← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

فلو كان المجرى فيها ما يذكرون حتى تسقط الصلاة عن الذمة؛ لوجب أن تعرفه الجماعة، ولعرفهم حكمه، ولو كان كذلك؛ لنقل من طريق الاستفاضة، وهذا مما تعم البلوى به. فإن قيل: فإنه ذِكر جُعِل شرطًا في صحة الصلاة، فوجب أن لا يتعين؛ دليله الخطبة. قيل: هذا غلط؛ لأن الخطبة ليست بقرآن فلم تتعين، ألا ترى أن الذكر الذي شرطتموه - وإن لم يتعين في الصلاة -؛ فإن شرطه أن يكون قرآنًا، حتى لو أتى بذكر الخطبة في الصلاة ولم يأت بقرآن؛ لم تصح. فإن قيل: هذا فرق وعلة لا تتعدى. قيل: فقد قسنا ذلك على الركوع والسجود، فإن عارضتم فيه؛ قلنا لكم مثل ما قلتم إن علتكم لا تتعدى. فإن قيل: فإن العلة التي لأجلها صحت صلاته بفاتحة الكتاب كونها من القرآن، وهذا المعنى موجود في الآية وما دونها. قيل: ليس المعنى الذي من أجله صحت صلاته هو بفاتحة الكتاب كونها قرآنًا حسب، وإنما هو لأنها قرآن فيه تحميد، وتمجيد، وثناء على الله تعالى، ودعاء لنفسه (١)، قسم الله تعالى ذلك بينه وبين عبده، كما قال في خبر أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني

стр. 1822

وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين؛ يقول: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم؛ يقول: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ملك يوم الدين؛ يقول: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين؛ يقول: هذه بيني وبين عبدي، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها؛ يقول: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (١). ألا تراه عبر عن القراءة بالصلاة لأنها تكون فيها، وتتعلق صحتها بها، وهذا يستدل به ابتداء في المسألة؛ لأنه عبر عن قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة بالصلاة، فعلمنا أن قراءتها شرط فيها. فإن قيل: فإن فرض الصلاة يتعلق بالأفعال دون الأذكار، بدلالة أن القادر على الذكر العاجز عن الفعل لا يؤمر بفعل الصلاة، والقادر على الفعل يؤمر به وإن عجز عن الذكر، فوجب أن لا يصح إيجابه إلا فيما دل عليه الدليل، وهو مقدار ما يتناوله الاسم. قيل: هذا كلام موهم متهم؛ لأن القادر على الذكر قادر على فعل الصلاة بالإيماء، وقد يكون قادرًا على الفعل أخرس لا يقدر على الذكر، فهو يذكر الله، بقلبه، وقد يكون عاجزًا عنها مأمورًا كالحائض (٢) والكافر

стр. 1823

على خلاف فيه (١). وجملة الأمر فينبغي أن تسقط القراءة أصلًا عن القادر، فعلمت أن صحة الصلاة تتعلق بالفعل والذكر إذا كان القادر عندك لا بد أن يقرأ قراءة مّا، وإنما الخلاف في صفة القراءة وقدرها. فإن قيل: فإننا نقيسه على من لا يحسن قراءة فاتحة الكتاب، فإذا قرأ آية؛ صحت صلاته؛ بعلة أنها قراءة جعلت شرطًا في صحة الصلاة، وهذا المعنى موجود في الذي يقرؤها. قيل: الذي لا يحسن معذور، ألا ترى أنه لو لم يحسن من القرآن شيئًا أصلًا؛ لوجب عليه أن يسبح، أو يذكر الله تعالى إن كان يقدر (٢)، ويجزئه ذلك، فينبغي أن يجوز له العدول عن القراءة إلى التسبيح مع القدرة كما قلت في فاتحة الكتاب (٣).

стр. 1824

فإن قيل: فإن الركوع والسجود الواجب منهما ما يتناوله الاسم، وهما فعلان، فالذكر أولى. قيل: هذا حجتنا؛ لأن الركوع والسجود إذا كان على صفة فهو كتعيين فاتحة الكتاب، فنحن لا نسميه ركوعًا ولا سجودًا إلا إذا كان على صفة مّا، ألا ترى أن الإيماء الذي هو دونه - وهو من جنسه - لا يجوز مع القدرة، فكذلك فاتحة الكتاب لا يجوز ما دونها مع القدرة على الركوع وإن كان من جنسه (١). وقد روى أبو سعيد الخدري: "أمرنا رسول الله أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" (٢). وهذا أمر ظاهره الوجوب إلا أن تقوم دلالة. وفي خبر أبي هريرة أمره أن ينادي في سكك المدينة: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣).

стр. 1825

فلو لم تكن واجبة؛ لم يأمر بالنداء بها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي ﵇ قال: "لا تجوز صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في الفريضة" (١). فإن قيل: فإنها تجزئ وإن لم يقرأ بسورة. قيل: قام الدليل على ذلك، ولم يقم على ترك الفاتحة، فبقي على ما هو عليه. وأيضًا فإن هذا قول عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعثمان بن أبي العاصي (٢)، ولا يعرف لهم مخالف (٣٢٤) فيه، فهي [حجة] (٣) لنا. وقوله: "ولو بفاتحة الكتاب" (٤) في كل جزء منها إلا أن تقوم دلالة، لأن من نفى جملة الشيء؛ فقد نفى كل جزء منه. فإن قيل: فإنها ذكر من سنتها الإخفاء في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فأشبهت تسبيحتي الركوع والسجود. قيل: هذا قياس فاسد؛ لأن كل تسبيح في الصلوات التي يجهر فيها ويخافت جنس واحد غير واجب، والقراءة جنس واحد، فينبغي أن لا يختلف

