← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

جوابنا، وهو أن القراءة من الصلاة، فكيف يقال: إنها سبب يتوصل به إلى إقامة الصلاة. وكذلك قولك: "إن التكبير مما يتوصل به إلى الدخول في الصلاة"؛ خطأ؛ كيف يكون ذلك وهو بالتكبير داخل في الصلاة، وهذا بمنزلة إنسان يقول لإنسان قد دخل في الدار: توصّلْ إلى الدخول، فيقول له: كيف أتوصل إلى الدخول وأنا داخل، هذا محال. على أن هذا يفسد بالدخول في الصوم. فإن قيل: الدخول في الصوم يقع بالإمساك، وهو من جنس الفعل الذي يقع بعده. قيل: والدخول في الصلاة بتكبيرة الإحرام، وهو القول الذي هو من جنس القول الذي يكون في الصلاة ويقع بعده. فإن قيل: فإنه ذكر لا يتقدمه شيء من أجزاء الصلاة، فوجب أن لا يكون فيها، دليله الخطبة والأذان. قيل: هذا قياس باطل؛ لأنه يؤدي إلى الباطل، وما أدى إلى الباطل؛ فهو مثله، وذلك أنك لا تنفك ممن يتطرق إلى إبطال الجزء الأول الذي عندك أنه أول الصلاة، ومنها بمثل هذا القياس سواء، فإن جعلت أولها بعد تكبيرة الإحرام وهو الانتصاب؛ قال: هو فعل لم يتقدمه شيء من أجزاء الصلاة، فوجب أن يكون كالقيام إلى الأذان، والإقامة، واستقبال القبلة، وإن جعلته قولًا؛ قال: هو ذكر لم يتقدمه شيء من أجزاء الصلاة، فأشبه الأذان

стр. 1752

والإقامة، فلما كان قياسك يؤدي إلى هذا الفاسد؛ كان فاسدًا (١). على أننا قد ذكرنا قياسات بإزائه، ونرجح قياسنا باستناده إلى الأخبار، وإلى أن أول الشيء منه. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢) (٢٣): قال مالك ﵀: ولا يرفع المصلي يديه إلا في تكبيرة الإحرام (٣).

стр. 1753

وروى عنه أشهب أن الإمام إذا ركع يرفع يديه ويرفع من خلفه، وليس بلازم، وفيه سعة (١). وكذلك [روى] (٢) عنه ابن وهب إذا ركع وإذا رفع (٣).

стр. 1754

وقال أبو حنيفة: يرفع في تكبيرة الإحرام وحدها؛ كأحد روايتي مالك (١). وقال الشافعي: يرفع عند كل خفض ورفع (٢). والدليل لقول مالك ﵀: إنه يرفع يديه في تكبيرة الإحرام دون غيرها:

стр. 1755

ما رواه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو حميد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو هريرة، وابن عمر ﵃ "أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه" (١).

стр. 1756

فلو كان رفع يديه في غيرها؛ لذكروه (١). وقال الحسن: كان أصحاب (٣١٢) رسول الله ﷺ إذا صلوا يرفعون أيديهم كأنها المراوح (٢). فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس" (٣). قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن يكون فيما عدا تكبيرة الافتتاح، بدلالة افتتاحه برفع يديه. ويحتمل أن يكون أراد اضطرابها وتحريكها يمينًا وشمالًا كأذناب الخيل (٤).

