← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

لا يدل اختلافهم على أنها ليست من فاتحة الكتاب. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن ابن مسعود ﵁ لم يقل: إن النبي ﷺ لم يقرأ المعوذتين، كما قال أكثر من صلى خلف النبي ﷺ : إنه لم يقرأ بعد التكبير "بسم الله الرحمن الرحيم"، وإنما كان يفتتح بعد التكبير بالحمد الله رب العالمين، وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ فيما رواه أنس، وعبد الله بن مغفل، وغيرهما: "أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" (١). ولم يقل أحد: إن النبي ﵇ لم يكن يقرأ المعوذتين، وإنما ابن مسعود (٣١٦) أنكر إثباتهما في المصحف لشهرتهما، وأنهما لا تنسيان لكثرة استعمال الناس بالاستعاذة بهما، ومداومة قراءتهما. وإنما يثبت من طرفين: أحدهما: النقل. والآخر: الإعجاز فيهما. وليس في كون "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب شيء من ذلك. وجواب آخر: وهو أن المعوذتين قد ثبتتا من القرآن بالإعجاز والنقل، فلم يجز إخراجهما بالخلاف، فينبغي أن لا تثبت "بسم الله الرحمن الرحيم" أنها من فاتحة الكتاب بالاختلاف، ولأنها لو تجردت من النقل؛ لم يكن فيها

стр. 1787

إعجاز، والمعوذتان معجزتان، فلو جاءتا من طريق خبر الواحد؛ لعلمنا أنه من القرآن. فإن قيل: فإن الإجماع قد حصل على أن ما بين الدفتين قرآن، ووجدناها في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة، كما وجدنا إثبات السور أنفسها، فوجب أن يكون في كل موضع منه يجري ما بعدها مضافة إلى ما يليها من الآيات. قيل: أما قولكم: إن ما بين الدفتين قرآن؛ كما قالت الصحابة ﵃؛ [فإننا نقول] (١): هي قرآن حيث ما كانت، ولسنا نقول: إنها ليست قرآنًا، إلا أنها بعض آية من سورة النمل، مكررة في كل سورة، وحيثما كررت فهي قرآن، ألا ترى أن "والصافات" هي قرآن، ولو كررت هذه اللفظة في أول كل سورة؛ لكانت قرآنًا، ولم يدل تكرارها في أول كل سورة على أنها منها، فليس لكم في كونها قرآنًا [فرج] (٢). وكيف تكون آية منها والذين أجمعوا على أنها قرآن هم الذين اختلفوا في أنها من فاتحة الكتاب، ومن كل سورة أو لا، وهم قالوا: إن ما بين الدفتين قرآن، ولم يقولوا: إنها من كل سورة، وفي هذا اختلفنا، وكيف [تطبقون] (٣) على ذلك فيقع لنا العلم الضروري بما سواها، ولا يقع العلم بها، ونحن نجد أنفسنا عالمين بالسور، ولا نجد أنفسنا عالمين بأنها آية من كل سورة.

стр. 1788

وقولكم: ينبغي أن تكون مضافة إلى السورة [التي] (١) في أولها، أو إلى الآية التي قبلها؛ خطأ؛ لأنه يلزم على هذه الطريقة أن تكون الآية التي آخر السورة مضافة إلى "بسم الله الرحمن الرحيم" التي في أول السورة الأخرى، فيؤدي هذا إلى أن يكون القرآن كله سورة واحدة بلا فصل بين السور، وهذا خلاف الإجماع. فإن قيل: التكرار لا يمنع أن يكون في كل موضع كرر آية في موضعه، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٢) قرآن، وفي كل موضع قد كرر محسوب في موضعه، معدود مع ما يليه من السورة، مجري مجراه، فكذلك "بسم الله الرحمن الرحيم" تكون مكررة، وهي في موضع كررت فيه آية منه، ومثل ذلك "حم" في كل سورة، و"الم"، وما جرى مجراها. قيل: هذا قد حصل لنا العلم الضروري بكونه على ما ذكرتم، وانقطع العذر فيه، ولم يقع لنا العلم الضروري بأن "بسم الله الرحمن الرحيم" من كل سورة، ولو كانت بمنزلة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ لجرت مجراها في النقل الذي يقطع العذر، ويقع به العلم. وهذه الطريقة أقوى الطرق في المسألة، فينبغي أن نعتمد عليها. ولنا ولهم في المسألة طرق، واستدلالات، وأخبار كلها أخبار آحاد، وأنا أذكر من ذلك ما تيسر بمشيئة الله وعونه. دليل لنا: وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).

стр. 1789

وما حفظه الله تعالى فلن يجوز أن يذهب منه شيء، فلو كانت "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب ومن كل سورة؛ لما جاز أن يخفى على بعض الأمة حتى تنفيه، فلا تجد الطريق إلى إثباته؛ لأنه جعل الطريق إلى إثباته الإعجاز، والخبر الذي يقطع العذر، وقد عدما هاهنا (١)، فلو كانت ثابتة على ما تدّعون؛ لكان الطريق إليها ثابتًا بعدم الاختلاف. دليل وهو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).