стр. 1826

في الوجوب في سائر الصلوات ما يجهر فيها ويخافت. على أننا قد ذكرنا قياسًا أحسن من هذا، فإما أن يسقط هذا القياس معه أو يعارضه. فإن قيل: إن الجهر والإخفاء صفات للقراءة، وصفات الشيء مما يستدل بها على وجوب الشيء أو كونه ندبًا، يدلك عليه أن القراءة في ركعتي الفجر لما كانت مجهورًا بها في كل الأحوال؛ كان ذلك دلالة على وجوبها، وسائر أذكارها لما كانت مما تخفى؛ كانت مسنونة. قيل: هذا أيضًا اعتبار فاسد، وذلك أن الأذكار لما كانت جنسًا واحدًا، غير واجب في شيء منها؛ أخفيت، مثل التسبيح الذي ذكرتموه في الركوع، والسجود، والتشهد، ولما كانت القراءة جنسًا واحدًا، ووجب في بعض الصلاة؛ وجب في كلها؛ لأنه قد جهر ببعضها في بعض الصلاة، فكان ما أخفى منها لا يستدل بإخفائه على سقوطه؛ لأنه قد جهر ببعضه ووجب، فينبغي أن يكون باقيه واجبًا وإن لم يجهر به. وعلى أن هذا الاعتبار أيضًا يسقط على أصولنا، وذلك أن في الأذكار التي في الصلاة ما هو واجب في حال ويجهر به، و [ما] (١) هو واجب [في حالة] (٢) أخرى وإن لم يجهر به، مثل تكبيرة الإحرام، والسلام، هما ذكر في الصلاة واجبان، فالإمام يجهر بهما، والمأموم والمنفرد لا يجهران بهما وإن كانا واجبين، ولم يدل على أنهما في جهر الإمام واجبان، وفي إخفاء

стр. 1827

المأموم والمنفرد في حال أخرى غير واجبين، فكذلك القراءة لا يدل الجهر بها في حال على وجوبها، والإخفاء في حال على سقوطها. ثم يسقط بوجه آخر: وهو أن القراءة عندنا وعندكم يسقط فرضها عن المأموم أصلًا في حال جهر الإمام وإخفائه (١)، ولم يدل جهر الإمام بها على فرضها على المأموم، والأذكار التي ليست بقراءة على حالة واحدة، للإمام، والمأموم، والمنفرد، في كل ركعات الصلاة، فلا ينبغي أن تعتبر القراءة بذلك، وإنما هو على حسب ما ورد به التوقيف في القراءة وفي الأذكار سواها. ويبين هذا أيضًا أن صلاة التطوع قد يجهر في بعضها بالقراءة كصلاة العيدين والاستسقاء، ويخافت منها فرضًا لا يفترق الحكم فيه؛ لأنه في صلاة فرض (٢)، ألا ترى أنه قد استوى الحكم فيه في صلاة الظهر والعصر وفي صلاة الصبح في أن القراءة في الصبح واحدة وهي مجهور بها، وواجبة في ركعتين من الظهر والعصر وهي مخافت بها؛ لأنها في صلاة فرض، فكذلك تكون القراءة في صلاة واحدة واجبة في ركعاتها كلها، وإن كان يجهر في بعضها ويخافت في بعضها؛ لأنها في صلاة فرض. ويسقط بهذه الطريقة قول من يقول: إن القراءة لو كانت واجبة في الركعتين الأخريين؛ لصار حكمهما حكم الأوليين في الجهر والإخفاء (٣)،

стр. 1828

واستشهاده بالقراءة في صلاة الصبح لما كانت واجبة استوت الأولى والثانية في الصفة، وذلك أننا قد بينا أنه يلزم في الصلاتين صلاة الصبح، وهي يجهر فيها بالقراءة، وركعتين من الظهر والعصر وهما تخفى فيهما، والجميع واجب، ولم يدل افتراقهما في الجهر والإخفاء على افتراق حكمهما في الوجوب، كذلك في الصلاة الواحدة. فإن قيل: فإن القراءة في الأخريين لو كانت واجبة؛ لكان عليه أن يجمع بين فاتحة الكتاب وبين سورة معها كالأوليين، أو كركعتي الصبح، فدل هذا على [أن] (١) قراءة السورة من سنة القراءة الواجبة، فلو كانت القراءة واجبة في الأخريين؛ كان عليه أن يأتي بهما على سنتهما، وهو قراءة السورة معها. قيل: هذا أيضًا ساقط؛ وذلك أن لمعارض أن يعارضك بمثل هذا فيقول: لما كانت صلاة الفجر يجهر فيها بالقراءة - وقد سلمت لنا أن فاتحة الكتاب شرط معين فيها، وإنما تضاف إليها سورة -؛ وجب أن تكون السورة من سنة القراءة التي يجهر فيها، فينبغي أن لا تكون السورة من سنة القراءة التي لا يجهر فيها، فينبغي أن لا تكون السورة من سنة قراءة الركعتين الأوليين من الظهر؛ لأن فاتحة الكتاب لا يجهر بها فيها. ويستدل بسقوط وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين بمثل ما ألزمتنا، لو كانت القراءة واجبة في الأوليين؛ لوجب أن يجهر بهما كصلاة الفجر، ويجب أن لا تكون السورة مسنونة فيهما؛ لأن سنتها أن تكون في