стр. 1757

ووجه الرواية الأخرى (١) ما رواه الحسن قال: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا صلوا؛ يرفعون أيديهم كأنها المراوح" (٢). ولم يخصوا تكبيرة الإحرام من غيرها (٣). وروى ابن عباس ﵀ أن النبي ﵇ قال: "لا ترفع الأيدي إلا في تسعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، وذكر عند الركوع وغيره" (٤). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٥). قيل: أمر بالكف قبل الصلاة، وهو الذي تعمله العامة من الناس من رفع الأيدي في الدعاء قبل الصلاة، ألا ترى أنه قال: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا

стр. 1758

الصَّلَاةَ﴾ (١)، فجعل إقامة الصلاة أي فعلها بعد الكف. ويتأول قوله ﵇: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس" (٢) على ما تأولناه من تحريكها يمينًا وشمالًا (٣). ووجه الرواية (٤) أنه لا يرفع في تكبيرة الإحرام ولا غيرها؛ ما رواه ابن مسعود ﵀: "أن النبي ﵇ رفع يديه في الصلاة في أول مرة ثم لم يعد" (٥). فصار في الرفع سعة، وفي تركه سعة؛ لاختلاف هذه الروايات عن النبي ﵇. والأولى عندي الرفع في تكبيرة الإحرام دون غيرها لما روته الصحابة عنه.

стр. 1759

وتأويل قول ابن مسعود أنه ﵇: "رفع يديه في الصلاة في أول مرة" (١)، أي في أول ما نزل الفرض في تكبيرة الإحرام وغيرها، ثم لم يعد إلى ما سوى تكبيرة الإحرام؛ لأن قوله "رفع" حكاية عن فعلة واحدة فيحتمل ما قلناه، ولم يتبين في أي شيء رفع أيضًا. وقول الصحابة ﵃: "كان إذا افتتح" حكاية عن التكرار، مع أن قولهم مثبت، وابن مسعود ناف، فالمثبت أولى من النافي، ولأن تكبيرة الإحرام لما كانت فرضًا لأنها تحريم الصلاة؛ خصت برفع اليدين فيها، حتى إذا رآه من خلفه؛ علم أنه مفتتح لصلاة (٢)، فهي علامة يتبين بها من باقي التكبير (٣)، والله أعلم. وكذلك روي عن علي (٤)، وابن مسعود (٥)، .................

стр. 1760

وأبي هريرة (١): أنهم كانوا لا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح. وكذلك روي عن ابن عمر (٢). وكذلك قال علقمة [قال عبد الله] (٣): "أريكم كيف كانت صلاة رسول

стр. 1761

الله ﷺ ، وصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة" (١). وكذلك قال البراء بن عازب: "إن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود" (٢). وكذلك قال: "رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة، ولم يرفعهما حتى انصرف" (٣). مَسْألة (٢٤): قال مالك ﵀: ويرفع يديه حذو منكبيه، معنى هذا في الرواية التي روي عنه أنه يرفع (٤).

стр. 1762

وقال الشافعي مثل ذلك (١). وقال أبو حنيفة: يرفع يديه إلى أذنيه (٢). وكل عندنا واسع (٣)، ولكن الاختيار حذو منكبيه (٤)؛ لما رواه مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه" (٥). وروى مثل ذلك عمر (٦)، وعلي (٧)، وأبو هريرة (٨)، وأبو حميد (٩). وروي عن ابن عمر أنه قال: "أرأيتم رفع أيديكم في الصلاة - وأشار نحو رأسه - إنها لبدعة، ما زاد ﵇ على هذا، ورفع يديه حذاء صدره في التكبيرة" (١٠).

стр. 1763

وروى ابن الزبير عن أبي بكر "أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه" (١). فإن قيل: فقد روى مالك بن الحويرث "أن النبي ﵇ كان إذا كبر؛ رفع يديه حتى يجاوز بهما فروع أذنيه" (٢). وروى وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﵇ رفع يديه حتى بلغتا شحمة أذنيه" (٣). وفي خبر أبي مسعود الأنصاري أنه قال: "ألا أخبركم عن صلاة النبي ﵇ قام فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه" (٤). وروى حميد عن أنس قال: "كان النبي ﵇ إذا افتتح الصلاة؛ كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه" (٥). قيل: الذي رواه أبو حميد الساعدي قال عنه محمد بن عمرو بن عطاء: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﵇، قالوا: منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلم؟! فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعا، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، وساق صفة صلاته إلى آخرها، فقالوا له: صدقت" (٦).

