← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى إلى أن غربت الشمس، ملأ الله قلوبهم نارا" (١). قالوا: ومعلوم أنه لم يحبس عن الصبح وإنما حبس عن العصر. قالوا: وأيضا فإن الوسطى ما كان في وسط الشيء، يقال وسط القوم، والعصر تتوسط صلاتي النهار وصلاتي الليل، وهي الوسطى. والجواب عن حديث حفصة؛ فقد عارضه ما ذكرناه عنها أن النبي ﷺ قال: والصلاة الوسطى وصلاة العصر" (٢)، فدل أن الوسطى غير العصر (٣). ورجحنا قولنا بما تقدم ذكره، وفي خبرنا عنها أنه ﷺ قرأ ذلك، [و] (٤) في هذا الخبر أنه سمعته يقول ذلك، والقراءة أولى. وقول حفصة لكاتبها يكتب ذلك فلا يعمل عليه. وكذلك حديث أبي هريرة وسمرة معارض بقوله: "وصلاة العصر"، والترجيح معنا. وأما حديث الخندق؛ فإن النبي ﷺ حبس عن الظهر، والعصر،

стр. 1857

والمغرب، والعشاء (١)، فقال: "شغلونا عن صلاة الوسطى إلى أن غربت الشمس" (٢). ولم يخص العصر، فيحتمل أن يكون قد قصد الظهر، ويحتمل أن يكون

стр. 1858

أراد العصر، وإذا احتمل هذين؛ لم تكن لكم فيه حجة. فإن قيل: فعلى أي شيء تحملون قوله هاهنا "الوسطى" حتى لا يكون لغوا. قيل: يحتمل أن يكون ﷺ أراد هاهنا بذكر الوسطى الظهر؛ لأنها تتوسط النهار؛ لأنها الوسطى من الصلوات التي أرادها الله تعالى، أي أخرونا عن صلاة نصف النهار إلى هذه الغاية لبعدها و [بين] (١) غروب الشمس حتى خرج وقتها المشترك الذي كان يجمع فيه بينها وبين العصر. والجواب عن قولهم: "إن الوسطى ما توسط الشيء، وأنها واسطة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل"؛ فقد بينا أن صلاة الصبح قد اختلف فيها، فقالت طائفة: إنها ليست من صلاة النهار، ولا من صلاة الليل، وأنها من صلاة اليوم، ولم يختلفوا أن المغرب والعشاء من صلاة الليل، ولا أن صلاة الظهر والعصر من صلاة النهار، فهي أولى أن تكون هي الوسطى، أعني الصبح، وأنها متوسطة بين صلوات يجمع بين كل ثنتين منها، وأنها مخصوصة لا يجمع بينها وبين غيرها، فهي أولى. واستدل من قال: إنها المغرب؛ بأن الوسطى إنما هو الشيء الوسط بين الشيئين، الذي ليس مثل أكثرهما عددا، ولا مثل أقلهما عددا، وهذا لا يلزم؛ لأنه لو كان المراعاة هذا؛ لكانت المحافظة على ما كثر عددا أولى؛ لأن ما كثر عدده أشق على النفوس وأثقله، فالحث على المحافظة لما يثقل ويشق أولى؛ لأن الذي يثقل ويشق ربما لحق فيه التواني، فعلمنا أن التأكيد لم يقع

стр. 1859

لذلك، وإنما حصل التأكيد للصبح؛ لما ذكرناه من المشقة في فعلها في وقت النوم الذي إذا كان في الشتاء ثقل القيام من الدفئ إلى البرد؛ لأن ذلك الوقت أبرد ما يكون، وإن كان في الصيف فإنه أثقل لقصر الليل، وقلة النوم، والمحافظة عليها أولى أن يصرف إليها. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٣١): عند مالك ﵀ أن الإمام إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لم يقل: "آمين" (١). وقد قال: يقولها فيما يسر فيه، ولا يجهر بها بحال (٢)، وإنما يجهر بها

стр. 1860

المأموم دونه فيما جهر فيه الإمام. وعند أبي حنيفة والشافعي يقولها فيما جهر فيه وأسر (١). واختلفا في الجهر بها، فقال الشافعي: سنتها يجهر بها الإمام دون المأموم، (٣٣٠) ولا خلاف عنه. وفي المأموم خلاف (٢). وقال أبو حنيفة: لا يجهر بها (٣). والصحيح والدليل للرواية التي لا يقول الإمام فيها "آمين": هو أن قولها شرع يحتاج إلى دلالة. وأيضا فقد روى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولو "آمين" (٤).

стр. 1861

فجعل تأمينهم عقيب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فلو كان الإمام يقول: "آمين"؛ لقال ﷺ : إذا قال آمين فقولوا آمين" (١)؛ لأن قولهم ينبغي أن يكون بعد قوله، كتكبيرهم بعد تكبيره. فإن قيل: فقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا" (٢). قيل: فقد روي هذا، وروي الأول، فينبغي أن يرجح أحدهما (٣)، فوجدنا آخر الفاتحة دعاء، والإمام، داع، فالمأموم مؤمن، وكذلك جرى العرب بأن يدعو واحد ويؤمن المستمع، فإذا كان دعاء الداعي ينوب عن دعاء من معه لأنهم يؤمنون؛ كان تأمينهم ينوب عن تأمينه (٤)، وقد قال تعالى