стр. 1790

فدليله أن ما كان من عنده لم نجد فيه اختلافًا، وبضده أنه إذا كان من غيره؛ وجد الاختلاف فيه، فلما كانت "بسم الله الرحمن الرحيم" مختلفًا في إثباتها من كل سورة؛ علمنا أن هذا التكرار من عند غيره لا من عنده؛ إذ لو كان من عنده؛ لانتفى وجود الاختلاف فيه (١). دليل: وجدنا أهل المدينة بأسرهم ينفون كونها من كل سورة، مع اتصال البلوى بقراءتها في أول فاتحة الكتاب لو كانت منها (٢)، ومثابرة الأئمة على إقامة الصلوات وقراءة السورة فيها من لدن رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، ولم يكن ذلك مما يقل نزوله فينسى، أو يقع فيه قلة ضبط؛ لأن هذا أظهر وأشهر من أمر الوقوت، والأحباس، والأذان، والإقامة، وزكاة الخضراوات، والمد، والصاع، وسائر ما يحتج به مخالفنا في هذه المسألة على مخالفيه، وجرى هذا مجرى نقلهم أن هذا منبر النبي ﵇ وقبره، فوجب الرجوع إليهم في نفيهم أن تكون (٣١٧) "بسم الله الرحمن الرحيم" من أول كل سورة. ويدل على هذا أيضًا أن الذين اختلفوا في عدد الآيات على ضربين: [منهم من عدها آية من سورة الفاتحة فقط، وليست آية من أول كل سورة.

стр. 1791

ومنهم من لم يعدها آية من الفاتحة، ولا من أول كل سورة. وليس] (١) منهم من عدّها آية من كل سورة، فلا يجوز الخروج عن أقاويلهم، ولا يجوز أن يذهب عليهم أن مائة وأربع عشرة آية (٢) ليست من القرآن حتى يستدرك ذلك قائل متأخر (٣). دليل آخر: وهو ما رواه أنس بن مالك قال: "صليت خلف النبي ﵇، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". وقيل: "ولا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم" (٤).

стр. 1792

فلو كانت آية منها؛ لوقع الجهر بها، ونقل كما نقل سائر الآي والسور. وأيضًا قول عائشة ﵂: "كان النبي ﵇ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين" (١). وقوله لأبيّ بن كعب: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ فقال: فابتدأت بالحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها" (٢). ولم يذكر "بسم الله الرحمن الرحيم" (٣)، ولم يقل ﵇: "فأين بسم الله الرحمن الرحيم". ويدل على ما نقول أيضًا حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين؛ يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم؛ يقول الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ملك يوم الدين؛ يقول الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين؛ يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها؛ يقول الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٤).

стр. 1793

ففي هذا الخبر دليلان: أحدهما: أنه ﵇ ذكر ابتداء السورة وهو "الحمد لله"، وجعله أولها، ولم يذكر "بسم الله الرحمن الرحيم". والدليل الآخر: هو أنه قسمها نصفين، فأفردها بثلاث آيات من أولها لله تعالى، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بيني وبين عبدي، فوجب أن يكون فيها ثلاث آيات، وبعدها ثلاث آيات، لتكون القسمة صحيحة. وقد أجمعوا أنها سبع آيات (١)، فلو كانت آية أوله؛ لبطل معنى الحديث في القسمة. فإن قيل: فإنه تعالى ذكر قسمة الصلاة. قيل: إنما أراد بالصلاة القراءة، ألا تراه فسر القراءة وقسم الآيات، ولو أراد الصلاة؛ لفسرها بالأفعال أو ببعضها، وقد تُذكر الصلاة ويراد بها القراءة (٢). ولا معنى لقولهم: إنه لم يذكر ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فكذلك لم يذكر "بسم الله الرحمن الرحيم"، وذلك أن في خبرنا ذكر ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرها، ولو لم يذكر؛ لكان قوله: " ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

стр. 1794

بيني وبين عبدي"، وقد تقدم ذكر ثلاث آيات له تعالى، فدل على أن الباقي ثلاث آيات لتصح القسمة (١). فإن قيل: فإنه ذكر الصلاة، وهي تشتمل على أفعال، ولم يكن ترك ذكرها دلالة على أنها ليست منها، فكذلك "بسم الله الرحمن الرحيم" ليس في ترك ذكرها دلالة على أنها ليست من فاتحة الكتاب. قيل: إن مراده بذكر الصلاة القرآن دون أفعال الصلاة، ألا ترى أنه لم يذكر ما قبل القراءة من تكبيرة الإحرام، والتوجيه الذي تقولونه، ولا ذكر ما بعد القراءة، فلو كان الحكم متعلقًا بالأفعال؛ لذكر بعضها لتدل على ما فيها، ولأن الأفعال كلها غير مشتركة، والقراءة التي تعمها (٢) دعاء لنفسه جعلت كأنها له دون غيرها، وهذا المعنى لا يحصل في الأفعال (٣). فإن قيل: فقد روى ابن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، يقول عبدي إذا استفتح الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله" (٤).

стр. 1795

قيل: إن قوله "إذا افتتح الصلاة" لما كان تقديره "إذا افتتح القراءة"؛ علمنا أن افتتاح الصلاة يقع بغير هذا الذكر، فيصير "بسم الله الرحمن الرحيم" افتتاحًا لقراءة السورة، فلا يكون منها، كما لو قال: افتتح القراءة بالتعوذ؛ لعلمنا أنه ليس من السورة، وليس يمنع أن يكون ذكر "بسم الله الرحمن الرحيم" على وجه افتتاح القراءة، بدلالة أن اعتبارها في القسمة يخرج السورة من أن تكون مقسومة نصفين، ويصير ما لله تعالى أكثر مما للعبد. على أن هذه الزيادة لم يروها غير ابن سمعان عن العلاء، وهو ضعيف جدًّا، وقد خالفه الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن مثل ذلك، وابن عيينة، وابن جريج، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه الزيادة. فإن قيل: فإنه لم يذكرها لأن قوله في السورة: "الرحمن الرحيم" يقوم مقامها. قيل: إن قوله: "بسم الله" أبلغ في التعظيم من "الرحمن الرحيم"؛ لأنه اسم لا يسمى به غيره (١)، (٣١٨) والرحيم يجوز تسمية غيره به (٢)؛ فلم يجز