стр. 1764

هذا مع ما رواه مالك، عن الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ (١)، وما رواه عمر، وعلي، وأبو هريرة، وابن عمر (٢)، (٣١٣) وهؤلاء خاصته ﷺ ، فهو أولى، فيحمل هذا على الاختيار، وما رويتموه على الجواز. فإن قيل: أخبارنا زائدة، والزائد أولى. قيل: قد استعملنا الزيادة على الجواز، وأخبارنا على الاختيار؛ لأن لها مزية من الوجه الذي ذكرناه، ولأن الرفع عمل من الصلاة، فلولا هذه الأخبار؛ لما جوزناه، فالاقتصار على المنكبين أولى من الزيادة في العمل، ألا ترى أن الزيادة حتى يحاذي الرأس مكروه (٣). فإن قيل: فقد روى ابن عمر: "أن النبي ﵇ كان يرفع إلى الصدر" (٤). فهلا اقتصرتم عليه (٥). قيل: الصحيح عن ابن عمر هو الذي نقلناه عنه، والذي كان هو يفعله (٦)، ولو صح عنه ذلك؛ لكانت الطرق التي ذكرناها أولى منه، وأولى مما ذكرتموه

стр. 1765

أنتم من الزيادة. والله أعلم (١). مَسْألة (٢٥): اختلفت الرواية عن مالك ﵀ في وضع اليمين على الشمال في الصلاة (٢).

стр. 1766

فروى عنه ابن عبد الحكم أنه قال: "لا بأس بوضع اليمين على الشمال في الصلاة" (١). وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا يفعل (٢). وقال أبو حنيفة والشافعي (٣): يضع يمناه على يسراه، مثل إحدى الروايتين عن مالك (٤). والحجة للوضع (٥)؛ ما رواه عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "أمرنا معشر الأنبياء أن نعجل الإفطار، ونؤخر السحور، ونمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة" (٦).

стр. 1767

وكذلك روى سهل بن سعد عن النبي ﵇ أنه قال: "ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليد على اليد في الصلاة" (١). وروي عن علي ﵁ "أنه كان يفعل ذلك، وفسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢)، قال: وضع اليمين على الشمال" (٣). وكذلك روي أن ابن عمر كان يفعل ذلك (٤). وكذا روى علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﵇ وضع يده اليمنى على يده اليسرى (٥).

стр. 1768

وكذا روي عن عبد الله قال: "كنت أصلي وقد وضعت يدي اليسرى على يدي اليمنى، فجاء النبي ﷺ فأخذ يدي اليمنى فوضعها على يدي اليسرى" (١). ووجه الرواية الأخرى قوله تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ (٢)، والكف هو الإمساك عن الإقدام على شيء يعمل، ووضع اليد على اليد عمل في الصلاة، فوجب أن يكف يده عنه (٣). وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤)، والخشوع الاستذلال بين يدي الله تعالى (٥). وكذلك: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦)، والقنوت الطاعة في موضع، وفي موضع الدعاء (٧)، فالطاعة لله امتثال ما أمر به، ولم يؤمر في الصلاة بوضع

стр. 1769

اليد على اليد، ألا ترى أن النبي ﵇ علم الأعرابي وغيره أمر الصلاة فلم يأمره بوضع اليد على اليد (١). والقنوت الذي هو الدعاء ليس فيه موضع توضع فيه اليد على اليد، بل ينبغي أن يكون مرسلًا يديه لموضع الدعاء، وهو أنه عمل في الصلاة لا يحتاج إليه، ولا به ضرورة إليه. وأيضًا فإنه موضع ذكر في الصلاة، فلم يستحب فيه وضع اليد على اليد، دليله: موضع التشهد، وبين السجدتين. وأيضًا فإنه وضع يد على يد، فأشبه وضعهما من خلف ظهره. على أن وضعهما من خلف ظهره إحداهما على الأخرى أشد في التواضع، الدليل على هذا قيام العبيد بين يدي الملوك، فإذا كان هذا مكروهًا في الصلاة - لأنه يفعل بجبابرة الدنيا، وقد نهينا في الدين أن نفعل مثل هذا في الصلاة -؛ فكذلك وضع اليد على اليد من قُدّام، وكما لا يضع يديه على خاصرتيه - لأنه من فعل الأعاجم لملوكها (٢) -؛ فكذلك هذا.