стр. 1862

في قصة موسى وهارون ﵉: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (١)، فسماهما داعيين، وإنما كان موسى يدعو، وهارون يؤمن عليه (٢)، فكذلك الإمام داع بما في فاتحة الكتاب والمأموم يستجيب؛ لأن معنى آمين في اللغة: اللهم استجب (٣). فإن قيل: فقد روي أنه ﷺ كان إذا قال: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال: آمين يرفع بها صوته" (٤). هذا يحتمل أن يكون إذا صلى منفردا (٥)، فإنه يجوز أن يجهر بقراءته وبها، ويجوز أن يسر بقراءته وبها، فإن أمن الإمام جاز عندنا، والاختيار ما ذكرناه. فأما جهره بها -فيما يجهر بالقراءة فيه إذا قلنا إنه يقولها- فيحتمل الوجهين: الجهر والإخفاء، ولا تكون السنة في أحدهما، فوجه الجهر بها أنه روي عنه ﷺ كان يجهر بها ويرفع صوته (٦)، ولأنه ذكر يردف الفاتحة به في

стр. 1863

كل الأحوال، فوجب أن يوافق الفاتحة كالسورة التي بعد الفاتحة. ووجه الإخفاء بقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١)، وقد روي عن الرسول ﷺ أنه قال: "المعلن بدعائه كالمعلن بصدقته، والمسر بدعائه كالمسر بصدقته" (٢) وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ (٣) فدل أن الإخفاء خير. وأيضا فهو دعاء يستوي فيه الإمام والمأموم في الصلاة، فأشبه التسليم والتشهد (٤). فإن قيل: هذا يفسد بالقنوت وبقول: "سمع الله لمن حمده". قيل: الاستحباب في القنوت الإخفاء، وقد احترزنا من قوله "سمع الله لمن حمده"؛ لأنه ينفرد به الإمام دون المأموم (٥)، وقد مدح الله تعالى عبده زكريا بقوله: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٦). وبالله التوفيق. * * *

стр. 1864

* مسألة (٣٢): اختلف الناس في الإمام والمأموم، فقال مالك ﵀: يقول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، ويقول المأموم: "ربنا ولك الحمد"، لا يجمعهما واحد منهما (١). وقال أبو حنيفة والشافعي: يقول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، "ربنا لك الحمد" يجمعهما جميعا (٢). وقال أبو حنيفة: المأموم يقول: "ربنا لك الحمد" حسب (٣). وقال الشافعي: يجمعهما كما يجمعهما الإمام. هذا قول محمد وأبي يوسف في الإمام أنه يجمعهما، وهي رواية الحسن

стр. 1865

عن أبي حنيفة. والظاهر من أبي حنيفة مثل قولنا في الإمام والمأموم (١). وعنه في المنفرد روايتان (٢). والدليل لقولنا ما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا لك الحمد" (٣). فأفرد الإمام بذلك، وأفرد المأمومين، وخالف بين اللفظين، فلو كان الإمام يجمع الأمرين؛ لقال ﷺ : إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"؛ فقولوا: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"؛ حتى يكون ابتداء قولهم بعد انتهاء قوله، كما قال: "إذا كبر فكبروا" (٤)، ولم يكن أيضا للفرق بينهما معنى (٥). وأيضا فلو كان الاشتراك يقع بين الإمام والمأموم فيه؛ لم يختلف حال الإمام فيه من جهر، وسر، ألا ترى أن التكبيرات لما كانت تشترك اتفقت حال الإمام فيها سرا وجهرا، فجهر بها كلها فكان ينبغي أن يجهر بقوله: "ربنا لك الحمد" كما يجهر بقوله: "سمع الله لمن حمده" [و] (٦) بالتكبيرات.

стр. 1866

فإن قيل: فإنه يجهر بها. قيل: هذا خلاف ما الناس عليه؛ لأنه لا أحد من الأئمة يجهر بها كالجهر بـ "سمع الله لمن حمده". فإن قيل: فقد تتفق حال الإمام والمأموم في التشهد والتسليم، وهما فيه على طريقة واحدة، فكذلك يسر الإمام بقوله: "ربنا لك الحمد" كالمأموم، كما يسران جميعا بالتشهد. قيل: قول الإمام: "سمع الله لمن حمده، "ربنا لك الحمد" عندكم أنه شيء واحد، فلا ينبغي أن يجهر الإمام ببعضه ويخفي بعضه، وأن يكون فيه على طريقة (٣٣١) واحدة كالتكبيرات وأيضا فإن قول الإمام: "سمع الله لمن حمده" دعاء، وقول المأموم: "ربنا لك الحمد" كالإجابة، وسبيل الإمام أن يكون داعيا، والمأموم مجيبا على دعائه، مؤمنا عليه (١). فإن قيل فقد قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٢). والائتمام به أن يقول مثل قوله، ويفعل كفعله، وإذا قال: "سمع الله لمن حمده" قلنا مثله، كما إذا كبر كبرنا مثله. قيل: هو مخصوص بقوله: "فإذا قال: "سمع الله لمن حمده" فقولوا: "ربنا لك الحمد"، والائتمام به أن يقع قولنا وفعلنا عقيب قوله وفعله؛ لأننا