стр. 1829

قراءة يجهر بها. فإن قال: أنا لا أسلم (٣٢٥) تعيين القراءة في الصلاة. قيل: ولا معنى لإلزامك ما ألزمتنا إلا بعد تسليم الأصل، وإلا فهو سؤال ساقط. فإن قيل: فإن أصل الأذكار أنها غير واجبة، فلا يصح إيجابها إلا بعدما قامت عليه الدلالة، [والدلالة] (١) على هذا جواز ترك القراءة مع القدرة عليها، وهو في حال إدراك الإمام في الركوع، وبمثله لو ترك الجزء اليسير من القيام لم يجزئه، وإذا كان كذلك؛ فلو أوجبنا الذكر في جميع الركعات كإيجاب الأفعال؛ كنا قد أخرجنا الأذكار عن موضوعها، وجعلناها في حد الفعل، وهذا لا يصح. قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أن المأموم لو لحق الإمام قبل أن يركع؛ ما وجب عليه أن يقرأ عندنا وعندكم، ولم يدل هذا على أن القراءة ليست بواجبة على المنفرد في الركعتين الأوليين، وعلى الإمام أيضًا، فلما قلتم: إنها فرض عليهما - وإن لم تتعين -؛ سقط هذا الاعتبار، ولا ننكر أن تكون القراءة واجبة على الإمام والمنفرد في جميع الركعات وإن كان الفعل أقوى منها، كما وجبت في ركعتين وإن كان الفعل أقوى منها، ولسنا نجعل القراءة في حد الفعل وإن كانت واجبة؛ لأننا نسقط القراءة عن المأموم، وعمن لا يحسنها، ولا يسقط الفعل، فلا يمتنع أن يكون الشيء فرضًا وإن كان هناك فرض آخر آكد منه، فلا معنى لما ذكروه.

стр. 1830

ولا يمتنع أيضًا أن [تكون] (١) الأذكار تختلف، فيكون بعضها آكد من بعض، فتكون القراءة في الركعات كلها واجبة، وغيرُها من الذكر ليس بواجب، ألا ترى أن في الأذكار التي ليست بقرآن ما هذه صفته، فتكبيرة الإحرام ذكر واجب، والتسبيح ليس بواجب، فقد بان بهذا سقوط ما ذكروه. فإن قيل: فإنه ذكر غير منفصل من الصلاة، فوجب أن يكون من جنسه نفل؛ دليله التكبيرات. قيل: هذا أيضًا نحن نعمل بموجبه فنجعل من جنس القراءة ما هو نفل في الصلاة وهو السورة الزائدة على فاتحة الكتاب. على أننا قد ذكرنا من القياس ما هو أقوى من هذا، فأحسن الأحوال أن يكون معارضًا لما ذكرتموه. ويسلم لنا ما ذكرنا من النصوص التي يسقط مع مثلها كل قياس. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٩): قال مالك ﵀: ويستحب أن يقرأ مع الإمام فيما أسر، ولا يقرأ معه فيما جهر فيه (٢).

стр. 1831

وعند أبي حنيفة: لا يقرأ خلف الإمام أصلًا (١). وعند الشافعي: أن القراءة واجبة على المأموم كوجوبها على الإمام، أسر أم جهر (٢). وله قول آخر: أنه لا يقرأ أصلًا مثل قول أبي حنيفة. وله قول آخر مثل قولنا (٣). والدليل على أنها غير واجبة على المأموم؛ قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٤). وهذا أمر ظاهر الوجوب، وهو عام في كل حال، سواء كان خلف الإمام

стр. 1832

أو غير إمام إلا أن تقوم دلالة، [فالاستماع] (١) والإنصات واجبان بهذه الدلالة، ونحن نعلم أن بالاستماع لا يمكن القراءة (٢)، فكيف وقد قدر إليه الإنصات الذي ينافي القراءة. فإن قيل: فإن هذه الآية نزلت في الخطبة (٣). قيل: الخطبة ليست بقرآن، والله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾، ويحتمل أن يكون كان في الخُطب قرآن، فأمرنا باستماعه، ونبهنا على استماع كل قرآن يقرأ. وأيضًا فالمعتبر عموم لفظ القرآن في كل موضع إلا أن تقوم الدلالة. على أنه قد روي أنها نزلت في القراءة خلف الإمام (٤)، فلا بد أن يكون مرادًا باللفظ. وروى ذلك أبو العالية "أن النبي ﵇ صلى بالصحابة فقرأ أناس خلفه، فنزلت الآية، فسكت الناس خلفه" (٥). فإن قيل: بأنها نزلت في سبب؛ وهو ما رواه زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت (٦).

стр. 1833

قيل: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يقتضي ترك القراءة أصلًا، ولا يمتنع أن يكونوا يرفعون أصواتهم فيمنعون من القراءة جملة، والظاهر يقتضي ذلك. وعلى أننا قد استفدنا ترك رفع الصوت من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). وقد روى عبد الرحمان بن زيد بن أسلم قال: حدثني أبي أن النبي ﵇ كان ينهى عن القراءة خلف الإمام، وأن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينهون على القراءة خلف الإمام، وأن هذه الآية نزلت فيه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٣). ويدل على صحة قولنا أيضًا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٤).

стр. 1834

وأيضًا ما رواه جابر بن عبد الله عن النبي ﵇ أنه قال: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فإنك لم تصلها إلا وراء (٣٢٦) الإمام" (١). وهذا نص في إسقاطها عن المأموم. وأيضًا ما رواه أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي ﵇ قال: "من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة" (٢). فإن قيل قوله: "فقراءة الإمام له قراءة" صائر إلى الإمام، فكأنه أفاد بأن قراءة الإمام قراءة [له] (٣)، لئلا يظن ظان أن قراءة الإمام قراءة للمأموم.