стр. 1770

فإن قيل: فإن هذا أقرب إلى الخشوع. قيل: جعلهما كذلك من خلف أقرب إلى الخشوع والخضوع، ألا ترى أن القيام على فرد رجل أقرب إلى الخشوع، وليس بمستحب، والخشوع لله تعالى الإقبال عليه، والإخلاص في الصلاة، فأما بوضع يد على يد؛ فذلك عمل زائد ربما شغل، وربما دخله ضرب من الرياء (١). وما روي أن النبي ﵇ قال: "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الفطر، ونؤخر السحور، ونضرب بأيماننا على شمائلنا" (٢). يدل على أن الأنبياء خصوا بذلك (٣)، ولو أراد أن تفعل أمته ذلك؛ لقال: "وافعلوه"، ثم فعل هو ما خص به. وما فعله عبد الله من وضعه يسراه على يمناه، فجعل النبي ﵇ يمناه على يسراه (٤)؛ فإنه رآه قد فعل الجائز، ولكنه أراه أن الجائز صفته أن يكون هكذا في اختيار الجواز. والله أعلم. فإن قيل: فقد روي عن علي ﵁ أنه قال: "السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة" (٥). قيل: معناه: من وضع يده على يده في الصلاة؛ فسنة ذلك أن تكون

стр. 1771

تحت السرة (١)، لا لأنه أراد أن نفس الوضع سنة، يحتمل هذا بما ذكرناه من الدلائل إن شاء الله (٢). مَسْألة (٢٦): قال مالك ﵀: وليس التوجيه (٣) في الصلاة بواجب على الناس، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة (٤). ولا هو عنده أيضًا مسنون بعد التكبير (٥). (٣١٤)

стр. 1772

قال أبو حنيفة: والمسنون أن يقرأ بعد التكبيرة التسبيح. وبذلك قال محمد (١). وقال أبو يوسف: يجمع بين التسبيح وبين قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢). وله الخيار أن يبدأ بأيهما شاء (٣). وقال الشافعي: يقرأ قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ الآية (٤). والدليل لقولنا أن الأصل براءة الذمة، فلا يتعلق عليها مفروض ولا مسنون إلا بدلالة. وأيضًا فقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٥). فهذا معناه: "فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون"، فدل الخطاب ذلك أن لا يسبحوه (٦) في غير هذين إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٧).

стр. 1773

وهذا يقتضي أن يكون قبل التكبيرة، وإنما هو حين القيام (١). وأيضًا فإن النبي ﵇ علم الأعرابي الصلاة فقال له: "كبر، ثم اقرأ"، ولم يقل له سبح (٢)، ولا قل: "وجهت وجهي". وأيضًا قوله: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه، إلى أن قال: ثم يكبر، ثم يقرأ" (٣). ففي هذا دليلان: أحدهما: قوله: "ثم يكبر ثم يقرأ"، فلم يذكر بعد التكبير غير القراءة. والدليل الآخر: أنه قال: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل"، فدليله أنه إذا فعل ذلك؛ فصلاته قد تمت، وهم يقولون: إذا صلى ولم يقل بعد التكبيرة ذلك؛ فصلاته غير تامة (٤). وأيضًا قول النبي ﵇ لأُبيّ: "إني لأرجو أن لا تبرح من هذا المسجد