стр. 1867

نحكي ما يقول، لأنه قد بينا أنه يقرأ ولا نقرأ، ولعلنا نخالفه في الدعاء والتسبيح في الصلاة، وهو يجهر بأشياء ولا نجهر بها، فالائتمام به هو أن نفعل في الصلاة ما قيل لنا افعلوه، والذي قيل لنا: "قولوا: ربنا لك الحمد". فإن قيل: فإنه ﷺ كان إذا رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده"، ربنا لك الحمد" (١). وواجب الاقتداء به؛ لأن أقواله وأفعاله على الوجوب، فكيف وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). قيل: هذا يحتمل أن يكون صلى منفردا، ففعله وقوله واجب، ونحن نصلي منفردين كما رأيناه صلى، بدلالة قوله: "إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده"؛ فقولوا: "ربنا لك الحمد" (٣)، لأن هذا نص في الإمام والمأموم، فهو يقضي على خبركم. فإن قيل: فإنه ذكر مسنون على المنفرد، فلا ينبغي أن يسقط بالائتمام مع القدرة؛ كتسبيحات الركوع. قيل: إنما لم تسقط عن المأموم تسبيحات الركوع والتشهد؛ لأنه والإمام في الإخفاء بها على طريقة واحدة، و"سمع الله لمن حمده" يجهر الإمام بها، ويخافت "بربنا لك الحمد"، ولأن المأموم يجيب عن الدعاء كالمؤمن عليه،

стр. 1868

فسقطت عن المأموم (١). وقد دللنا أن القراءة المفروضة على المنفرد تسقط خلف الإمام إذا كانت حال الإمام تختلف فيه (٢). فإن قيل: فإنه ذكر للانتقال من ركن إلى ركن في الصلاة؛ فوجب أن يكون الإمام والمأموم في الإتيان بأصله على طريقة واحدة كالتشهد. قيل: هذا يفسر بالسورة التي بعد فاتحة الكتاب؛ هي على الإمام في الركعتين، وليست على المأموم. وعلى أننا قد بينا أن قوله: "سمع الله لمن حمده" سقط على المأموم لاختلاف حال الإمام فيها، ولأن المأموم مجيب للدعاء. وبين هذا أنه ﷺ قسم الذكر بين العاطس والمشمت (٣)، كما قسم بين الإمام والمؤتم في الخبر الذي رويناه، فلما لم تجز مشاركة أحدهما صاحبه فيما يقوله؛ فكذلك الإمام والمأموم، وقول الإمام: "سمع الله لمن حمده" استجابة لدعاء داع، وقول المأموم: "ربنا لك الحمد" على وجه المقابلة، لأنه لا حامد له غير المؤتم في هذه الحالة، فلا يشرك أحدهما صاحبه، كالعاطس والمشمت. وبالله التوفيق. * * *

стр. 1869

* مسألة (٣٣): اختلف العلماء في الاعتدال من الركوع في الركوع. فذهب أبو حنيفة إلى أنه غير واجب، وأن أدناه يجزئ (١). وقال الشافعي: هو واجب (٢). ولم أجد لمالك ﵀ في أنه واجب أو غير واجب (٣). ورأيت أصحابنا: يقولون: الواجب منه ما كان منه إلى الاعتدال أقرب، ويقوى في نفسي وجوبه على ظاهر المذهب في فعله. وحُدثت أن ابن القاسم قال في العتبية (٤): "إنه إن هبط من ركوعه إلى السجود؛ لم يُعد الصلاة" (٥).

стр. 1870

وهذا يوافق مذهب أبي حنيفة في أن الاعتدال ليس بفرض. والدليل على صحة وجوب الاعتدال ما روى جابر، وأنس، وابن مسعود "أن النبي ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود (١). وروي: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود (٢). وروي أنه قال للأعرابي: "ثم اركع حتى تعتدل راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما" (٣). ففي الخبرين الأولين نفى حكم الإجزاء إلا بذلك، وفي خبر الأعرابي علمه ذلك وأمره به (٤)، والأمر واجب، والتعليم كان له في فرائض الصلاة،

стр. 1871

وفي بعض الأخبار قال له: "قم اعتدل قائما" (١). وقد روي أن حذيفة قال لرجل لم يعدل ظهره في الركوع: "مِن كم هذه صلاتك؟ فقال: منذ أربعين سنة، فقال له ما صليت منذ أربعين سنة، ولو مت على هذا؛ مت على غير الفطرة" (٢). وفي خبر [أبي] (٣) مسعود: "كان رسول الله ﷺ إذا ركع عدل ظهره حتى لو صُب على ظهره ماء لركد" (٤). وفيه: "أنه كان إذا ركع عدّل ظهره وعنقه" (٥)، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٦). وفعله أيضا على الوجوب إذا تجرد، فكيف وقد انضاف إليه أنه بيان

стр. 1872

لمجمل واجب في القرآن. وأيضا فإن ترك الاعتدال والاستقرار في ركن من أركان الصلاة يفسد الصلاة، كما لو ترك الاعتدال في القومة الأولى من الصلاة. وأيضا فإنه قبل الاعتدال في الركوع لو كان ترك سجدة من الأولى ثم سّبح به؛ لعاد إليها؛ على ما رواه ابن عبد الحكم (٣٣٢) عن مالك، ما لم يطمئن راكعا (١)، فدل أن الطمأنينة شرط في الركوع؛ لأنه قبل ذلك في حكم من لم يركع. وفي رواية ابن القاسم عنه: "رجع ما لم يرفع رأسه من الركوع" (٢). وهذا لا ينفي الطمأنينة عن وجوبها، وإنما جعله ما لم يرفع رأسه في حكم من لم يستوف حكمها. وكذلك قال فيمن ترك التشهد في الثانية وقام إلى الثالثة: "فإنه يرجع ما لم يعتدل قائما" (٣)، فجعل ما قبل الاعتدال في حكم الجلوس، فثبت أن مع الاعتدال يستقر الحكم. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤)، وهذا يقع على أدنى ما يقتضيه الاسم (٥).