стр. 1835

قيل: هذا خطأ بيِّن في العربية؛ لأن "من" اسم ناقص لا يتم إلا بصلة، وصِلَتُه قوله "كان له إمام"، فبتمام هذا يصير اسمًا تامًّا مبتدأ بمنزلة "زيد"، ثم لا بد أن يكون في خبره صلة له تعود إليه (١)، وليس في الخبر صلة إلا الهاء التي تعود إليه في قوله: "فقراءة الإمام له قراءة"، ولا يجوز أن تكون هذه الهاء التي في "له" للإمام؛ لأنه يصير تقديره: "فقراءة الإمام للإمام قراءة"، فيبقى الاسم المبتدأ بلا خبر، وخبر المبتدأ إما أن يكون هو المبتدأ بعينه، كقوله: الله ربنا، والقرآن كتابنا، ومحمد نبينا، أو يكون جملة فيها ذكره (٢)، كقوله: "زيد قام"، ففي "قام" ضمير يعود إلى زيد، فتقديره: قام هو، فلو كان تقدير قوله: "الإمام له قراءة" أي للإمام قراءة؛ صار بمنزلة قولك: "زيد قام عمرو"؛ لأنك جعلت "قام" لعمرو، ويبقى "زيد" المبتدأ بلا خبر، وهذا لا يصح. وليس هذا مما خفي على أحد ممن نظر في العربية، وإنما ذكرته لأن بعض من لا يعرف هذا الشأن ربما تأول على هذا، فهو خطأ بيّن، وقد علمنا بالحقيقة أن قراءة الإمام ليست قراءة للمأموم (٣)، ولا يجوز أن يلغى قوله ﵇، فكأنه أراد: "فقراءة المأموم له قراءة"، أي تقوم مقام قراءته وتكفي منها. وأيضًا فقد قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٤).

стр. 1836

وهذه صلاة قد قرئ فيها بفاتحة الكتاب. وأيضًا قوله: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (١). وهذه صلاة قد قرئ فيها بفاتحة الكتاب، فليست بخداج، لأنه لم يقل: "كل صلاة لا يقرأ كل مصل فيها"، وإنما قال: "لا يقرأ فيها"، وقد قرئ فيها. على أنه روي ذلك في حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عنه ﵇ وفيه: "فهي خداج غير تمام إلا وراء إمام" (٢). وهذا يسقط كل شبهة. وقد قال أبو موسى: "كان النبي ﵇ يعلمنا فقال: "إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٣). فإن قيل: فإننا نقول: إن الإمام إذا قرأ ينصت له المأموم، وإنما يقرأ قبله أو بعد أن يفرغ من فاتحة الكتاب، بدلالة ما روي من حديث سمرة "أن النبي ﵇ كانت له سكتتان في صلاته" (٤)، وإنما جعلنا لمن يقرأ خلف الإمام.

стр. 1837

قيل: هذا حديث قد تكلم الناس فيه بما قد عرف، على أن هذا خطأ في التأويل خاصة على مذهبنا؛ لأن الإمام عندنا يكبر ثم يقرأ، فيحتاج المأموم أن ينصت، وأما بعد قراءة فاتحة الكتاب؛ فإن الإمام يقرأ بعدها بشيء آخر، فيحتاج المأموم أن ينصت، فإن قرأ والإمام يقرأ؛ فلم ينصت، فإن كانت للإمام سكتة بعد فاتحة الكتاب حتى يقرأ المأموم فاتحة الكتاب؛ فهو خطأ؛ لأننا لم نر أحدًا من الأئمة خاصهم وعامهم سكت بعد قراءة أم القرآن سكوتًا يمكن أن يقرأ فيه من خلفه بأم القرآن (١)، وإنما يسكت أكثر أهل القرآن بعد التكبير، لما رووه عن عمر ﵁ من قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" (٢)، وأهل المدينة ينكرونه. ولو كان النبي ﵇ إنما جعل السكوت ليقرأ من خلفه؛ لم يسألهم: "هل تقرؤون خلف إمامكم" (٣)؛ لأنه جعل لقراءتهم خلفه حدا، ولما كان أيضًا يقول لهم في حديث عمران بن حصين: "قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" (٤)، إنما يخالجونه إذا قرؤوا في وقت قراءته. ولو كان أيضًا سكوته ﵇ إنما هو لأن يقرأ من خلفه بأم القرآن؛ لما

стр. 1838

كان يعلم الوقت الذي قرؤوا فيه وفرغوا، لأنه ليس بوقت معلوم؛ لأن الناس يختلفون في السرعة والإبطاء، ولو كان من خلف الإمام يقضي فرضه قبل أن يقضي الإمام فرضه وهم يزعمون أنه إذا استفتح قبل الإمام، أو ركع، أو سجد قبله أنه غير مصل، ثم يخرجون القراءة من هذا كله، ويزعمون أن على من خلف الإمام أن يقرأ قبل الإمام بأم القرآن، ثم عليه أن يسكت ليسمع قراءة الإمام، فيصير على المأموم فرضان، وعلى الإمام فرض واحد، فخالفوا بهذا من مضى من أهل العلم؛ لأنهم أجمعوا أن الإمام يتقدم بالفعل في الصلاة، و [لذلك] (١) سمي إمامًا، وقالوا: إن الإمام يحمل عمن خلفه بعض الصلاة، فلو سها من خلفه؛ لم يلزمه سهو (٢)، ولو أدركه راكعًا وقد فاته [ما] (٣) قبل ذلك؛ كان مدركًا، وكان الإمام عنه متحملًا لما قبل ذلك (٤). وقد روي في غير حديث أن الإمام ضامن لصلاة من خلفه (٥)، والضامن

стр. 1839

هو الذي يتحمل عن غيره ما كان عليه أو بعضه، فقلبوا المقالة وأحكام الصلاة، فصيروا الإمام هو التابع (١)، وصيروه وإياهم مختلفين في أداء الفرائض من الصلاة، فإذا سكت قرؤوا، وإذا قرأ سكتوا، فأخرجوه من اسم الإمامة ومعناها، لأن هذا غاية المباينة والمضادة، وصيروا للإمام سكتتين بقراءة من خلفه، فصيروه في السكتة الثانية قائمًا من أجل من يقرأ خلفه بأم القرآن، وهو لا يدري لعل من خلفه قد قرأ، فيصير منتظرًا لمن لا يدري هل يحتاج إلى القراءة أم لا، ويصير قائمًا في الصلاة لغير فرض، ولو كان هذا؛ لأشبهت صلاة الخوف التي جعلت للضرورة، بل هي أبين من هذا؛ لأن الإمام يعلم أنها فرض لم [تصل] (٢) إذا كان قد قسمهم قسمين. فإن زعموا أن المصلين أيضًا مضطرون [في] (٣) القراءة؛ فقد خالفوا في ذلك؛ لأن المضطر ليس يقصد إلى فعل الشيء، ألا ترى أن الغازي ليست يقصد بغزوه إلى أن يصلي صلاة الخوف، وإنما يقصد العدو، فتحدث حال تضطره إلى صلاة الخوف، وكذلك المضطر إلى الميتة ليس يسافر لأكلها. وقد قال بعض من قال بهذه المقالة: إن على من خلف الإمام أن يقرأ بأم القرآن وإن قرأ الإمام بها وجهر، ولا يستمع له، وعليه أن يستمع ما بعد ذلك؛ لأنه تأول قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ عني بذلك ما بعد فاتحة الكتاب، وهو جرأة شديدة، فيه خلاف ظاهر القرآن (٤).