стр. 1774

حتى أعلمك سورة ما أنزل الله تعالى في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلها، قال أبيّ: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، فقلت: يا رسول الله: السورة التي وعدتني، قال: كيف تقرأ إذا كبرت؟ قال: فقلت: الله أكبر، الحمد لله رب العالمين" (١). فلم يذكر تسبيحًا ولا توجيهًا قبل فاتحة الكتاب، فلو كان ذلك واجبًا أو مسنونًا؛ لم يذهب على أبيّ، ولم يقره النبي على ذلك (٢)، بل كان ينكر عليه إن كان عالمًا، وقد ترك أن يعلمه ﵇ إن كان جاهلًا به. وأيضًا فما روى أنس، وعبد الله بن مغفل، وجماعة أخر: "أن النبي ﵇، وأبا بكر، وعمر، وعليًّا، كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير ثم بالقراءة" (٣).

стр. 1775

ومما يدل على أنه غير واجب قبل القراءة؛ أنه ذكر ذلك عن النبي ﷺ بألفاظ مختلفة، فلو كان ذكرًا واجبًا؛ لكان مقدرًا كالقراءة التي الواجب منها مقدر معلوم في الصلاة حتى لا تجزي إلا به، كتكبيرة الإحرام، والسلام (١). ومما يدل أيضًا على أن التوجيه والتسبيح غير واجب في الصلاة (٢)؛ أننا رأينا في الصلاة بعد الدخول فيها وفي تضاعيفها ذكرين:

стр. 1776

أحدهما: القراءة. والآخر: غير القراءة. ثم اتفقنا (١) على أن الذكر الذي هو غير القراءة مثل: التسبيح في الركوع والسجود، وتكبير ذلك؛ غير واجب، فكذلك التوجيه والتسبيح الذي يقولون، لأنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس بقرآن. فإن قيل: ينتقض بتكبيرة الإحرام والتسليم. قيل: قد احترزنا عن ذلك، وقلنا: ذكر تضاعيف الصلاة، وما في طرفيها ليس في تضاعيفها. فإن قيل: ينتقض بالتشهد الأخير. قيل: ليس بواجب، فهو كالتوجيه (٢). فإن قيل: فقد روى أبو سعيد الخدري قال: "كان النبي ﵇ إذا كان من الليل؛ استفتح صلاته فكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثلاثًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكلامًا آخر، ثم قرأ" (٣).

стр. 1777

وكذلك روي عن أنس قال: "كان النبي ﵇ إذا أقيمت الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقرأ: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك" (١). قيل: الحديث الأول معناه في صلاة الليل النافلة، وكذا مذهبنا. وحديث أنس يجوز أن يكون - إن صح - فمعناه قبل أن تنزل فاتحة الكتاب، أو قبل أن تفترض قراءتها في الصلاة، بدلالة ما ذكرناه [عنه] (٢) ﵇ من التعليم، وفعل الصحابة على الافتتاح بالتكبير ثم القراءة. فإن قيل: فإنه لم يقل: قراءة القرآن، وإنما معكم: افتتح بالقراءة، ونحن نقول: بقراءة التسبيح والتوجيه. قيل: القراءة إذا أطلقت؛ لم يعقل منها غير القرآن، وما ذكرتموه يحتاج إلى دلالة، فلا يقال مطلقًا: إنه يقرأ حتى يقال: يقرأ "سبحانك اللهم وبحمدك"، وغير ذلك. وكذلك يتأول ما يرويه عن نافع عن ابن عمر قال: "كان النبي ﵇ إذا كبر للصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك" (٣)، وكلامًا آخر معه.

стр. 1778

وعلى أنه كان يفعل ذلك في صلاة النافلة، وكذلك ما روته عائشة ﵂ أنه "كان ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، ثم يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك" (١)؛ محمول على صلاة النافلة (٢). وفي الحديث عنها: أنه كان في صلاة الليل (٣). وذكر عنها أنه كان يفتتح بغير التسبيح (٣١٥) والتوجيه (٤)، بدلالة تعليمه للأعرابي الصلاة، وهذا تعليم الفرض (٥). فإن قيل: فقد روى علقمة والأسود أنهما سمعا عمر كبر ورفع صوته، ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك" (٦) إلى آخره.