стр. 1873

قيل: إن أردتم أن هذا في اللغة كذلك؛ فإن الظاهر من اللغة يستوي فيه الركوع والسجود، يقال: سجد البعير إذا انحنى، وركع: إذا طأطأ رأسه (١)، وهذا معنى واحد، والشريعة قد فصلت بينهما، فانضاف من جهة الشريعة إلى الاسم معنى آخر؛ كما انضاف إلى الصلاة التي هي الدعاء في اللغة (٢) مضاف آخر، وقد بينا ما انضاف إلى ذلك من قول النبي ﷺ وفعله في الاعتدال (٣). فإن قيل: فإن هذه حال أودع فيها ذكر مسنون أو مستحب، فهي مسنونة غير مفروضة كجلوس التشهد الأول (٤). قيل: هذا فاسد لا يلزم خاصة على مذهبكم؛ لأن جلوس التشهد الأخير عندكم واجب، والتشهد فيه مسنون، والسلام فيه أيضا عندكم مسنون. وعلى أنه ينبغي على هذا الحساب أن لا يكون نفس الركوع فرضا، كما لم يكن نفس جلوس التشهد الأول فرضا. على أننا نقول: كل خضوع متكرر في الصلاة لا يبتدأ إلا عن قيام؛ فهو مستحق؛ دليله نفس الركوع، فكذلك الاعتدال فيه. فإذا ثبت ذلك؛ فما قاربه فهو في حكمه، وما كان إلى الركوع والسجود أقرب؛ فهو في حكمهما، فكأنه لم يرفع رأسه.

стр. 1874

والدليل على أن ما قارب الشيء في حكمه؛ أن المريض قد جعلت أحكامه إذا كان مرضه مخوفا كأحكام الميت في عطاياه أنها معتبرة من الثلث، وفي أحكام آخر غير ذلك من نكاحه (١) وطلاقه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣)، ولم يروا الموت، وإنما رأوا دلائله، وكذلك لو أدرك المأموم الإمام في التشهد الأخير؛ لم يلزمه البناء على صلاته؛ لأن الإمام يصير في حكم من قد فرغ من صلاته، ولم يدرك المأموم ما يبني عليه. فيجوز أن نقول: إذا قارب الاعتدال؛ أجزأه لأنه في حكمه، فإن كان إلى الركوع أقرب؛ لم يجزئه؛ لأنه في حكمه، فكأنه إذا أتى بالأكثر عفي له عن الأقل؛ لأن العمل القليل فيها قد عفي عنه، فكذلك ترك العمل اليسير من كل ركن معفو عنه، ألا ترى أن في الناس من يُطول، ومنهم من يتوسط، ومنهم من يخفف في صلاته، ولم تجعل على حد واحد لكل الناس، فصح ما قلناه. وبالله التوفيق. وكذلك نقول في الجلسة بين السجدتين، والخلاف فيها واحد (٤)، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال للأعرابي: "ثم ارفع رأسك حتى تستوي جالسا" (٥)،

стр. 1875

وروي: "حتى تطمئن جالسا" (١)، وحتى موضوعة للغاية والجر (٢). وروي أنه ﷺ كان يفصل بينهما بقعدة (٣)، وفعله على الوجوب. وقد قال أيضا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). وأيضا فإنها جلسة لو بدلت بقومة؛ لبطلت الصلاة، فيجب أن تكون واجبة كالقعدة الأخيرة. وأيضا فإنها قعدة لا تقتضي عقيبها قياما في الصلاة، فهي مفروضة كالقعدة الأخيرة في الصلاة (٥). وأيضا فقد أجمعنا على أن الفصل بينهما مستحق، فوجب أن يقع بمتعين كسائر أركان الصلاة.

стр. 1876

فإن قيل: فإن الله تعالى أمر بإقامة الصلاة، وقد أقامها؛ فيجب أن تجوز. قيل: الآية محتملة، فالتعلق بها لا يصح. وعلى أننا لا نسلم أنه قد أقامها إلا إذا أتى بها على ما بينته الشريعة، وقد بينت وجوب القعدة. فإن قيل: فإنها قعدة فصل؛ فلا تجب أن تكون مستحقة كالجلسة للتشهد الأول. قيل: قعدة التشهد الأول لو تركها وقام متأولا؛ لم تفسد الصلاة، ولو قام من السجدة الأولى مع العمد؛ لفسدت الصلاة، فالفصل بين السجدتين فرض، ألا ترى أن الأمة قد أجمعت على أنه لو طول السجود الأول؛ لم ينب عن السجدتين، فثبت أنه لابد من فصل، فإذا كان الفعل فرضا؛ كان جلوسه مثله. ثم علتنا أولى لأن الاحتياط معنا، ولتضمنها الإيجاب، وموافقة فعل العلماء، والعقلاء، وأهل الفضل بها. فإن قيل (١): فإن الاعتدال من الركوع قيام، فلو كان مفروضا؛ لتعلق به ذكر مفروض أو مسنون مع القدرة. دليل ذلك: القيام من الركعتين الأوليين والأخريين. هذا قيل: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنه فاسد بقيام المأموم خلف الإمام، فإنه واجب وهو لا يقرأ.