стр. 1796

ترك أعظم الأسماء في القسمة والاقتصار على غيرها. ويدل على ما نقوله خبر ابن عباس أن النبي ﵇ قال: "سورة في الفرقان ثلاثون آية، شفعت لصاحبها حتى غفر له، وهي: تبارك الذي بيده الملك" (١). وقد اتفق القراء أنها ثلاثون آية بغير "بسم الله الرحمن الرحيم"، فلو كانت آية منها؛ لكانت إحدى وثلاثين آية. فإن قيل: تكون بعض آية. قيل: كان ينبغي أن تذكر لشهرتها، فلما لم يذكرها وقال: هي تبارك؛ علمنا أنها ليست آية، ولا بعض آية (٢). فإن قيل: فإنما لم يذكرها لشهرتها وتكراراتها (٣). قيل: حصر السورة ثلاثين ينفي الزيادة عليها. فإن قيل: فلو ذكر "بسم الله" لم يعرف أي سورة أراد، ولو ذكرها مع قوله "تبارك" لطال، فإنما أراد أن يعلمنا السورة بما لا يلتبس وهو مختصر. قيل: كان ينبغي أن يقول: وهي سورة الملك، أو سورة تبارك. وعلى أنه لو كان الاعتبار صحيحًا؛ لما ذكر ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٤)؛

стр. 1797

لأن هذا أشهر ما في السورة. ويدل على ذلك أيضًا ما روي في خبر جبريل ﵇ "أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: اقرأ، فقال: ماذا أقرأ، فقال: اقرأ باسم ربك" (١). ولم يذكر قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فلو كانت من السورة؛ لذكرها له؛ لأن الحاجة إلى معرفة مواضع القرآن كالحاجة إلى نفس الآي (٢)، ولو فعل ذلك؛ لنقل من طريق التواتر كنقل آي السور. وليس لأحد أن يقول: "إنها لو لم تكن من فاتحة الكتاب ولا من أول كل سورة؛ لنقل ذلك من طريق الاستفاضة"؛ لأن الذي يلزم نقله ما كان من القرآن، فأما ما ليس منه؛ فلا يجب نقله، ولأن مواضع الآي في هذا بمنزلة نفس الآي من السور، يدل على ذلك أن من قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ من سورة آل عمران، يُكذَّب، ويُرد عليه، كمن زاد في القرآن ما ليس منه، فإذا كان نفس الآي لا يصح إثباته من جهة أخبار الآحاد؛ وجب أن يكون مواضعها كذلك. وخلاف السلف على وجهين:

стр. 1798

منهم من أثبتها آية من فاتحة الكتاب، وهو مذهب ابن عباس (١). ومنهم من نفى كونها آية من أوائل السور، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "أغفل الناس بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها من القرآن" (٢). فهذا يدل من قوله على مخالفة غيره له، فإذا كان ذلك كذلك؛ صار إثباتها في جميع السور مخالفًا للإجماع. وأيضًا فلو كانت آية من فاتحة الكتاب؛ لم تتكرر في أوائل السور، يدل على ذلك سائر آيات السور. ويبين هذا أيضًا أن أوائل السور في جميع القرآن غير مكررة في ابتداء غيرها، فلو كانت كذلك ما اختلفنا فيه (٣). فإن قيل: فإن هذا استعمال القياس في نفي كونها من القرآن، فكما لم يجز إثبات قرآن بقياس؛ كذلك نفيه. قيل: إذا ثبت كونه قرآنًا؛ لم ينف بقياس، فأما إذا لم يرد من الطرق التي [ثبت] (٤) بها القرآن؛ لم يمتنع نفيه من قياس.

стр. 1799

ولهم أخبار لو وردت في الأحكام لم يمتنع من قبولها، غير أن القرآن لا يثبت بها. فمن ذلك ما روي عن أنس أن النبي ﵇ قال: "أنزلت علي سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناكم الكوثر" (١). وعن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السور حتى نزلت عليه بسم الله الرحمن الرحيم" (٢). وهذا يحتمل أن يكون لما نزلت في سورة النمل جعلها فصلًا بين السور لتعرف كل سورة. على أن هذا يشبه أن يكون عن ابن عباس باطلًا؛ لأن النبي ﵇ كان يعرف السورة وابتداءها وانتهاءها، وكيف لا يكون كذلك وهو كان يقول: "اجعلوا هذه الآية في موضع كذا من سورة كذا" (٣)، وهو سوَّر السُّوَر بالوحي (٤)، فكيف لا يعرف الفصل بين السورتين، ولكنه أراد ببسم الله الرحمن الرحيم الفصل لنعرفه نحن (٥).

стр. 1800

قالوا: وروى سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "الحمد لله رب العالمين سبع آيات، أولهن: بسم الله الرحمن الرحيم" (١). وعن أم سلمة "أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين" (٢). وليس فيه دليل على أنه قرأها لأنها منها. قال: وفي خبر أبي بن كعب أن النبي ﵇ قال له: "ألا أعلمك سورة من القرآن، ما أنزل في شيء من كتب الله مثلها؟ قال: بلى، قال: كيف تقرأ إذا قمت تصلي، فقرأت: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فقال هي هي، وهي [السبع] (٣) المثاني" (٤).

стр. 1801

وهذا أيضًا لا يدل على أنها منها؛ لأن أُبيًّا استفتح بها. وقوله: "هي هي" إشارة إلى فاتحة الكتاب. قالوا: وروي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (١) فقال: (٣١٩) "هي أم القرآن، قال أَبِي (٢): وقرأتها على سعيد بن جبير حتى ختمتها، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم هي الآية السابعة منها، قال سعيد: أنا قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليك، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة" (٣). وهذا قد قلنا: إنه يدل على أن ابن عباس قد خولف في ذلك، لأنه قال: "أغفل الناس بسم الله الرحمن الرحيم" (٤)، وإذا قال: "أغفل الناس" دل على أن الجم الغفير خالفوا في ذلك، فنسبهم إلى أنهم أغفلوها. قالوا: وقد روي عن علي، وابن عباس، وأم سلمة أنهم قالوا: قرأها رسول الله ﷺ مع فاتحة الكتاب (٥)، وعدها آية؛ لأنها مع أول الآية تمام الآية في النمل، فحيث قرأها هي آية.