стр. 1840

واحتج الآخر بالسكتتين، وهما يزعمان أن كل شيء يفعله الإمام في الصلاة من فريضة وسنة فإن من خلفه يفعل مثل ذلك من التكبير للاستفتاح، وغيره من الركوع، والسجود، ثم يزعمان في القراءة أن السنة للإمام قراءة أم القرآن وغيرها، وللمأموم أم القرآن وحدها، ولا ينبغي أن يجاوزها، فخصوا القراءة من بين أعمال الصلاة كلها. وقد كان ينبغي أن يعلما بهذا أن المأموم لما منع من قراءة الزيادة أن ذلك لأن الإمام يكفيه، فكما يكفيه البعض؛ فإنه يكفيه الكل، وكل شيء من جنس القراءة فحكمه حكم واحد. ويدل على صحة قولنا أيضًا؛ ما روي أن رسول الله ﷺ لما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: "أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقال لهم ثلاث مرات، فقال سائل: إنا لنفعل ذلك. فقال: لا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه" (١). فمنع ﵇ من القراءة أصلًا في تلك الحال باللسان، وأمر بقراءتها في النفس وهو التدبر (٢).

стр. 1841

وبمثل هذا فسره أبو هريرة لأبي السائب لما سأله عن ذلك فقال: "إني لأكون أحيانًا خلف الإمام، فقال: اقرأها يا فارسي في نفسك" (١). وقد روي عن كثير بن مرة الحضرمي، أنه سمع أبا الدرداء يقول: سئل رسول الله ﷺ : "أفي كل صلاة قراءة؟ فقال: "نعم" فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت رسول الله ﵇ فقال: "ما أرى الإمام إذا أم قومًا إلا وقد كفاهم" (٢). فهذا أيضًا يوجب صحة ما ذكرنا. وقد روى الحارث بن أبي ليلى عن علي ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ : "أقرأ خلف الإمام أو أنصت؟ " فقال: "بل أنصت فإنه يكفيك" (٣). فقد أمره بالإنصات خلف الإمام، وهذا يقتضي المنع من القراءة أصلًا

стр. 1842

خلف الإمام، ولو ادعينا إجماع الصحابة في هذا؛ لكان سائغًا؛ لأننا لم نرهم يختلفون في أنه لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر؛ لأن عثمان، وعليًّا، وسعدًا، وابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجابرًا، وأبا سعيد، وابن عباس، وعبد الله بن بديل، وأنسًا ﵃ قالوا كلهم: "تكفيك قراءة الإمام" (١). ولم يذكر عن أحد منهم أنه أوجب القراءة خلف الإمام إلا فيما خافت فيه (٢)، فإنه قد روي عن كل واحد منهم - أعني ممن ذكرنا - أنهم قالوا: يقرأ معه ما خافت. فإن قيل: إننا نقول: إن المأموم يقرأ في حال تشاغل الإمام بالاستفتاح، فينصت عند القراءة. قيل: قد أقمنا الدليل أن الإمام لا يستفتح بعد التكبيرة بغير قراءة "الحمد لله رب العالمين"، فبطل هذا. وعلى أن المأموم عندكم يشتغل أيضًا في تلك الحال بالاستفتاح كتشاغل الإمام. وعلى أن الأخبار تقتضي منعه من القراءة أصلًا في كل حال، ولا يمتنع أن يكون مستمعًا في حال قراءة الإمام، ومنصتًا في حال إخفائه، والمنصت هو الساكت سواء سمع أو لم يسمع.

стр. 1843

فإن قيل: فإن الأمر بالإنصات لا ينافي القراءة، الدليل على ذلك ما روي أن أصحاب رسول الله ﷺ ، سألوه، فقالوا: "ما [تقول] (١) في سكتاتك يا رسول الله؟ " (٢) فسموه في تلك الحالة بهذا الاسم وإن كان ذاكرًا لله تعالى (٣). قيل: إن الإنصات هو السكوت، وهو ينافي الكلام عند الجميع، فصار ولهم: "ما تقول في سكتاتك" راجعًا إلى ما شاهدوه في الظاهر، فمعناه: ما تقول في حال هي سكوت عندنا في الظاهر (٤)، فقال: "أقول كذا وكذا". وقد اتفقنا أن المأموم إذا لحق الإمام في الركوع؛ فإن القراءة تسقط عنه، والعلة في ذلك أنه مؤتم بمن قد صح الائتمام به مع صحة عقده للصلاة، فكذلك تسقط قبل الركوع. فإن قيل: إنما سقطت عنه في هذه الحال لسقوط القيام الذي هو موضع القراءة. قيل: القيام (٣٢٧) الذي هو الاعتدال لا يسقط عندنا عن المأموم، وعلى أن هذا لو كان كما ذكرتم؛ لكان حجة لنا؛ لأن القيام الذي هو ظرف القراءة سقط لسقوط القراءة، ولا يمتنع أن يكون الشيء ظرفًا لشيء يخرج الظرف أن يكون ظرفًا له، ويصير لشيء آخر، فنقول: تسقط القراءة عن المأموم قبل