стр. 1877

والوجه الآخر: أن الاعتدال من الركوع يتعلق به ذكر مسنون؛ وهو قول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، وقول المأموم: "ربنا لك الحمد". فإن قيل: (٣٣٣) إن قيام المأموم وراء الإمام يتعلق به ذكر مفروض وهو تكبيرة الإحرام. قيل: ليست عندكم من الصلاة. فإن قيل: فالاستفتاح مسنون وتكبيرة الركوع. قيل: الاستفتاح عندنا لا يقال في الصلاة. على أن الاعتدال من الركوع قد بينا أن فيه ذكرا مسنونا وهو قوله: "سمع الله لمن حمده". * * * * مسألة (٣٤): قال مالك ﵀: والجلوس في الصلاة كلها بين السجدتين وفي الجلستين يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض، وينصب قدمه اليمنى (١). وعند أبي حنيفة فيه كله يضع رجله اليسرى مبسوطة تحته، وينصب قدمه اليمنى (٢).

стр. 1878

ويوافقه الشافعي في ذلك، إلا في الجلسة الأخيرة فإنه يوافق مالكا في ذلك (١). والحجة لمالك ﵀ ما روي أن ابن عمر كان يفعل ذلك، وذكر أنه من سنة الصلاة (٢)، فلا يكون إلا عن النبي ﷺ ، إما بقول منه، أو فعل قد شاهده منه؛ لأنه قد أطلق ذلك أنه من سنة الصلاة، ولم يقل: إنه من سنتها عندي، ولا أحال به على غيره، فاقتضى إطلاقه ذلك أن يكون من سنتها الشريعة، وهذا لا يكون إلا عن النبي ﷺ إما بقول منه، أو فعل قد شاهده منه؛ لأنه قد أطلق أن ذلك من سنة الصلاة. وروي محمد بن عمر بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، فذكر هذا الجلوس للتشهد (٣). فإن قال قائل من أصحاب أبي حنيفة: فإن النبي ﷺ نهى عن الإقعاء (٤)

стр. 1879

والتوريك في الصلاة (١). قيل: أما الإقعاء فمنهي عنه، والتوريك المنهي عنه أن يتكئ على وركه، ولهذا يقال: قد تورك، فأما إذا جلس على إليته؛ فليس بمتورك. أو نصرفه إلى التوريك بوركيه جميعا، وهو أن يترك نصب قدمه اليمنى.

стр. 1880

وعلى أن الذي نذهب إليه أولى؛ لأنه إذا جلس على إليته؛ كان أشد لتمكنه على الأرض، هذا مع ما قد رويناه مفصلا. فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فقد روى ما نقوله نحن، وهو ما روي أن أبا حميد الساعدي قال: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة؛ أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة". وروي عنه أنه قال: "كان إذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعده" (١). قيل: قد روينا عن أبي حميد الساعدي ما ذكرناه نحن، فإن صح ما تقولون؛ فقد اختلفت الرواية عنه ﷺ ، [ومعنا] (٢) حديث ابن عمر في قوله: "إن ذلك من سنة الصلاة" (٣)، ومعنا ترجيح أيضا لو سلم ما رويتموه، وعارضه

стр. 1881

حديث ابن عمر، وهو أن القعدة في الصلاة لما تكررت؛ وجب أن لا تختلف هيئتها في نفسها، كالسجود والركوع، فوجب أن يكون كله على هيئة واحدة (١). فإن قيل: هذا منتقض بالقيام بعد الركوع، والقيام مثله؛ فإنه مختلف الهيئة بإرسال يده في أحدهما وقبضها في الأخرى. قيل: هما عندنا في الاختيار على طريقة واحدة. وعلى أنه لا يلزمنا على الرواية التي نقول (٢) فيها بوضع اليد على اليد؛ لأن هيئة القيامين هيئة واحدة، وإنما يختلفان فيما يوقع فيهما، فالجلوس على هيئة واحدة، والسجود على هيئة واحدة؛ وإن اختلف ما يوقع فيهما من الدعاء والتسبيح والتشهد، فلم يلزم ما ذكرتموه. فإن قيل: فما قلناه أولى؛ لأن في جلوسه الأخير لا يحتاج إلى هيئة القيام، فجاز أن يتمكن تمكن استقرار ليكون على أداء ما قد ندب إليه. قيل: وكذلك بين السجدتين ليس بمتأهب للقيام؛ لأنه مأخوذ على أن يفعل السجدة الأخيرة، وبخاصة في الركعة الثانية؛ فإنه يخرج من القعدة بين السجدتين إلى سجدة أخرى، ثم يخرج إلى جلوس قد ندب إليه، فينبغي أن يتمكن.