стр. 1802

[قيل] (١): لم يقل: آية منها. وقد قلنا: إنه لو قال: آية منها؛ لم يثبت القرآن بمثل هذه الرواية من أخبار الآحاد. قالوا: وفي حديث أنس "أن معاوية ﵁ صلى بالمدينة فجهر بالقراءة، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ من صلاته؛ ناداه الناس من جوانب المسجد: سرقت الصلاة أم نسيت؟ " (٢). وهذا لا يدل أيضًا على ما يقولون؛ لأن معاوية ﵁ قد كتب الوحي، وهو صحابي وإمام قد ترك قراءتها، فإنما ينبغي أن ينكر عليه مثله، وما حفظ عن أحد من الصحابة أنه رد عليه. وأمير المؤمنين علي ﵁ أحق الناس [بالزيادة] (٣) عليه، لم يحفظ عنه إنكار ذلك، وقد ينكر عوام الناس على الأئمة أشياء لا يعتد بنكيرهم عند أهل العلم.

стр. 1803

ولو ثبت أن بعض الصحابة ممن يجري مجرى معاوية ﵁ أنكر عليه؛ لم يسقط خلاف معاوية ﵁. وجملة الأمر أن القرآن لا يثبت بمثل هذه الطريقة. وقد ذكروا عن عبد الله بن عمر عن النبي ﵇ أنه قال: "فاتحة الكتاب من المثاني، وإن بسم الله الرحمن الرحيم آية منها" (١). وهذا لو كان صحيحًا؛ لاستوى النقل فيها كالنقل في ما بعدها. وروي عن ابن عمر عن النبي ﵇ قال: "أول ما أقرأني جبريل ﵇ بسم الله الرحمن الرحيم" (٢). وهذا غير صحيح؛ لأن ابن عباس ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كان يكتب في كتبه النافذة عنه في أول أمره: "باسمك اللهم"، حتى نزل قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٣)، فكان يكتب "بسم الله"، فلما نزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٤)، كتب باسم الله الرحمن، فلما نزل ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥)؛ .........................

стр. 1804

كتب ذلك" (١). فبطل بهذا قول من روى أن جبريل أول ما أقرأه بسم الله الرحمن الرحيم. وقد روينا "أن جبريل جاءه فقال له: اقرأ، فقال: ماذا أقرأ، فقال: اقرأ باسم ربك" (٢). فقد تعارضت هذه الأخبار. على أننا قد روينا أن ابن عباس ﵁ قال: "قلت لعثمان بن عفان ﵁: ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وإلى الأنفال [فجعلتموهما] (٣) في السبع الطول، ولم تبينوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال عثمان ﵁: كان النبي ﵇ ربما تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من كان يكتب له، ويقول: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل عليه من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وظننت أنها منها، فوضعتها في السبع الطول، ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم" (٤).

стр. 1805

فقد دل هذا الخبر من وجهين على صحة ما نقول؛ لأن ابن عباس قال له: "ما بالكم عمدتم؟ " فلو كانت عند ابن عباس من السورة، وأنها أنزلت كذا؛ لم يسأل فيقول: مالكم عمدتم ففعلتم. وقول عثمان أيضًا: "ظننت ففعلت"، ولم يقل: إنها أنزلت من السور، ولم تنزل هاهنا. فحصل من هذا أنه إجماع من علي، وابن عباس، وعثمان، وسائر الصحابة ﵃، وأنها وضعت للفصل بين السور، وصار هذا معارضًا لما روي عن ابن عباس أنه قال: "من تركها؛ فقد ترك آية من كتاب الله " (١). قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٣).

стр. 1806

وقال: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (١). قالوا: معنى قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٢) لا يزيد فيه ولا ينقص منه، فلو أثبتنا فيه ما ليس منه؛ كان قد وقع إخباره بخلاف مخبره، وهذا حجة لنا؛ لأنها لو كانت من السورة؛ لم يجز أن نخرج عن الطريق الذي يثبت به سائر الآي والسور، ثم مع هذا فلم نقل: إنها ليست بقرآن، هي قرآن ولكنها مكررة للفصل، وليست آية من السورة، وفي هذا خلافنا. قالوا: ولما وقع التحدي بجميع ما في المصحف؛ دل على أنها من السورة. وهذا خطأ؛ لأن التحدي وقع بسورة، أو بعشر سور (٣)، والآية الواحدة مثل "بسم الله الرحمن الرحيم" (٣٢٠) ليست بمعجزة، وحين وقع التحدي لم يكن المصحف. وأيضًا فما دفعنا أنها قرآن، وإنما منعنا أن تكون من كل سورة. على أن هذا كله لا يثبت بمثله القرآن. فإن قيل: فأثبتوا حكمها من جهة أخبار الآحاد، وهو أن المصلي إن لم يقرأها؛ فسدت صلاته، وهذا الحكم يثبت من طريق الآحاد. قيل: لو ورد الحكم مطلقًا؛ لكان الأمر سهلًا وقلنا به، وإنما نمتنع أن

стр. 1807

نثبت حكمًا من جهة قرآن ولا يثبت أصله، وإذا لم يثبت أصله؛ لم يثبت حكمه، وإلا لو قال لنا ﷺ : "من لم يقرأ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (١) قبل فاتحة الكتاب لبطلت صلاته"؛ لقبلناه، وإنما ننكر أن يقول: "من لم يقرأها على أنها من فاتحة الكتاب لبطلت صلاته"، ولا يكون قد تقدم ثبوتها منها؛ لأنه لا يثبت إلا من الطرق التي قد بيناها، وليس هاهنا منها شيء. وفي المسألة استدلالات لهم، وأخبار أخر، لا يثبت منها شيء مع الطريقة التي يثبت بها القرآن، فلم نشتغل بالتطويل. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٨): عندنا وعند الشافعي أن الإمام والمنفرد لا تجزئه صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٢). والواجب عند أبي حنيفة من القراءة ما تناوله اسم القرآن في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهي الصحيحة (٣).