стр. 1779

قيل: هو محمول على صلاة النافلة فإن قيل: فما الفرق بين النافلة والفرض. قيل: النافلة أخف من أمر الفرض؛ لأنه يجوز أن يصليها قائمًا وقاعدًا، وإلى القبلة وغيرها مع القدرة، فأمرها أيسر. ولنا أيضًا ما رواه الأعرج عن [عبيد الله بن أبي رافع] (١) عن علي "عن النبي ﵇ كان إذا قام إلى الصلاة قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ (٢) الآية.

стр. 1780

وكذا رواه عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عنه ﵇ (١). وهذا يدل على أنه قبل التكبير؛ لأنهما قالا: كانا إذا قام إلى الصلاة قال ذلك، ولم يقولا بعد التكبير (٢)، وهذا كقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣).

стр. 1781

وهذا دلالة على الشافعي؛ لأنه يقول ذلك بعد التكبير. ودلالة على أبي حنيفة؛ لأنه لو كان هناك شيء من التسبيح يقال بعد التكبير؛ لكان نقله أولى من نقل ما هو قبل التكبير، ألا ترى أنه [قال] (١) فيه: "إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي، وإذا ركع قال في ركوعه: لك ركعت وبك آمنت" (٢)، وكذلك في السجود، فلو كان بعد التكبير شيء؛ لذكر (٣). فإن قيل: فإن حال القيام حال ذكر، فوجب أن يكون المسنون فيه التسبيح، دليله حال الركوع والسجود. قيل: ينتقض بالركعة الثالثة، وأيضًا فإن حال القيام حال ذكر هو القرآن، فلم يحتج معه إلى تسبيح، وحال الركوع هي حال التسبيح، وحال السجود حال الدعاء عندنا، فلم يشبه حال القيام الذي هو القراءة. وعلى أن جميع ما يروونه عن النبي ﵇ وأصحابه ﵃ لو صح أن ذلك كان في صلاة الفرض بعد التكبير؛ لجاز أن يحمل على الجواز، فأما الاستحباب والمسنون؛ فهو تركه، واستعمال القراءة بعد التكبير. وقد روى سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال الرجل: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ" (٤).

стр. 1782

ولم يذكر له تسبيحًا ولا توجيهًا (١). وقد قال: "خطابي للواحد خطابي للجماعة" (٢). وهو من أوضح دلالة على صحة قولنا. وبالله التوفيق. مَسْألة (٣) (٢٧): قال مالك ﵀: ولا يجهر "ببسم الله الرحمن الرحيم"، ولا يسر بها في

стр. 1783

مكتوبة ولا نافلة (١)، وليست عنده من فاتحة الكتاب، ولا من أول كل سورة (٢). وكذلك عند أبي حنيفة (٣). وقال الشافعي: هي ٣. آية من فاتحة الكتاب. وله قولان في أنها [آية] (٤) من أول كل سورة، سوى فاتحة الكتاب فإنه قول واحد أنها آية منها (٥).