стр. 1882

فإن قيل: فإنه بعد هذا كله يقوم إلى ما ندب إليه، فليس جلوسه جلوس استقرار. قيل: لا يضر مَن سبيله أن يكون في صلاته كلها كالمستقر في موضع ركوعه، وجلوسه، وسجوده، لا كالمستوفز، ألا ترى أن الاعتدال في الركوع، والسجود، والقعود بين السجود، والاعتدال من الركوع؛ كله على طريقة واحدة؛ وإن كان بعضه فيه أهبة القيام وهو نفس الركوع، والاعتدال منه فيه أهبة السجود والقعود، ولم يقع الفصل بين ذلك، بل وجب أن يكون كله على طريقة واحدة في التمكن، فكذلك الجلوس كله. فإن قيل: فينبغي أن يكون بين [الجلسة في التشهد الأول وبين] (١) الجلسة في التشهد الأخير فصل، وهو أن الأمر لو استوى فيهما؛ لجاز أن يحضر رجل آخِر الصلاة، فيظن أنه في التشهد الأول، فينتظره ليدخل معه في الصلاة، فإذا سلم؛ فاتته جماعة أخرى. قيل: فليزمك هذا أيضا في الجلسة بين السجدتين في الركعة الأخيرة؛ لأنه يظن أنه في الثانية أو الثالثة التي بعدها ما يدرك به الصلاة، فإذا انتظر خرج منها إلى التشهد، فيظنه أيضا التشهد الأول، فإذا سلم فاتته جماعة أخرى، (٣٣٤) وانتظاره هاهنا أطول من انتظاره إذا أدركه في التشهد، فلما لم يفصل بين القعود في السجود كله؛ لم يلزمنا أن نفصل القعود للتشهد. وبالله التوفيق. فإن قال قائل من العراقيين: فقد روي في خبر ميمونة: "أنه ﷺ كان

стр. 1883

يقعد على فخذه اليسرى" (١). قيل: هذا حجتنا؛ لأنه إذا ترك رجله تحته؛ صار قاعدا على ساقه، وإذا أخرج رجله؛ صار قاعدا على فخذه. فإن قال: فقد قال لأنس: "فاجعل عقيبك تحت إليتك" (٢). قيل: هذا الإقعاء المنهي عنه، وأنتم ونحن لا نقول به، ولعله كان قبل أن ينهى عنه، كذا ينبغي لولا أنهم كانوا يفعلونه لم ينهوا عنه. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٣٥): عند مالك (٣) وأبى وأبي حنيفة أن التشهد الأخير ليس بفرض (٤)، وأنه سنة كالأول (٥).

стр. 1884

وعند الشافعي أنه فرض (١). وقد استدل أصحابنا بأشياء؛ منها: أنه ذكر قد رتب في موضع وقع عقيب فرض، فصار كالقراءة التي بعد فاتحة الكتاب. قالوا: وأيضا فإن التشهد الأول ليس بفرض، فالثاني مثله؛ لأنه من جنسه. وأيضا فإنه تجمعهما علة؛ وهو أنه ذكر يؤتى به على جهة التشهد في موضع جلوس. قلت أنا: وقد سبرت جميع ذلك فرأيته فاسدا، فأما القول بأنه ذكر قد رتب في موضع وقع عقيب فرض؛ فإن قراءة فاتحة الكتاب ذكر قد رتب في موضع وقع عقيب فرض، وهي واجبة على الإمام والمنفرد؛ لأنه ذكر رتب في قيام وقع عقيب تكبيرة الإحرام التي هي فرض، فانتقض ذلك. وأما القول بأن التشهد الأول ليس بفرض والثاني مثله لأنه من جنسه؛ فغلط أيضا؛ لأنه ليس إذا كان الجلوس واحدا وأحدهما مسنون أن يكون الذي هو من جنسه مسنونا مثله، ألا ترى أن تكبيرة الركوع مسنونة، وتكبيرة الإحرام مفروضة، وهي من جنسها، فسقط هذا أيضا. وأما العلة التي جمعتهما على الوجه المذكور؛ فإنه ينتقض بمسألة، وهي: أن الذي لا يقدر على القيام، ولا يحسن من القرآن إلا قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ

стр. 1885

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (١) الآية؛ فإنه فرض عليه أن يقرأها إذا صلى لنفسه، [وهو ذكر يؤتى به على جهة التشهد في موضع جلوس، وهو مع هذا فرض. والذي اعتمادنا عليه من الظاهر] (٢) هو ما روي في حديث ابن مسعود، وفي حديث الأعرابي أن النبي ﷺ قال: "فإذا رفعت رأسك من السجدة الأخيرة - بعد أن ذكر له الصلاة كلها - فاجلس، أو قل: التحيات لله" إلى آخر التشهد، ثم قال: "إذا فعلت هذا، أو قلت هذا؛ فقد تمت صلاتك" (٣). فخيره بين الجلوس أو التشهد، والتخيير بين الشيئين يدل على أن كل واحد منهما ليس بفرض في نفسه، فقامت الدلالة على فرض الجلوس، فسقط أن يكون التشهد واجبا. ومثل هذا لو أن رجلا قال "أحد عبديّ حر"؛ لم يجب العتق إلا في

стр. 1886

أحدهما، فإذا عين عتق أحدهما؛ صار هو الواجب، وسقط الوجوب في الآخر. فإن قيل: فقد روي أنهم كانوا يقولون: "السلام على الله" حتى قال لهم النبي ﷺ : "قولوا التحيات لله" (١). وهذا أمر ظاهره الوجوب. قيل: الأمر إذا ورد هذا المورد لم يقتض الوجوب عندنا؛ لأنه كالأمر الذي يرد بعد الحظر (٢)، مثل قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).