стр. 1808

وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجزئه إلا ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة مثل آية الدين (١). والدليل لقولنا استصحاب الحال (٢)، وأن الصلاة واجبة في ذمته، فمن زعم أنها تسقط عنه إذا لم يقرأ فاتحة الكتاب؛ فعليه الدليل. فإن قيل: فإن ذمته لم يتعلق عليها حكم الصلاة إلا على هذه الصفة، فإذا فعلها؛ سقط عنه. قيل: الذي أُخذ عليه صلاة شرعية، فمن زعم أن هذه صفة الصلاة الشرعية؛ فعليه الدليل. وأيضًا فقد اتفقنا على أنه إذا أداها بفاتحة الكتاب؛ كانت شرعية صحيحة، واختلفنا إذا أداها بغير ذلك، فنحن على أن الصلاة في ذمته حتى يقوم دليل إسقاطها. وأيضًا فما رواه جابر موصولًا عن النبي ﵇ أنه قال: "كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنك لم تصلها إلا وراء إمام" (٣). وهذا نص يدل على صحة مذهبنا في أن المنفرد لا تجزئ صلاته إلا

стр. 1809

بها، ويدل على سقوطها عن المأموم. فإن قيل: فإن هذا الحديث موقوف على جابر. قيل: قد وصله عن النبي ﵇ فقوي؛ لأنه قول رسول الله ﷺ وقول جابر. وأيضًا ما روي عنه ﵇ أنه قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (١). أي ناقصة، والنقصان ضد التمام، مأخوذ من خدجت الناقة إذا أسقطت فصيلها غير تام (٢). فإن قيل: هذا لا يدل على أن الصلاة باطلة؛ لأنه ﵇ قد أثبتها صلاة ناقصة (٣). قيل: إنه إذا أثبتها صلاة ناقصة فإنها لا تجزئ؛ لأنها غير تامة، وإنما يعتد بصلاة تامة، ألا ترى أنه أنه قد روي [أن] (٤) رجلًا صلى فنقص من صلاته،

стр. 1810

فقال له ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل" (١). وأيضًا ما روي أن النبي ﷺ قال: "ما لي أنازع القرآن، إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٢). فإن قيل: فأنت لا توجب على من خلف الإمام القراءة، فكيف تحتج بهذا الخبر. قيل: ظاهر الخبر ينفي إجزاء الصلاة بغيرها في كل حال؛ لأن قوله: "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" عموم قامت الدلالة على تخصيصه في المأموم، وبقي الباقي على عمومه. وأيضًا فلو اعتمدت على قوله ﵇: "لا تقرؤوا خلفي إلا بأم القرآن" (٣)؛ لم يضر؛ لأن ظاهره ينفي قراءة غيرها مكانها، وأنتم تقيمون غيرها مقامها، وقد روي أنه ﵇ قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها" (٤).

стр. 1811

فإن قيل: فإنه لا دلالة لكم في هذه الأخبار كلها؛ لأنه يحتمل أن يكون أراد نفي الكمال، ويحتمل أن يكون أراد نفي الإجزاء (١)، ولا يجوز أن يحمل على الأمرين؛ لأن العموم لا يدعى إلا في المنطوق به دون المضمر المحذوف (٢). قيل: هذا خطأ؛ لأنه ﵇ نفى أن تكون صلاة إلا بها، فنفى الاسم والحكم جميعًا، فكأنه أراد لا صلاة شرعية، وإذا نفى اسم الصلاة الشرعية؛ انتفى الحكم. وأيضًا فإننا نقول بالعموم في المعاني كما نقول به في المنطوق به (٣)، وأنه ﵇ لو صرح فقال: "لا صلاة كاملة ولا مجزئة أيضًا إلا بها"؛ لصح هذا في النفي، ثم تقوم الدلالة على تخصيص ذلك فيصح. وأيضًا فإنه ﵇ صلى وقرأ فاتحة الكتاب، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). ففي هذا الحديث ثلاثة أدلة:

стр. 1812

أحدها: أن أفعاله وأقواله على الوجوب (١). والثاني: أمره الواجب وهو قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". والثالث: أننا رأينا في صلاته (٣٢١) أفعالًا وأقوالًا، ورأينا من الأقوال ما يختلف فعله معه كقراءة ما عدا فاتحة الكتاب، فتارة يقرأ بالسورة، وأخرى يقرأ بغيرها، فكان اختلاف ذلك دالًّا على أن ذلك ليس بواجب، وكذلك ما يقال في الركوع والسجود يختلف، ثم رأينا قراءته بفاتحة الكتاب على طريقة واحدة، لا تختلف في سائر صلواته كالركوع والسجود، فلو لم تجر فاتحة الكتاب مجرى الركوع والسجود؛ لاختلفت كما اختلف ما ذكرناه (٢). فإن قيل: فإن قولكم: "إن أفعاله وأقواله على الوجوب" لو سلمناه؛ لجاز أن ننتقل عنه بدلالة، وهو ما روي عنه ﵇ أنه قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها" (٣). وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤) يتوجه على ما نشاهد، والقراءة لا تشاهد وإنما تسمع. وما ذكرتموه من الدليل الثالث منتقض بالتشهد؛ لأنه معين على طريقة