стр. 1844

الركوع، ويكون قيامه اتباعًا للإمام، بخلاف قيامه منفردًا؛ لأنه في الانفراد ظرف للقراءة مع القدرة على القراءة، ثم تسقط القراءة عن المنفرد إذا كان أميًّا، ويكون قيامه ظرفًا للتسبيح، وكذلك الركوع والسجود خلف الإمام هما ظرفان للتسبيح والدعاء المسنونين، ثم يسهو الإمام عن ذلك فيصيران لاتباع الإمام دون ما كانا له ظرفًا له من التسبيح والدعاء؛ لأنه خلف الإمام إذا سها عن المسنون لا سجود عليه، ولو سها منفردًا؛ لوجب عليه سجود السهو. وقد استدل بعض أصحابنا بأن قالوا: وجدنا فروض الصلاة التي هي الركوع والسجود إذا سقطت عند الضرورة؛ سقطت إلى بدل هو الإيماء، فلو كانت القراءة على المأموم فرضًا؛ لما سقطت عند إدراكه الركعة مع الإمام إلا إلى بدل؛ كالركوع، فلما سقطت أصلًا؛ علمنا أنها ليست بفرض، وأنها من جنس السنن التي تسقط عند الضرورة لا إلى بدل. وهذا عندي فاسد؛ لأن القراءة فرض على المنفرد كالركوع والسجود وإن كانت تسقط عنه إذا كان أميًّا لا إلى بدل، والركوع والسجود يسقطان إلى بدل، وإنما ذكرت هذا حتى يعرف فلا يعتمد عليه، ولكن يجوز أن يجعل ترجيحًا لا على هذا الوجه، ولكن يقال: قد علمنا الفرق بين المنفرد وبينه خلف الإمام في سقوط القراءة عند إدراك الإمام راكعًا، ولم يفترق حكمها في باب الركوع والسجود، فينبغي أن تكون القراءة عنه خلف الإمام ساقطة عنه أصلًا لسقوطها عنه عند إدراك الركوع مع القدرة على قراءتها. فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. وهذا عام ظاهره الوجوب في المنفرد والإمام والمأموم.

стр. 1845

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه ورد في صلاة الليل (١)، فهو مقصور على سببه لا يتعدى إلى غيره إلا بدلالة. والجواب الآخر: أنه عموم يجوز تخصيصه بقوله ﵇: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٢). وبقوله: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام إلا وراء الإمام" (٣). وبقوله لجابر: "كل ركعة لم تقرأ فيها بأم القرآن فإنك لم تصلها إلا وراء الإمام" (٤). فصارت الآية عمومًا فيمن عدا المأموم، فتقديره: فاقرأوا ما تيسر إلا أن تكونوا وراء إمام. فإن قيل: فقد قال ﵇ للأعرابي لما علمه الصلاة: "ثم اقرأ في كل ركعة" (٥). ولم يقل: "إن كنت خلف إمام فلا تقرأ"، فهو عام فيه سواء كان منفردًا

стр. 1846

إمامًا أو مأمومًا. قيل: هذا أيضًا مخصوص ببعض ما ذكرناه. فإن قيل: نستدل بحديث عبادة وأن النبي ﵇ قال: "لا تقرؤوا خلف الإمام إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها" (١)، وبما حكوا فيه أنه قال: "لا تجزئ صلاة إلا بها" (٢). قيل: يحتمل أن يكون أراد في الصلاة التي يخافت بها الإمام، فيكون تقديره: "لا تقرأوا خلفي إلا بأم القرآن إذا كنت مخافتًا" بالدلائل التي تقدمت من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ بما ذكرناه من الأخبار في ترك القراءة وراء الإمام، ويكون قوله: "لا تجزئ صلاة إلا بها" مصروفًا إلى جملة الصلاة، فإذا قرأ الإمام؛ فهي صلاة قد قرئ فيها بأم القرآن، فإن لم يقرأ فيها أصلًا؛ لم تجزئ. فإن قيل: فإنه ﷺ صلى وقرأ، وفعله على الوجوب. وقال أيضًا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). وهذا أمر ظاهره الوجوب. قيل: نحن نصلي كما رأيناه يصلي، لأنه لم تخل حاله ﵇ في فعله من أحد أمور:

стр. 1847

إما أن يكون صلى منفردًا؛ فنحن نقرأ كما قرأ. أو إمامًا؛ فكذلك نفعل إذا كنا أئمة. أو يكون كان مأمومًا، وهذا بعيد؛ لأنه لم يكن مأمومًا إلا شاذًّا (١)، أو تلك حال لا يندبنا إلى مثلها؛ لأننا إن كنا معه مأمومين؛ فلا يجوز أن نستعمل غير صلاتنا بتأمل صلاته، وإن كنا في غير صلاة؛ فقد نهى عن ترك الصلاة إذا أقيمت الصلاة، فليس هذا موضع تعليم، وهذا خطاب لمن شاهده فقُدرت تقديران لو كنا حضورًا بحضرته ﷺ . فإن قيل: فإن القراءة ذكر قد وجب على الإمام؛ فتجب على المأموم؛ دليله تكبيرة الإحرام، أو السلام. أو قيل: القراءة واجبة على المنفرد، فيجب أن لا تسقط وراء الإمام، بعلة أنها من فروض صلاته، دليله الركوع والسجود. قيل: هو منتقض به إذا أدرك الإمام راكعًا. وعلى أننا قد ذكرنا قياسًا بإزائه، ولنا فضل الترجيح بالأخبار المنصوص بها على ترك القراءة وراء الإمام فيها، وبما بيناه من الفرق بين المنفرد والمأموم في سقوط القراءة عنه (٣٢٨) عند إدراكه الإمام راكعًا، ولم تسقط عنه تكبيرة الإحرام، ولا الركوع، ولا السجود، ولا التسليم. وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد روي عن عبادة بن الصامت أنه قرأ خلف الإمام في