стр. 1784

والدليل لقولنا أن الطريق إلى إثبات أنه من السورة كالطريق إلى إثبات السورة نفسها، فلو كانت آية منها؛ لجرت مجراها في باب النقل الذي يقطع العذر، ويوقع العلم، ألا ترى أنهم لم يختلفوا أن النبي ﵇ قرأ "الحمد لله رب العالمين"، كما لم يختلفوا أنه قرأ فاتحة الكتاب، [و] (١) وقع العلم بهما وقوعًا واحدًا، ولما اختلفوا في بسم الله الرحمن الرحيم؛ فقال بعضهم: قرأها من فاتحة الكتاب، وقال بعضهم: لم يقرأها منها، ولم يقع لنا العلم الضروري بذلك؛ علمنا أنها ليست منها، ألا ترى أن صلاة الظهر وصلاة العصر لما كان الطريق إلى إثباتهما واحدًا؛ لم يختلف النقل في واحدة منهما، ووقع العلم بهما وقوعًا واحدًا. دليل آخر: وهو أن القرآن يثبت بأحد أمرين: إما بنقل يقطع العذر، أو إعجاز (٢). وليس في كون "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب شيء من ذلك، ألا ترى أنها لما أنزلت في سورة النمل، ولم تكن الآية في نفسها معجزة؛ وقع العلم الضروري بها لاستواء نقلها مع نقل الآية التي

стр. 1785

تليها والآية التي قبلها. فإن قيل: فإن اختلافهم أنها من فاتحة الكتاب أو ليست منها لا يدل على أنها ليست منها، ألا ترى أن ابن مسعود قال في المعوذتين: "إنهما ليستا من القرآن" (١). ولم يدل ذلك على نفيهما من القرآن، فكذلك "بسم الله الرحمن الرحيم"

стр. 1786

لا يدل اختلافهم على أنها ليست من فاتحة الكتاب. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن ابن مسعود ﵁ لم يقل: إن النبي ﷺ لم يقرأ المعوذتين، كما قال أكثر من صلى خلف النبي ﷺ : إنه لم يقرأ بعد التكبير "بسم الله الرحمن الرحيم"، وإنما كان يفتتح بعد التكبير بالحمد الله رب العالمين، وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ فيما رواه أنس، وعبد الله بن مغفل، وغيرهما: "أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" (١). ولم يقل أحد: إن النبي ﵇ لم يكن يقرأ المعوذتين، وإنما ابن مسعود (٣١٦) أنكر إثباتهما في المصحف لشهرتهما، وأنهما لا تنسيان لكثرة استعمال الناس بالاستعاذة بهما، ومداومة قراءتهما. وإنما يثبت من طرفين: أحدهما: النقل. والآخر: الإعجاز فيهما. وليس في كون "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب شيء من ذلك. وجواب آخر: وهو أن المعوذتين قد ثبتتا من القرآن بالإعجاز والنقل، فلم يجز إخراجهما بالخلاف، فينبغي أن لا تثبت "بسم الله الرحمن الرحيم" أنها من فاتحة الكتاب بالاختلاف، ولأنها لو تجردت من النقل؛ لم يكن فيها

стр. 1787

إعجاز، والمعوذتان معجزتان، فلو جاءتا من طريق خبر الواحد؛ لعلمنا أنه من القرآن. فإن قيل: فإن الإجماع قد حصل على أن ما بين الدفتين قرآن، ووجدناها في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة، كما وجدنا إثبات السور أنفسها، فوجب أن يكون في كل موضع منه يجري ما بعدها مضافة إلى ما يليها من الآيات. قيل: أما قولكم: إن ما بين الدفتين قرآن؛ كما قالت الصحابة ﵃؛ [فإننا نقول] (١): هي قرآن حيث ما كانت، ولسنا نقول: إنها ليست قرآنًا، إلا أنها بعض آية من سورة النمل، مكررة في كل سورة، وحيثما كررت فهي قرآن، ألا ترى أن "والصافات" هي قرآن، ولو كررت هذه اللفظة في أول كل سورة؛ لكانت قرآنًا، ولم يدل تكرارها في أول كل سورة على أنها منها، فليس لكم في كونها قرآنًا [فرج] (٢). وكيف تكون آية منها والذين أجمعوا على أنها قرآن هم الذين اختلفوا في أنها من فاتحة الكتاب، ومن كل سورة أو لا، وهم قالوا: إن ما بين الدفتين قرآن، ولم يقولوا: إنها من كل سورة، وفي هذا اختلفنا، وكيف [تطبقون] (٣) على ذلك فيقع لنا العلم الضروري بما سواها، ولا يقع العلم بها، ونحن نجد أنفسنا عالمين بالسور، ولا نجد أنفسنا عالمين بأنها آية من كل سورة.