стр. 1813

واحدة كما عينت فاتحة الكتاب، وليس هو واجبًا. قيل: أما ما رويتموه من قوله ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها" (١)، فيحتمل أن يكون "أو غيرها" قولًا من الراوي، كأنه شك هل قال النبي ﷺ فاتحة الكتاب أو غيرها. ويحتمل أيضًا أن يكون أراد: "أو غيرها" إن لم يحسنها المصلي، ونحن لا ننتقل عن ظاهر الوجوب بهذا المحتمل. أو يقضى عليه قوله ﵇: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فإنك لم تصلها إلا وراء الإمام" (٢). لأن الحتم على أحد الشيئين يقضي على التخيير بينه وبين غيره، فأحسن الأحوال أن يحمل قوله: "أو غيرها" بمعنى "وغيرها"؛ بدلالة قوله: "وشيء معها". وقد تكون "أو" بمعنى الواو (٣) كقوله: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٤). وأما قولكم: "إن قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٥) لا يتناول القراءة"؛ فغلط؛ لأنه أراد: كما علمتموني أصلي، هذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ

стр. 1814

إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (١). وأيضًا فإن الأفعال منه لا تشاهد؛ لأنها حركات، وإنما يشاهد كونه على صفات تدل على الأفعال، ونحن نشاهده أيضًا على صفة من يقرأ كما نشاهده على صفة من يركع ويسجد، فيدخل تحت قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). وأما ما ظننتم أنه ينتقض بالتشهد؛ فغلط؛ لأنا حكينا عنه ﵇ أن أقواله اختلفت فيما عدا فاتحة الكتاب من التسبيح، وقد اختَلفت أيضًا في التشهد كما اختلفت في غيره، ولم يَختلف قولُه في قراءة فاتحة الكتاب، وإنما استحببنا تعيين التشهد لدلالة دلت، وهو ما علمه عمر ﵁ الناس على المنبر (٣)، ولم تقم لنا دلالة في فاتحة الكتاب أنها على الاستحباب للإمام والمنفرد، فبقيت على وجوب تعيينها كالركوع والسجود. وعلى "أن النبي ﵇ قد قام من اثنتين، وترك التشهد، ولم يعد إليه" (٤). فقد اختلفت أفعاله فيه كما اختلفت أقواله فيما عدا فاتحة الكتاب، ولم تختلف أفعاله في فاتحة الكتاب. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٥) وهذا معناه:

стр. 1815

ما تسهَّل، والتسهيلُ خلاف التشديد، لأنكم تلزمونه قراءة فاتحة الكتاب دون غيرها (١). قيل: هذه الآية دلالة لنا؛ لأنها لا تخلو أن تكون من ألفاظ العموم، أو تكون مجملة تحتاج إلى بيان، فإن كانت عمومًا؛ فيجب أن تستوفي جميع ما تيسر إلا أن تقوم دلالة؛ لأن اللفظ أمر في عموم الإنسان، [وعموم الإنسان] (٢) تتيسر عليه فاتحة الكتاب وغيرها معها، فينبغي أن تجب عليه قراءة جميع ما تيسر عليه إذا كان يحسنه. وإن كانت مجملة لا يعقل التيسر من ظاهرها؛ فقد بين النبي ﵇ المراد بقراءته فاتحة الكتاب، وبقوله: "كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنك لم تصلها إلا وراء الإمام" (٣). فإن قيل: فإنها تقتضي التخيير بين ما تيسر، وتقديره: "فاقرؤوا أي شيء تيسر"، ولم يَخُصَّ فاتحةَ الكتاب من غيرها. قيل: من جعلكم بهذا أولى ممن جعلها بمعنى "الذي"؟! فيكون تقديره: "اقرؤوا الذي تيسر"، فيجب أن نستوفي عمومه، وكما لو قال: "أعط فلانًا الذي تقدر عليه"؛ لاقتضى جميع ما تقدر عليه؛ لأنه لم يُبَعِّض الذي يقدر عليه، وكذلك لم يقل تعالى: "واقرؤوا بعض الذي تيسر"، فينبغي أن نستوفي جميعه حتى تقوم الدلالة، ألا ترى أنه لو قيل لإنسان: "اقرأ القرآن"

стр. 1816

وهو يحسن بعضه، فقال: لا أحفظه، فقيل له: "اقرأ ما تيسر عليك"؛ لاقتضى جميع ما يحفظه. وعلى أنه لو ثبت أنها تقتضي التخيير؛ [ففي] (١) ما عدا فاتحة الكتاب، وتكون فاتحة الكتاب ملحقة بالدلائل التي ذكرناها. ولا معنى لقولهم: "إن هذا لفظ الوجوب؛ فلا ينبغي أن يصرف إلى غير ما يتعلق به صحة الصلاة"؛ لأن الزيادة على فاتحة الكتاب لا يتعلق به صحة الصلاة، فثبت أن (٣٢٢) الوجوب مصروف إلى ما يتعلق به صحتُها، ولكنه مخير فيه، والتخيير ضد التعيين، وذلك أننا لم نصرفه إلى هذا إلا بدلالة قد ذكرناها، هذا إذا سلمنا أنها تقتضي التخيير. ويقوي ما تأولناه في الفصل الأول من استيفاء جميع ما تيسر؛ أن الآية وردت في صلاة الليل (٢)، وقد كان النبي ﵇ يقرأ القرآن الكثير فيها، وكذلك الصحابة، حتى إن عثمان وغيره كانوا يختمون القرآن في ركعة (٣)، فلو كان لفظ الوجوب يقتضي وجوب التيسير على وجه التخيير؛ لم يخالفوا الأمر الواجب فيه. ويجوز أيضًا أن يكون النبي ﷺ كان يشق على نفسه في صلاة الليل بالقراءة الكثيرة الطويلة (٤)، فقيل له: اقرأ ما تيسر عليك وتسهل، أي القدر