стр. 1848

صلاته من حيث سمعها محمود بن الربيع، فلما انفتل؛ سأله عن قراءته فقال: "صلي رسول الله بهم صلاته التي نجهر فيها فقال: "لا تقرؤوا من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن" (١). رواه زيد بن واقد، عن نافع، عن محمود بن الربيع، أنه قرأ. ورواه عبادة بن الصامت أيضًا قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ الغداة وتفلتت عليه القراءة، فلما صلينا قال: لعلكم تقرأون خلف إمامكم"، قلنا: نعم يا رسول الله! نفعل ذلك: قال: "فلا تفعلوا ذلك إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها" (٢). وهذا نص على القراءة وراء الإمام في ما يجهر فيه. قيل: يجوز أن يكون هذا في أول الإسلام، فأمرهم بقراءة أم القرآن ليحفظوها ويحرصوا عليها؛ لأنها من شرط صحة الصلاة، ثم نهاهم بعد ذلك في الأخبار التي ذكرناها، وبإجماع الصحابة الذين ذكرناهم على تركها [وأنهم نهوا عنها] (٣) خلف الإمام بعد وفاة النبي ﷺ ، إذ لا يجوز أن يذهب ذلك على هذه الجماعة التي لها من الاختصاص برسول الله ﷺ ما ليس لغيرهم، وهم الأئمة الذين يقتدى بهم، ولو لم يكن هذا حتى يتعارض الأخبار؛ لكان الخبر الذي يختصه عمل أهل المدينة أولى من هذا الخبر النادر، فكيف وقد ذكرنا من الأخبار عن النبي ﵇ وعن الصحابة ﵃ ما لا يوازيه شيء. وبالله التوفيق.

стр. 1849

مَسْألة (٣٠): اختلف الأمر في الصلاة الوسطى (١)، فذهب مالك والشافعي (٢) إلى أنها صلاة الصبح (٣). وإلى هذا ذهب ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعطاء، وعكرمة،

стр. 1850

وطاوس، ومجاهد، وذكر مالك أنه بلغه عن علي بن أبي طالب مثله (١). وذهب طائفة إلى أنها الظهر، وإليه ذهبت عائشة، وأبو سعيد، وزيد بن ثابت (٢). وعن ابن عمر روايتان فيه (٣). وذهبت طائفة إلى أنها العصر، وهو مذهب أبي حنيفة (٤). وإليه ذهب علي بن أبي طالب (٥)، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة،

стр. 1851

وعبيدة السلماني (١). وذهب قبيصة بن ذؤيب إلى أنها المغرب (٢). وحكي عن معاذ أنها الصلوات الخمس، قال: لأنها وسط الدين (٣). والذي يدل على أنها الصبح قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). فعقبها بالقنوت الذي قد قام الدليل عندنا أنه في الصبح. وأيضًا فإن ابن عباس ﵁ قدم البصرة، وصلى الصبح، وقنت فيها، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى

стр. 1852

وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). والوسطى هي الصبح التي أخبرنا الله بالقنوت فيها (٢). وروي عن أبي العالية قال: "صليت الصبح في جماعة من أصحاب النبي ﵇، فقلت: رحمكم الله، أيتها الوسطى؟ فقالوا: هذه التي فعلنا" (٣). وقد روي عن حفصة أن النبي ﵇ قرأ: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" (٤). وهذا يقتضى أن تكون الوسطى غير العصر.

стр. 1853

فإذا ثبت هذا؛ فقد تعارضت الأخبار في العصر؛ لأنه قد روي في بعضها أنها العصر، وفي بعضها أنها غير العصر، فاحتجنا إلى الترجيح. فما ذكرناه أولى لأمور؛ منها: أن الله تعالى [أفردها] (١) بالذكر فقال: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ بعد أن اقتضى دخولها في جملة الصلوات، ولم تخص بالذكر إلا لمزية، والمزية للصبح على سائر الصلوات هو أنها تصلى في وقت النوم والغفلة، والوقت الذي يثقل على الناس القيام فيه، وسائر الصلوات تفعل في وقت الانتباه واليقظة، ولا تلحق المشقة في شيء منها كما تلحق في الصبح، فأفردها الله تعالى بالذكر للمحافظة عليها تأكيدًا لأمرها، ألا تراه عقبها بالقنوت الذي فعله النبي ﵇ فيها إلى أن قبض (٢).

стр. 1854

وأيضًا فإن الصبح تقع بين أربع صلوات، يجمع بين كل ثنتين منها، فالظهر تجمع مع العصر عند العذر، والمغرب مع العشاء، والصبح لا تجمع إلى شيء، فيجب أن تكون الصبح هي الوسطى؛ لتوسطها بين هذه الأربع التي تجمع بين اثنتين قبلها، وثنتين بعدها. وهي أيضًا متوسطة بين صلاتي ليل وصلاتي نهار؛ لأن قبلها المغرب والعشاء من صلاة الليل، وبعدها الظهر والعصر من صلاة النهار، وقد اختلف الناس فيها فقيل: ليست من صلاة الليل، ولا من صلاة النهار، وقد روي في الأخبار أن ملائكة الليل وملائكة النهار يحضرونها (١)، فاختصت بذلك. واستدل من ذهب إلى أنها الظهر بما رواه زيد بن ثابت قال: "كان النبي ﵇ يصلي الظهر في الهاجرة، وما كانت صلاة أشد عليه منها، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢). فثبت أن الوسطى هي الظهر؛ لأنه نزل على سبب، (٣٢٩) وهو محافظة النبي ﵇ عليها، ومشقة فعلها عليه. وهذا لا دلالة فيه؛ لأن النبي ﵇ قد قال: "أبردوا بالظهر" (٣)، وكان يغلس بالصبح مع عظم المشقة فيها، وأنها تدرك الناس نيامًا، والظهر هم فيها ينتشرون في معايشهم وحوائجهم. وأي شيء يمنع أن تكون الآية نزلت في المحافظة على الصلوات التي