стр. 1788

وقولكم: ينبغي أن تكون مضافة إلى السورة [التي] (١) في أولها، أو إلى الآية التي قبلها؛ خطأ؛ لأنه يلزم على هذه الطريقة أن تكون الآية التي آخر السورة مضافة إلى "بسم الله الرحمن الرحيم" التي في أول السورة الأخرى، فيؤدي هذا إلى أن يكون القرآن كله سورة واحدة بلا فصل بين السور، وهذا خلاف الإجماع. فإن قيل: التكرار لا يمنع أن يكون في كل موضع كرر آية في موضعه، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٢) قرآن، وفي كل موضع قد كرر محسوب في موضعه، معدود مع ما يليه من السورة، مجري مجراه، فكذلك "بسم الله الرحمن الرحيم" تكون مكررة، وهي في موضع كررت فيه آية منه، ومثل ذلك "حم" في كل سورة، و"الم"، وما جرى مجراها. قيل: هذا قد حصل لنا العلم الضروري بكونه على ما ذكرتم، وانقطع العذر فيه، ولم يقع لنا العلم الضروري بأن "بسم الله الرحمن الرحيم" من كل سورة، ولو كانت بمنزلة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ لجرت مجراها في النقل الذي يقطع العذر، ويقع به العلم. وهذه الطريقة أقوى الطرق في المسألة، فينبغي أن نعتمد عليها. ولنا ولهم في المسألة طرق، واستدلالات، وأخبار كلها أخبار آحاد، وأنا أذكر من ذلك ما تيسر بمشيئة الله وعونه. دليل لنا: وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).

стр. 1789

وما حفظه الله تعالى فلن يجوز أن يذهب منه شيء، فلو كانت "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب ومن كل سورة؛ لما جاز أن يخفى على بعض الأمة حتى تنفيه، فلا تجد الطريق إلى إثباته؛ لأنه جعل الطريق إلى إثباته الإعجاز، والخبر الذي يقطع العذر، وقد عدما هاهنا (١)، فلو كانت ثابتة على ما تدّعون؛ لكان الطريق إليها ثابتًا بعدم الاختلاف. دليل وهو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).

стр. 1790

فدليله أن ما كان من عنده لم نجد فيه اختلافًا، وبضده أنه إذا كان من غيره؛ وجد الاختلاف فيه، فلما كانت "بسم الله الرحمن الرحيم" مختلفًا في إثباتها من كل سورة؛ علمنا أن هذا التكرار من عند غيره لا من عنده؛ إذ لو كان من عنده؛ لانتفى وجود الاختلاف فيه (١). دليل: وجدنا أهل المدينة بأسرهم ينفون كونها من كل سورة، مع اتصال البلوى بقراءتها في أول فاتحة الكتاب لو كانت منها (٢)، ومثابرة الأئمة على إقامة الصلوات وقراءة السورة فيها من لدن رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، ولم يكن ذلك مما يقل نزوله فينسى، أو يقع فيه قلة ضبط؛ لأن هذا أظهر وأشهر من أمر الوقوت، والأحباس، والأذان، والإقامة، وزكاة الخضراوات، والمد، والصاع، وسائر ما يحتج به مخالفنا في هذه المسألة على مخالفيه، وجرى هذا مجرى نقلهم أن هذا منبر النبي ﵇ وقبره، فوجب الرجوع إليهم في نفيهم أن تكون (٣١٧) "بسم الله الرحمن الرحيم" من أول كل سورة. ويدل على هذا أيضًا أن الذين اختلفوا في عدد الآيات على ضربين: [منهم من عدها آية من سورة الفاتحة فقط، وليست آية من أول كل سورة.
следующие страницы →