стр. 1817

الذي لا يجهدك (١)، فينبغي أن يستوفي ما تيسر عليه، ولا يخرج إلى ما يشق ويجهد، وهذا أحسن ما صُرف إليه هذا التأويل، ألا تراه تعالى قال له: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ (٢) أي لا تشق على نفسك وتجهدها، ولكن صل دون الثلث؛ فإنه غاية ما تيسر عليك. ويقوي قولنا أيضًا أننا لا نجد ولا نسمع أن أحدا يحسن قراءة فاتحة الكتاب فلا يقرأها في صلاة، ولو كان التخيير واجبًا؛ لما جاز خلافه، ولو قامت دلالة نقلته إلى الندب أيضًا؛ لم يجز إطباقهم على خلاف الواجب والندب. فإن قيل: فإذا قصرتموه على آيات معينة؛ فليس هذا ما تيسر. قيل: إذا كان يحسنها؛ فإنها لا تخرج عما تيسر عليه، وقد قلنا: إن ظاهرها يقتضي وجوب ما تيسر عليه، وفاتحة الكتاب منه. وعلى أنكم إذا قصرتموه على آية دون أقل منها بدلالة؛ فكذلك نقصره نحن على آيات معينات بدلالة. فإن قيل: على مذهب أبي حنيفة يجوز دون آية إذا تناوله اسم قرآن، وعلى مذهب محمد وأبي يوسف إن قصرناه على آية فليست معينة. قيل: قد بينا أن العموم يستوفي فيما تيسر من كل ما يسمّى قرآنًا، والتعيين قلناه بدلالة كما قلتم بالتقدير في الآية بدلالة.

стр. 1818

فإن قيل: قد بينا أن النبي ﵇ قال: "لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب" (١). قيل: هذا يحتمل أن يكون معناه: "وهي فاتحة الكتاب"، ويحتمل أن يكون معناه ما في الخبر الآخر الذي روي فيه: "بفاتحة الكتاب وشيء معها" (٢). فقال هاهنا: "ولو بفاتحة الكتاب" (٣) وحدها، أي أن أدنى ما يكون من القراءة فاتحة الكتاب كالتقليل لذلك. وعلى أن قوله: "لا صلاة إلا بقراءة" (٤)؛ لم يبيّن أي قراءة هي، وبيّنها؛ في أخبارنا أنها فاتحة الكتاب. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥)، ولم يفرق بين سارق دون الربع من غير حرز وبين من سرق ربعًا من حرز، فبينها النبي ﵇، وأن المسروق إذا كان ربعًا من حرز؛ ففيه القطع دون غيره (٦)، وكذلك بيّن أن القراءة التي تصح بها الصلاة هي فاتحة الكتاب بفعله وأمره. فإن قيل: فقد روى أبو العالية عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن القراءة

стр. 1819

في كل ركعة، فقال: "اقرأ ما قل أو كثر، وليس من القرآن قليل" (١). قيل: هذا يحتمل أن يكون المراد فيما عدا فاتحة الكتاب؛ لأنهم لم يكونوا يجهلون أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة، فيحمل قوله على هذا بالدلائل، وليس هذا بأولى من قول الله تعالى وقول رسوله ﵇، ونحن نتأوله بدلالة. فإن قيل: "فإن النبي ﵇ علم الأعرابي الصلاة، فقال له: اقرأ ما تيسر" (٢). فهو مواطئ للآية. قيل: الجواب عنه من وجوه (٣): أحدها: أنه لم يقل له: "اقرأ بعض ما تيسر"، فالكلام فيه كالكلام في الآية. ويحتمل أن يكون علمه ما زاد على فاتحة الكتاب؛ لأن الأعرابي لم يكن يجهلها. وعلى أنه قد روي أنه قال له: "كبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب" (٤). وعلى أن الظاهر لو كان كما يقولون؛ لم يمتنع أن تقوم الدلالة على وجوب قراءة فاتحة الكتاب.

стр. 1820

فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (١)، ومعناه: القراءة في صلاة الفجر؛ لاتفاق الجميع أن لا فرض عليه في القراءة وقت الفجر إلا في الصلاة، وإذا كان كذلك؛ اقتضى الظاهر جواز صلاته بما سمي قرآنًا، فوجب اعتبار عمومه في أي قرآن كان (٢). قيل: إنما أراد تعالى بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي صلاة الفجر، ألا تراه قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (٣)، فعبر عن الصلاة بالقرآن، وكذا روي في التفسير (٤). ويحتمل أيضًا أن يكون تعالى خاطبه بمعهود قد عرفه من قرآن الفجر وهو فاتحة الكتاب، ألا ترى أنه أضافه إلى معرفة، فصار قرآن الفجر معرفة. وكل ما يروونه من حديث فيه أن النبي ﵇ قال: "ويقرأ بما تيسر" (٥)؛ الجواب عنه كالجواب عن الآية. (٣٢٣) فإن قيل: فإن معرفة وجوب قراءة فاتحة الكتاب وبطلان الصلاة من الأمور التي تعم البلوى به، فلو كان ثابتًا؛ لأوقف النبي ﵇ الجماعة عليه وعلى حمله، ولو فعل ذلك؛ لنقل من طريق الاستفاضة. قيل: مثل هذا ينقلب عليكم؛ لأن الصلاة واجبة، والقراءة فيها واجبة،