стр. 1855

الظهر من جملتها، فيكون هذا حثا على الظهر وغيرها. ثم نقول: والصلاة الوسطى هي الصبح؛ لأنها أشق من الظهر على ما بيناه، فيكون السببُ الظهرَ، فأمره بالمحافظة عليها، وأكد عليه في الصبح، فلهذا كان يغلس بها دائما، ويبرد بالظهر وقت الحر. ثم بيّنا أن الظهر تحصل قبلها صلاة لا تجمع إلى غيرها، وهي في نفسها تجمع مع غيرها، والصبح نفسها لا تجمع مع غيرها؛ فوجب أن تكون هي الوسطى، حتى تختص بشيء تبين به من سائر الصلوات التي يجمع بعضها مع بعض، فهو أولى بذلك. واستدل من ذهب إلى أنها العصر بما رواه عروة، عن حفصة أنها قالت لكاتبها الذي كتب لها المصحف: "إذا بلغت إلى المواقيت فأعلمني"، فلما بلغ إلى قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قالت: اكتب: والصلاة الوسطى وهي العصر، سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك" (١). وأيضا روى أبو هريرة وسمرة أن النبي ﷺ قال: "الوسطى: صلاة العصر" (٢).

стр. 1856

وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى إلى أن غربت الشمس، ملأ الله قلوبهم نارا" (١). قالوا: ومعلوم أنه لم يحبس عن الصبح وإنما حبس عن العصر. قالوا: وأيضا فإن الوسطى ما كان في وسط الشيء، يقال وسط القوم، والعصر تتوسط صلاتي النهار وصلاتي الليل، وهي الوسطى. والجواب عن حديث حفصة؛ فقد عارضه ما ذكرناه عنها أن النبي ﷺ قال: والصلاة الوسطى وصلاة العصر" (٢)، فدل أن الوسطى غير العصر (٣). ورجحنا قولنا بما تقدم ذكره، وفي خبرنا عنها أنه ﷺ قرأ ذلك، [و] (٤) في هذا الخبر أنه سمعته يقول ذلك، والقراءة أولى. وقول حفصة لكاتبها يكتب ذلك فلا يعمل عليه. وكذلك حديث أبي هريرة وسمرة معارض بقوله: "وصلاة العصر"، والترجيح معنا. وأما حديث الخندق؛ فإن النبي ﷺ حبس عن الظهر، والعصر،

стр. 1857

والمغرب، والعشاء (١)، فقال: "شغلونا عن صلاة الوسطى إلى أن غربت الشمس" (٢). ولم يخص العصر، فيحتمل أن يكون قد قصد الظهر، ويحتمل أن يكون

стр. 1858

أراد العصر، وإذا احتمل هذين؛ لم تكن لكم فيه حجة. فإن قيل: فعلى أي شيء تحملون قوله هاهنا "الوسطى" حتى لا يكون لغوا. قيل: يحتمل أن يكون ﷺ أراد هاهنا بذكر الوسطى الظهر؛ لأنها تتوسط النهار؛ لأنها الوسطى من الصلوات التي أرادها الله تعالى، أي أخرونا عن صلاة نصف النهار إلى هذه الغاية لبعدها و [بين] (١) غروب الشمس حتى خرج وقتها المشترك الذي كان يجمع فيه بينها وبين العصر. والجواب عن قولهم: "إن الوسطى ما توسط الشيء، وأنها واسطة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل"؛ فقد بينا أن صلاة الصبح قد اختلف فيها، فقالت طائفة: إنها ليست من صلاة النهار، ولا من صلاة الليل، وأنها من صلاة اليوم، ولم يختلفوا أن المغرب والعشاء من صلاة الليل، ولا أن صلاة الظهر والعصر من صلاة النهار، فهي أولى أن تكون هي الوسطى، أعني الصبح، وأنها متوسطة بين صلوات يجمع بين كل ثنتين منها، وأنها مخصوصة لا يجمع بينها وبين غيرها، فهي أولى. واستدل من قال: إنها المغرب؛ بأن الوسطى إنما هو الشيء الوسط بين الشيئين، الذي ليس مثل أكثرهما عددا، ولا مثل أقلهما عددا، وهذا لا يلزم؛ لأنه لو كان المراعاة هذا؛ لكانت المحافظة على ما كثر عددا أولى؛ لأن ما كثر عدده أشق على النفوس وأثقله، فالحث على المحافظة لما يثقل ويشق أولى؛ لأن الذي يثقل ويشق ربما لحق فيه التواني، فعلمنا أن التأكيد لم يقع

стр. 1859

لذلك، وإنما حصل التأكيد للصبح؛ لما ذكرناه من المشقة في فعلها في وقت النوم الذي إذا كان في الشتاء ثقل القيام من الدفئ إلى البرد؛ لأن ذلك الوقت أبرد ما يكون، وإن كان في الصيف فإنه أثقل لقصر الليل، وقلة النوم، والمحافظة عليها أولى أن يصرف إليها. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٣١): عند مالك ﵀ أن الإمام إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لم يقل: "آمين" (١). وقد قال: يقولها فيما يسر فيه، ولا يجهر بها بحال (٢)، وإنما يجهر بها

стр. 1860

المأموم دونه فيما جهر فيه الإمام. وعند أبي حنيفة والشافعي يقولها فيما جهر فيه وأسر (١). واختلفا في الجهر بها، فقال الشافعي: سنتها يجهر بها الإمام دون المأموم، (٣٣٠) ولا خلاف عنه. وفي المأموم خلاف (٢). وقال أبو حنيفة: لا يجهر بها (٣). والصحيح والدليل للرواية التي لا يقول الإمام فيها "آمين": هو أن قولها شرع يحتاج إلى دلالة. وأيضا فقد روى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولو "آمين" (٤).
следующие страницы →