стр. 1887

فإن قيل: فقد قيل في حديث ابن مسعود: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك"، وذلك أنه قال: "علمني رسول الله ﷺ التحيات إلى أن قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"، ثم قال: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" (١)، فدل أنه إذا لم يفعل لم تتم صلاته. قيل: قد روينا عنه التخيير بين الجلوس وبين التشهد، وهذا زائد في الحكم، والفائدة فيه أكثر؛ لأنه إن اقتصر على الجلوس؛ جاز، فإن أضاف إليه التشهد؛ كان أكمل، فهو أوسع في الحكم لا محالة؛ لأنكم لا تجيزون الاقتصار على أحدهما. وعلى أن التمام مشترك بين الكمال وبين الواجب، فنصرفه إلى أنه أراد بالتمام أي قد كملت لا أنه أراد التمام الذي يكون بعد النقصان؛ لأننا قد اتفقنا على أن السلام الذي هو فرض قد بقي، فلم يحصل التمام على حقيقته، فصار التمام باتفاقنا منصرفا إلى غير حقيقته، فأنتم لا يمكنكم أن تصرفوا الجلوس إلى حال الكمال الذي هو الفضيلة لأنه فرض، ونحن يمكننا صرف الكمال والفضيلة إلى التشهد، فنحن أولى. ثم لنا ما يقضي على هذا، وهو القياس المحدد الذي اعتمدت أنا عليه، وهو أن هذا تشهد للصلاة في جلوس فيها، مع القدرة على القيام، وحفظ أم الكتاب، فهو غير واجب كالتشهد الأول. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا

стр. 1888

تَسْلِيمًا﴾ (١) فقالوا: "يا رسول الله! قد عرفنا (٣٣٥) الصلاة عليك، فكيف السلام عليك؟ قال: "قولوا: التحيات لله" (٢). وهذا أمر ظاهر الوجوب. وكذلك روي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله" (٣). قيل: قد بينا أن الأمر إذا جرى هذا المجرى؛ لم يكن عندنا واجبا، وخبر ابن مسعود فقد روينا عنه ما ذكرناه، وتكلمنا وخصصناه أيضا بالقياس لو تجرد وسلم ما ذكرتموه منه. فإن قيل: فقد روى أبو موسى الأشعري "أن النبي ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، وقال: "إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله" (٤). وقال ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على فلان" (٥).

стр. 1889

فبان بأنه صار مفروضا. قيل: أما خبر أبي موسى؛ فقد ذكر فيه أنه قال: "علمنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا"، فالنبي ﷺ كان يعلمهم فروض الصلاة وسننها، والتشهد من السنن التي علمهم إياها. وقول ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" (١)؛ لا نعرف هذه اللفظة، ولا يعرفها أحد يعرف (٢). ويجوز أن تعني قبل أن تفرض عليهم الشهادة بالصلاة على النبي ﷺ ، ألا ترى أنه قال: كنا نقول: "السلام على فلان" وليس هذا من حديث الصلاة في شيء. ويحتمل أن يكون معناه قبل أن يقدر علينا من جهة السنة (٣)؛ لأن الفرض التقدير (٤) بالدلائل التي ذكرناها. فإن قيل: فإن الجلسة ركن مقدر بذكر، فوجب أن يكون الذكر مفروضا كالقيام، ولأنها قعدة فيها ذكر فذكرها شبيه بها، كالتشهد الأول لما كان الجلوس له مسنونا؛ كان الذكر فيه مثله، ولما كان الجلوس الأخير مفروضا؛

стр. 1890

كان الذكر فيه مثله مفروضا. قيل: قولكم في القيام: "إنه ركن مقدر بذكره"؛ ليس الأمر كذلك عندنا، ولا عندكم أيضا؛ لأن المأموم يلحق الإمام راكعا فليس عليه من القيام غير الاعتدال، وليس فيه ذكر، ولا هو مقدر بذكره. فإن قيل: فهو في هذا الموضع مقدر بتكبيرة الإحرام. قيل: ليس هذا هكذا؛ لأنه إذا اعتدل قائما ثم كبر في انحطاطه الذي هو من جنس الركوع؛ أجزأه عن تكبيرة الإحرام، فعلمنا أن الاعتدال في القيام فرض، وليس مقدرا بذكره. على أن الجلسة الأخيرة لا نقول: إنها مقدرة بذكرها؛ لأننا إذا قلنا إن التشهد ليس بفرض؛ فالجلسة التي هي ليست له إنما هي للسلام فهي مقدرة به، فهما فريضتان، والتمادي للتشهد ليس بفرض. وقولهم: "إن القعدة فيها ذكر فذكرها شبيه بها"؛ فكذلك نقول: التمادي للتشهد شبيه به في السنة، فالجلسة الأولى هي للتشهد فهي مثله، والجلسة الأخيرة ليست للتشهد، وإنما التمادي للتشهد فهو مثله مسنون. وقد روي عن ابن [عمرو] (١) أن النبي ﷺ قال: "إذا رفع الإمام رأسه من آخر السجدة وقعد؛ فقد تمت صلاته" (٢).

