القبلة قبل أن يتطهر، ثم يتطهر للصلاة، ويستصحب استقبالها حتى يدخل في الصلاة (١)، وكذلك أن يقدم النية قبل الطهارة، ثم يستصحبها حتى يدخل في الصلاة وتكبيرة الإحرام لا يصح الابتداء بها إلا بعد الطهارة

стр. 1748

والنية، فهي كالقراءة. وقولكم: "إنه لا يمكن الفصل بين التكبيرة وبين الصلاة"؛ فهو حجتنا، وأنها من الصلاة فهي كالقراءة. فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١)، والذكر الذي يتعلق به الصلاة هو التكبير (٢)، وقد جعله مصليًّا عقيبه؛ لأن الفاء للتعقيب (٣)، فصار ذلك أصلًا في أن التكبير [لا يقع إلا في الصلاة] (٤)، وليست منها (٥). قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يقل: "قد أفلح من تزكى، وكبر للصلاة فصلى"، وإنما أراد من قصد الله تعالى بصلاته، أي ذكره فصلى أي فكبر وقرأ؛ لأن هذه هي الصلاة، وإنما أراد الذكر الذي هو بالقلب، لأنه يكون ذاكرًا بقلبه كما يكون ذاكرًا بلسانه (٦). ويجوز أن يكون ذكر اسم ربه بالأذان والإقامة (٧)، .............

стр. 1749

ثم صلى (١)، فليس لكم في الآية دلالة. فإن قيل: فقد قال ﵇: (٣١١) "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم من الصلاة فاقضوا" (٢). معناه: ما أدركتم من صلاة الإمام فصلوا، وما فاتكم من صلاته فاقضوا، وقد اتفقوا أن المدرك بعض صلاة الإمام لا يؤخر تكبيرة الإحرام إلى آخر صلاته، فعلمنا أنها ليست من صلاته؛ إذ لو كانت؛ لوجب تأخيرها، فلما لم يفعل ذلك أحد من الأمة؛ علمنا أنه لا يتناوله الاسم. قيل: لا دلالة لكم في هذا؛ [لأن] (٣) قوله ﵇: "ما أدركتم من صلاة الإمام فصلوا" ويكون هذا الذي تدركونه أول صلاتكم، وتكبيرة الإحرام منه. وقوله: "وما فاتكم فاقضوا"، أي إذا أتممتم فقد صرتم في معنى من قد صلى الجماعة من أولها، فكان هذا الإتمام قد وقع موقع ما فاتكم من صلاة الإمام، فحصل لكم حكم الجماعة وثوابها. وهذا على الرواية التي يقول مالك: إن ما أدرك أول صلاته، فليس

стр. 1750

يحتاج إلى تأخير تكبيرة الحرام؛ لأنها قد حصلت أول صلاة. وعلى الرواية التي يقول مالك: إن ما أدرك فهو آخر صلاته (١)؛ فلا يمكن أن ينتقل حكم تكبيرة الإحرام - وهي جزء من الصلاة - من موضعه، فيصير بموضع آخر بحكم الجماعة، ألا ترى أن الذي يلحق الإمام راكعًا فكبر وركع، وقد كان موضع تكبيرته في الانفراد غير هذا الموضع؛ لأنه كان يتعقبها باستدامة القيام للقراءة، ولو فعل هذا منفردًا؛ لم يجزئه. وهكذا أيضًا قولكم: إنها ابتداء الصلاة وإن لم تكن منها، ثم إذا أدرك ركعة من صلاة الإمام؛ أوقعتم تكبيرة الإحرام ابتداء لآخر ركعة من الصلاة لموضع الجماعة، فكذلك فعلنا نحن، ولا يخرجها أن تكون من الصلاة. فإن قيل: فإن التكبير سبب يتوصل به إلى إقامة الصلاة، فأشبه الطهارة، وستر العورة، وأن التكبير مما يتوصل إلى الدخول في الصلاة به. قيل: هذه العبارة خطأ؛ لأن قولك: "إن التكبير سبب يتوصل به إلى الصلاة"؛ هو المسألة، فكأنك غيرت العبارة، كيف [يسلم] (٢) لك أنه سبب يتوصل به إلى الصلاة وهو من الصلاة، هذا إنما نسلمه لك في الطهارة؛ لأنها ليست من الصلاة، وتكبيرة الإحرام عندنا من الصلاة، فلا يقال: إنها سبب يتوصل به إلى الصلاة؛ لأن هذا بمنزلة ما يقول لك قائل: الركوع والقراءة اللذان فيها من الصلاة هما سببان يتوصل بهما إلى إقامة الصلاة، أو كل واحد منهما سبب يتوصل به إلى إقامة الصلاة، فمهما أجبته به؛ فهو

стр. 1751

جوابنا، وهو أن القراءة من الصلاة، فكيف يقال: إنها سبب يتوصل به إلى إقامة الصلاة. وكذلك قولك: "إن التكبير مما يتوصل به إلى الدخول في الصلاة"؛ خطأ؛ كيف يكون ذلك وهو بالتكبير داخل في الصلاة، وهذا بمنزلة إنسان يقول لإنسان قد دخل في الدار: توصّلْ إلى الدخول، فيقول له: كيف أتوصل إلى الدخول وأنا داخل، هذا محال. على أن هذا يفسد بالدخول في الصوم. فإن قيل: الدخول في الصوم يقع بالإمساك، وهو من جنس الفعل الذي يقع بعده. قيل: والدخول في الصلاة بتكبيرة الإحرام، وهو القول الذي هو من جنس القول الذي يكون في الصلاة ويقع بعده. فإن قيل: فإنه ذكر لا يتقدمه شيء من أجزاء الصلاة، فوجب أن لا يكون فيها، دليله الخطبة والأذان. قيل: هذا قياس باطل؛ لأنه يؤدي إلى الباطل، وما أدى إلى الباطل؛ فهو مثله، وذلك أنك لا تنفك ممن يتطرق إلى إبطال الجزء الأول الذي عندك أنه أول الصلاة، ومنها بمثل هذا القياس سواء، فإن جعلت أولها بعد تكبيرة الإحرام وهو الانتصاب؛ قال: هو فعل لم يتقدمه شيء من أجزاء الصلاة، فوجب أن يكون كالقيام إلى الأذان، والإقامة، واستقبال القبلة، وإن جعلته قولًا؛ قال: هو ذكر لم يتقدمه شيء من أجزاء الصلاة، فأشبه الأذان

стр. 1752

والإقامة، فلما كان قياسك يؤدي إلى هذا الفاسد؛ كان فاسدًا (١). على أننا قد ذكرنا قياسات بإزائه، ونرجح قياسنا باستناده إلى الأخبار، وإلى أن أول الشيء منه. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢) (٢٣): قال مالك ﵀: ولا يرفع المصلي يديه إلا في تكبيرة الإحرام (٣).

стр. 1753

وروى عنه أشهب أن الإمام إذا ركع يرفع يديه ويرفع من خلفه، وليس بلازم، وفيه سعة (١). وكذلك [روى] (٢) عنه ابن وهب إذا ركع وإذا رفع (٣).

стр. 1754

وقال أبو حنيفة: يرفع في تكبيرة الإحرام وحدها؛ كأحد روايتي مالك (١). وقال الشافعي: يرفع عند كل خفض ورفع (٢). والدليل لقول مالك ﵀: إنه يرفع يديه في تكبيرة الإحرام دون غيرها:

стр. 1755

ما رواه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو حميد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو هريرة، وابن عمر ﵃ "أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه" (١).
следующие страницы →