стр. 1821

فلو كان المجرى فيها ما يذكرون حتى تسقط الصلاة عن الذمة؛ لوجب أن تعرفه الجماعة، ولعرفهم حكمه، ولو كان كذلك؛ لنقل من طريق الاستفاضة، وهذا مما تعم البلوى به. فإن قيل: فإنه ذِكر جُعِل شرطًا في صحة الصلاة، فوجب أن لا يتعين؛ دليله الخطبة. قيل: هذا غلط؛ لأن الخطبة ليست بقرآن فلم تتعين، ألا ترى أن الذكر الذي شرطتموه - وإن لم يتعين في الصلاة -؛ فإن شرطه أن يكون قرآنًا، حتى لو أتى بذكر الخطبة في الصلاة ولم يأت بقرآن؛ لم تصح. فإن قيل: هذا فرق وعلة لا تتعدى. قيل: فقد قسنا ذلك على الركوع والسجود، فإن عارضتم فيه؛ قلنا لكم مثل ما قلتم إن علتكم لا تتعدى. فإن قيل: فإن العلة التي لأجلها صحت صلاته بفاتحة الكتاب كونها من القرآن، وهذا المعنى موجود في الآية وما دونها. قيل: ليس المعنى الذي من أجله صحت صلاته هو بفاتحة الكتاب كونها قرآنًا حسب، وإنما هو لأنها قرآن فيه تحميد، وتمجيد، وثناء على الله تعالى، ودعاء لنفسه (١)، قسم الله تعالى ذلك بينه وبين عبده، كما قال في خبر أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني

стр. 1822

وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين؛ يقول: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم؛ يقول: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ملك يوم الدين؛ يقول: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين؛ يقول: هذه بيني وبين عبدي، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها؛ يقول: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (١). ألا تراه عبر عن القراءة بالصلاة لأنها تكون فيها، وتتعلق صحتها بها، وهذا يستدل به ابتداء في المسألة؛ لأنه عبر عن قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة بالصلاة، فعلمنا أن قراءتها شرط فيها. فإن قيل: فإن فرض الصلاة يتعلق بالأفعال دون الأذكار، بدلالة أن القادر على الذكر العاجز عن الفعل لا يؤمر بفعل الصلاة، والقادر على الفعل يؤمر به وإن عجز عن الذكر، فوجب أن لا يصح إيجابه إلا فيما دل عليه الدليل، وهو مقدار ما يتناوله الاسم. قيل: هذا كلام موهم متهم؛ لأن القادر على الذكر قادر على فعل الصلاة بالإيماء، وقد يكون قادرًا على الفعل أخرس لا يقدر على الذكر، فهو يذكر الله، بقلبه، وقد يكون عاجزًا عنها مأمورًا كالحائض (٢) والكافر

стр. 1823

على خلاف فيه (١). وجملة الأمر فينبغي أن تسقط القراءة أصلًا عن القادر، فعلمت أن صحة الصلاة تتعلق بالفعل والذكر إذا كان القادر عندك لا بد أن يقرأ قراءة مّا، وإنما الخلاف في صفة القراءة وقدرها. فإن قيل: فإننا نقيسه على من لا يحسن قراءة فاتحة الكتاب، فإذا قرأ آية؛ صحت صلاته؛ بعلة أنها قراءة جعلت شرطًا في صحة الصلاة، وهذا المعنى موجود في الذي يقرؤها. قيل: الذي لا يحسن معذور، ألا ترى أنه لو لم يحسن من القرآن شيئًا أصلًا؛ لوجب عليه أن يسبح، أو يذكر الله تعالى إن كان يقدر (٢)، ويجزئه ذلك، فينبغي أن يجوز له العدول عن القراءة إلى التسبيح مع القدرة كما قلت في فاتحة الكتاب (٣).

стр. 1824

فإن قيل: فإن الركوع والسجود الواجب منهما ما يتناوله الاسم، وهما فعلان، فالذكر أولى. قيل: هذا حجتنا؛ لأن الركوع والسجود إذا كان على صفة فهو كتعيين فاتحة الكتاب، فنحن لا نسميه ركوعًا ولا سجودًا إلا إذا كان على صفة مّا، ألا ترى أن الإيماء الذي هو دونه - وهو من جنسه - لا يجوز مع القدرة، فكذلك فاتحة الكتاب لا يجوز ما دونها مع القدرة على الركوع وإن كان من جنسه (١). وقد روى أبو سعيد الخدري: "أمرنا رسول الله أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" (٢). وهذا أمر ظاهره الوجوب إلا أن تقوم دلالة. وفي خبر أبي هريرة أمره أن ينادي في سكك المدينة: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣).

стр. 1825

فلو لم تكن واجبة؛ لم يأمر بالنداء بها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي ﵇ قال: "لا تجوز صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في الفريضة" (١). فإن قيل: فإنها تجزئ وإن لم يقرأ بسورة. قيل: قام الدليل على ذلك، ولم يقم على ترك الفاتحة، فبقي على ما هو عليه. وأيضًا فإن هذا قول عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعثمان بن أبي العاصي (٢)، ولا يعرف لهم مخالف (٣٢٤) فيه، فهي [حجة] (٣) لنا. وقوله: "ولو بفاتحة الكتاب" (٤) في كل جزء منها إلا أن تقوم دلالة، لأن من نفى جملة الشيء؛ فقد نفى كل جزء منه. فإن قيل: فإنها ذكر من سنتها الإخفاء في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فأشبهت تسبيحتي الركوع والسجود. قيل: هذا قياس فاسد؛ لأن كل تسبيح في الصلوات التي يجهر فيها ويخافت جنس واحد غير واجب، والقراءة جنس واحد، فينبغي أن لا يختلف
следующие страницы →