стр. 1891

وهذا يؤيد ما ذكرناه أن الجلسة ليست للتشهد، وإنما هي للسلام. فإن قيل: فإن هذا الخبر متردد بين أن يكون ورد في الوقت الذي لم يكن التشهد فيه مفروضا، إذ فرض التشهد متأخر؛ بدليل ما روي عن ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض التشهد" (١). فإذا احتمل هذا؛ سقطت الحجة، وبين أن يكون واردا بعد فرض التشهد؛ فنقول: قوله: "قد تمت صلاتك"؛ لا يخلو من أن يكون على الحقيقة، وبإجماع الأمة ليس على الحقيقة؛ لأنه قد بقي عليه شيء لو طرأ الحدث قبله لفسدت الصلاة، فعلمنا أن الصلاة لم تتم حقيقة؛ لأنه قد بقي فرض من فرائضها، فصار معنى قوله: "فقد تمت صلاتك" أي قاربت التمام. قيل: أما الفصل الأول؛ فإنه يجوز أن يكون متقدما للتشهد؛ [لأن ابن عمرو روى في الإمام، والجماعة سنة بعد كمال الصلاة، وفروضها، وسننها] (٢)، ولا يلتفت إلى الاحتمال؛ لأن الظاهر اقتضى تمامها جملة إلا أن تقوم دلالة على إلحاق شيء آخر بها. فأما خبر ابن مسعود؛ فقد تكلمنا عليه، فهو أولى بالتقدم؛ لأن النبي ﷺ لم يبلغ إلى بيان حكم الإمام والمأموم في خبرنا إلا بعد الفراغ من حكم الانفراد. وأما الفصل الثاني وما ذكروه من الحقيقة؛ فهم أيضا قد احتجوا بخبر ابن مسعود، وفيه ذكر التشهد، وأنه قال له قبل السلام: "فقد تمت صلاتك" (٣).

стр. 1892

وبينا أنه أراد بالتمام الكمال، ولم يرد التمام حقيقة؛ لأن السلام قد بقي عليه، ولو طرأ عليه الحدث قبله؛ لفسدت الصلاة، فنحن وهم في التمام على طريقة واحدة إن كان بمعنى المقاربة، فنحتاج إلى دليل قاطع يدل على فرض التشهد كما دل على فرض السلام. على أننا نقول: إن الجلوس ركن في الصلاة لا يصلح لقراءة القرآن، فالذكر فيه مسنون مستحب؛ أصله الركوع والسجود. وبالله التوفيق. فصل (٣٣٦) فأما الصلاة على النبي ﷺ فمذهب مالك ﵀ أنه ليس بفرض في الصلاة (١). وبه قال أبو حنيفة (٢). وحكي عن ابن المواز أنه قال: هو واجب (٣). وبه قال الشافعي (٤). والمشهور عن أصحابنا أنه واجب في الجملة على الإنسان أن يأتي [بها مع] (٥) الشهادتين مرة في دهره، مع القدرة على ذلك (٦).

стр. 1893

والدليل على أنه ليس بفرض في الصلاة؛ جميع ما تقدم ذكره في سقوط وجوب التشهد الأخير. ولنا أن نبنيه على أن التشهد الأخير ليس بواجب، فإذا سلم ذلك؛ فلا فرق بينهما. ويجوز أن نستدل على هذا ابتداء بما ذكرنا من تلك الأدلة، وأنا أعيد بعضها هاهنا، وهو ما روي في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له في بعض الأخبار: "فإذا رفعت رأسك من السجدة الأخيرة فقد قضيت ما عليك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" (١). وهذا ظاهره يدل على سقوط الزيادة على ذلك إلا بدلالة. وفي بعضها: "وقعدت فقد تمت صلاتك" (٢). وفي بعضها: "علمه التشهد"، إلى قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (٣)، ثم قال: "إذا فعلت هذا [أو] (٤) قلت هذا فقد تمت صلاتك" (٥). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦)، وهذا أمر ظاهره الوجوب.

стр. 1894

قيل: هو كما قلتم، ولكن الأمر لا يقتضي إلا فعل مرة، ولا يقتضي التكرار إلا بدلالة (١). ويجوز أيضا صرفه إلى الندب بدلالة، وقد ذكرنا تعليم النبي ﷺ لابن مسعود والأعرابي، ولم يذكر فيه الصلاة عليه. وذكرنا القياس أيضا في التشهد فهو ينتظمه. ونقول أيضا: لو كانت مفروضة؛ لما أودعت فيما ليس بمفروض، وقد أودعت في التشهد الأول وجلسته ليست بفرض، ألا ترى أن القراءة لما كانت فرضا؛ لم تجعل في موضع مسنون. فإن قيل: فقد اتفقنا على وجوب التسليم، فيجب أن تكون الصلاة على النبي ﷺ واجبة، والمعنى فيه أنه يقع عقيب التشهد. قيل: هذا يفسد بالدعاء؛ لأنه يقع عقيب التشهد وليس بواجب. وأيضا فقد دللنا على أن التشهد نفسه ليس بواجب، فإذا لم يجب نفس التشهد وفيه: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"؛ لم تجب الصلاة عليه في هذا الموضع. فإن قيل: فإن [ابن عمر] (٢) روى أنه أتى النبي ﷺ رجل فقال: "يا

стр. 1895

رسول الله! أما السلام عليك فقد عرفناه، كيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي". وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: ألا أهدي لكم هدية؟ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال قولوا "اللهم صل على محمد … " (١). وهذا لفظ أمر ظاهره الوجوب إلا أن تقوم دلالة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ما خرج هذا المخرج لا يكون واجبا (٢)، لأنهم قد يسألونه كيف يقولون السنن كما يسألونه عن الفروض، فيجيبهم عن ذلك.
следующие страницы →